المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصص خيالية للاطفال



الصفحات : [1] 2

Nadine
26-04-2007, 06:55 AM
الثعلب المخدوع


أحس الثعلب بسعادة شديدة فقد امتلأت معدته عن آخرها .

ما ألذ تلك الأوزة.. هكذا كان يقول لنفسه وهو يسير بحذر وسط الغابة فقد هرب من أهل القرية بأعجوبة بعد أن سرق تلك الأوزة.


وفي الصباح سمع الثعلب صوت بعض الفلاحين يتحدثون ويضحكون.. فكر الثعلب قليلاً ثم قرر أن يقترب ليعرف ما يقولونه ولكن دون أن يشعروا به.

وبهدوء شديد اقترب منهم واختبأ خلف تل قريب.

سمع الثعلب حديث الفلاحين فقد كانوا يتحدثون عن رجل مخادع ويقولون إنه كالثعلب في مكره.

جلس الثعلب بعد رحيل الفلاحين يفكر في حديثهم ويسأل نفسه: لما وصف الفلاحون هذا الرجل بالثعلب. هل يحبون الثعلب فيصفونه به؟ .. وظل طوال الليل منشغل بهذا الحديث.

وفجأة قال لنفسه نعم .. مؤكد أن الفلاحين يعلمون مدى ذكائي ولذلك يحبونني ويصفون بعضهم بي ولو ذهبت إليهم لأكرموني وقدموا لي الطعام.


وفي الصباح ذهب الثعلب للقرية وسار في شوارعها يلوح للناس بيديه ويبتسم لهم ونسي أنه بالأمس سرق الأوزة منهم .. تعجب الناس من ذلك الثعلب !! .


ثم أقبلوا عليه فظنهم سيرحبون به إلا أنهم أوسعوه ضرباُ بالعصي ، وقذفه الأطفال بالحجارة .. فأسرع هارباً والجروح تملأ جسده وهو يقول لنفسه: لقد خدعني تفكيري ونلت ما أستحق جزاءاً لسرقاتي..

Nadine
03-05-2007, 08:39 AM
كانَتْ هُناكَ أَميرةٌ رائعةُ الجَمالِ. ماتَتْ أمُّهَا عندَ وِلادَتِها. كانَتِ الأَميرةُ لطيفةً جداً. وذاتَ شعرٍ ذهبيٍّ براقٍ.
أرادَ والدُها الملكُ ، في يومٍ منَ الأيامِ ، إجبارها على الزَّواجِ من أميرٍ لا تحبُّهُ، ففكَّرتْ بِخِطَّةٍ لإلغاءِ العُرسِ، و طلبتْ أنْ تُصنعَ لَهَا ثلاثةُ فساتينَ جديدةً، أحدُها يجبُ أَنْ يكونَ ذهبياً كالشَّمسِ، وثانيها يجبُ أَنْ يكونَ فِضِّيَّاً كالقَمرِ ، و ثالثُها يجبُ أَنْ يكونَ مُشِعَّاً كالنُّجومِ.
وَ طَلبَتْ أيضاً أَنْ يُصنَعَ لها مِعطفٌ من الفروِ ، بِقُبَّعَةٍ، و أَنْ يكونَ الفِراءُ مأخوذاً مِنْ جِلدِ أَلْفِ نَوْعٍ مِنَ الحيَوانَاتِ.
ظنَّتِ الأميرةُ أنَّ طلباتِها مُستحِيْلةَ التَّحْقِيْقِ، أَوْ أَنَّ تنفِيْذَها يَستغرِقُ وقتَاً طويلاً يتأخرُ بهِ حفلُ زفافِها المشؤُوْمِ.
لَكِنَّ والدَها الملِكُ الجبَّارُ سخَّرَ أَمْهَرَ الخيَّاطِيْنَ لتَجْهِيْزِ أَثْوابِها الثَّلاثةِ ، و طلبَ من صيَّاديهِ إحضارَ الفروِ مِنْ أَلْفِ نوعٍ منَ الحيواناتِ.
و لمْ يستغرِقِ الأَمرُ طويلاً، حتى صارتْ الفساتينُ و معطفُ الفراءِ جاهزين، و أصبحَ الزَّواجُ قريباً أكثرَ مِمَّا توقَّعَتِ الأميرةُ المِسكينةُ.
في اللَّيلِ، أفاقَتِ الأميرةُ سِرَّاً ، و فتحَتْ صندوقَ مُجَوهَرَاتِها وأخذَتْ مِنْهُ خاتَماً ذهبيَّاً، و قِرطاً ذهبياً أيضاً ،و كذلك عِقْدَاً ذهبيَّاً.
ثُمَّ أخذَتِ الثَّوبَ الذَّهبِيَّ الذي يُشبِهُ الشَّمسَ ، و الثَّوبَ الفِضيَّ الذي يُشبِهُ ضوءَ القَمرِ، والثَّوبَ المُشعَّ الذي يُشبِهُ ضِياءَ نُجومِ السَّماءِ ، و وضعَتْهُم فوقَ بعضِهِم بعضاً ،بعدَ أنْ طَوَتْهُم بِإِتقانٍ.
كانوا يسطَعُوْنَ و يَسحرُوْنَ ، حتَّى أَنَّهَا استَطَاعَتْ وضْعَهُم في قِشْرِةِ ثَمَرَةِ جَوْزٍ جَوْفَاءٍ، ثُمَّ ارتَدَت مِعطفَ الفِراءِ، و طَلَتْ وجهَهَا و يدَيْها بِهُبابِ الفَحمِ ، حتَّى لا يستطيعُ أحدٌ التَّعرُّفَ عليها، ثُمَّ تركَتْ قصرَ والدِها الملكِ الجبَّارِ.
سارَتِ الأميرةُ وحيدةً في الغاباتِ حتَّى تعِبَتْ، فنامَتْ في جوفِ شجرةِ دِلْبٍ كبيرةٍ طوالَ اللَّيلِ.
في اليَومِ التَّالي، كانَ الملكُ الشَّابُّ الذي يحكِمُ الغابةَ يصيدُ مع رجالِهِ، فوجدوا الأميرةَ النَّائمةَ، واتَّجهُوْا نحوَها.
عِندَما سمِعَتْ الأميرةُ نُباحَ كِلابِ الصَّيدِ ، ووقْعَ حَوَافرِ الخيلِ، استيقظَتْ خائِفةً ، وقالَتْ لَهُمْ:
- أَنَا فتاةٌ فقيرةٌ ، و يتيمةٌ ، خُذونِي معَكُمْ!"
فأخذَها الصَّيَّادُوْنَ معَهُم إِلى قصرِ الملِكِ ، وأسْكَنُوْهَا في غُرفةٍ صغِيرةٍ مُظلِمَةٍ ، تَقَعُ تحتَ السُّلَّمِ ، بعدَ أنْ ظنُّوْا أَنَّها غُرفةٌ مُنَاسِبةٌ لِفَتَاةٍ ذات وجهٍ و يدينِ مَطلِيَّتَينِ بالشُّحَّار.
كانَتْ تعملُ كثيراً في المطبخِ ، و كانَتْ تجلِبُ الماءَ ، والحطبَ، و تراقبُ نارَ الموقِدِ ، و تُنظِّفُ الرمادَ حولهُ.
في اللَّيلِ كانَتْ تبكي مُعظَمَ الوقْتِ في غُرفتِهَا الصَّغيرةِ المُظلِمَةِ.

في أَحدِ الأيَّامِ أُقيمَ احتفالٌ كبيرٌ في قصرِ ملِكِ الغابةِ الشَّابِّ،فقالَتِ الأميرةُ لكبيرِ الطبَّاخِينَ:
- هَلْ أَستطيعُ التَّفَرُّجَ على السَّيِّداتِ الجميلاتِ و السَّادةِ في القصرِ؟
قالَ كبيرُ الطبَّاخين:
- اذهبي لِنصفِ ساعةٍ فقطْ، ثُمَّ عُودِي لمُِراقبَةِ نارِ الموقِدِ، وإزاحةِ الرَّمادِ عنْهُ.
ذهبَتِ الفتاةُ المِسكينةُ إلى غُرفتِهَا ، و نظَّفَتْ نفسَهَا جيَّدَاً وأَزالَتِ الشُّحَّارَ عنْ وجهِهَا وَيديْهَا، ثُمَّ فَتحَتْ قِشْرَةَ ثَمَرَةِ الجَوْزِ ، وَسحَبَتْ مِنْهَا الثَّوبَ الذَّهَبِيَّ، و ارتدَتْهُ ، وَ نَشَرَتْ شَعْرَهَا الذَّهَبِيَّ علَى كتِفَيْهَا،وانْطَلَقَتْ إِلى قاعَةِ الاحتِفَالِ دونَ أنْ يعرِفَهَا أَحَدٌ.

أُعْجِبَ الملكُ الشَّابُّ بِها كثيراً، لأَنَّهَا كانتْ رائعةَ الجمالِِ، فرقَصَ معَهَا!
بعدَ انتِهاءِ الرَّقصِ تسلَّلَتْ راجِعَةً إِلى غُرفتِهَا الصَّغيرةِ ، و خَلَعَتْ ثَوْبَهَا الذَّهَبِيَّ ، و ارتَدَتْ بدلاً مِنْهُ مِعطَفَ الفراءِ، وسَوَّدَتْ يَدَيْهَا وَ وَجْهَهَا بِالشَّحَّارِ، وَبدَأَتْ تُزِيْلُ الرَّمادَ عَنِ النَّارِ، كَمَا أَمَرَهَا كبيرُ الطبَّاخِين و الطُّهاةِ.
أَرادَ كبيرُ الطبَّاخِينَ الفُرْجَةَ أَيضَاً فأَمَرَهَا بِتَسْخِينِ حِساءِ الملِكِ وحذَّرَها بِشِدَّةٍ قائِلاً: "سَخِّنِي حِسَاءَ الملِكِ جَيِّدَاً وَ حذَارِ أَنْ تَسْقٌطَ فيْهِ شَعْرَةٌ واحِدَةٌ، وَ إِلاَّ وَقَعْتِ في ورطَةٍ كبيرَةٍ! "
و هكذا سَخَّنَتِ الفَتَاةُ حِسَاءَ الملِكِ، وَنزَعَتْ خاتَمَهَا الذَّهَبَيَّ ثُمَّ وضَعَتْهُ فِيْ قَعْرِ صَحْنِ الحِسَاءِ.
احتَسَى الملِكُ الحِساءَ فَأُعْجِبَ بِهِ ، لأَنَّهُ لَمْ يكُنْ قَدْ تذَوَّقَ مِنْ قَبْلُ حِساءًا ألذَّ مِنْهُ، فأَنْهَى كُلَّ الحِساءِ ، وَ وَجَدَ في قَعْرِ الإِناءِ خاتَمَاً مِنَ الذَّهبِ الخَالِصِ، جميلَ التَّصْمِيمِ ، بديعَ المَنْظَرِ، فازدادَ إِعجابُهُ و عَجَبُهُ و سألَ: مَنْ طَبَخَ الحِساءَ؟
قال الطَّاهِي: أَنَا يا سيِّدِي!
قالَ الملِكُ: هذا غيرُ صحِيحٍ، فطَعْمُ هذا الحِساءِ ألَذُّ مِنْ طَعْمِ الحساءِ الذي تقومُ أَنتَ بِطَهْيِهِ !
عِندئِذٍ اعترَفَ الطاهي و هو نفسه كبيرُ الطبَّاخين، أَنَّ الفتاةَ المسكينةَ هي التي طَهَتْ الحِساءَ.
فطلبَ الملِكُ الفتاةَ و سأَلَهَا مَنْ تكونُ.
كانَ جوابُ الفتاةِ أَنَّها فقيرةٌ و يتيمةٌ وَ لا تنفَعُ لِشَيءٍ في الطَّبخِ.
ثُمَّ سَأَلَهَا إِنْ كانَتْ تعلمُ شَيْئَاً عَنْ وجودِ الخَاتَمِ الذَّهَبِيِّ في صحنِ الحِساءِ، فَهَزَّتْ كَتِفَيْهَا و لَمْ تُجِبْ.
بعدَ عِدَّةِ أَسابِيْعٍ، أُقِيمَتْ في القَصْرِ حَفْلَةٌ ثانِيةٌ، فطلبَتِ الفتاةُ ثانيةً من الطَّاهِي، أَنْ تَذْهَبِ للفُرْجَةِ على الحَفْلِ، فقالَ لَهَا:
- حَسَنَاً ، اذهَبِي لِنِصْفِ ساعةٍ فَقَطَ، ثُمَّ عُودي بعدَ ذلِكَ لطهْيِ حِساءَ الملِكِ ، فهو يُحِبُّ الحِساءَ الذي تَطهينَ.
و هكذا رَكَضَتْ الفتاةُ إِلى غُرفتِها الصَّغيرةِ ، و غسلَتْ وجهَهَا ويديهَا جيِّداً ، ثُمَّ فتَحَتْ قِشْرَةَ ثَمَرَةِ الجَوزِ، وَسَحَبَتْ مِنْهَا الثَّوبَ الفِضيَّ و ارتَدَتْهُ.
عِنْدَمَا رَآهَا الملِكُ ثَانِيَةً سُرَّ بِهَا كَثِيرَاً، وَ رَقَصَ معَهَا كَثِيرَاً حتَّى انتَهَى وقتُ الرَّقْصِ. عندَئِذٍ تسلَّلَتْ إِلى غُرفتِهَا الصَّغيرةِ، و خَلَعَتْ الفُسْتانَ الفِضيَّ وَارْتَدَتْ بدَلاً مِنْهُ مِعْطَفَ الفِراءِ المؤَلَّفَ منْ أَلفِ قِطعَةٍ مُختَلِفةٍ منْ فِراءِ حيواناتٍ الغابةِ، ثُمَّ طَلَتْ وجهَهَا و يدَيْهَا بِهُبَابِ الفحمِ كالعادةِ، وَ خرجَتْ إِلى المطبخِ فَأَعدَّتْ الحِساءَ للملِكِ ، وَ وضعَتْ في أَسفَلِ إِناءِ الحِساءِ أَقراطَهَا الذَّهبِيَّةَ.
لمَّا وجدَ الملِكُ أَقراطاً ذهبيَّةً في قعرِ إِناءِ الحساءِ، أَرسلَ يطلبُهَا وسأَلَهَا إِنْ كانَتْ تعلمُ شيئاً عن الذَّهبِ في حِسائِهِ، فأَجابَتْهُ كالسَّابقِ أّنَّهَا فتاةٌ فقيرةٌ يتيمةٌ و لا تنفعُ لشيءٍ في الطَّبْخِ و لا تعلمُ شيئاً عنْ أَقراطِ الذَّهبِ.
بعدَ ذلكَ بِوقتٍ قصيرٍ أَمرَ الملِكُ بإِقامةِ سهرةٍ في قَصرِهِ، فاسْتعدَّتْ الفتاةُ ، ونظَّفَتْ نفْسَهَا جيِّداً وَ فتحَتْ قِشْرَةَ الجوزِ ، وَ سحبَتْ مِنْهَا الفستانَ البرَّاقَ كنُجومِ السَّماءِ، وَ ارتَدَتْهُ، مِمَّا أَثارَ إِعجابَ الملِكِ ، وَ جعلَهُ في غايةِ السَّعادَةِ، فَأَمسَكَ يدَهَا وَ ضغطَ علَيْهَا بقُوَّةٍ و هوَ يقودُهَا للرَّقْصِ.
و عندَمَا لاحَظَتْ أَنَّ أَحَدَاً لا ينْتَبِهُ إِلَيْهَا وضعَتْ خَاتَمَاً ذهبِيَّاً في إِصبَعِهَا.
هذهِ المرَّةُ تأَخَّرَتْ بالعودةِ إِلى غرفتِها، وكانَ الوقتُ ضيِّقَاً جِداً لِنَزعِ فستانِها الرَّائِعِ الجمالِ و ارتداءِ معطفَ الفراءِ، فاضطَرَّتْ لارتداءِ معطفِهَا فوقَ الفستانِ المُشِعِّ كنجومِ السَّماءِ، و لَمْ تدهنْ أيضاً كاملَ وجهِهَا و يديْهَا بِهُبَابِ الفَحْمِ( الشُّحارِ) فبقيَ أحدُ أصابِعِهَا أَبْيَضَاً كالثَّلْجِ ، و بقيَ فيهِ الخاتمُ الذَّهبِيُّ الذي نسيَتْ أِنْ تخْلَعَهُ، وَ أَسرعَتْ لإِعدادِ طبقِ الحساءِ كالعادةِ، و هذه المرَّةُ وضعَتْ عِقدَها الذَّهبِيَّ في قعرِ طبقِ الحساءِ.
عندَما انتَهى الملكُ مِنْ تناوُلِ الحساءِ
وَ وجدَ العِقْدَ في أسفلِ الإِناءِ ،أرسلَ يطلبُ الفتاةَ فحضرَتْ أمامَهُ ، و لاحظَ بِسُرعةٍ إِصْبَعَهَا الأَبْيَضَ و الخاتمَ الذَّهبيَّ.
وضعَ الملِكُ يدَها بيدِهِ و حاولَ نزعَ الخاتمَ مِنْ إِصبعِهَا فانزاحَ قليلاً مِعطفُ الفِراءِ عن فستانِها المشعِّ الذي ملأَ المكانَ ضياءً و نوراً كالنجومِ. فخلعَ الملكُ عنها معطفَ الفِراءِ ،و لاحظَ كَمْ هي جميلةً وجذَّابَةً بشَعرِها الذَّهبِيِّ ، و ثوبِهَا البرَّاقِ، فوقعَ بحبِّها في الحالِ، عندئذٍ غسَلَتْ وجهَهَا ويَديْهَا ، فبدَتْ أكثرَ جمالاً مِمَّا كانتْ عليهِ منْ قبل.
عندَما رآهَا الجميعُ قالوا أَنَّهَا أميرةٌ حقيقيةٌ ، فحكَتْ قِصَّتَها بالتفصيلِ للملِكِ المُعجَبِ بِهَا .
بعدَ بضعةِ أيَّامٍ أَقامَ الملكُ احتفالاً كبيراً بمناسبةِ زواجِهِ بِها وعاشَا حياةً رغيدةً سعيدةً مليئةً بالرَّغَدِ و الحُبِّ.

فشلان
03-05-2007, 10:25 AM
إن شاء الله يضل هالمنتدى لحد ما يجيني ولاد.. منشان احكيلن قصص ببلاش...

ولك لوووووووووووووووووووووول يا أخت نادين...

Nadine
03-05-2007, 10:33 AM
إن شاء الله يضل هالمنتدى لحد ما يجيني ولاد.. منشان احكيلن قصص ببلاش...

ولك لوووووووووووووووووووووول يا أخت نادين...

حيرتني معك هلأ قلت ما بدك تتزوج كيف بدك تجيب ولاد

لازم تسمي حالك المحير المحتار مافي حدا مشارك بهالاسم لووووووووول

فشلان
03-05-2007, 10:39 AM
ولك شو عم تلاحقيني إنت على الكلمة... هلأ أنا قلت ما بدي اتزوج.. بس لما برجع بشوف الفشلانة.. فيني قول ما بدي اتزوج... شو مفكرين حالكن حبة وحبتين إنتو النسوان؟؟؟ آ والله محمصة بكاملها إنتو.... عندكن مغناطيس بيلقط عن بعد عشرطعشر ألف كيلو...

الله يعينا عليكن يا رب...

Nadine
07-05-2007, 10:44 AM
كان بندر محبوبا في مدرسته عند الجميع من أساتذة وزملاء ، فإذا استمعت الى الحوار بين الأساتذة عن الأذكياء كان بندر ممن ينال قسطا كبيرا من الثناء والمدح
سئل بندر عن سر تفوقه فأجاب :أعيش في منزل يسوده الهدوء والاطمئنان بعيدا عن المشاكل فكل يحترم الاخر ،وطالما هو كذلك فهو يحترم نفسه وأجد دائما والدي يجعل لي وقتا ليسألني ويناقشني عن حياتي الدراسية ويطلع على واجباتي فيجد ما يسره فهو لايبخل بوقته من أجل أبنائه فتعودنا أن نصحو مبكرين بعد ليلة ننام فيها مبكرين وأهم شئ في برنامجنا الصباحي أن ننظف أسناننا حتى إذا أقتربنا من أي شخص لا نزعجه ببقايا تكون في الاسنان ، ثم الوضوء للصلاة. بعد أن نغسل وجوهنا بالماء والصابون ونتناول أنا وأخوتي وجبة إفطار تساعدنا على يوم دراسي ثم نعود لتنظيف أسناننا مرة أخرى ونذهب الى مدارسنا وإن كان الجميع مقصرين في تحسين خطوطهم فإني أحمد الله على خطي الذي تشهد عليه كل واجباتي..ولا أبخل على نفسي بالراحة ولكن في حدود الوقت المعقول ، فأفعل كل ما يحلو لي من التسلية البريئة
أحضر الى مدرستي وأنا رافع الرأس واضعا أمامي أماني المستقبل منصتا لمدرسي مستوعبا لكل كلمة، وأناقش وأسأل وأكون بذلك راضيا عن نفسي كل الرضا
وإذا حان الوقت المناسب للمذاكرة فيجدني خلف المنضدة المعدة للمذاكرة ، أرتب مذاكرتي من مادة الى أخرى حتى أجد نفسي وقد استوعبت كل المواد ، كم أكون مسرورا بما فعلته في يوم ملئ بالعمل والأمل

فشلان
07-05-2007, 05:15 PM
من وين بتعرفي عني كل هالشغلات؟؟؟؟ بس أنا اسمي فشلان مش بندر...

ولك دوووووووووووووووووووووووووع.... من وين جايبة هادى أه؟؟؟؟

Nadine
08-05-2007, 03:11 AM
من وين بتعرفي عني كل هالشغلات؟؟؟؟ بس أنا اسمي فشلان مش بندر...

ولك دوووووووووووووووووووووووووع.... من وين جايبة هادى أه؟؟؟؟

اها شفت قربنا نكتشف من هوا فشلان

nour
09-05-2007, 01:19 AM
هنيييييييئاً يا نادين للموقع وأولادك

Nadine
09-05-2007, 04:43 AM
شكرا لك اخت نور على المشاركة

Nadine
09-05-2007, 08:05 AM
معروف فلاح يعيش في مزرعته الصغيرة على شاطئ أحدى البحيرات ، تعود على عمله الذي أخذه عن والده ، وهو حرث الأرض وزراعتها وريها..اعتبر هذا العمل خدمة لوطنه الغالي الذي أعطاه الكثير ول يبخل عليه بأي شئ ..وكان معروف يتسلى بمظهر البحيرة التي تعيش فيها مجموعة طيور الأوز والبط ، وكانت أشكالها الجميلة وسباحتها في البحيرة مما تعود أن يراه يوميا وهذه هي تسليته الوحيدة...إنه لا يعرف الكسل ، فهو منذ الفجر يستيقظ نشيطا متفائلا..ولما كان عمله بدنيا فقد ازدادت صحته قوة وصلابة ، وأصبح يضاعف العمل في مزرعته ، فعرف أن زيادة الانتاج دائما تأتي بالعزيمة والايمان.وذات يوم وهو في مزرعته أثناء قيامه بشق الأرض ، إذا بصوت خافت يأتي من خلفه ، فاستدار فإذا هو ثعبان ضخم، فتخوف الفلاح وأراد الفرار ، ولكن الثعبان قال له: قف أيها الفلاح وأسمع حديثي لعلك تشفق عليّ ، وإن لم تقتنع فلا عليك ، أتركني ومصيري
فصعد الفلاح على ربوة وبسرعة حتى جعل البحيرة بينه وبين الثعبان من بعيد ، فقال الثعبان :إنني لم أضر أحدا في هذه القرية وقد عشت فترة طويلة فيها ، وانظر ستجد أبنائي خلف الشجرة ينتظرون قدومي بفارغ الصبر وانظر الى الراعي يريد أن يقضي عليّ بفأسه فخبئني حتى يذهب وسوف لا تندم على عملك ، فنزل معروف وخبأه في مكان لا يراه ذلك الراعي الذي ظل يبحث عنه هنا وهناك وغاب الراعي عن الأنظار وكأنه لم يجد فائدة من البحث عن الثعبان حيث اختفى، ولما أحس الثعبان بالأمان أخذ يلتف على معروف الذي أمنه على نفسه ، وجد معروف نفسه في ورطة كبيرة ، فالثعبان السام يلتف حول عنقه ، وحتى الصراخ لو فكر فيه لن يفيده فالمكان لا يوجد فيه أحد وخاصة أن خيوط الليل بدأت تظهر في السماء ، وأهالي القرية البعيدون عن كوخه ومزرعته تعودوا أن يناموا مبكرين ، ومن يغيثه من هذا الثعبان الذي يضغط على رقبته ويقضي عليه؟ وهل في الامكان لشخص ما أن يقترب؟المنظر رهيب ، وهل يصدق أحد أن أنسانا ما يسمع كلام الثعبان مثل معروف ويأمنه ويقربه اليه ؟ وهنا قال معروف للثعبان: أمهلني حتى أصلي - وفعلا توضأ وصلى ركعتين وطلب من الله سبحانه وتعالى أن يخلصه من هذا الثعبان المخيف الرهيب بضخامته وسمومه القاتلة وبينما هو كذلك إذا بشجرة قد نبتت وارتفعت أغصانها وصارت لها فروع ، فتدلى غصن تحب أكله الثعابين وتبحث عنه ، فاقترب الغصن الى فم الثعبان ، فأخذ الثعبان يلتهم الغصن وماهي الا دقائق حتى إنهار الثعبان وسقط وكانت الشجرة عبارة عن سم ، فقتل ذلك الثعبان الذي لم يوف بعهده مع من حماه ، وفجأة اختفت الشجرة المسمومة وعلم معروف أن الله قريب من الانسان ، وانه لابد أن يعمل المعروف مع كل الناس ، ومع من يطلب منه ذلك

Nadine
11-05-2007, 07:04 AM
كان الفتى تامر ينظر الى بعض الأولاد ، وأحدهم يمسك بقطة من رقبتها ليخنقها ، المسكينة تصيح وتستغيث. وكان الطفل يحكم قبضته حول رقبة القطة ، ويزيد من ضغطه عليها وأحيانا يحملها من ذيلها ويجعلها تتأرجح بين يديه ، والقطة تستنجد ، وكان هذا الطفل يقهقه بأعلى صوته مسرورا بما يفعله . وكان تامر هادئا لا يريد أن يفعل شيئا مضرا بزملائه.فكان اسلوب تعامله معهم أدبيا ، لأنه يرى أن المشاجرة لا تجدى نفعا ، وتقدم تامر الى الطفل..وطلب منه أن يكف عن أذى الحيوان ، وأفهمه أن لهذه القطة فوائد في المنزل ، وفي أي مكان وجدت فيه..فهي عدوة للفئران والحشرات الضارة ، فهي تقضي عليهم ولا تجعل لهم أثرا ، وأن من الواجب أن يترك الانسان الحيوانات وشأنها.لأنها أليفة ، وبالتالي لاتضر..ثم قال له:ماذا تستفيد من تعذيبها بهذا الشكل؟ وهي عاجزة عن المقاومة، وبحاجة الى رعاية ،وكانت القطة المسكينة تنظر الى تامر لعله يخلصها من اليد القابضة عليها ، وهنا رق الطفل وشكر تامرا على نصيحته الجيدة ، وأعترف بأن هذا فعلا حيوان لا يضر ، وقال لتامر: إنه لا يدري أن عمله هذا ردئ ، حيث أنه لم يسمع من أحد في البيت أو من أصدقائه ما سمعه من تامر ، وعاد تامر الى منزله ،وذات يوم ، قبل أن يأوي الى النوم..تذكر أنه يريد أن يشرب من الثلاجة الموجودة بالمطبخ ، فاتجه اليها ، وبعد أن شرب رأى نورا خافتا من جهة الباب الخارجي للمنزل ، فتذكر أن والده سيتأخر وأن عليه أن يغلق الباب ، وتقدم تامر ليغلق الباب وفجأة !!لاحظ شيئا ما أمام عينه يا الله..إنه ثعبان..وكان طويلا..فصرخ تامر فزعا.واخذ تامر يستغيث ويحاول أن يجد له مخرجا من هذا المأزق ، ولكن الطريق أمامه مسدودة ، فهو لايدري ماذا يفعل..واضطربت أنفاسه، وكاد يغمى عليه..وبينما هو في فزعه!!نظر حوله فإذا بالقط يمسك بذلك الثعبان بين أنيابه ، وقد قضى عليه ، وقد عرف تامر أن هذا هو القط الذي أنقذه ذات يوم من ذلك الطفل ، وقد أمتلأ جسمه ، وأصبح في صحة جيدة ، ونظر القط الى تامر..وكأنه يقول له:وانني أرد لك الجميل ياتامر :وعاد تامر بعد أن أغلق الباب الى غرفته يفكر..كيف أن فعل الخير يدخر لصاحبه..حتى يوّفى له..فتعلم درسا طيبا..وقرر أن تكون حياته سلسلة من الاعمال الخيرية.

فيصل
16-05-2007, 07:28 PM
طلب موسى عليه السلام يوما من الباري تعالي أثناء مناجاته أن يريه جلسيه بالجنة في هذه الدنيا
فأتاه جبرائيل على الحال وقال: يا موسى جليسك هو القصاب الفلاني . الساكن في المحلة الفلانيه
ذهب موسى عليه السلام إلى دكان القصاب فرآه شابا يشبه الحارس الليلي وهو مشغولا ببيع اللحم
بقى موسى عليه السلام مراقبا لأعماله من قريب ليرى عمله لعله يشخص ما يفعله ذلك القصاب لكنه لم يشاهد شئ غريب
لما جن الليل اخذ القصاب مقدار من اللحم وذهب إلى منزله . ذهب موسى عليه السلام خلفه وطلب موسى عليه السلام ضيافته الليلة بدون أن يعرّف بنفسه .. فأستقبله بصدر رحب وأدخله البيت بأدب كامل وبقى موسى يراقبه فرأى عليه السلام أن هذا الشاب قام بتهيئة الطعام وأنزل زنبيلا كان معلقا في السقف وأخرج منه عجوز كهله غسلها وأبدل ملابسها وأطعمها بيديه وبعد أن أكمل إطعامها أعادها إلى مكانها الأول . فشاهد موسى أن الأم تلفظ كلمات غير مفهومه
ثم أدى الشاب أصول الضيافة وحضر الطعام وبدأوا بتناول الطعام سويه
سئل موسى عليه السلام من هذه العجوز ؟
أجاب : هي أمي .. أنا أقوم بخدمتها ، فسأل موسى عليه السلام : وماذا قالت أمك بلغتها ؟؟
أجاب : كل وقت أخدمها تقول :غفر الله لك وجعلك جليس موسى يوم القيامة في قبته ودرجته
فقال عليه السلام : يا شاب أبشرك أن الله تعالى قد استجاب دعوة أمك رجوته أن يريني جليسي في الجنه فكنت أنت المعرف وراقبت أعمالك ولم أرى منك سوى تجليلك لأمك واحترامك وإحسانك إليها
وهذا جزاء الإحسان واحترام الوالدين.

Nadine
17-05-2007, 04:09 AM
مشكور اخ فيصل على المشاركة

Nadine
18-05-2007, 04:34 AM
الأَمِيْرَةُذَاتُ عَبَاءَةِ القَشِّ

في يومٍ مِنَ الأَيَّامِ ، كانَ هنَاكَ سيِّدٌ غَنِيٌّ جِدَّاً ، و كانَ لديهِ ثلاثُ بناتٍ.
في أَحدِ الأَيَّامِ ، أرادَ معرِفَةَ مَنْ مِنْهُنَّ تُحبُّهُ أَكثر!
سألَ البنتَ الأُولى :
" كمْ تُحبِّيني يا عزيزتي؟ "
أجابَتْ:
" أُحبُّكَ قَدْرَ محبَّتي لِنفسِي. "
قال:
" هذا جيِّدٌ. "
و سألَ البِنْتَ الثَّانيةَ:
" كمْ تُحبِّيني يا عزيزتي؟ "
أجابت :
" أُحبُّك أكثرَ من أَيِّ شخصٍ آخرَ في العالمِ."
قال:
" هذا جيِّدٌ. "
و سألَ البنتَ الثَّالثةَ:
" كمْ تُحبِّيني يا عزيزتي؟ "
أجابت:
" أُحبُّكَ قدْرَ ما يُحِبُّ اللَّحمُ المطهوُّ المِلحَ."

غضِبَ الأَبُ كثيراً ، و قالَ لابنَتِهِ الثَّالثةِ: "أَنتِ لا تُحبِّيني على الإطلاق! لذلك لنْ تعيشِيَ معي في هذا البيتِ بعدَ الآنَ، هيَّا اخرُجي من بيتِي و لا تعودي إليهِ ثانيةً. "

و هكذا طُرِدَتِ البنتُ الْمَسْكينةُ منَ البيتِ ، و خرجتْ بعيداً ، تَمشي بين الحقولِ ، تمشي ، و تمشي ، بين الحقول، حتَّى وصلَتْ إِلى ضفَّةِ نهرٍ جارٍ .

هناكَ جمعَتْ بعضَ القَشِّ ، و صنعَتْ مِنْهُ عَباْءَةً كبيرةً ذاتَ قُبَّعَةٍ ، و هكذا صارَ بِإِمكانِها تغطيةَ جسمِها منَ الرَّأْسِ حتى القدمَينِ بالقَشِّ الذي حاكَتْهُ بيديْها و غطَّتْ بِهِ ثوبَها الجميلَ ، حيثُ لا يمكنُ لأَحدٍ أَنْ يراهُ أَبداً.
ارتدَتِ الفتاة ُ النشيطةُ العباءَةَ ذاتَ القُبَّعةِ و تابعَتْ سيرَهَا طويلاً ، حتَّى وصلَتْ إِلى قَصرٍ كبيرٍ، تحيطُ بِهِ الحدائقُ الْخَضراءُ ذاتُ الأَزهارِ الجميلةِ الملوَّنَةِ.
دقًّتْ على البابِ و سَأَلَتْ :
" هلْ تُريدُون خادمةً؟ هل تحتاجُون خادمةً؟"
أَجابُوا :
" لا ، لا نحتاجُ خادمةً ."
فقالَتْ متوسِّلَةً:
" ليس لديَّ أَيُّ مكانٍ آخَرَ أَذهبُ إِلَيْهِ ،دعُوني أَعيشُ معَكُمْ أرجوكم ، أستطيعُ القيامَ بِأَيِّ عملٍ تريدونَ، و لا أُريدُ لقاءَ عملِي مالاً."
قالوا:
" حسناً ، يمكِنُكِ البقاءَ لدَينَا مقابلَ تنظِيفِ الأَواني والصحونَ."

و هكذا بقِيَتِ الفتاةُ عندَهُم تُنظِّفُ الأواني والصحونَ، و تُنَفِّذُ الأوامرَ للقيامِ بكافَّةِ الأَعمالِ الصَّعبَةِ الَّتي يطلبونَها منها .
و لأَنَّها لم تشَأْ إِخبارَهُم من هي و ما اسمُها ، أَطلَقُوْا عليها اسمَ " ذاتُ عَباءَةِ القَشِّ".

في أَحدِ الأَيَّامِ أُقِيمَ حفلٌ في قصرٍ آخرَ يبعَدُ قليلاً عنْهُم ، و سُمِحَ للخدمِ جميعاً ، و معَهُم ذاتُ عَباءَةِ القَشِّ بالذَّهابِ للفُرجَةِ على السَّيِّداتِ الغَنِيَّاتِ اللاتي يأتين بأَحلَى الفساتِينِ و أَجملِ الثِّيابِ يتباهَيْنَ بِجمالِهِنَّ وبملابِسِهِنَّ ،و على السَّادةِ الأَغنياْءِ الذين يأتون عادةً بكاملِ أناقَتِهم و يتحدثُوْنَ عَنْ ثَرْواتِهِم وأَعمالِهِمْ .
ادَّعَتْ ذاتُ عَباْءَةِ القَشِّ أَنَّهَا تَعِبَةٌ، و لا تستطيعُ الذَّهابَ إلى الحفلةِ ، فبقِيَتْ في البيتِ. و بعدما ذهبَ الجميعُ و أَصبحَتْ وحيدةً ، خلعَتْ عَباءَةَ القَشِّ ، و نظَّفَتْ نفسَهَا بشكلٍ جيَّدٍ ، ثم انطلقَتْ إِلى الحفلِةِ ، للرَّقصِ بفُستانِها الجميلِ ، الذي كانَ أَروعَ فُستانٍ في السَّهرَةِ.
رَآهَا ابنُ سيِّدِهَا و هو شابٌ مهذبٌ و وسيمٌ ،فوقعَ في حُبِّها منذُ أَوَّلِ لحظةٍ، ولم يرقصْ معَ فتاةٍ سواها في السَّهرةِ.

و قُبَيْلَ انتِهاْءِ الرَّقصِ بلحظاتٍ غادرَتِ المكانَ بِسُرعَةٍ ، وَ عادَتْ إِلى القصرِ ، وعندَما وصلَ الخدمُ ادَّعَتْ أَنَّها نائمةٌ.
في الصَّباحِ التَّالي ،قالت لها الخادماتُ:
" كان عليكِ مرافقَتَنَا ليلةَ الأمسِ إلى حفلةِ الرَّقْصِ ، يا ذاتَ عَباءَةِ القَّشِّ."
فسَأَلَتْهُم:
" لماذا توَجَّبَ عَلَيَّ الذَّهابُ معَكُم؟"
فقالُوْا:
" لماذا؟؟ لأَنَّ أَجملَ فتاةٍ في العالمِ كانَتْ هناك ، و لمْ يرفَعِ ابنُ سيِّدِنا عَينَيْهِ عنْها ، بلْ لَمْ يُراقِصْ فتاةً سِوَاهَا. "

قالت :
" إذن يَجبُ أَنْ أَراهَا ذاتَ يومٍ! "
قالُوْا:
" سَتُقَامُ حفلةٌ راقصةٌ أُخرى اليومَ أيضاً ، وقد تَأْتي إِلَيها ، فتَعالَي معنا لمشاهدتها ."

عندما جاءَ المساءُ ادَّعَتْ أَيضاً أَنَّها تَعِبَةٌ ولا تستطيعُ مرافَقَتَهُنَّ. و لكنْ بعد أَنْ أَصبحَتْ لِوحدِهَا في البيتِ ، خلعَتْ عَباْءَتَها ، ونظَّفَتْ نفسَهَا جيِّداً ، و ارتدَتْ فُستانَهَا الجميلَ ، ثُمَّ انطلقَتْ إِلى الحفلةِ الرَّاقِصَةِ.
مرَّة أُخرى رَقَصَ معها ابنُ السَّيِّدِ و لَمْ يرفعْ عَينَيْهِ عنْهَا، و قُبَيْلَ انْتِهاءِ الرَّقص تسلَّلتْ خارجاً ، و عادَتْ إلى القصرِ بِسُرعةٍ .
عادَت الخادماتُ و وَجَدْنَهَا نائمة!
كانت تدَّعي أَنَّها نائمةٌ بالطَّبْعِ.
في صباحِ اليومِ التَّالي ، قالت لها الخادماتُ ثانيةً:
" كانَ عليكِ مرافقَتَنَا إلى حفلةِ الرَّقصِ يا ذاتَ عَباْءَةِ القَشِّ كي تُشاهدِي السَّيِّدةَ الجميلةَ ، لقد كانَتْ هناكَ اليومَ أيضاً، يا لها مِنْ فتاةٍ رائعةِ الجمالِ! لذلك لَمْ يرفعِ ابنُ سيِّدِنا عينيه عنْها لحظةً واحدةً ، و لَمْ يُراقِصْ سوَاهَا."

قالَتْ ذاتُ عَباءَةِ القَشِّ:
" كانَ عليَّ الذَّهابُ حقاً ، و لكنْ ما العمل؟"

قالتِ الخادماتُ :
" حسناً ، ستُقامُ عند هذا المساءِ حفلةٌ أُخرى أَيضاً ، وقد تحضرُها تلكَ السَّيِّدَةُ الجميلةُ. "

عندَ المساءِ ، قالَتْ ذاتُ عَباْءَةِ القَشِّ أنَّها تَعِبَةٌ كالعادةِ ، و بقِيَتْ في البيتِ، و عندما ذهبَ الجميعُ، خَلَعَتْ عَباْءَةَ القَشِّ ، ونظَّفَتْ نفسَها جيِّداً ثُمَّ ارتَدَتْ فُستانَها الجميلَ، و انطلقَتْ إِلى حفلةِ الرَّقصِ.

كان ابْنُ السَّيِّدِ صاحبِ القصرِ الذي تعيشُ فيه سعيداً جِدَّاً لرُؤْيَتِهَا ،فلم يرقصْ مع فتاةٍ سِواها، و لمْ يرفعْ نظرَهُ عنْهَا لحظةً واحدةً.

سَأَلَهَا مَنْ تكونُ و مِنْ أَينَ هي ، فلمْ تُجِبْ، أَعطَاهَا خاتَمَهُ الخاصَّ ،و قال لها:
" إِذا لَمْ أَرَكِ مرَّةً أُخرى سَأَموتُ منَ القهرِ بالتأكيد! "

قبيلَ انْتهاءِ الرَّقصِ تسلَّلتْ ذاتُ عباْءَةِ القَشِّ دون أَنْ يرَاْهَا أَحدٌ ، عاْئِدةً إلى القصرِ وارتدَتْ عَباءَةَ القَشِّ ، و عندَما وصلَتِ الخادماتُ ادَّعَتْ أَنَّها نائمةٌ.

في صباحِ اليومِ التَّالي ، قالَتْ لها الخادماتُ: " لَمْ تذْهَبِي ليلةَ الأمسِ إلى حفلةِ الرَّقصِ يا ذاتَ عباءَةِ القَشِّ ،و لنْ يُمكِنَكِ بعدَ الآن رُؤْيةَ السَّيِّدةِ الجميلةِ ، لأَنَّه لَنْ تُقامَ حفلةٌ بعدَ الآن. "

قالت :
" في الحقيقةِ كانَ عليَّ الذهابُ لرُؤْيتِها."

قامَ السَّيِّدُ الإبنُ بالتَّفتيشِ عَنْها في كلِّ مكانٍ ، لكنَّه لمْ يَعثُرْ علَيْهَا. سألَ جميعَ النَّاسِ الَّذينَ قابَلَهُم عنها دونَ فائِدةٍ ، فمرِضَ مرضاً شديداً ، و ساءَتْ حالتُهُ الصِّحِّيَّةُ يوماً بعدَ يومٍ ، حتَّى سقَطَ طريحَ الفِراشِ مِنْ شِدَّةِ الحُمَّى. فطلَبُوْا مِنَ الطَّاهِيِ إِعدادَ طبَقٍ مِنَ الكِشْكِ له.

كانَ الطَّاهي يقولُ و هُو في طريقِهِ إلى المطبخِ:
"إِنَّهُ يموتُ بسببِ حُبِّه لِتلكَ السَّيِّدَةِ الفاتِنَةِ."

سَمِعَتْهُ ذاتُ عباءَةِ القَشِّ فسأَلَتْهُ :
" ماذا ستطْهُوْ؟"

أَجابَ:
"سَأَطْهُو بَعضَ الكِشْكِ(1) للسَّيِّدِ الشَّابِّ ، إنَّه سيموتُ بسببِ حُبِّهِ لِتلكَ السَّيِّدَةِ الشَّابَّةِ."
قالت له:
" دعْنِي أَفعلُ ذلِكَ بدلاً عنْكَ. "

وافقَ الطَّاهي ، فَأَعدَّتْ ذَاتُ عَباءةِ القَشِّ الكِشْكَ اللَّذيذَ المطبوخَ على فِراخِ الحمَامِ، وأَخذَتِ اْلخاتَمَ الَّذي وهَبَه لها سابقاً ، ووضعَتْهُ خِلْسةً (2) في طبقِ الكِشْكِ ، ثمَّ أَرسلَتِ اْلطَّعامَ معَ الطَّاهي إِلى غُرفَةِ السَّيِّدِ الشَّابِّ المريضِ.

أُعجِبَ السَّيِّدُ الشَّابُّ - رغمَ مرضِهِ- بالطَّعامِ اللَّذيذِ، فتناولَهُ حتَّى آخرِهِ، و حينَ انتَهَى مِنْهُ لاحظَ الخاتمَ ، فتعجَّبَ و استَدْعَى (3)الطَّاهي بِسُرعةٍ، و فورَ وصولِهِ، بادرَهُ (4) بالسؤال:
" مَنْ أَعَدَّ الطَّعامَ؟"

ظَنَّ الطَّاهي أَنَّ الطعامَ غيرُ لذيذٍ ، و لم يُعجِبْ سيِّدَهُ ،و خشِيَ العُقوبَةَ ،لأَنَّهُ سمَحَ لِذاتِ عَباءَةِ القَشِّ بِإِعْدَادِهِ، فارتَعَشَتْ يداهُ ، و رجلاهُ و اصطكَّتْ أَسنانُه من الخوفِ ،و هو يقولُ مُتَلَعْثِمَاً بِصوتٍ مُرْتَجِفٍ:
" أَ..أَ..أَنَا يا..يا.. سيِّدِي! "
نَظَرَ السَّيِّدُ بِغَضَبٍ و قال:
" قُلْ بِصَرَاحَةٍ ، مَنْ أَعَدَ طبَقَ الطَّعامِ ولَنْ أُعَاقِبَكَ. "

قالَ الطَّاهي و قَدْ شَعَرَ بِشَيْءٍ مِنَ الطُّمَأْنِيْنَةِ:
" حسناً ياسيِّدي.. إِنَّها ذاتُ عَباءَةِ القَشِّ."

قالَ السَّيِّدُ الشَّابُّ:
" حسناً ، أَحْضِرْهَا إِلى هُنَا فوراً."

و جاءَتْ ذاتُ عَباءَةِ القَشِّ ، فَسَأَلَها السَّيِّدُ:
" أَأَنْتِ طَبَخْتِ الكِشْكَ يا ذاتَ عباءَةِ القَشِّ؟ "
أَجابَت:
" نعم."

سأَلَها ثانيةً:
"مِنْ أَينَ حصلْتِ على هذا الخاتمِ؟ "

أَجابَتْ:
"مِنَ الرَّجُلِ الذي أَعطَانِي إِياهُ."

سألَ السيِّدُ الشَّابُّ مُستغرِبَاً:
"إِذنْ مَنْ أَنْتِ؟"

قالَتْ بِدَلَعٍ:
" سَأُرِيْكَ مَنْ أَنا."
و خلعَتْ عَباءَةَ القَشِّ ، و ظهرَتْ بِفُستانِها الجميلِ، و عرِفَ لِلتَّوِّ أَنَّها السَّيِّدَةُ الشَّابَّةُ الَّتي تعلَّق قلْبُهُ بِها.

و تعافَى السَّيِّدُ الشَّابُّ منْ مرضِهِ شيئَاً فشيئاً، و قرَّرَ إِقامةَ حفلِ زفافٍ عظيمٍ خلالَ فترةٍ قصيرةٍ ، و دَعَا إِلَيْها العديدَ منَ النَّاسِ، منَ الْمُدنِ والقُرى القَريبَةِ و البعيدَةِ ،لِحُضورِ العُرسِ ، و كانَ والِدُ ذاتِ عَباءَةِ القَشِّ مِنَ المدعُوِّينَ أيضاً.

قبلَ إِعدادِ مائدةِ الطَّعامِ الكبيرةِ ، و بعدَ أنْ عرِفَتْ ذاتُ عباءَةِ القَشِّ بِوُجودِ والِدِها ، ذهبَتْ إِلى كبيرِ الطُّهاةِ و قالَتْ له:
" أَرجوكَ ، لا تضعْ مِلْحَاُ على أَيِّ طبقِ لحمٍ في الطَّعامِ."
أَجابَ كبيرُ الطُّهاةِ بِدَهشَةٍ:
" لكِنْ في هذِهِ الحالِ(5) لَنْ يكونَ لِلطَّعامِ أَيُّ مذاقٍ !"
قالَتْ :
" لا يَهُمُّ ، فقط افعَلْ ما طلَبْتُهُ منْكَ."

قالَ:
" كما تَشَائِينَ يا سيدتي!"

]

Nadine
18-05-2007, 04:35 AM
و هكذا بدأَ الضُّيوفُ بِتناولِ الطَّعامِ الخالي مِنَ الملحِ ، فلمْ يَجِدُوا لَهُ طَعْمَاً ، و لا مَذَاقَاً مقبولاً.
جرَّبَ والدُ ذاتِ عباءةِ القَشِّ طبَقَاً مَنَ اللَّحمِ ، فلَمْ يجدْ له طعْمَاً لذيذاً ، و لا مذاقاً مقبولاً، ثُمَّ جَرَّبَ تناوُلَ شيءٍ ما مِنْ طبَقٍ ثانٍ ، ولمْ يجدْ أيضاً له طعماً لذيذاً أَوْ مذاقاً مقبولاً ، و جرَّبَ طبقاً ثالثاً ،و لم يجدْ له أيضاً طعماً لذيذاً أو مذاقاً مقبولاً ، فاكْتَشفَ أَنَّه لم يُضَفْ مِلْحٌ على أَيِّ طبَقٍ منْ أَصنافِ الطَّعامِ الملِيْئَةِ بِاللَّحمِ بِكافَّةِ طُرُقِ طَهْيِهِ. فوضَعَ رَأْسَهُ بين كَفَّيْهِ ، و بدَأَ يبكِي بِصوتٍ عالٍ ، مِمَّا فاجَأَ الجميعَ ، حتَّى أَنَّهُم نَسُوْا مُشكِلَةَ الطَّعامِ غيرِ الْمُمَلَّحِ إطلاقاً،

أَسرَعَ إِلَيْهِ السَّيِّدُ الشَّابُّ و سَأَلَهُ:
" ما الأمرُ؟ قلْ لِيْ بِالله عليكَ، أَخفتنا يارجل!"

قالَ و هوَ يندِبُ(6) كأُمٍّ فقَدَتْ طِفلَهَا: " أَوَّاهُ ، أَوَّاهُ، يا لِتعاسَتِي و شقاْئِي، كان لي ابنةٌ سأَلْتُها يوماً كمْ تُحِبُّني ، فقالت :" أُحِبُّكَ بقدْرِ ما يُحِبُّ اللحمُ المطهْوُّ الْمِلْحَ" فطردْتُها من البيتِ ، لأَنَّني ظنَنْتُ أَنَّها لا تُحبُّني، و الآنَ فقط ، اكتشفْتُ أَنَّها كانَتْ تُحِبُّني أَكثرَ مِنْ أَختيها، انظروا جميعاً، أَلَمْ تَجدُوْا أَنَّ اللَّحمَ لا يُؤْكَلُ و ليس لذيذاً بدونِ مِلْحٍ، آهِ يا ابنتي أَينَ أَنْتِ الآنَ ، رُبَّما تاهَتْ في البراري أوِ الغاباتِ أو أكلَتْها الوحوشُ، آه يا ابنتي أينَ أَنتِ الآنَ!"

سَمِعَتْ ذاتُ عباءَةِ القّشِّ كلامَ والدِهِا فأَسرعَتْ إِليهِ و هي تَهتِفُ بينَ الحُضُورِ:
" لا ، لمْ تأْكُلْهَا الوحوشُ ، إِنَّها هُنا يا أَبِي ، إنها أنا."

و هرَعَتْ إِلى أَبِيها و عانقَتْهُ بِحُبٍّ كبيرٍ ، وضمَّها إِلى صدرِهِ، و باركَ زواجَهَا من السَّيِّدِ الشَّابِّ.
و هكذا عاشَ الجميعُ بِحُبٍّ و سعادةٍ.

Nadine
29-05-2007, 06:56 AM
كان سمير يحب أن يصنع المعروف مع كل الناس ، ولايفرق بين الغريب والقريب فــي معاملته الانسانية .. فهو يتمتع بذكاء خارق وفطنة . فعندما يحضر الى منزله تجده رغم عمره الذي لا يتجاوز الحادية عشرة .. يستقبلك ، وكأنه يعرفك منذ مدة طويلة .. فيقول أحلى الكلام ويستقبلك أحسن استقبال وكان الفتى يرى في نفسه أن عليه واجبات كثيرة نحو مجتمعه وأهله ، وعليه أن يقدم كل طيب ومفيد . ولن ينسى ذلك الموقف العظيم الذي جعل الجميع ينظرون اليه نظرة إكبار .. ففي يوم رأى سمير كلبا يلهث .. من التعب بجوار المنزل . فلم يرض أن يتركه .. وقدم له الطعام والشراب وظل سمير يفعل هذا يوميا ، حتى شعر بأن الكلب الصغير قد شفيّ ، وبدأ جسمه يكبر ، وتعود اليه الصحة . ثم تركه الى حال سبيله .. فهو سعيد بما قدمه من خدمة إنسانية لهذا الحيوان الذي لم يؤذ أحدا ولا يستطيع أن يتكلم ويشكو سبب نحوله وضعفه . وكان سمير يربي الدجاج في مزرعة أبيه ويهتم به ويشرف على عنايته وإطعامه وكانت تسلية بريئة له
.
وذات يوم إنطلقت الدجاجات بعيدا عن القفص واذا بصوت هائل مرعب يدوي في أنحاء القرية وقد أفزع الناس. حتى أن سميرا نفسه بدأ يتراجع ويجري الى المنزل ليخبر والده . وتجمعت الأسرة أمام النافذة التي تطل على المزرعة .. وشاهدوا ذئبا كبير الحجم ، وهو يحاول أن يمسك بالدجاجات و يجري خلفها ، وهي تفر خائفة مفزعة وفجأة .. ظهر ذلك الكلب الذي كان سمير قد أحسن اليه في يوم من الأيام .. و هجم على الذئب وقامت بينهما معركة حامية .. وهرب الذئب ، وظل الكلب الوفي يلاحقه حتى طرده من القرية وأخذ سمير يتذكر ما فعله مع الكلب الصغير وهاهو اليوم يعود ليرد الجميل لهذا الذي صنع معه الجميل ذات يوم ، وعرف سمير أن من كان قد صنع خيرا فإن ذلك لن يضيع .. ونزل سمير الى مزرعته ، وشكر الكلب على صنيعه بأن قدم له قطعة لحم كبيرة ..جائزة له على ما صنعه ثم نظر الى الدجاجات ، فوجدها فرحانة تلعب مع بعضها وكأنها في حفلة عيد جميلة

Nadine
01-06-2007, 11:25 AM
خرجت الفأرةُ الرماديّةُ من حُجْرِها، ثمّ ركضَتْ نحوَ بَيْتِ المؤونة، ولكنّها لمْ تكدْ تقترب من الباب حتى وجدت الهرَّ " فلفل" نائماً هناك، فتراجعت مذعورةً، ولم تدرِ إلى أين تذهب، فقد شعرت بالجوع..‏

كانت غرفة المكتبةِ مفتوحةً على مصراعيها فقفزت الفأرة الرماديّة سريعاً، وجدت نفسها بين رفوف الكتبِ والمؤلّفات والمعاجم والقصصِ والمجلاّت..‏

بدتِ الصفحاتُ لذيذةً هشّةً، والفأرةُ تقرضُ أطرافها.. ضحكتْ وقالتْ لنفسها:‏

- كم يتعبُ الإنسانُ في تأليفِ الكُتُبِ، وكم يُجهدُ نفسه في سبيل إخراجها ونشرها ! وها أنذا هُنا أَقْرضُها بهدوءٍ..‏

بدأت الفأرة الرماديّةُ بكتابِ الجغرافية، قَرَضَتْ بعضَ صفحاته، حدّثتْ نفسها:‏

- الجغرافيةُ ضروريةٌ، علمُ البلدان ومعرفةُ الأوطان، الخرائطُ والمصوّرات، البحارُ والمحيطات.. كلُّها مفيدةٌ.. ها.. ها.. ها..‏

انتقلتْ إلى ديوان شعر..‏

- وهذه الأشعارُ، والكلماتُ المختارةُ، والأفكارُ المحلقةُ محطّةٌ للاسْتراحَةِ..‏

وقَرَضَتْ صفحتين مِنْهُ..‏

ثمَّ تحوّلتْ إلى قصّةٍ مُلوّنةٍ..‏

- هي ذي حكايةٌ مُمتعةٌ، ما ألذّها‍‍‍‍ ! لشَّد ما أهوى هذه الرسومَ الجميلةَ.. انظروا إلى هذا الولَدِ الذي يركض وراءَ الأرنبِ، قميصُه الأحمرُ غير ملوّثٍ، وكفّاهُ غيرُ ملطّخَتْين بالحبْر، يبدو أنّه مجتهدٌ في دروسِه، لأنّه لم يتركِ الكتابَ منْ يدهِ، يحبُّ النظافةَ والترتيبَ.. ها .. ها .. ها.. وكركرتْ ضحكتُها..‏

كانت الفأرة تقومُ بمهمَّتها بنشاطٍ وحيويّةٍ، تقرضُ وتقرضُ وهي تغنّي بين الصّفحات المرتجفةِ الخائفة:‏

ما أسعدَني، ما أسعدَني !‏

دِفءُ الأوراقِ يُصاحبني‏

والّليلّ الهادئُ يعرفُني‏

هذي الصفحات تُكركرني‏

ما أسعدني، ما أسعدني!..‏

وحينَ تركتِ الرفَّ الأخيرَ، قفزتْ إلى المنضدةِ المستديرة في وسطِ غرفةِ المكتبة. وكان هناك بعضُ مجلاّت الأطفالِ، وبعضُ الكتب، فتوقّفتْ تقلّبُ صفحاتها وهي ما زالتْ تغنّي وتضحكُ، ولم تُسمعْ في البيت الهادئِ إلاّ دقّاتُ الساعةِ في الصّالةِ..‏

فتحَ الهرُّ" فلفل" عينيه، وأرهفَ سمعهُ وأذنيه، كانتْ هناك خشخشةُ أوراقٍ وصوتُ غناءٍ، وضحِكٌ، وكركرةٌ؛ تلفّتْ يمنةً ويسرةً، فلم يجدْ شيئاً، غير أنَّهُ شمَّ رائحةَ الفأرة الرمادية، فسار على رؤوس أرجلهِ بخفّة ورشاقةٍ حتى أصبح أمام غرفةِ المكتبة...‏

كانت الفأرة قد بدأت تحكَّ أنفها بصور مجلّة الأطفال، وقد أثارتها الصفحاتُ الزاهيةُ والصّورُ الملوّنة.. صارت تُدغدغُ رأسَها وأذنَيها، وتُمرّغُ فمها وهي تغنّي..‏

ما أسعدني ما أسعدني!‏

عالمةً صرتُ مدى الزمنِ‏

دِفءُ الأوراقِ يُدغدغُني‏

والليلُ الهادئ يغمرُني‏

ومجّلةُ طفلٍ تعرفني‏

والصورُ الحلوة تسحرُني‏

ما أسعدني، ما أسعدني!‏

........‏

رفعت الفأرة رأسها عالياً، وفتحت ذراعيها ثم قالت:‏

- أنا، الآن، فعلاً، عالمةٌ بكلّ شيء، لقد اكتسبتُ كثيراً من المعارف والعلوم، صرتُ أفهمُ في الجغرافية، صرت أعرفُ الأشعارَ والقصائدَ، وها أنذا ألتهمُ القصصَ والحكايات..‏

سمع القطُّ" فلفل" ذلك.. وبقفزة واحدة صار أمامها. تماماً فوق المنضدة، نظرت الفأرة الرمادية إليه برعبٍ، وقد اهتزّ ذيلها كأنّما مسّهُ تيارٌ كهربائيّ..‏

كشف" فلفل" عن أسنانه البيضاء النّاصعة، وبدا شارباه جميلين وهو يقول:‏

- سأكونُ أكثرَ علماً منك، وأكثر معرفةً لو التهمتك على الفور يامغنّيتي الظريفة، ذاتَ الصوتِ السّاحر..‏

لكنّ الفأرة الرمادية، التي أحبّت مجلاّت الأطفال كثيراً، قفزت بعيداً عن القطّ " فلفل" واختبأت بين صفحاتها، ثم.. اختفتْ!!‏

قلّب" فلفل" كلَّ مجلّةٍ صفحةً صفحةً، بحثاً عنِ الفأرة المغنّية، فلم يعثر لها على أثرٍ.. قرأ الصفحاتِ ودقّقَ في زواياها وصُوَرِها، ولكنّه لم يجدْ شيئاً..‏

ولايزال" فلفل" ينتظرُ، صدورَ كلّ مجلّةٍ للأطفالِ. في كلِّ أسبوعٍ أو في كلِّ شهرٍ،لعلّهُ يعثرُ على الفأرةِ الرماديةِ المغنّية، ولايزالُ البحثُ جارياً..‏

Nadine
01-06-2007, 11:26 AM
كانَ الصّباحُ رائعاً.. والحياةُ بدأت في الغابةِ، الأشجارُ تتمايلُ بهدوء- وأغصانُها تتمطّى باسترخاء.. والعصافيرُ الملوّنة تنتفضُ في أعشاشِها فيلتمعُ ريشُها..‏

ثم لا تلبثُ أن تقفزَ إلى السّماءِ الزرقاء..‏

أمّا الأرانبُ البيضاءُ الصّغيرةُ؛ فقد انطلقتْ تنسلُّ هُنا وهناك بخفّةٍ ورَشاقةٍ تقضمُ الأعشابَ الطريّة، وتطاردُ الفراشاتِ. وتداعبُ الأزهار..‏

.. منْ بعيدٍ.. ظهرتْ عربةٌ عتيقةٌ، فوق الطريق المتعرّجة، يجرّها حمار هزيل، كانت تتأرجح بركّابها ذات اليمين وذات الشمال تثير وراءها سحابة من الغبار، وهي تقرقع بعجلاتها الخشبية، تنشر الضوضاء فيما حولها، وتعكّر صفو الصّباح الجميل..‏



توقّفت الأرانب، نشرت آذانها الطويلة تستطلع القادمين ، لكنّها ما لبثت أن هربت مذعورة تنادي الأمان، وطارت العصافير بعيدة في الفضاء، ثم اختفت عن الأنظار.. أيّ صباح هذا؟!‏

......‏

.........‏

بدت العربة تسير بتثاقل وضجيج، تئن وتصرصركأنما تشكو لسكّان الغابة حظها التعيس بل إنّها تتوقف بين الفينة والفينة، حسب مزاج الحمار الهزيل..‏

كان الحمار ينصب أذنيه إلى الأمام، ويسرح مستغرقاً في التفكير، وحين يفرقع السوط فوق رأسه يعضّ طرف الحبل، ويضرب الأرض برجليه ويحرن..‏

أيّة معاملة هذه التي يلقاها!!‏

عندئذ يبرز رأس أمّ سرحان العجوز الشمطاء، يرتفع نقيقها حادّاً غاضباً، كان ذلك هو صوتها الذي يشبه قوقأة الدجاج، إنّها تأمر الحمار أن يتابع المسير..‏

- هيّا.. هيّا، إلى الأمام، ياغندور..‏

لكنّ الحمار لم يكن يسمع ، لأنه لايبالي بهذا النقيق المزعج!..‏

هدوء الغابة يغريه بالتوقّف.. والتأمّل.‏

ما أطيب العيش هنا! ما أجمل الانطلاق في قلب هذه الغابة الساحرة! لا عربة يجرّها، ولا سوط يفرقع وراءه، ولا صراخ هذه العجوز المجنون.. لاتنقّل بين القرى، ولا تعب.. ولا جوع، ولا تشرّد..‏

ما أحلى أن ينعم بالحرية دون حدود، ينام كيفما يشاء، ويستيقظ حين يحبّ أن يستيقظ، يأكل ما يشتهي، ويتمرّغ فوق هذا العشب الغضّ، يستلقي حين يريد.. لقد سئم هذه الحياة، وملّ صحبة أم سرحان ونقيقها المتواصل، ملّ زوجها أيضاً، وحيواناتها، ملّ الألعاب التي يعرضونها على النّاس لقاء لقيماتٍ معدودة.. كره حياة التمثيل، والتصنّع، والتزييف، وطلاء الوجوه، وتبديل الأقنعة، كره أصدقاءه كلّهم الكلب نمرود، الذي ينبح دون توقّف. والقرد شدهان الذي يعاكسه دائماً، والقطّة عبلة، والديك يقظان، ألايحقّ لغندور أن يستريح بعد الخدمة الطويلة، والتعب، والركض بين القرى والبلدان؟!‏

وشعر غندور بالحزن، ولم يكن بمقدوره إلاّ أن يقف معانداً أمّ سرحان، والاحتجاج على سوء حظّه، فحرن وبدأ ينهق بصوت عالٍ:‏

- هيء.. هيء.. هيء.. هاء..‏

زعقت أمّ سرحان:‏

- أيها التّعس، ما بك اليوم، يبدو أنّك مشتاق للسعات السّوط. ها.. جلدُك بحاجة إلى حكّ.. هيّا.. هيّا قبل أنْ أسلخه..‏

نبح نمرود من ورائها بصوت مبحوح، إنّه يشارك في الفوضى التي بدأت تسود ركاّب العربة، قفز شدهان في الهواء، قلّب شفتيه وضحك ساخراً وهو يقول:‏

- الحمار أغبى الحيوانات، انظروا ‍.! غندور يرفض المسير.. ارتفع صياح الديك المعهود:‏

- كوكو.. كو كو.. أنا أوافق على رأي القرد!‏

ولم يجد أبو سرحان بدّاً من التدخّل ليحسم الأمر، فاندفع يهدّد الحمار؛ وهو يليّح بالسّوط في الهواء. إنّه يريد أن يعيد الهدوء إلى العربة،‏

لينطلق إلى المدينة، يعرض ألعابه البهلوانية ويكسب المال...‏

تزحزح غندور قليلاً. صرّت عجلات العربة وهي تدرج ببطء على الطريق، لكنّه فطن إلى شيء.. إنّه جائع، والحيوانات كلّها جائعة مثله، وستشاركه في الاحتجاج هذه المرّة، نهق غندور ثانية:‏

- هيء هيء.. لن أمشي قبل أن آكل!!‏

وانتبهت الحيوانات إلى احتجاجه، نطّ القرد حتى صار فوق عمود العربة المنتصب، كان يصيح محتجاً: أنا جائع.. جـ.. ائع.. وبدون انتظار لسعه سوط أبي سرحان بخفّة وسرعة، فاستشاط غضباً وزاد صياحه وزعيقه..‏

صرخت أمّ سرحان:‏

- أخطأت يازوجي، ما كان عليك أن تضربه، ألم أقل لك منذ قليل، إنّ الجميع جائعون، لن يصبروا مثلنا!!‏

صار شدهان إلى شجرة قريبة، تعلّق بها وهو يعول حزيناً، أهذا جزاء مهارته في عرض الألعاب على الناس كلّ يوم؟!‏

هل هذه مكافأته على تعبه لتكون الألعاب مسلّية مثيرة؟! يرضى عنها الناس في كلّ مكان.. لولاه لفشل أبو سرحان في حياته، وما نفع الكلب نمرود؟! والقطة عبلة، والديك يقظان، إن لم يكن معهم!! أسرع القرد يبتعد غاضباً حانقاً.. صاحت العجوز:‏

- شدهان . ياعزيزي، عُدْ إليّ، لاتغضبْ. أما اشتقت إلى حضني، لاتجعل الغضب يستولي عليك بسرعة..‏

لكنّ شدهان رفض أن يسمع كلمة واحدة، انطلق يقفز من شجرة إلى شجرة كأنّما أصابه الجنون.!.‏

قال أبو سرحان:‏

- فعلتها، أيها الحمار الغبيّ، أنت دائماً تثير الشّغب بين أفراد الأسرة ، تحرن على الطرقات، وتفسد بقية الحيوانات!!‏

........‏

العربة ما زالت واقفة.. ركّابها تفرّقوا..‏

عمّت الفوضى وسادت البلبلة.. الديك يتوسّل إلى صديقه شدهان، راجياً أن يعود، القطة تموء طالبة الهدوء، والكلب ينبح وأم سرحان تنقّ وتطمئنهم أنّ رغباتهم ستتحقّق!.‏

ركض أبو سرحان في أثر القرد. كان يناديه ويعتذر عن تصرّفه السّابق..‏



- شدهان، شدهان، أنت تعرف مقدار حبيّ لك ستأكل قبل الجميع، تمنّ ورغبتك مستجابة!..‏

كان القرد قد صار علىرأس شجرة عالية، أدار ظهره، وتظاهر بالحزن، بدأ يضحك بينه وبين نفسه، إنّ أبا سرحان يرجوني؛ إنّ أمّ سرحان تناديني بـ ياعزيزي ؛ إنّهم يشعرون بأهميتي، حقاً، أنا ذو مكانة رفيعة بينهم، لن أقبل بالذلّ بعد اليوم، لن أسمح للسوط أن يلسعني، سأقاوم الظلم، سأحتجّ وأثور، هذا حقّي، وحقّ رفاقي أيضاً، لقد غلطت مع الحمار غندور، إنه ليس أغبى الحيوانات على الإطلاق.. إنّه- هذا النهار- أذكاها وأروعها- هذا رأيي، سأجهر به دائماً!..‏

..........‏

..............‏

انقطع صوت أبي سرحان، ما باله لم يعد ينادي.... ساد صمت ثقيل، ومرّت لحظات بطيئة، صاحت أم سرحان:‏

- أين أنت يازوجي!..‏

لم يبد أيّ أثر للرجل!..‏

ياللغرابة!..‏

منذ قليل كان في هذا المكان، تحت هذه الشجرة، غير معقول.. لقد اختفى أبو سرحان ! كيف حصل ذلك؟! صفّق القرد شدهان معلناً وجوده فوق الشجرة العالية، لم يكن هذا له أهمية، فأبو سرحان وحده الذي يشغل بال الجميع.. ارتفع صياح أم سرحان:‏

- أين أنت يازوجي العزيز؟ ليس هذا وقت المزاح!.. بدا السكون يسود كلّ شيء...‏

تلفّتت العجوز حولها، الأشجار هادئة غير مبالية. الغابة صامتة صمتاً عجيباً، الكلب نمرود يبصبص بعينيه ويهزّ ذيله.. الديك يمطّ عنقه ولا يعرف ماذا يقول.. القطة تلوذ يجذع شجرة وتحدّق ببلاهة، الحمار في مكانه أخذته الدهشة.. أين أبو سرحان؟ كأنّما ابتلعته الأرض، أيّة غابة مسحورة هذه ، الغموض يلفّ الأشياء، ولولت أم سرحان:‏

- آه.. إييه.. يازوجي العزيز، ما نفع الحياة بعدك! تجمّعت الحيوانات حولها، حتى القرد تسلّل بخفّة وهبط واقفاً إلى جانبها، ماءت القطة:‏

- كلّ هذا بسببك ياشدهان !‏

- بل بسبب الحمار!‏

ردّ شدهان حزيناً،...‏

قال الديك:‏

- ليس هذا وقت توجيه الاتّهامات، فكّروا ماذا نعمل، نحن في مأزق!!‏

نصب نمرود أذنيه : وهمس:‏

- سكوت.. أرجوكم.. الهدوء.. لاترفعوا أصواتكم بدا كرجل المباحث، أخذ يشمّ الأرض، ويدرس انحناءة الأعشاب، إنه يعرف كيف يقتفي الآثار، إنه وحده سيكشف الأسرار..‏

نظر الجميع إليه بتقدير واحترام، حتى القطة عبلة تمسّحت به، وربّتت بيدها تلاطفه، فنهرها وهو يرميها بعينيين ناريتين..‏

- ابتعدي، ليس هذا من شغلك. ابتعدي عن طريقي!.‏

هتفت أم سرحان بهدوء:‏

- هيّا يانمرود.. ابحث بدقّة عن معلّمك.. أيّة غابة ملعونة هذه؟!‏

***‏

وحده انطلق نمرود في مهمّته، لم يكن هناك صوت يُسمع؛ حتى الحمار بدأ يهرش رأسه بطرف العربة من دون صوت، وأمّ سرحان استندت إلى جذع شجرة، واضعة رأسها بين كفّيها، أهكذا ينتهي صخبهم!! إنّهم يشعرون بالأسف والحزن، ما أصعب أن يحلّ الشّجار والنّقار بين أفراد الأسرة الواحدة!...‏

........‏

...........‏

ونبح نمرود..‏



-هّوْ هَوْ.. هو هو.. هَوْ هَوْ..‏

كان نباحاً ظافراً. مستبشراً، ركضت أمّ سرحان ركضت الحيوانات وراءها، تحلّق الجميع حول حفرة عميقة مغطاة بالحشائش والأغصان، نظروا بدهشة، فغروا أفواههم، هذا هو أبو سرحان وسط الحفرة وقد أغمي عليه، صاحت أم سرحان:‏

- أبا سرحان.. يازوجي العزيز، هل أنت بخير.. لم يكن هناك من يجيب.!.‏

صاح الديك:‏

- كو كو كو.. ما العمل- أيّها الأصدقاء- لن نقف مكتوفي الأيدي!‏

ماءت القطة:‏

- نياو.. نياو..تحركوا..اعملوا شيئاً.!‏

قالت أم سرحان:‏

- إليّ بالحبل، من العربة، ياشدهان.. تحرّك، لاتقف مفتوح الفم هكذا..‏

واستعدّ الجميع..‏

وقفوا متكاتفين لإنقاذ معلّمهم، لقد تعلّموا أن يتعاونوا في الشدائد، فالاتحاد قوّة، ويد الله مع الجماعة..‏

..........‏

.................‏

مرّت لحظات بطيئة،...‏

استفاق أبو سرحان، فوجد نفسه بين أصدقائه. كانت أم سرحان تبتسم، والحمار غندور أيضاً، والقرد شدهان، والقطة عبلة، والكلب نمرود، والديك يقظان.. هتف غندور:‏

- عاد معلّمنا .. عاد معلّمنا!..‏

هتفت أم سرحان:‏

- بل عاد الحبّ .. والوئام إلى أسرتنا..‏

معذرة يا أصدقاء.. سنصيب طعامنا وننطلق من جديد، ونحن أكثر تماسكاً ومحبّة..‏

صفّق الأصدقاء..‏



واقتربت القطة عبلة من الكلب نمرود، هرّت بين يديه، ثم تمسّحت به، لم ينهرها هذه المرّة، لأنه كان يكشّر عن أسنانه و.. يبتسم..‏

Nadine
01-06-2007, 11:27 AM
تحت عريشة العنب .. فوق المصطبة الحجرية المشرفة على باحة الدار الكبيرة، كان جدّي يجلس كل مساء..‏

تعدّ جدّتي القهوة، وتهيئ المساند والوسائد، ثم تأمرنا بحزم قائلةً:‏

- العبوا هناك، قرب السّور. العبوا بهدوء! كنّا نقفز كالعفاريت، نعرض مهاراتنا في الجريِ والوثبِ والتسلّق من شجرة التوّت إلى بوابة الدار العريضة. إلى خمّ الدّجاج.. بعضنا يحمل على كتفه خشبة أو يمتطي قصبة طويلة كالحصان ، يمشي بخطوات العساكر:‏



- واحد.. اثنان، واحد.. اثنان..‏

أو يرتفع صهيل متقطّع:‏

- هي هي.. هي هي.. هي هي..‏

أمّي تبتسم، وجدّتي تبتسم، وربّما جدّي أيضاً يبتسم. كان يُسْعِدُه أن يرانا حوله، يحتضن أحفاده الصّغار، يزحف إليه محسن، وتركض نحوه فاطمة، ويتمسّح به هاني، وهو بهيبته ووقاره يربّت على أيديهم أو يداعب رؤوسهم..‏

عناقيد العريشة تتدلّى فوقنا كالمصابيح، حبّات العنب كبيرة لامعة، تشفّ عمّا فيها من عصير سائغ رقراق، تقول لنا أمّي:‏

- تعالوا، ذوقوا، ياأولاد، إنّه من فاكهة الجنّة!-‏

نلتقط الحبّات النّاضجة. نتلذّذ بالعنب الشهيّ، نرى في لونه الأحمر ما يثر النفس، ويحرّك الّلعاب، لقد أَحْبَبْنا هذه العريشة، أحبننا ظلالها الوارفة، وثمارها الّلذيذة. أحببنا أماسي الصيف في الدار الكبيرة.. جدّتي بثوبها الأزرق المنقّط بزهور بيض صغيرة، تروح وتجيء، تسقي شجيرات الورد، وشتلات الزنبق،...يتضوّع الياسمين، يعبق أَريجُه المُسْكِرُ، تعبق رائحة الفلّ والسوسن، والأقحوان، أسطح البيت تتألق بالضياء، حُمْرةُ الغروب في الأعالي، والحمام السابح في الفضاء يمدّ أجنحته البيضاء. يطير في دورانه المَرِح سعيداً، قبل أن يعود إلى أبراجه فوق السّطوح يهدل أمامنا، يقدّم تحية المساء ثم يغفو آمناً..‏

..........‏

....................‏

وجاء مساء، لم يكن كما ألفناه..‏

ارتفع صياح مزعج في باحة الدار، وعلا ضجيج وصخب.. أعلنت جدّتي وهي تضع كفّها على خدّها:‏

- يه.. يه.. يه.. الدّجاجة القرمزية اختفت!‏

ركضت أمي وهي تصيح:‏

- والأرنب.. الأرنب الصغير الأبيض لا أثر له!‏

قال أبي بهدوء:‏

- اسألوا جارتنا أم محمود!..‏

ومن وراء السّور، ظهر رأس أم محمود، بدت على وجهها آثار التّعب ، كانت دامعة العينين، وفي صوتها رَجْفة.. قالت:‏

- الدجاجة القرمزية، و.. الأرنب أيضاً.. لقد فقدت منذ يومين البطة الرمادية السمينة!!‏

قال أبي:‏

- معقول.. ماذا أسمع؟‏

صاح أبو حمدان، وهو يطلّ من البوّابة:‏

- أنت آخرُ مَنْ يعلمُ!..‏

ردّ عليه أبي:‏

- ما هذا الكلام، ياجارنا..؟!‏

أكمل أبو حمدان ساخراً:‏



- الثعلب يشنّ غاراته، وأنت لاتدري!..‏

نظر أبي إليه بقلق، وأبو حمدان يتابع حديثه:‏

- الحِمْلان عندي.تنقص اثنان رضيعان سُحبا..وها قد جاء دورك.. دجاجة ، ثمّ .. أرنب.. انتظر. هاه.. هاه.. وغداً منْ يدري، ربّما يصل إلى الصّغار!‏

أسرع أبي والغضب سيطر عليه.. حمل فاسه، ثم ركض باتجاه الدّغل القريب، ركضت وراءه أمّي وهي تحمل فأساً صغيرة أيضاً، ركض أخوتي.. لحق بهم أبو حمدان، ثمّ زوجته ، ثمّ أمّ محمود وزوجها.. وأبو خالد.. حتى جدّتي وصلت إلى أوّل الدّغل وهي تلهث.. وقفوا هناك، تشاوروا.. ارتفعت اصواتهم، مِنْ هُنا.. بل منْ هُنا.. كَثرُ صياحُهم، وقفت النساء إلى جانب أزواجهنّ، كلّ امرأة بجانب زوجها، تؤيدّه، ملأ الفضاء ضجيج وكلام كثير غير مفهوم.. تطاير السّبابُ.. تطايرت الشتائم.. من هنا.. ومن هناك.. اشتعل نقاش بين أبي وجارنا.. أبو حمدان يقول:‏

- قلت لك: الثلعب يمرّ من هذا المكان!‏

ردّ أبي:‏

- أنت مخطئ، منْ هنا يمرّ..‏

يجيب أبو حمدان:‏

- انظر.. هذه آثار أقدامه..‏

يسخر أبي:‏

- غلطان، هذه ليست آثار اقدام ثعلب!‏

- أنت أصغر منّي ولا تعرف شيئاً!‏

- بل أنت لا تعرف، وتريد أن..!!‏

وجذب أبي ثوب جارنا، وجذب أبو حمدان ثوب أبي، تشابكت الأيدي، وارتفع صياح النساء. وامتدت الفؤوس، لكنّ جدّتي صاحت بحزم:‏

- عيب.. ما هذا؟!‏

نظرت إلى أبي ، ثمّ إلى جارنا أبي حمدان، وقفتْ بينهما:‏

- تتعاركان بدون سبب!.. هل هذه طريقة تقضون فيها على الثعلب!.. واخجلتاه!!‏

انسحب أبي من المعركة، انسحب حمدان أيضاً، ساد الهدوء، وقد وقفا بعيدين، كديكين لم يكملا القتال.. كانا خَجِلَيْن.. وجدّتي بينهما حزينة..‏

..... وعند المصطبة. أمام جدّي الذي لم يغادر مجلسه، تعانقا، كان ابو حمدان هو الذي أسرع إلى أبي يضمّه إلى صدره.. قال جدّي بهدوء:‏

- يؤسفني ما حصل، كَثْرةُ الأقوال تبطل الأفعال، الثعلب ماكر، وأنتم تتشاجرون، ولم تفعلوا شيئاً حاسماً!..‏

وأمام الجميع. وضع جدّي بين يديّ أبي فخّاً..‏

نظر إلى عينيه مباشرة، وتمتم بِحَزْم:‏

- انصبه جانب السّور، قريباً من خمّ الدّجاج، ولا تنسَ السلسلة، فالثعلب ذكيّ، يعرف الطريق إلينا جيّداً!..‏

.......‏

..............‏

مرّت تلك الليلةُ، ولا حديثَ لنا إلاّ غارات الثّعلب النّاجحة، تذكّرنا بطّةَ أمّ محمود السمينة؛.. كيف سحبها الثلعب؟.. كم كانت وديعة طيّبة، تسوق صغارها. ثم تتهاوى فوق مياه البركة كالسّفينة!.. تذكّرنا الأرنب، أوكرة القطن المنفوشة، وهو يتدحرج في الباحة هنا وهناك ودجاجتنا القرمزية التي تطير فوق السّور.. أما كان بإمكان الديك المتعجرف أن ينقذها من مخالب الثعلب المهاجم؟! تذكّرنا الحِمْلان الصّغيرة التي ظَفر بها.. هل كانت تثغو وهي بين يديه، أم أنّ منظر الثعلب أخرسها؟ ليس هناك أمانٌ..‏

دجاجاتنا السّارحة تلتقط الحبَّ وهي خائفة، صارت كثيرة التلفّت والمراقبة.. الطيور والعصافير لاتبتعد عن أعشاشها، حتى الحَمامُ أوى إلى ابراجه دون أن يرفعَ هديلَه إلينا، أو يرقص في دورة المساء، حتى الأرانب اختفت وهي ترتجف.. فالثعلب يشنّ غاراته الليلية، ولا يترك خلفه إلاّ الريش.. حتى ألعابُنا توقّفتْ، وجدّتي نبّهتْ:‏

- ابتعدوا عن السّور. تلك أوامرُ الجدّ!!..‏

كنّا نلمحُ سلسلةً طويلة تمتدّ من شجرة التّوت، ثم تغوصُ قريباً من السّور.. لكن أحداً لم يقتربْ منها،. صار مجلسُنا، جميعاً، فوق المصطبة، في حَضْرة الجدّ، الذي يسعده وأن يرانا حوله.. أنا.. ومحسن، وهاني، وفاطمة.. وإخوتي بينَ يدَيْه.. وقد اتّكأ على وسادة فوقها صور فراشات وأزهار، والقمر لم يصعد، بعد، إلى قبّة السماء، والهدوء الشّامل يلفّ الدّار..‏

وعلى غير انتظار ، مزّقَ الصّمتَ صَرْخَةُ حيوانٍ حادّةٌ، تشبه نباح كلب ، كانت صرخة واحدة ، انطلقت منْ جانب السّور الحجريّ، أو تحت شجرة التّوت، رأينا جدّي ينهض بهمّة الشباب، وفي عينيه بريقُ النّصر، على الرغم من أنّ الصّرخة، هذه المرّة، امتدّت طويلة، لكنّها لم تكن نباحاً، بل عواءً متميّزاً بعث فينا القلق والخوفَ..‏

-عوو.. وو.. و.. عوو.. و.. و..‏

أعقبتها مباشرة قوقأة الدّجاجات، خائفة مرتعدة وركضنا وراء جدّي، الذي اندفع إلى مصدر العواء، وعصاه الغليظة في يده..‏

.......‏

كان هناك ثعلب .. كبير.. لم أرَ مثلَه في حياتي.. وقد أمسك الفخّ بأحد مخالبه.. بدا مقوّس الظّهر يحاول استخدامَ أرجله الثلاث الطليقةِ في تحرير الرّجل المقيّدة...‏

وأمام جدّي راح يقفز بجنون من جانب إلى آخر.. والفخّ مربوط بسلسلة طويلة، أحاطت بجذع شجرة التّوت..‏

ارتجفت الأوراق والأغصان.. ارتجفت الدجاجات في الخمّ.. ارتجفنا- نحن الأولاد- أمام قفزات الثعلب المجنونة.. كان يعضُّ الفخَّ بقسوة، وعيناه تلمعان بالغضب.. لكنّ جدّي وحده الذي لم يكن خائفاً..دفعَ عصاه الغليظة نحو رأس الثعلبِ مباشرةً، فتوقّفَ عن قفزه.. كان مستسلماً مخذولاً.. ولولا تلك السلسلة لكان قد فرَّ بالفخّ بعيداً..‏

جاء أبو حمدان.. جاء أبو خالد.. وجاءت أم محمود، والجيران جميعاً.. كانوا سعداء وهم يرون الثعلب الأسير الذي وقع في فخّ جدّي .. هادئاً‏

مهزوماً..‏

في عيونهم التمعتْ نظراتُ المودّةِ والحبِّ والعرفان، أحاطوا بجدّي، غمروه بمحبّتهم.. وجّهزّتْ أمي الشاي المعطّر بالنعناع، دارتِ الأكوابُ، وارتفع هديل الحمام ناعماً شجيّاً..‏

..........‏

قالتْ جدّتي:‏

- أرأيتم، يأولادي، الذي يعمل لايتكلّم..‏

نحن نكسّبُ ما نريدُ بهدوئنا وعزيمتنا.. لابالكلامِ والشّجار والثرثرة..‏

وكان جدّي ينقّل أنظاره بيننا، واحداً واحداً، ويبتسم..‏

..............‏

واليوم، إذا زرتم دارنا الكبيرة، ودخلتم مضافة جدّي الفسيحة.. الرحبة.. رائحة القهوة تستقبلكم. سوف تتعلّق أعينكم بالجدار الكلسيّ هناك، ستلمحون فوق الجدار سيفاً بغمده- هو سيف جدّي- وإلى جانبه فراء ثعلب كبير، تلك علامة فارقة تشتهر بها مضافة جدّي!...‏

Nadine
01-06-2007, 11:27 AM
حكاية لجدّي لست أنساها:‏

كنّا حوله ذلك المساء من أيام الصيف، فوق المصطبة الحجرية، نحيط به، وهو في صدر المكان، والهدوء يشمل الدار، كنّا نصغي إليه، نحلّق بعيداً مع حكايته التي لاتُنسى..‏

ذلك التاجر الشاب منصور في دكاّنه، يطالعك في أول السوق ، بوجهه الوسيم، وابتسامته الهادئة، وعينيه الصافيتين، يعرض بضاعته أمامك..‏

- هذا قماش من الهند، وذاك من الشام، وهذا حرير طبيعي من الصّين..‏

التاجر الذكيّ رأسماله الصّدق والأمانة، والبضاعة الجيّدة، واسم" منصور" في السوق على كلّ لسان، حتى صار التّجار الكبار يحسدونه، فتجارته رائجة، وبضاعته من الأقمشة والحرير مشهورة والناس يتزاحمون على دكاّنه ، لأنه يرضى بالقليل من الربح.. كان منصور يردّد دائماً:‏

- كن متسامحاً في بيعك تكسب كثيراً من الأصحاب والزّبن..‏

وذات يوم، جاءه رجل غريب، وقف يقلّب نظره في الأقمشة، ويتلمّس الحرير، ثم بدأ ينتقي أجودها، قال الرجل الغريب:‏

- أنا تاجر مثلك، وقد أعجبتني بضاعتك، أريد شراء هذه الرّزم، ولكنْ، ليس معي ما يكفي ثمناً لها، إذا أتيتني إلى مدينتي أكرمك، وأدفع لك الثمن..‏

أجاب منصور باسماً:‏

- لابأس عليك، خذ ما تشاء، ليس من عادتي أن أرفض طلباً..‏

أخذ الغريب ما أراد، تخيّر أحسن الأقمشة، وانتقى أفضل الأثواب، وجمع منصور ذلك كلّه في رزم كبيرة، حملها معه حتى آخر السوق، ثم ودّعه قائلاً:‏

- رافقتك السلامة.‏

..................‏

مرّت أيام وشهور طويلة، أحبّ منصور أن يروّح نفسه من عناء العمل، فجهّز حاله للسفر وزيارة ذلك التاجر الغريب في مدينته البعيدة..‏

كان الطريق شاقاً، والسفر صعباً.. وقد وصل منصور المدينة قُبيل مغيب الشمس، فأسرع إلى السوق يسأل عن الرجل.. توقّف أمام متجر كبير، كان هناك عمال كثيرون وزُبن ومشترون، وفي صدر المتجر رأى الرجل الغريب نفسه، دخل منصور عليه، فأنكره الرجل، وحلف أنّه لم يره من قبل، ولم يشتر منه شيئاً، ولم يسافر إلى مكان طوال حياته. وحين أشار إلى عمّاله، أحاطوا بمنصور ثم طردوه خارج المتجر‍!.‏

حزن منصور كثيراً، وشعر بأنه كان مغفّلاً حين صدّق رجلاً غريباً، وأعطاه بضاعة كثيرة دون أن يقبض قرشاً واحداً، ولكنْ.. ماذا يفعل؟؟..‏

لجأ إلى نُزلٍ يقضي فيه ليلته، ولم يكد يستسلم إلى النوم ، حتى هبّ على دقّات طبل يدوّي في أرجاء المدينة:‏

-" بم.. بم.. بم.. بم..".."بوم".‏

استغرب منصور وسأل صاحب النُّزل عند ذلك، فقال له:‏

- تلك عادتنا، في هذه المدينة، عندما يموت شخص يدقّ الطبل أربع دقّات، وإذا مات رجل أرفع مكانة دقّ عشر دقّات، ولكن عندما يموت الأمير فإنّهم يقرعونه عشرين مرة!..‏

التمعت فكرة في رأس منصور ، فترك منذ الصّباح الباكر غرفته، وقصد قارع الطبل، كان لايزال نائماً، أيقظه وأعطاه ليرة ذهبية طالباً إليه أن يقرع الطبل ثلاثين مرة!‏

ودوّى الصوت قوياً.." بم.. بم.. بم.. بم.. بوم بم.. بم.." ثلاثين مرّة، هزّت المدينة النائمة، وأيقظت الراقدين، سادت البلبلة، وعمّت الفوضى، وتراكض الناس في الطرقات صائحين:‏

- يالطيف ! ما الذي جرى؟ أية مصيبة وقعت!..‏

...............‏

وفي قصر الأمير، استدعي قارع الطبل، وسأله الأمير بنفسه:‏

- لماذا فعلت ذلك؟‏

فقال:‏

- هناك تاجر اسمه منصور طلب منّي هذا بعد أن أعطاني ليرة ذهبية!‏

غضب الأمير واستفسر:‏

- من يكون هذا التاجر؟ أحضروه في الحال!..‏

...........‏

ومثل منصور أمام أمير المدينة..‏

كان هادئاً ، ووجهه يفيض بالصّدق، قصّ عليه ما كان من غدر الرجل واحتياله، وقال:‏



- إذا كانت وفاة الأمير- لاسمح اللّهُ- تعلّن في عشرين قرعة، فلماذا لايعلن موت الأمانة والصّدق بثلاثين!؟..‏

أعجب الأمير بذكاء التاجر منصور ، فقرّبه منه، وأكرمه غاية الإكرام، وطيّب خاطره، بعد أن قال له:‏

- لن يموت الصّدق.. ولن تموت الأمانة بين الناس!..‏

ثم عوقب الرجل المحتال عقاباً أليماً، بعد ما دفع أثمان البضاعة..‏

أمّا منصور فقد رجع- بعد أيام- إلى مدينته ظافراً غانماً، وهو يحمل الهدايا الثمينة، والهبات الكثيرة، وقد اكتسب صداقة ألأمير، وصار اسمه يتردّد في كلّ مكان..‏

..........‏

هل عرفتم، ياأصدقائي، لماذا كنّا نحلّق مع حكاية جدّي، بعيداً، ونحن نصغي إليه؟‏



حكايته جميلة ، ومن الصعب أن ننساها..........‏

Nadine
01-06-2007, 11:28 AM
كانت" شمّوس" بقرة محبوبة، تعيش في بستاننا، تأكل العشب طوال الصّيف، وتأكل القشّ طوال الشتاء، ولاتقوم بأيّ عمل في الصّيف أو في الشتاء سوى أنّها تأكل.. و.. تأكل... وكان جدّي يحبّها، ويقول:‏

- شمّوس بقرة ممتازة، تعطينا كثيراً من الحليب الأبيض الدّسم!!‏

أمّا جدّتي فما أكثرما سمعتها تتباهى أمام الجيران وتقول:‏

- منذ دخلت" شمّوس" البستان والخير جاء معها!!‏

وكم من مرة رأيّتها تحدّثها:‏

- كُلي.. كَلي ياشمّوس، كلّما أكلت أكثر أعطيتنا مقداراً من الحليب أكبر!..‏

وحين سألت جدّتي:‏

- لماذا سمّيت بقرتنا بشمّوس!!‏

ضحكت وقالت:‏

- جدّك هو الذي أطلق عليها هذا الأسم.. انظر إلى طلعتها البهيّة، ألا تشبه شمساً صغيرة، تنوّر بستاننا، وتدخل الفرحة إلى قلوبنا، وهي تتهادى بين الأشجار؛ وتسرح آمنة لطيفة؟!‏

وشمّوس أحبّت حدّي، وأحبّت أيضاً جدتي، بل أحبّتْنا جميعاً.. لذلك كانت تأكل أكثر لتبعث السرور في نفوسنا..‏

وأمام البستان، كان هنك طريق ترابي، يقطعه الحصان " بدران"، يأتي بالعربة، كل صباح، ليأخذ الحليب والجبن إلى البلدة القريبة..‏

ذات مرة، أخبر " بدران" بقرتنا" شمّوس عن البلدة القريبة، على الرغم من أنّها لم تسأله.. قال:‏

- الشوارع مرصوفة بالحجر، والأرصفة نظيفة لامعة، وأسطح البيوت عالية، تطير فوقها العصافير واسراب السنونو.. أمّا الأطفال فهم يذهبون إلى المدارس، يحملون كتباً ودفاتر، ويركضون مسرورين صاخبين في الذهاب والإياب، والناس يركبون الدراجات، ويطلقون رنين أجراسها مبتهجين، ترن.. ترن.. ترن ..أمّا السيارات فلا أستطيع وصفها.. يكفي أنّها تنطلق مسرعة في كلّ الطرقات.. وسائقوها ماهرون!.‏

رغبت شمّوس أن ترى الأشياء التي تكلّم عنها بدران،.. كانت ضجرة من البستان ، ومن بيت جدّي، ومن المخزن الكبير، والطاحونة التي لاتعمل.. و.. و..‏

خلف البستان كان هناك نهرصغير، في الصّيف، جاء رجل في قارب ليأخذ الجبنة من جدّي إلى السّوق..‏

نظرت شمّوس إلى القارب فأحبّته..‏

ظنّت أنّه سيكون حدثاً جميلاً أن تركب في قارب، وتذهب إلى السّوق.. كانت في شوق إلى أن تفعل شيئاً ما.. في شوق إلى أن تقوم بأيّ شيء حتى تتخلّص من الضّجر.. لابدّ أن تذهب لترى أيّ شيء بدلاً من أن تأكل فقط.. بدران يعرف أشياء كثيرة، لأنّه يذهب إلى البلدة هناك، يخرج من البستان، ويسير على الطريق، ويلتقي بالناس وهي هنا لاتقوم بأيّ عمل سوى أن تأكل ..وتأكل.. ولهذا فقد أصبحت شمّوس بدينة، كلّ يوم تزداد بدانة، حتى إنّها تتحرك بصعوبة..‏

سارت مسافة بعيدة على الطريق المحاذي للبستان.. لم تنظر إلى اليمين، ولم تنظر إلى اليسار كانت تنظر فقط إلى العشب الذي صار مذاقه حلواً ولذيذاً، والفصل ربيع، وهي تعلم أنّه توجد أزهار كثيرة تستحقّ أن تؤكل.. وفجأة.. قبل أن تدرك ما حدث، سقطت في النهر.. لم يكن عميقاً، لكنّها لم تستطع أن تخرج لأنّها بدينة جداَ،...‏

وقفت في الماء، وشرعت تأكل العشب على الضفّة..وجدّي لم يعرف أن شمّوس في النهر..‏

كان مشغولاً في صنع الجبن لبيعه في السّوق..‏

أكلت شمّوس كثيراً من العشب، وشعرت بعدئذ بالنّعاس، لكنّها لاتستطيع أن تنام في الماء.. حدّثت نفسها:‏

- لو أقدر على العودة إلى البستان.. أخشى أن يغضب الجدّ، أو أن تنتبه الجدّة لغيابي!..‏

صارت تمشي وهي تأكل العشب، صادفت في طريقها قارباً قديماً، دفعته أمامها، ثمّ تسلّقته واندفع القارب بعيداً عن الضفّة، وسارت شمّوس على طول النّهر فوق القارب الطّافي..‏

مرّت شمّوس بالبستان.. وبمخزن الغلال..مرّت بدار جدّي، وشجرة التّوت، والطاحونة، مرّت بأزهار البابونج، والأقحوان، والزّنبق الأصفر والأحمر الذي زرعته جدّتي.. مرّت بشقائق النّعمان التي تمايلت نحوها بدهشة، وبأزهار كثيرة ومتنوّعة لاتعرف اسمها..‏

استمرّت المشاهد تمرّ أمام عينيها والنّعاس فارقهاالآن.. وأصبحت منتبهة لما حولها من مناظر على طول ضفّتي النّهر..‏

مرّت شمّوس بصف طويل من البيوت ، ثمّ مرّت ببعض الأطفال وهم يلعبون فوق دراجاتهم..‏

صاح الأولاد:‏

- انظروا .. بقرة تمرّ في النّهر‍‍!!‏

ولم يلبثوا قليلاً، حتى ركضوا وراءها على الطريق المحاذي للنّهر..‏

سمعت شمّوس رنين أجراس الدراجات، أصغت إلى صفير متقطّع.. وصياح وصخب .. كانت سعيدة، فقد صارت موضع اهتمام الأطفال.. رأت الأمّهات في البيوت وهنّ ينظّفن النوافذ، ودرجات الأبواب، لوّحن بمناديلهن الملوّنة لها، وضحكت .. رأت حشداً من الناس، بعضهم يركض، وبعضهم يمشي على طول النهر، يلحق بالقارب الذي تركبه..‏

شعرت شمّوس بالفرح، لأنّ النّاس يهتمّون بها، أسرع واحد منهم، ورفع بين يديه علبة سوداء صغيرة، والتمع ضوء أمام عينيها. ارتفع صوت:‏

- ستكون صورة طريفة في الجريدة المحلّية!..‏

أخذت شمّوس تخور بسعادة.. هم.. هـ.. هـ.. م.. ها.. ها.. آ.. آ..‏

وحين توقّف القارب.. تقدّم اثنان من الأولاد وسحباها إلى الضفّة بحبل .. لكنّ شمّوس خلّصت نفسها من الحبل، وركضت على طول الشارع، وجدت صعوبة في أن تركض وسط الطريق المرصوفة بالحجارة، لكنّها كانت مسرورة وهي في البلدة..‏

تابعت شمّوس ركضها في الشوارع،‏

الأولاد وبعض الرجال يلحقون بها.. وهي تنظر إلى نوافذ البيوت وشرفاتها، وتقفز في الساحات.. لم تهتّم بإشارات المرور، ولا بصفارة الشرطي، ولا بأبواق السيارات الصغيرة والكبيرة، صارت تشمّ الدّراجات الملوّنة، بل تستوقف بعض السيارات وتتأمّل الركّاب والسائقين، وقبل أن تشعر بالتّعب، وصلت إلى ساحة كبيرة فيها حشود من الناس، وأكوام من الخضار والفواكه.. و الجبن والبيض!!‏

هذا هو السوق كما أخبرها بدران، لكنّ أجمل ما وقع عليه نظرها، الفتيات الصّغيرات يركضن وراء أمهاتهنّ وقد تطاير شعرهنّ الجميل المزيّن بالشرائط الحمراء والخضراء والبيضاءوالزرقاء والصفراء..‏

كان جدّي آنئذ موجوداً في السوق..‏

وعندما شاهد بقرته صاح:‏

- شمّوس.. ما الذي جاء بك إلى السوق؟؟..‏

كنت أظنّ أنّك في البستان تأكلين العشب!!‏

أطرقت شمّوس رأسها خجلة ولم تعرف ماذا تقول.. فهي تحبّ جدّي ولا تريد أن يغضب.. يبدو أنّها ارتكبت ذنباً!. فقد أسرع جدّي إلى العربة التي يجرّها الحصان بدران، ودفع البقرة وأدخلها، ثم عاد فوراً إلى البستان- دون أن يكلّمها أو يناديها كعادته..‏

***‏

بعد ذلك، كان جدّي يلقي نظرة على البستان وهو في مخزنه- بين الحين والحين، ليتأكد أنّ شمّوس في مأمن.. وكانت جدّتي لاتغفل عنها طيلة اليوم.. لكنّ شمّوس التي صارت تحت المراقبة، لم تهتّم بذلك، كان في رأسها أشياء كثيرة تفكّر فيها؛ وهي تمضغ العشب اللذيذ.. هل هناك أجمل منها إذا ما ازدان رأسها بتلك الشرائط الملوّنة؟ وكم سيكون مصوّر الجريدة محظوظاً إذا التقط لها صورة ثانية، ربّما ينال جائزة أحسن صورة لهذا العام..‏

من يدري..؟!...‏

Nadine
01-06-2007, 11:28 AM
سألت" رزان" خروفها الأبيض:‏

- لماذا لم ينبت قرناك، أيّها الخروف الصغير؟‏

صاح الخروف :‏

- ماع.. ماع..‏

ولم يجب ؛ لأنه كما تعرفون لايستطيع الكلام.‏

سألت" رزان" شجيرة الياسمين:‏

- كيف أستطيع الوصول إلى أزهارك البيضاء؟‏

لكنّ شجيرة الياسمين لم تردّ أيضاً، اكتفت بنشر عطرها الناعم، ونثرت أزهارها الصغيرة كالنّجوم.‏

سألت " رزان" دميتها الشقراء:‏

- لماذا تأخّرت ماما؟‏

هزّت الدمية رأسها، واحمرّ خدّاها ولم تردّ أيضاً، لأنّ الدّمى لاتعرف الإجابة عن أسئلتنا..‏

بكت " رزان" هيء.. هيء.. هه.. هه.. هه لكنّ أحداً لم يسمع بكاءها، فهي وحيدة في الغرفة، على الأريكة جالسة، والنافذة العالية فوقها..‏

أسندت رأسها إلى طرف الأريكة..و.. سكتت.. كانت تحدّق إلى ثوبها ، على ثنيّاته أزهار صغيرة، وفراشات ملوّنة، وخطوط مرحة زرقاء وحمراء.. طال تحديقها..والفراشات تتطاير أمام عينيها صعوداً وهبوطاً بين الخطوط والأزهار..‏

قالت هامسة:‏

- ليت لي جناحَيْ فراشة لأطير وأبحث عن ماما.. أين ذهبت ماما؟‏

طارت" رزان"..‏

صارت فوق النافذة العالية..‏

طارت.. طارت.. صارت فوق شُجيرة الياسمين.‏

طارت.. صارت فوق السطح .. حسبت أنّها ستفزع العصافير والحمائم. غير أنّ العصافير زقزقت على كتفيها قائلةً:‏

- أهلاً بك يا" رزان"‏

ثمّ رقصت حمامة صغيرة بين يديها وأخذت تهدل بصوت رخيم..‏

- كو كو.. كوكو.. كوكو..‏

طارت أكثر ، صارت فوق الشارع العريض، والسّاحة الفسيحة، فوق إشارات المرور، رأت الشرطي هناك بقبّعته الناصعة وكميّه الأبيضين، ينظّم عبور السيّارات والنّاس، ألاحت له بكفّيها.. طارت.. صارت فوق السوق المزدحمة والأبنية الكبيرة، رأت العمّال يدفعون العربات؛ والعرق يتصبّبُ من جباههم، رأت الموظفين في المكاتب، والموظّفات ينقرن على الآلات الكاتبة أو على أزرار الكمبيوتر.. تك.. تك تاك.. تك.. تاك.. تاك.. تك..‏

ابتسمت وهي تراهم يليحون لها بأيديهم وراء النوافذ اللامعة..‏

طارت، صارت فوق البساتين الخضراء، رأت المزارعين يعملون بهمّة ونشاط حتى أنّهم لم يرفعوا رؤوسهم أو يردّوا على تلويحة كفّيها..‏

طارت.. صارت فوق الحديقة القريبة من النهر، رأت طفلاً صغيراً في مثل عمرها، عرفته من خصلة شعره الأشقر على جبينه، إنه " أسعد" الولد المشاكس دائماً في روضة الأطفال، كان يمدّ لسانه الأحمر، ويشدّ أذنيه.. دَوْ.. دَدْ. دَدْ.. دَوْ.. دَدْ.. أصابعه ملوّثة بالحبر، ونصف أزرار صدريّته مقطوعة، صاح " أسعد" وهو يجري..‏

- انظروا.. " رزان" تطير‍"!" رزان" تطير!. ثوبها الملوّن بأزهاره وفراشاته وخطوطه الزرقاء والحمراء يبدو كالمنطاد، وهي ترتفع بعيداً في سماء زرقاء، ركضت معها قطعٌ من غيوم بيض ، ركضت كالخراف إلى جانبها.. ارتفع صياح " أسعد".‏

- خذيني معك..‏

- لا.. لن آخذك، أنت ولد مشاكس‏

- أرجوك.. خذيني.. سأكون عاقلاً!‏

- ثيابك ملطّخة بالحبر.. هذا لايليق أن تذهب.‏

ارتفع صياح الأولاد أكثر.. كانوا يردّدون مع " أسعد":‏

- رزان.. رزان..‏

و.. هوب.. هوب.. هب.. سقطت من فوق الأريكة. سقطت على البساط المزركش.‏

كانت ماما أمامها.. قربّت وجهها اللطيف، وقالت:‏

- ألم أقل لك.. لاتنامي على طرف الأريكة؟‏

فتحت " رزان" عينيها وهمست:‏

- كنت أبحث عنك، ياماما!..‏

Nadine
01-06-2007, 11:29 AM
دائاً أحبّ أن أسأل؛ أحبّ أن أعرف وأن أستفهم عن كلّ شيءٍ تقع عيني عليه..‏

أميّ تقول:‏

- أنت كثير الفضول، أسئلتك لاتنتهي!.‏

جدّتي تقول أيضاً وهي تصحّح لها:‏

- لاتقولي: إنّه فضولي، قولي: إنه يريد أن يتعلّم، ومن لايسأل لايتعلّم!‏

ذلك الصباح ، كنت ذاهباً إلى دار جدّي، إنّها في الطرف البعيد من المدينة..‏

الحافلة التي ركبتها كانت مزدحمة، وهناك رجل يشاركني في المقعد، كان يلاصقني تماماً، وعلى الرغم من أنّ التدخين ممنوع في الحافلة؛ لكنّه كان يدخّن!!‏

لفافة طويلة من التّبغ في فمه، ينفث منها دخاناً كريهاً ومزعجاً، وضعت كفّي على أنفي، وأدرت وجهي تفادياً لرائحتها المنفّرة.. والرجل مستمرّ في نفث الدّخان غير مبالٍ بشيءٍ.‏

شعرت بالغيظ، تململت في جلستي ، تمنّيت أن يصعد مفتّش الحافلات في تلك اللحظة، وان يعاقبه بغرامة مالية، كانت هناك ورقة في صدر حافلة الركاّب تنبّه إلى ذلك ، غير أنّ الرجل لم يكن يلتفت إليها، فقط كان ينفث دخان لفافته مثل قاطرة قديمة في محطّة!‏

لقد اسرعت بالنزول قبل أن أصل موقفي الذي يوصلني إلى دار جدّي، كنت أريد أن أتخلّص من هذا الرجل المدخّن، ومن هذه الحافلة المزعجة المزدحمة، أريد أن أستنشق هواءً نظيفاً لايعكّره شيء!..‏

وفي دار جدّي، أحسست بالسعادة، طالعتني نسيمات ناعمة، هبّت لطيفة هادئة، صافحتْ وجهي وأنا تحت عريشة العنب الممتدّة من البوابة حتى المصطبة الحجريّة..‏

قلت لجدّي مستفهماً:‏

- ما حكاية هذه اللفافة التي يتعلّق بها بعض الناس يا جدّي؟!‏

ابتسم بهدوء، ثم ربّت على كتفي قائلاً:‏

- هذه الّلفافة لها حكاية طريفة.. بدأت في إحدى المدن الصّغيرة، مدينة جميلة، هادئة، تقع في وسط سهول وجبال وغابات، هواؤها منعش ، وجوّها لطيف، أهلها يعملون بهمّة ونشاط، وجوههم مورّدة تنطق بالصحّة والعافية، ,اجسامهم قوية. ينهضون مع خيوط الفجر الأولى ، ينطلقون إلى حقولهم العامرة، وأعمالهم المزدهرة..‏

جاءهم ذات يوم تاجر غريب.. يبدو أنّه انتهز فرصة ازدحام النّاس في السّوق، كان يحمل كيساً من التّبغ.‏

وفي ساحة السّوق، صنع لنفسه لفافة تبغ غليظة، ثمّ أشعلها، وبدأ يدخّن أمام دهشة الناس، كان ينادي:‏

- تعالوا، هذا تبغ، له مذاقٌ لذيذٌ، تعالوا..‏

دخّنوا، وستدخل الفرحة إلى قلوبكم، انظروا، إنّني أصنع سُحُباً صغيرة تتوّج رأسي.. هل تستطيعون أن تفعلوا ذلك مثلي!..‏

لم يكن أحد من أهل المدينة الصغيرة. يعرف هذا التبغ!.. لم يكن هناك مَنْ رأى هذه النبتة الغريبة!!.‏

اقترب بعض الشبّان ، تناولوا اللفافة المشتعلة، قلّدوا الرجل التاجر، غير أنّهم كانوا ينفثون دخاناًو.. يسعلون.. أح.. أح.. أح.. يضعون أكفهم على صدورهم وهم يسعلون أح.. أح.. أح.. ثم ينصرفون متذمّرين.. ساخطين، وهم يقولون:‏

- لم يبق إلاّ أن ندفع نقوداً حتى نختنق بها!!..‏

...................‏

بُحّ صوتُ التاجر وهوينادي:‏

-سأبيع هذا التبغ بالثمن الذي اشتريته به، لن أربح شيئاً.. تعالوا.. دخّنوا، تعالوا.. دخّنوا!‏

ولم يأتِ مشترٍ واحد؛ والكيس في مكانه، لم ينقص شيئاً!.‏

لكنّ التاجر لم ييأس .. فقد أخذ يصرخ هذه المرّة، وهو يحلف بأغلظ الأيمان:‏

- منْ يدخّنُ منْ تبغي لايعضّه كلب!.‏

من يدخّن منْ تبغي لايسرق بيته سارق..‏

من يدخّن مِنْ تبغي لايشيخ أبداً..‏

أنا أقسم على ذلك.. أقسم.. أقسم!!‏

وحين سمع الناس ما سمعوا، ورأوا أنّ التّاجر يمعن في امتداح بضاعته، أقبلوا عليه يشترون، ويشترون حتى فرغ الكيس، وانصرف التاجر ظافراً!..‏

.........‏

مرّت سنة كاملة، ورجال المدينة الجميلة قد تغيّروا.. بُحّت أصواتهم ، وشحبت وجوههم، فترت هّمتهم، وقلّ نشاطهم ، كانوا يسعلون إذا مشوا، ويسعلون إذا وقفوا، يلهثون في الطرقات، هه.. هه.. آه.. هه.. لقد تغيّروا كثيراً!!‏

وأبصر واحد من أهل المدينة ، ذلك التاجر في السّوق، فأمسك به يجرّه من ثوبه، كان يريد أن يفضحه لأنّه خدع الناس، وحلف أيماناً كاذبة.. قال له:‏

- أيّها التاجر الظالم، أيّ أذى ألحقته بنا!!‏

انظر حولك؟!.. ثم كيف تقسم وأنت تكذب!!‏

قال التاجر بخبث:‏

- لم يكن قسمي كذباً .. أتعرف لماذا لايعضّ الكلب مدخّناً لأنّه سيكون متوكئاً على عصا. والكلب يخاف من العصا وحامل العصا... ولماذا لايسرق داره سارق لأنّ سعال المدخّن لاينقطع طوال الليل، فيظنّ أنه مستيقظ، أمّا لماذا لايشيخ، فالمدخّن لن يعيش حتى الشيخوخة!!‏

.........‏

...............‏

وابتسم جدّي، حين وصل إلى ختام حكايته، ابتسمتُ مثله ابتسامةً واثقةً، وقلتُ بحزم:‏

-مَنْ لايدخّنُ يظلَّ قوي الجسم، لايعضّه كلبٌ، ولايجترئُ عليه سارقٌ ولا يشيخ!. بلْ يحيا عمره مبتهجاً سعيداً..‏

شدّ على يدي ، وقال:‏

- ومَنْ يسألْ يستفدْ ويتعلّم!..‏

Nadine
01-06-2007, 11:30 AM
هذه حارتنا الصغيرة، هذه حارة النحّاسين، وهذا أنا أقف عند التلّة هناك، أنتظر رفاقي وأصدقائي، أدلك كفيّ وأنتظر، فالُّلعبةُ لابدّ أن تبدأ، وها هوذا حسام وأحمد وسمير وبشار قد جاؤوا، إنهم يركضون نحوي، تتشابك أيادينا، تتعانق أصابعنا المنمنمة، تطفح وجوهنا المدوّرة بالمحبّة، تتألّق عيوننا، وتنطلق أصواتنا، وها نحن نمارس لعبتنا المفضّلة نندفع إلى الّلعب ونحن لانعرف التعب، ولعبتنا المفضّلة العجيبة سميناها" دار المدار"، وهي ليست عجيبة فقط، بل خطرة أيضاً، لأنها لاتخلو من متعة، وهي أيضاً لاتخلو من قسوة وخشونة وعنف!..‏

كلّ طفل يضع حزامه الجلديّ في وسط الساحة التي نلعب فيها ، ومَنْ يقع عليه الدّورُ يمسك بطرف حبلٍ مثبّت في الأرض بوتدٍ، ويدور ضمن دائرة ضيّقة، يحمي أحزمته الجلديّة، والأطفال ينهشون أطراف الدائرة، كلّ واحد يريد أن يستردّ حزامه، وندور، ندور، الساحة كلّها تدور، التلّة نفسها تدور، ترتفع صيحاتنا ، وتشقّ اصواتنا عنان السماء، تظهر رشاقتنا في القفز والشقلبة تزداد سرعتنا ونحن نهتف:‏

- دارَ المدارُ.. دَارْ..‏

الحارة كلُّها، بأولادها وأطفالها عند التلّة يتحلّقون، واللعبة حامية، والمعركة بدأت ، ونحن نلهث وراء الفرح، تتواثب قلوبنا في صدورنا، وهتافُنا لايتوقّف:‏

- دَارْ.. دَارْ .. دَارْ..‏

و.. وقع الدّور عليّ، في إحدى المرّات، وجدت نفسي وسط الساحة ، تحت أعين الأطفال جميعاً في موقع المواجهة، وأنا أحمي الأحزمة، يدي الصغيرة ممسكة بالحبل، وعيناي تدوران في كلّ اتجاه، والأيدي ايدي رفاقي بدأت تنوشني من كلّ طرف، والّلعبة بدأت ، وعليّ أن أثبتَ وأُظْهِرَ مَقْدرتَي في هذه الّلُعْبةِ الخَطِرةِ...‏

المعركةُ دارت، والحارة كلّها عرفت أنني في منطقة الخطر، قلبي يكاد يقفز في صدري، كيف أدفع هذه الأيدي؟ كيف أصمد أمام هجمات الأطفال من حولي؟ كيف يمكنني أن أردّها عن انتزاع الأحزمة؟ يالها من لحظات صعبة!.. لكنّني كنت أدور وسط هتافات الأطفال، العالية، أدور.. وأدور، أحمي الأحزمة، وأصدّ الهجوم، لقد سقطت ، هذه المرّة، في الشبكة، سقطت مثل عصفور صغير، الدائرة بدأت تضيق من حولي ، ياإلهي!.. لقد خطف أحد الأطفال حزامه، إنه يلوّح به فوق رأسه، دخلتِ الّلعبةُ، الآن، مرحلةً صَعبةً.. أنّ الحزام سيطير باتجاهي، ولابدّ من أن أتلقّى لسعاته السريعة الخاطفة بقلب شجاع ونفس راضية، وأن أدافع عن بقية الأحزمة!..‏

يالها من لعبة عنيفة! كنت أصغر من أن أتحمّلها.. تصوّروا.. إنني طفل بطول عقلة الإصبع، يلعب لعبة" دارَ المدار"، ويقف ليستقبل الحزام الجلديّ يلسعه لسعاً لاهباً على ظهره أو كتفه أوساقه.. ربّما تطول اللعبة، ربّما تصير الأحزمة كلُّها في أيدي الأطفال، فماذا تكون النتيجة؟...أيّ " فلقة" ساخنة ستكون من نصيبي؟ ها أنذا أدور وعيناي زائغتان والصّخب يتعاظم من حولي ، والضجيج يملأ فضاء الساحة..‏

ومن راس الحارة، أطلّ وجه أمي..‏

كنت أراها هناك. عيناها تبحثان عن ولد صغير شقيّ، ولد بطول " عقلة الإصبع"، لم يكن هذا الولد سواي، لقد رأتني مباشرة، وشعرت عندئذ أنني أقوى من الجميع، شعرت بأنّ قوّة هائلة تدفعني إلى أن أصمد وأن أقاوم الهجمات العنيفة، وأن أزداد تصميماً على حماية الأحزمة، والدائرة ، والسّاحة والتلّة، بل الحارة كلّها!..‏

كنت أدور، هذه المرة، بسرعة أكبر، لم تعد لسعات أيّ حزام تهمّني، لم أكن أتألّم، قوّتي صارت خارقة، ,أنا أستهين بكلّ هجوم، وتقدّمت أمّي، اقتربت أكثر، وبدون انتظار، انفرط عقد الأطفال من حولي، تفرّقوا مبتعدين، وهم يرون أمّي قد وقفت في ساحة اللعب صامتة، كانت تنظر إليّ وحدي، كأنّما تؤنّبني بصمتها، تلومني على لعبي الأحمق!..‏

توقّفت الأيدي عن المناوشة، خفتت الأصوات ثم ساد هدوء، أشارت إليّ أن أقترب، اترك هذه الّلعبة السخيفة، وعد إلى البيت!..‏

تعثّرت في خطواتي، هذا أنا أنسحب من اللعبة، وهذه أمي أنقذتني في اللحظة المناسبة، هل كنت فرحاً أم ماذا؟!‏

لقد نجوتُ .. حلّت أمي المشكلة، ولن أصير أضحوكة!‏

ما الذي قاله الأطفال في الحارة بعدئذ؟ لست أدري، لأنني انصرفت عن كلّ الألعاب السّخيفةِ وشُغلت بدروسي، صارت الكتب والدفاتر والأقلام أصدقائي، ومن وجه أمّي ، من ابتسامتها الحنون ومن عينيها الحلوتين الهادئتين، استلهم نجاحي وتفوّقي، ومن صوتها الدافئ، ودعائها الصّامت، أتابع عملي، وأسير سعيداً مطمئنّاً.. سَلمتِ ياأمي.. .....‏

كل عام أنت بخير..‏

Nadine
01-06-2007, 11:30 AM
كان في الصفّ الذي دخلته، هذه المرّة، تلاميذ مجتهدون، وبارعون في كلّ شيء، قال لي المشرف وهو يربّت على كتفي:‏

- ستكون هنا، وهذه أفضل شعبة في المدرسة!‏

صمّمتُ أن أكون متميّزاً في دراستي، عزمت على أن أحقّقَ نجاحاً باهراً؛ أفرح أهلي وأجعل أبي يقول أمام زملائه:‏

- انظروا ولدي، إنّه يتقدّم على زملائه في المدرسة!..‏

.........................‏

في البيت، كانت لي طاولة صغيرة، أضع فوقها كتبي ودفاتري، وقد اختارت لها أمّي موقعاً قريباً من النّافذة، وحين أجلس إليها ، أحسّ بسعادة لاتوصف، النافذة العريضة تطلّ على حديقة الجيران، والعصافير لاتغادر الشرفة، تنتقل من الإفريز الحجريّ إلى الشجيرات الخضراء، تختفي بين أغصانها وأوراقها، ثم لاتلبث أن تعود وقد ملأت الفضاء بزقزقتها، كنت أسلّي نفسي بمراقبتها، أشرد عن كتبي قليلاً ثمّ أعود إليها،.. أمّا أخي الصّغير فلم يكن همّه إلاّ الّلعب.. يدحرج كرته الملوّنة في الصّالة، ويركض وراءها من غرفة إلى غرفة، كنت أقول:‏

- هو صغيرٌ، لماذا لايأخذُ نصيبه من الّلعب؟ لقد نلتُ حظّاً وافراً، لعبتُ ما فيه الكفاية، وها أنذا أدرس، ولكنْ لا بأس من أخذِ استراحةٍ..‏

استراحة قصيرة من عناء الدّراسة!.‏

جذبتني الكرة الملوّنة، لم أستطعْ مقاومة إغرائها. أراها أمامي. بين يديّ أخي فأجري معه، نتبادل قذفها هنا وهناك، أدحرجها على حافة الشرفة، ثمّ ألتقطها ببراعة، وأخي يصفّق إعجاباً، وأنا أعيدُ دحرجتها . مرةً تلو المرّة، وبلهفة، أحتضنها بشوق، أنجذبُ إليها، وأردّد:‏

- استراحة قصيرة، استراحة قصيرة؛ ثم أعود إلى كتبي"!!"‏

وما بين شرودي أمام النّافذة، ومراقبتي لأسراب العصافير، وصخب السنونو، وكركرة ضحكات أخي الصّغير، والكرة المتدحرجة فوق حافة الشرفة الحجرّية؛ تنقضي الاستراحة ثمّ تتبعها استراحات!‏

.........‏

لاحظتْ أميّ ذلكَ.. نبّهتني وقالت مؤنّبةً:‏

- ما أكثر لعبكَ في البيت! أنت لاتدرسُ .. أنت تنسى نفسكَ.. تنسى أنّ هناكَ دروساً لابدَّ منْ قراءتها، ومعلوماتٍ لابدّ منْ حفظها، ومعَ ذلك تلعبُ، وتظلُّ تلعبُ!!‏

تظاهرتُ بأنّني أدرسُ، بعثرتُ كتبي فوقَ الطاولة،و.. شردتُ.. الوقتُ ما زالَ طويلاً، وسأعوّض كلّ شيء في الأيام المقبلة، أمامي الامتحانُ، وسأثبت للجميع مقدرتي وذكائي!‏

.........‏

على الرغم من أنّ أبي اشترى من أجلي ساعة ذاتَ منبّهٍ قويّ، يوقظني في السادسة صباحاً، وعلى الرغم من أنّ جدّتي تردّد دائماً:‏

- البركة في البكور..‏

وعلى الرغم من أنّ ديك الجيران ذا الحنجرة القوية يصيح كلّ صباح:‏

- كوكوكوكو.. كي كي كي .. كي‏

لكنّني لم أستيقظ باكراً،... النّوم لذيذ، ماأحلاه وما أجمل أن أستسلم إليه!.. أسكت صوت المنبّهِ مباشرةً، وأردّد مغتاظاً لدى سماعي صوت الدّيك:‏

-كان يجب أن يقطعوا رأسك!‏

وتنسلّ خيوطُ الشمس عبر النّافذة، تتراقص أشعتها مثلما تتراقصُ الكلمات فوق دفاتري وكتبي، ولكنّني لا أستيقظ باكراً..‏

وركضتِ الدقائقُ ، ركضتِ السّاعاتُ، ركضتِ الأيامُ وأنا ما زلت اقول:‏

- هناك فسحةٌ لأدرس، وأدرس وسأكون متفوّقاً.‏

بنيتُ قصوراً على الماء، وزملائي في المدرسة صاروا يتقدّمونني، والامتحان يقترب، يدقُّ الأبواب.. وأنا تسحرني الكرةُ الملوّنة، وزقزقة العصافير ، والنافذة العريضة ، واللعب والشّرود، وإحصاءُ عددِ بلاطات الغرفة، والركضُ وراء أخي الصّغير؛ أعرضُ عليه مهارتي في دحرجة الكرة على حافّة الشرفة والتقاطها قبل أن تسقط ..كنت ضعيف الإرادة في التّركيز، وراء طاولتي الصّغيرة، وشعرتُ أنّ أمّي أصابها المللُ من كثرةِ التنبيهِ والتأنيبِ.. شعرت أنّ كتبي نفسها وأوراقي وأقلامي تنظر إليّ باستغراب ونفور، فأنا لم أعد صديقها المفضل. وهي لم تعد تسليتي وهدفي"!!"‏

...........‏

في أول يوم من أيام الامتحان، سلّمتُ ورقةَ الإجابة، كانت أصابعي ترتجفُ، ووجهي قد أصابهُ الشحوبُ، لم أكن أعرفُ ماذا أكتب! فالأسئلةُ أصعبُ مما توقّعت.. ورأيت وجوه زملائي وأصدقائي باسمة، وهادئةً...‏

كانوا يخرجون من مقاعدهم وفي نظراتهم بريقُ الثّقة والطّموح، والأمل.. ولست أدري كيف تذكّرتُ تلك اللحظةَ حكاية الأرنب والسلحفاة، كان أستاذنا يحكيها لنا.. ما زلت أرى أمام عينيّ ذلك الأرنب المغرورَ وهو يستلقي تحت الشجرة، ساخراً من السلحفاة البطيئة التي تدبّ إلى نهاية السّباق، كان يريدُ أن ينامَ ويرتاحَ، لأنّه بقفزة واحدة يصلُ إلى الهدف فلماذا يتعبُ نفسه؟ وماذا كانت النتيجة؟..‏

السلحفاة الدؤوب التي لم تتوقّف لحظةً وصلت إلى خطّ النّهاية، وانتصرت.. أمّا الأرنب فلا يزال يغطّ في أحلامه...‏

ترى هل كنتُ أرنباً مغروراً؟...‏

Nadine
01-06-2007, 11:31 AM
في الصّباح.. نخرج من البيت ، أنا وأخوتي، إلى المدرسة، وعلى الرغم من أنّ المدرسة قريبة، لكنّنا نبكّر في الذّهاب إليها..‏

في الصباح .. نترك البيت، والفوضى تشمل كلّ شيء.. الطاولة في غرفة الجلوس غير مرتّبة، الكراسي ليست في مكانها، المساند مبعثرة هنا وهناك كتبنا، أقلامنا، تحت المنضدة، بين الكراسي، خلف المكتبة الصغيرة ، ومع ذلك، أمّي لاتثور..ولا تغضب!.نسمعها تقول هامسةً:‏

-لابأس، أولادي ما يزالون صغاراً، سيكبرون..نعم.. سيكبرون، وعندئذ يساعدونني، ويرتّبون البيت معي!..تسرع أمّي إلى غرفة جلوسنا، تعيد كلّ شيء إلى موضعه، الكتب المبعثرة تُرتِّب في المكتبة الصّغيرة، الطاولة تتوسّط الغرفة، وغطاؤها الورديّ النظيف يستريح فوقها بهدوء، المساند رجعت إلى أماكنها، الكراسي اصطفت من جديد، بعد أن تفرّقت في زوايا الغرفة، حتى أقلامنا المرتجفة استعادت فرحتها، وهي تجتمع بعد رحلة الفوضى اليومية!...‏

وفي رشاقة ومرح، رفعت المزهرية رأسها، وقد ازدانت بالأزهار البيضاء والحمراء والمنضدة هناك نظيفة، لا أثر للغبار فوقها، والزجاج يلمع، والغرفة كلّها غرقت في ضوء حالم!..‏

كلّ الأشياء رقصتْ من السعادة، فلمسات أمّي السحرية، أحالت الغرفة إلى جنّة مرتّبة، أنيقة، كلّ الأشياء كانت تهمس برقّة:‏

- شكراً.. شكراً لهاتين الكفّين الحانيتين!..‏

................‏

في الظهيرة..‏

نعود إلى البيت..‏

تقول أختي سلمى:‏

- أمّي، أسعد يسعل!‏

تهزّ أمي رأسها، تردّ خصلة شعرها عن جبينها تظهر لهفتها وهي تسرع.. تتناول شراباً وملعقة تهمس لأسعد:‏

- لابأس.. تعال..‏

تمدّ كفّاً حانية، تمسح رأسه، وتقول:‏

- تناولْ هذا.. خذ ملعقتين، فقط، وسيتوقّف السعال!..‏

يأتي أحمد..‏

- أمّي.. تلمّسي، جبيني!.‏

تقترب أمّي.. كفّها يتحسّس جبين أحمد..‏

- ياه..هناك حرارة!. سأضع لكَ كمّادات!..‏

لاتنزعجْ.. ستزول بسرعة!..‏

تبكي صفاء.. تشير إلى قدمها الصغيرة..‏

- هُنا.. هُنا!..‏

تنحني أمّي ، تسأل:‏

- أين.. أين!‏

تمسّد بأصابعها الناعمة قدم صفاء، تظلّ تمسّد وهي تبتسم.. حتى تجعلَ دموعها تختفي..‏

..........‏

بعد الظهر..‏

تفاجئنا أمّي بما صنعتْ كفّاها من أطايب الطّعام، تهتف بنا:‏

- هيّا.. ذوقوا، ياصغاري، ذوقوا!..‏

أمّي ماهرة،... ماهرة في كلِّ ما تقدّمُه لنا، ونحن نحبّ طعامها وحلواها..‏

........‏

عند المساء..‏

تهتزّ أصابع أختي وهي تمسك بالقلم.. إنّها تتعثّر في كتابة الوظائف، تجلس أمي قربها، تقول بلطف:‏

- ليس هكذا .. لاتضغطي على الورق. تتمزّق الصفحة إذا ضغطت عليها..‏

ثم تأخذ الكتاب، وتسأل:‏

- هل حفظتم هذا النشيد؟ منْ يسمعني أولاً؛ نتحلق حول أمّي.. نفتح دفاترنا، نعرض عليها ما كتبنا، نقلّب صفحات وصفحات، وأمّي تصغي إلينا ، تبتسم مرة ، وتعبس مرّة، وكفّاها يشيران هنا وهناك، كفّاها يوجّهان ويرشدان، وعيناها بالحبّ والحنان تفيضان.. وقبل أن ننام ، ننحني أمامها، نقبّل كفّيها الحانتين، قبل أن تنشغلا بعمل آخر، وننطلق إلى النوم هانئين سعداء..‏

Nadine
01-06-2007, 11:32 AM
انظروا.. هذا هو السوق الطويل، ونحن التلاميذ الصّغار نجتازه، منطلقين إلى مدرستنا، مدرسة" نور الدين الشهيد"، لانتوقّف أمام دكان، ولانتلهّى أمام بائع، كنّا نسرع في الوصول إلى مدرستنا التي نحبّها، لم يكن هنك مدرسة مثلها!..

باب عريض يفتح كلّ صباح لاستقبالنا، باب عالٍ كبير يتّسع لدخول عربة مع حصان يجرّها، ومع ذلك فهو باب لمدرستنا القديمة، والتلاميذ يدخلون بنظام، قبل أن يحين الدوام بنصف ساعة ليس هناك من يتأخّر.. ومنْ يجرؤُ على ذلك؟!

مَنْ يستطيع أن يتحدّى عصا الأستاذ" صفا"؟! وأيّة عصا كان يرفعها أمام التلاميذ؟ وهو يلوّح بها، والجرس يتابع رنينه باكراً ، جرس مدرستنا يُسمع في الساحة كلّها ، وربّما يصل صوته إلى السوق ، جرس قديم له إيقاع خاص:

- ترن ترن..رن..ترن ترن .. رن...

و" أبو الخير" الآذن، بطربوشه الأحمر، وقامته الطويلة، ونظّارته السميكة التي تكشف عن عينين طيبتين، تحملان مودّة للتلاميذ الصّغار، أبو الخير يحثّ الأطفال على الركض إلى الصفوف ، قبل أن تدركهم عصا الأستاذ " صفا" ، ذات العقد المرعبة، مازالت الأكفّ الصغيرة تتذكّر لسعاتها، ما زالت الأصابع تعرف طعمها وهي ترتجف، والأستاذ" صفا" صاحب جدول الضّرب لايتوقّف عن طرح أسئلته ، ولسعنا بعصاه لسعاً سريعاً خاطفاً، العصا تهوي على الأكفّ المحمرّة، لها صوت يختلف عن غيره من الأصوات، كأنّه صوت الريح الشديدة..

ف.. و.. و.. ف.. و.. و.. والتلميذ المقصّر في دروسه يصرخ:

- والله أحفظ..

- والله لن أنسى..

وجدول الضّرب يتراقص أمام عيوننا ، تتراقص الأرقام، تتراقص الحروف، تختلط مع بعضها، ونحن التلاميذ نشعر بالقلق والرهبة، ماذا يمكن أن نفعل؟ لقد صرنا في الصّف الثاني، وهذه الأعداد تركض ركضاً متواصلاً، ستة في خمسة، تسعة في سبعة، أربعة في ثمانية، خيول تتسابق في ميدان سباق محموم، والتلاميذ يلهثون وراءها لايستطيعون فهمها، لايعرفون من أين أتت هذه الارقام والأعداد الكثيرة المتداخلة، ما معنى خمسة في تسعة، وثمانية في أربعة، وما شأننا- نحن الصّغار- بهذه الأرقام والإشارات ؟ من الذي وضعها في طريقنا؟ من الذي قطع علينا أحلامنا وأخيلتنا.. أرقام وأرقام وأعداد لاندري من أين جاءت ، ولا كيف وصلت، وتمدّدت على الألواح الخشبية، وانتقلت إلى حقائبنا، بدأت تناكدنا، تمطّ رؤوسها وأنوفها ، ترقّص أمامنا أذيالها،تتسلق صفحات دفاترنا ، تنام معنا في فراشنا أو تقفز على وسائدنا، أرقام مضحكة مبكية، لاترتبط برسوم، ولاتتعلّق بألوان،...

في الصف الأول، الذي ودّعناه، كان الأستاذ " محمّد" يعلّمنا درس الحساب مع دروس الرياضة وحصص الموسيقى والأناشيد، فما بال الأستاذ " صفا" يلجأ إلى هذه الطريقة.. أسئلته كزخّ المطر، وعصاه لاتسامح مَنْ يخطىء في الجواب!..

في الصّف الأول كانت حناجرنا تُبحّ من المرح والضّحك والفكاهة والتمثيل في الدروس.. كنّا ننشد دروس الحساب كالبلابل..



أمّي وأبي

كانا اثنين


وأنا وأخي

جئنا اثنين


دخلتْ أختي

همستْ همسهْ


إنْ تجمعنا

ترنا خمسهْ



ثم نقفز من مقاعدنا، ونكتب العدد" خمسة"

نرسمه بالألوان، ونشكّله بالمعجون، نأتي بحبّات الفاصولياء، نبدأ بالعدّ ، نتسابق ، نملأ أكياساً قماشية بيضاً، هذا الكيس فيه عشرون حبّة من الفاصولياء. وهذا فيه عشر حبّات..



كفّي اليمنى

فيها خمسٌ


كفّي اليسرى

فيها خمسٌ


فاجمع هذي

واجمعْ هذي


تصبح عشراً

ياأستاذي



لكنّ الأستاذ " صفا" صاحب جدول الضرب يختلف، صوته يختلف ، حديثه يختلف، يلوّح لنا بالعصا فنحسب لها حساباً، صار جدول الضرب في أول السنة الدراسية شغلنا الشاغل، ولم ينقضِ شهران حتى حفظناه غيباً، كما نحفظ أسماءنا لم نكن نلجأ إلاّ لأصابعنا، أصابعنا التي التهبت من لسعات العصا، لا أحد يمكنه أن ينسى منظرنا نحن تلاميذ الصّف الثاني، بعد مرور شهرين من بدء الدراسة لا أحد يستطيع أن يكتم شهقته وهو يرى تلاميذ الصّف الثاني، وقد اصطفوا ثلاثة.. ثلاثة.. رتلاً رتلاً.. لقد حفظنا جدول الضّرب عن ظهر قلب، استظهرناه من اليمين إلى الشمال، ومن الشمال إلى اليمين، ومن فوق إلى تحت، ومن تحت إلى فوق، وفي كل الاتجاهات، والأستاذ " صفا" يحاول أن يربك هذا، أو يهزّ العصا المخيفة في وجه ذاك، ولكنّ التلاميذ الصّغار قهروا هذه المرّة العصا، قهروا الأرقام والأعداد، وحفظوا الجدول العتيد، وانتصروا على ستة في سبعة، وثمانية في تسعة، كانت أجوبتهم كالمطر أيضاً، سريعة متلاحقة،...

لقد صمّمنا- نحن الأطفال- أن نخرج من الامتحان مرفوعي الجبين، عزمنا على أن نقف ورؤوسنا عالية،... لم يكن أحدٌ أسعد منّا..

الفرحة حملتنا على جناحيها، طرنا معها ، طرنا من السعادة، كتبوا أسماءنا في لوحة الشرف المدرسية، أعطوا كلّ واحد استحساناً، الأساتذة كلّهم شملونا بمحبّتهم، حتى الأستاذ " صفا" .. لقد اكتسحنا جدول الضرب، اقتحمنا حصونه وقلاعه، عرفنا أسراره وخفاياه، لأننا محونا كلمة: صعب.. مستحيل ثم كان، في نهاية السنة، أن ودّعنا الاستاذ " صفا" وداعاً مؤثراً، كنّا شاكرين له طريقته المختلفة، وحديثه المختلف، وودّعنا عصاه بالقبلات، لأنّها لم تعد تخيفنا..ولم نعد نرتجف منها.. لم نعد صغاراً.. لقد نجحنا..

واليوم- ما زلنا- نتذكّر حكاياتنا مع أساتذتنا القدامى، وجدول الضرب..

Nadine
01-06-2007, 11:32 AM
هذا أنا، أيّها الأصدقاء، صرت في العاشرة من عمري، أحبّ مثلكم الشمس والأشجار والأزهار والعصافير المغرّدة.. أحبّ أمي وأبي وإخوتي . وأهلي وجيراني.. أحبّ مدرستي وأساتذتي.. أحمل حقيبتي الجلدية، وأنطلق باكراً إليها.. أصدقائي هناك ينتظرونني، وسنقضي أجمل الأوقات، أنا أعاملهم بلطف ومودّة، وهم كذلك، الأصدقاء يتعاملون دائماً بلطف ومحبّة ومودّة وتهذيب..‏

وفي يوم العطلة، ألعب معهم، نركض، نقفز.. نتبارى في الوثب والجري، والتقاط الكرة وهي تطير في الفضاء..‏

لكنني، اليوم ، حزين..‏

هل تعرفون لماذا؟‍‏

اليوم، هو يوم الجمعة، يوم العطلة الأسبوعية، وأنا لاأستطيع الّلعب مع أصدقائي، لأنّ الجو ماطر،... منذ الصّباح الباكر ، والسماء ملبّدة بالغيوم الداكنة والمطر ينهمر بغزارة ، ولن أتمكّن من الخروج إلى اللعب‏

وقفتُ خلف النافذة، في غرفة الجلوس بدأت أراقب هطول المطر.. كانت حبّاته الكبيرة تنقر زجاج النافذة ، بلطف أولاً.. تب.. تب.. تب.. تبتب، تبتب، تب.. تب.. ثمّ ازدادت.. ياه.. كأنها حبال تصل الأرض بالسماء، وازدادت أكثر حتى خلتُ أنّ سطولاً تندلق..وش..وش.. وش.. مطر غزير.. والأشجار بدأت تغتسل، والطرقات تستحمّ، لقد صارت نظيفة لامعة!..‏

ولم تمض ساعة أخرى ، حتى انقطع المطر..‏

وشاهدت مجموعة من الألوان الجميلة الشفّافة، كأنها الجسر المعلّق،... دُهشت، ولم أعرف ما الذي يتسلّقُ السّماءِ، وينتصب في وسطها.. سألت أمّي:‏

- ما هذا الذي يشبه الجسر.. جسر النّهر الحجريّ؟!‏

مسحتْ أمي بحنان فوق رأسي، وقالتْ:‏

- إنّه قوس قزح!‏

سألت ثانيةً:‏

- ومن بنى هذا القوس؟‏

ضحكت أمي. لقد أدهشها سؤالي، ضمتّني إليها، وبدأت تشرح، كيف يتشكّل قوس قزح:‏

- انظر. لقد طلعت الشمس، وتلك أشعتها تنعكس على قطرات المطر.. والضوء الأبيض يتحلّل إلى طَيْفهِ الّلوني،.. انظر ، هذه ألوان الطيف من الأعلى بدأت تتدرّج.. اللون الأحمر، والبرتقالي، والأصفر والأخضر، والأزرق، والنّيلي، والبنفسجي.. هتفتُ بفرح:‏

- سبعة ألوان جميلة، ياأمي ، سبعة ألوان!..‏

هزّت رأسها ، وهمستْ:‏

-ما أروع جمال الطبيعة.. ما أروع ما فيها من رقّةٍ وجمال!..‏

...........‏

......................‏

لقد أعجبني قوس قزح، أعجبني كثيراً حتى إنّني قصصت دائرةً من ورقٍ مقوّى' قسّمتها إلى سبعة قطاعات، هي ألوان الطّيف، لوّنتها بدقّة، ثم ألصقتها على بكرة خيوط فارغة لأجعلها تدور، بعد أن ثقبت بقلم الرصاص مركز المحور.. هاهي ذي تدور.. تندمج الألوان، وتدور.. ألوان الطيف الشفّافة تدور.. وحين تزيد سرعتها تبدو الدائرة ذات لون أبيض.. ما أجمل هذا!!..‏

كانت لعبة جديدة من ألعابي، سوف أفاجئ بها أصدقائي وأصحابي..‏

.....................‏

لقد حبسني المطر ذلك النهار..‏

لكنني استفدت كثيراً، فأنا قمت بعمل نافع.. وما زلت أفكّر بأن أكتشف شيئاً جديداً..ربّما- في المرة القادمة- أتسلّق قوس قزح.. وأعرف ما يدهش أكثر.. ربّما..

Nadine
01-06-2007, 11:33 AM
العيدُ يدقّ الأبوابَ، ويهمس:‏

- هيّا، ياأطفال، أنا قادم، يومان فقط، وأحلّ ضيفاً عليكم..‏

نتهيّأ لقدومه، تتهيأ جدّتي أم الطّاهر، يتهّيأ جيراننا، تتهيّأ حارتنا لاستقباله كما يليق الاستقبال..‏

البيوت في الحارة، كلّ البيوت تستيقظ باكراً، والأطفال ينهضون مع خيوط الفجر الأولى، وأهل الحارة يهرعون إلى فرن النحّاسين، يصلّون الفجر في جامع الأشقر، ثم يقصدون الفرن، يأخذون دوراً عند" أبي صبحي".. والرجل يبلّ قلم ( الكوبيا ) بريقه ، ويسجل الأسماء بخطٍّ مرتعش وحروف متشابكة ؛ لايفكُّ ارتباطها ولايعرف تناثر نقاطها غيرُ أبي صبحي نفسه..‏

ورقة مدعوكة، مقطوعة من دفتر مدرسيّ مسطّر لكنّها- بالنسبة إلينا- ليست ورقة عادية، فهي مطرّزةٌ بالألقاب والأسماء والتوصيات:‏

- ابو أحمد.. فطائر بالجوز‏

أم عادل: هريسة بالفستق الحلبي..‏

أبو علي كرشة .. أقراص مرشوشة بالسمسم أم محمود الطبلة.. صينية صغيرة واحدة..‏

سعيد الفهمان.. صينية كبيرة..‏

زنّوبة...‏

أمّا جدّتي أم الطّاهر فاسمها لابدّ أن يكون في رأس الورقة!.‏

..........‏

قبقابي يوقظُ النائمين في الحارة، أقفز من الدار إلى الفرن، أقطع الدرجات الحجرية، أجتاز البوابة المعتمة، والزّقاق الصّغير، تتفرّق القطط، تركض بعيدة وقد أزعجها قرع القبقاب، أصير أمام الفرن ، رائحة الخبز الأسمر الطّازج تستقبلني، أرغفةٌ منفوخة كالأقمار المعلّقة على السطوح ، تذوب في الأفواه كما تذوب" غزّولة البنات"..‏

صوان نحاسية ذات أطرافٍ مدروزة تدخل الفرن أو تخرج منه، وأمام الباب، هناك، يزدحم رجال بحطّاتٍ وقنابيز يحجزون دوراً، نساء قادمات من أطراف الحارة، يجئن مبكّراتٍ ، على رؤوسهنّ أطباق القش الملوّنة، وقد عقدْن المناديل المزركشة وفي عيونهنّ الواسعة لهفة وانتظار.. ترى هل يسبْقن غيرهنّ، ويأخذْنَ أقراص العيد قُبَيل أذان الظّهر‏

................‏

جدّتي تمسح رأسي بكفّها الحانية، وتهمس لي:‏

- لايُفرحُ قلبي غيرك.. هيّا.. قمْ.. وخذْ دَوْراً عند أبي صبحي.. كعك العيد- في الصّواني- جاهز..‏

............‏

هذا أنا، أوّل من وصل..‏

ماأسعدني.. سبقت أولاد الحارة كلّهم، اسم جدّتي أم الطاهر في رأس الصفحة، وكعك جدّتي بحبّة البركة واليانسون يدخل الفرن،...‏

يتقاطر الأولاد ورائي، حسن وسالم وفادي وعبّودة، ومحمد وأيمن وبشير.. تتألّق عيونهم النّاعسة أمام نور الفرن، يتحلّب ريقهم وهم يَرَوْن الفطائر والهريسة الغارقة في السمن البلدي، والكعك المسمسم، والأقراص المنقوشة..‏

سهرت جدّتي الليل بطوله مع أمّي وعمّتي من أجل كعك العيد، وجدّي لايحبّ إلاّ كعكات جدّتي.‏

لايأكل حلوى إلا من صُنْع يديها.. وأبي كذلك، وأمي وعمّتي وأنا وإخوتي.. والأقارب، والجيران وأهل الحارة..‏

ما إن يقترب العيد حتى نتحلّق حول الجدّة ما أجمل السهر والسّمر والحكايات التي نسمعها..‏

ونمدّ أكفّاً صغيرةً منمنمة.. ولا ندري كيف تُرْبَطُ- بعدئذ- في أكياس قماشية، تشدّ جدّتي‏

وتقول:‏

- ضمّوا أصابعكم هكذا..‏

وتحذّر أمّي:‏

- ارفعوا أيديكم، بعيداً عن الأغطية والملاءات البيض!..‏

أرفع صوتي محتّجاً:‏

- ولكنْ.. أكبر كعكة من نصيبي!‏

تبتسم جدّتي وتهمس في أذني:‏

- أكبر كعكة يتقاسمها الجميع.. أنت ولد عاقل!‏

أهزّ رأسي مقتنعاً:‏

- نعم .. ياجدّتي.. الكعكة الكبيرة لي ولأخوتي..‏

.................‏

حكايات جدّتي تحملنا إلى عالم مسحور.. نسافر إلى بلاد مجهولة، نقطع غابة، نتسلّق جبلاً، نعبر نهراً أو بحراً، أو نهبط وادياً أو منحدراً..‏



الصّواني صارت جاهزة، والكعك الطّازج يخرج من الفرن،جدّتي تفرك كفّيها بلهفة:‏

- أنت.. منْ يفرحُ قلبي.. كم أحبّك!..‏

أقفز أمامها..‏

- أكبر كعكة من نصيبي!‏

تمسك جدّتي بكفيّ وتقول:‏

- انتظر.. ليس قبلَ أنْ..‏

وتساعدها أمي:‏

- هاتوا أكّفكم ياأولاد!..‏

وننام تلك الليلة، أكفَّنا مضمومةٌ، وأصابعُنا مأسورة في أكياس جدّتي القماشية، ننام بهدوء بعد أن يئسنا من إظهار مهاراتنا فوق الوسائد والمساند، لاقفز ولا شقلبةَ ولا دحرجة..‏

وفي الصباح، صباح العيد، نفتح أعيننا مبكّرين، وتحلّ جدّتي عقدة الأكياس، تحرّرُ أصابعنا، فإذا أكفّنا مخضّبةٌ بالحنّاء، تلك نقوش جدّتي النّاعمة السّحرية!..‏

نفرد أصابعنا أمام وجوهنا، تضيء شموس، وتركضُ نجوم، لقد تلطّخت راحاتنا الوردية برسوم مدهشة، وها نحن نتذوّق مع جدّتي كعكها الّلذيذ.. وأكبر كعكة نتقاسمها جميعاً..‏

............‏

تلك دارنا، فإذا اجتزتم الدرجاتِ الحجرية في أول حارة النحّاسين، وعبرتم البوابة_ هناك ذات القوس القديم، ستجدونني أمام الباب الخشبي، كفّاي ملطّختان بحنّاء جدّتي، وأنا أنتظركم، لتذوقوا كعك الجدّة، ولن تنسوا طعمه أبدأً..‏

Nadine
01-06-2007, 11:33 AM
قال جدّي،وهو يضع يده على كتفي:‏

- قل ياصغيري، ماذا تتمنّى؟!..‏

انتظرت لحظةً، ثمّ التمعتْ عيناي بفرح ، كأنّما كنت أنتظر أن يسألني هذا السؤال.. قلت:‏

- اتمنّى يا جدّي أن أنال شهادة علمية عالية . وأن أسافر ، رفع جدي حاجبيه، وفتح عينيه، من دهشة، ثمّ أحاطني كعادته بذراعيه، واستفسر:‏

- تسافر.. أنت تتمنّى أن تسافر.. إلى أين؟!‏

قلت. وقد شعرت بالسعادة، لأنني أحظى باهتمام جدّي، ,أرغب في الإفصاح أمامه عن أحلامي:‏

- أحبّ أن اسافر إلى كلّ مكان.. أحب أن اسافر لأرى المدن والبلدان، واعرف الدنيا، وأطوف شرقاً وغرباً.. ما أجمل أن أمتطي حصاناً قويّاً، أو أركب سيارة! ما أجمل أن استقلّ قطاراً، أو أنتقل على متن طائرة! ما أجمل أن ابحر على ظهر سفينة، أو أنطلق في مركبة فضائية أتجوّل بين الكواكب والنجوم! أنا أحبّ السفر كثيراً، ياجدّي‏

.................‏

ابتسم جدّي، ثمّ قال بهدوء:‏

- حقاً. السفر مفيد، وفيه متعة، ولكنْ .. هل تعرف ما أفضل شيء تفعله إذا سافرت؟!‏

أجبت دون تردّد:‏

- أفضل شيء هو أن أحمل قناعاً خفيفاً وأنطلق، وأن أدوّن في مفكّرتي أسماء المدن التي أزورها، والأماكن التي أشاهدها!..‏

قال وهو ما يزال يبتسم:‏

- ذلك صحيح، ولكن هناك ما هو أفضل!..‏

وقفتُ متحيّراً.. ما هو الأفضل في رأي جدّي..‏

ولماّ طال انتظاره.. اقترب مني أكثر، وهمس بحنان ومحبّة:‏

- أفضل ما تفعله في سفرك هو أن تغرس شجرة في كلّ مكان تذهب إليه!..‏

- شجرة!..‏

ردّدت كلمة شجرة.. وأنا اشعر بالدهشة ..‏

ماذا يقول جدّي؟.. إنّه يريد ممازحتي كعادته..‏

هل من المعقول أن أسافر، وأن أحمل معي غراساً، أنقلها إلى كل مكان لأزرعها.. أليس ذلك غريباً!..‏

قلت بلطفٍ:‏

- ولكنْ.. ما تطلبه صعب ياجدّي، أنا لا استطيع أن اقوم بهذا العمل، ربّما أضيّع على نفسي متعة السفر، ربّما أنشغل عن مشاهدة البلدان، والطّواف هنا وهناك، أأنا غارس أشجار أم رحّالة، مسافر!!‏

أجاب- هذا المرة- بإصرار:‏

- ومع ذلك، ياصغيري، لابدّ أن تغرس شجرة في كل مكان تسافر إليه!!‏

ازدادت دهشتي، واتسعت حيرتي.. كنت أتخيّل أنني أسير؛ وعلى كتفي غراس من كل نوع غراس، كثيرة أنقلها بصعوبة. آه.. ما أتعب السفر وأنت تحمل هذه الأحمال، ما أشقّ التنقّل والتّجوال! ثمّ .. عليّ أن أجد لغراسي مكاناً، عليّ أن أبحث عن تربة تلائمها لأزرعها!... لا.. هذا مستحيل.. مستحيل.‏

وضع جدّي كفّه الحانية على رأسي، وهمس:‏

- أنت ذكيّ.. لم تعرف- بعد - ما قصدت إليه!.إنني أريد منك أن تتخذ- في كل مكان - تسافر إليه صديقاً، الصديق كالشجرة، ,اصدقائي كلّهم كالأشجار، أغصانها الأولاد، وثمارها الأحفاد، اتّخذ اصدقاء جدداً.. منهم الأشجار التي تغرسها في كل ناحية!..‏

عانقت جدّي. لقد تعلّمت شيئاً جديداً، أحنيت رأسي أمام كلماته العذبة.. كنت أردّد هامساً:‏

- سأفعل يا جدّي..‏

أتمنى أن تحقّق أمنياتي..‏

أن أنال شهادة علمية عالية،‏

وأن أسافر إلى كلّ مكان أحبّه،‏

وأن أغرس شجرة..‏

من أجلي ومن أجلك..‏

حتماً سيكون لدينا أشجار كثيرة..‏

كثيرة جدّاً..‏

Nadine
01-06-2007, 11:37 AM
عامر وماهر أخوان يحب أحدهما الآخر حباً كبيراً... وهما مثل صديقين متفاهمين منسجمين... لايتشاجران... ولايتخاصمان.‏

ماهر الأول في صفه دائماً... وكذلك عامر. وهما لايفترقان إلا قليلاً عندما ينصرف أحدهما إلى هوايته الخاصة.‏

هواية عامر أن يتطلع إلى السماء ويتعرف إلى النجوم وأسمائها، ومواقعها، وأبراجها...‏

ويحلم أن يكون في المستقبل رائد فضاء.. بينما يبحث ماهر في الأرض وينقب عن حجر فضي مشع سمع عنه، وقالوا إن فيه معدنا نادراً، وهو يأمل في المستقبل أن يصبح من العلماء.‏

وبما أن الطفلين يعيشان منذ ولادتهما في منطقة اكتشاف وتنقيب عن البترول، وضمن مدينة عملية صناعية حيث يتوفر لها المناخ الطبيعي والعلمي فقد تعلق كل منهما بهوايته بتشجيع من الأبوين، وأصدقاء الأسرة من العلماء والخبراء.‏

وفي ليلة ربيعية، والسماء مشحونة بغيوم سوداء، والعاصفة توشك أن تهب رجع الطفلان من المدرسة متعبين، قال ماهر لعامر:‏

ـ أنت لاتنظر نحو السماء ياعامر... طبعاً لن ترى نجومك وأبراجك من وراء الغيوم.‏

قال عامر:‏

ـ وأنت أيضاً تتعجل في مشيتك كأنك لاتهتم بما يصادفك من أحجار.‏

وضحك الاثنان معاً لأنهما يعرفان جيداً أن هذا ليس وقت الهوايات فالامتحان قريب، وعليهما أن ينصرفا للدراسة، ثم إن جو اليوم لايساعدهما على ذلك.‏

وبعد أن انتهيا من دراستهما وذهبا إلى النوم كانت العاصفة قد انفجرت، فهطلت الأمطار بغزارة، وقصف الرعد، ولمع البرق، وحملت الريح الشديدة ذرات التراب الذي يهبط أحياناً على مثل هذه المناطق في الصحراء فيغطيها بطبقة كثيفة كأنها رداء من (الطمي) الأحمر. قفز ماهر وهو الأصغر إلى فراش عامر الذي كان يتابع ظهور البرق واختفائه، فضحك منه قائلاً:‏

ـ هل تخاف ياعامر من العاصفة؟ .. أنا لاأعرفك جباناً.‏

ارتبك عامر وأجاب:‏

ـ لا ... ولكنني أشعر بالبرد.‏

فقال ماهر:‏

ـ لماذا لانتحدث قليلاً قبل أن ننام؟‏

قال عامر:‏

ـ حسناً... أحدثك عن نجمي الذي رأيته مرة واحدة في الصيف الماضي ثم اختفى عني.‏

هل تتذكر تلك الليلة التي ذهبنا فيها مع بعض العلماء إلى الصحراء؟‏

أجاب ماهر:‏

ـ نعم أتذكر... وهل نسيت أنت ذلك الحجر المشع الذي لمحته في أعماق تلك البئر البترولية المهجورة؟‏

وظل الإثنان يتحدثان... حتى وجد عامر نفسه رغم العاصفة في قلب الصحراء.‏

المطر يبلله... والهواء يقذفه كالكرة من جانب إلى آخر، والرعد يدوي بينما البرق يضيء له مكان نجمه الضائع فيصفق فرحاً وسروراً.‏

وكذلك وجد ماهر نفسه وقد تدلى بحبل متين إلى أعماق البئر، وقبض بيديه الاثنتين على الحجر الفضي، وهو يهتف: وجدته... وجدته... انه لي.‏

ورغم التراب الذي كان يتساقط فوقه وقلة الهواء فقد كان يحاول الخروج بعد أن حصل على حجره الثمين وهو مصرّ على ألا يفقده من بين يديه.‏

وهكذا ناما طوال الليل... وعندما استيقظا وأخذ كل منهما يحكي للآخر ماذا رأى في الحلم، كان الأب يدخل غرفة طفليه ليطمئن عليهما. وعندما وجدهما صامتين حزينين تعجب مما بهما.‏

سأل عامر:‏

ـ هل تتحقق الأحلام ياأبي؟‏

وسأل ماهر:‏

ـ ألا يمكن العثور على أحجار فضية ثمينة ومشعة؟‏

ولأن الأب كان يعرف هواية طفليه فقد أجاب:‏

ـ إذا سعى أحدنا وراء أحلامه فلابد أن تتحقق... ثم أن الطبيعة غنية جداً بعناصرها، ومعادنها، والإنسان يكتشف كنوزها كل يوم.‏

وهنا دخلت (سلمى) الصغيرة وراء أمها وهي تعانق دميتها وتقول:‏

ـ أنا لم أفهم شيئاً يابابا مما قلت... ماذا قلت؟‏

أجاب الأب وهو يضحك:‏

ـ ستفهمين يوماً ما كل شيء... كل شيء.‏

Nadine
01-06-2007, 11:38 AM
تلك الليلة كانت عاصفة، والبنات الثلاث الصغيرات في أسرتهن. الهواء يصفر كعواء كلاب جائعة، وأغصان الشجر تصفق مهتاجة وكأنها تتقصف. لم يكن يشعرن بالبرد، فالغرفة دافئة والأغطية صوفية ناعمة.‏

الأم التي يحلو لها في مثل هذه الليلة أن تستعيد حكايات جدتها تقول:‏

ـ كان ياما كان... في قديم الزمان..‏

تقاطعها الكبرى:‏

ـ عرفنا الحكاية.. كان هناك ثلاث بنات يغزلن... حتى يأكلن.‏

ترد الأم وهي تتنهد:‏

ـ لا... لم تحزري.. ليست هذه هي الحكاية.‏

تنبر الوسطى:‏

ـ ثلاث بنات خياطات... يشتغلن في قصر السلطان... والصغيرة اسمها (حب الرمان)..‏

وهي التي أضاعت (الكشتبان).‏

تضحك الأم وتقول:‏

ـ بل الوسطى التي اسمها حب الرمان... وهي التي عن قصد وعمد رمت في الماء الكشتبان.‏

تكمل الصغرى:‏

ـ ذلك لأنها كسولة... وملولة. لاتحب الإبرة والخيطان... وتتلهى مع أولاد الجيران.‏



الكبرى تسأل:‏

ـ وما اسم البنت الأولى إذن؟‏

تقول الأم:‏

ـ قمر الزمان...‏

ـ والثالثة؟ /تسأل الصغرى/‏

تجيب الأم:‏

ـ اسمها نيسان.‏

وبينما الأم ترد الأغطية فوق البنات صرخن محتجات:‏

ـ نريد حلماً... لاحكاية. نريد حلماً.. حلم... حلم.‏

ـ حسناً../تقول الأم/ ـ أغلقن النوافذ.. وأطفئن النور ولتطلب كل واحدة منكن حلماً لها.. وسأضعه قبل أن أنصرف تحت مخدتها.‏

قالت الكبرى:‏

- أنت اعطينا ياأمي .. أنت اعطينا . دائماً أنت تعطيننا أكثر من أحلامنا‏

ـ أعطيك مهراً أشقر جميلاً... بل أبيض.. تكبرين ويكبر معك، وتصبحين فارسة.‏

همست الكبرى لأختيها:‏

ـ وكيف سأتصرف مع الحصان الصغير؟ كيف سأعتني به.. بطعامه وشرابه.. بنومه وصحوه..بلهوه وجريه؟ لا.. لا أريد.. لماذا لاتعطيني أمي سيارة بيضاء ونظيفة أدير محركها في لحظة فتحملني إلى حيث أشاء؟‏

قالت الأم للوسطى:‏

ـ وأنت أعطيك خمسة أرانب بيضاء جميلة... تلك التي في الحديقة. تلاعبينها كالقطط، وتتسلين بمنظرها... بتكاثرها وتوالدها.‏

همست الوسطى لأختيها:‏

ـ ولماذا لاتعطيني فراء هذه الأرانب؟ فأصنع منها قبعة وقفازات، وربما صنعت معطفاً.‏

قالت لها الكبرى وهي تضحك:‏

ـ والخياطات الثلاث سيساعدنك في ذلك.‏

أكملت الوسطى:‏

ـ بل هما اثنتان.. لأن الصغرى عاقبوها فطردوها من العمل.. وأنزلوها إلى المطبخ لتقشر الثوم والبصل.‏

وقبل أن تعطي الأم للصغرى أي شيء بادرتها هذه قائلة:‏

ـ أما أنا فأريد فراشة ملونة... أجنحتها زرقاء ووردية... لابل صفراء وبنفسجية.. تنتقل بين الزهور بلطف وحبور... تنشر الأحلام وتطويها. أليست أميرة الطبيعة في جبالها وبساتينها وبراريها؟‏

وقبل أن تتم كلامها كانت قد استغرقت في النوم.‏

عند الفجر اشتدت العاصفة أكثر وأكثر.. حطمت النوافذ والأبواب.. اقتلعت الخزانات.. كسرت المرايا... بعثرت الثياب.. وأطارت كل شيء. وأفاق الجميع خائفين مذعورين.‏

وقفت الأم مع بناتها الثلاث.. حائرات واجمات.. فلا بيت يأوين إليه.. ولاسيارة يركبنها.. وهن يرتجفن من البرد.‏

صهل حصان صغير عن بعد كأنما هو يعلن عن نفسه.‏

قالت الكبرى:‏

ـ هذا حصاني.. ماكان أغباني ظننت أن الحلم لن يتحقق.‏

وقالت الوسطى وهي تمد يديها الباردتين إلى قفص الأرانب:‏

ـ ما أجملها.. ما أدفأها.. ماأنعمها... عددها أكثر من خمسة... سبعة... عشرة، لاأدري ، كنت أحبها ولاأدري. تحتاج صغارها من يرعاها... وأنا سأرعاها.‏

أما الصغرى فقد نظرت حولها ولم تكن هناك فراشة واحدة بعد العاصفة فقد جرفتها كلها، قالت:‏

ـ لكنني أنا دوماً معي حلمي... فراشتي هنا في قلبي.. لا هنا في رأسي... لا هنا في عيني...‏

ودمعت عيناها وهي ترى أجنحة الفراش تتطاير في الهواء، وظلت تردد:‏

ـ آه... ما أجملها فراشة... فراشتي.‏

Nadine
01-06-2007, 11:39 AM
لم يعرف أحد إلى أين توجهت رنا بعد أن خرجت من المخيم لأنه لم ينتبه إليها أحد. فالجميع مشغولون بما حدث في الصباح الباكر من اعتداء جنود الاحتلال على البيوت. لقد هجموا على الأبواب فحطموها، وعلى الرجال فساقوهم إلى الساحة... أما الفتيان فلم يتركوا منهم واحداً بل جروهم كلهم إلى السيارات العسكرية.‏

وصرخت النساء... وبكى الأطفال الصغار كما لو أن ناراً تحرقهم. وتعالت الأصوات من كل جانب عندما سدد جندي الرصاص على فتى رمى مجموعة الجنود بزجاجة حارقة. وقع انفجار، وتكاثر الدخان وارتمى الفتى قتيلاً.‏

رنا الصغيرة النحيلة كانت في الطابق العلوي في بيتهم المتهدم ورأت كل شيء... وبما أن الفتى القتيل كان ابن عمتها، وكانت تحبه كثيراً فقد قالت في نفسها:‏

ـ لماذا لاأختبئ وراء ذلك السور قريباً من السيارات العسكرية وأرمي جنود الاحتلال بالحجارة؟‏

ولم تشاور عمتها التي تعيش معها بعد أن ماتت أمها... ولم تشاور غيرها، فهي تدرك جيداً أنهم لن يمانعوا ماداموا جميعاً يجابهون الأعداء.‏

وبسرعة دخلت رنا إلى غرفتها الخالية من الأثاث ماعدا فراش واطئ، وصندوق تضع فيه ثيابها... بحثت عن معطفها الشتوي الطويل... ولما لم تجده نثرت كل أشياء الصندوق، ثم تذكرت أنهم وضعوه تحت الفراش ليغدو سميكاً.‏

سحبته بعنف وارتدته والطقس صيف... والحر شديد.‏

تسللت وراء البيوت وأخذت تجمع ما أمكنها من الحجارة، وتضعها في جيوب المعطف. ولما وجدت أنها لم تتسع لأكثر من عدد محدود، مزقت بطانة المعطف وحشته بالحجارة الصغيرة، ثم سارت متثاقلة وليس في قدمها إلا حذاء كبير مهترئ من البلاستيك تلبسه عمتها أثناء نشر الغسيل.‏

ولمح أحد الجنودبنتاً صغيرة تمشي ببطء كما لو أنها تسير فوق بيض. ارتعدت عندما تقدم منها، واصفرّ لونها. قال لها:‏

ـ إلى أين أنت ذاهبة ياقردة؟ ألا ترين أنه ممنوع المرور؟‏

ارتبكت رنا، ثم نظرت بعينين مذعورتين إلى نفسها، واستجمعت جرأتها وقالت:‏

ـ أنا مريضة... وذاهبة لعند خالتي قرب السور، لأنه لم يعد أحد في البيت.‏

تأملها الجندي، ثم قال:‏

ـ ولماذا هذا المعطف ونحن في عز الصيف؟‏

قالت:‏

ـ إنا بردانة... مصابة بالحمى..‏

ولم يكمل أسئلته حتى كانت قد بدأت تبتعد بخطوات ثابتة، متهيئة لأن تهرب لو حاول أن يقبض عليها. ولكنه أدار وجهه عنها وهو غير مطمئن تماماً، فهؤلاء السكان يملكون من الجرأة والذكاء مالم يكونوا يتصورونه هم المحتلون حاملو الحضارة كما يعتقدون، ممكن أن الطفلة مصابة بالحمى... أو بلوثة في عقلها. ممكن. فكر بهذا ثم انصرف عنها.‏

رنا لم تكن مصابة بالحمى.. ولا بلوثة في عقلها... لكنها حيلتها ضد عدوها وإلا قبض عليها وفعل بها مايفعلونه بغيرها. وإذا لم تقل ذلك فكيف تنجو منه، وتحقق غايتها؟‏

وصلت رنا إلى السور وسرعان مانزعت المعطف وأفرغت مافيه من الحجارة أمامها، وأخذت تقذفها حجراً حجراً، وكلما رمت واحداً خبأت رأسها لحظات، ثم رفعته بحذر حتى إذا لم تجد أحداً يراها قذفت الآخر... وهكذا.‏

كانت تقفز من الفرح، وتدلك يديها كلما أصاب الحجر جندياً، ولم تشعر إلا بيد كالحديد تقبض على عنقها، ثم تصفعها بقوة جعلت الدم ينفر من فمها.‏

كان ذلك الجندي الذي تركها تمر وقد اعتقد أنها مريضة وبردانة قال بغضب:‏

ـ أهذه أنت إذن.. مريضة وبردانة... وتذهبين إلى خالتك؟‏

هيا... سآخذك إلى جهنم أنت وخالتك... هناك أدفأ... ونخلص منكم. أين بيت خالتك؟‏

وتكورت رنا مثل قطة مدهوسة عندما أمرها الجندي أن تمشي أمامه... ماذا تفعل؟ لم يعد أمامها إلا الاستسلام. لكن رنا أمسكت بالمعطف... تظاهرت أنها تجمعه لتأخذه معها. انحنى الجندي ليبعدها عنه... رمته فوق رأسه، ثم التقطت الحجر الوحيد المتبقي على الأرض... وبينما كان يصرخ ويحاول التملص من المعطف كانت رنا قد اختفت بين البيوت قرب السور.‏

وعندما كان الجندي يسأل زملاءه: هل رأوا بنتاً صغيرة ترتدي معطفاً شتوياً طويلاً سميكاً؟ كانوا يهزؤون به ويقولون: هل هناك من يرتدي معطفاً في عز الصيف؟‏

Nadine
01-06-2007, 11:39 AM
على قمة تلة خضراء عالية في بلاد بعيدة كان يعيش صبي صغير مع جده العجوز الذي يرعاه ويحبه كثيراً.‏

وإذ كان الجد يخرج كل يوم إلى حقله ليعمل فيه طوال النهار، كان الصبي يخرج كل صباح مع شروق الشمس ليقف على قمة التلة العالية ينظر إلى الأفق ويفتح رئتيه لهواء الصباح النقي.‏

فما تلبث الشمس أن تغمره بنورها، وتغمره معها سعادة كبيرة عندما يشعر بقوة أشعتها تتغلغل في جسمه. كان يحب الشمس فهي تسكب ضياءها في بريق عينيه، وفي تألق خصلات شعره الذهبية، وفي لون بشرته المسمر، وهي التي تسكب في جسده قوة خارقة تمنح الحياة لكل ماحولها من الأشياء.‏

وكان ينظر من قمة التلة إلى البعيد فيرى بحراً واسعاً أزرق اللون يتماوج على سطحه انعكاس أشعة الشمس كأنه ماس متدفق.‏

كان ذلك يسحره ويشده لمغامرة جديدة فقد اعتاد أن يرافق جده في مغامرات كثيرة يكتشف فيها العالم من حوله.‏

ولكن الجد الآن أصبح طاعناً في السن وها هو يقول له:‏

ـ لقد تقدمت بي السنون يابني... ولابد لي من أن أرحل عنك قريباً. عليك أن تتسلح بالمعرفة والعمل الدؤوب.‏

وكان الجد وهو رجل حكيم متواضع وبسيط يعرف أن حفيده ليس صبياً عادياً ويعرف أن الشمس تمنحه كل يوم قوتها الخارقة فيصبح قادراً على أن يعيد الحياة إلى ماحوله ماأن يمسك به بيديه القويتين. ولكن الشمس عندما كانت تغيب تغيب معها قوة الصبي.‏

لقد سمعه ذات مرة يقول لوردة الصباح الذابلة:‏

لاتحزني يانبتتي العزيزة سأسكب في عروقك قوتي فتسري الحياة في نسغك.‏

ويقول لكلبه الأسمر وهو يمسح على جسمه الصغير:‏

لقد أصبحت هرماً يارفيقي وكنت معي دوماً لم تفارقني يوماً....لن أدعك تموت.. سأعيد الحياة إلى جسمك الهزيل هذا.‏

ولكن الصبي لم يكن ليدرك أن جده عندما كان يأخذه معه إلى الحقل ويطلب منه أن يزرع الزرع ويعتني به ويحصد ثماره بعد مدة يريده أن يعتمد على قوة الحياة الحقيقية وهي العمل.‏

وذات يوم تأخر الصبي عند قمة التلة الخضراء على غير عادته حتى أوشكت الشمس على المغيب. وقبل أن يعود إلى البيت أسرع يجمع أغصان الشجرة الكبيرة التي كسرتهاالعاصفة وأخذ يغرسها في الأرض من جديد وضوء الشمس يملأ عينيه والأمل يملأ صدره بأنها ستصبح أشجاراً قوية كأمها الشجرة الكبيرة.‏

وعندما وصل إلى بيته وجد جده وقد فارق الحياة، فأسرع نحوه وهو يظن أن قوته الخارقة ستجعل جده يعيش من جديد، ولكنه عندما التفت نحو السماء ناظراً إلى الشمس وجدها قد غابت ولم تخلف وراءها في الأفق سوى شعاع أحمر ضعيف، وعندما أمسك بالعجوز بيديه القويتين لم تعد إليه الحياة.‏

لقد عجزت قوته الخارقة عن أن تمنح الحياة حتى لأحب الناس إلى قلبه.‏

فأطرق والحزن يملأ عينيه وفكر طويلاً. وأدرك أنه يمكن للحياة أن تستمر فقط من خلال الجد والعمل، وأن عليه أن يعتمد على نفسه وعلى دأبه لا على ما منحته إياه الطبيعة.‏

Nadine
01-06-2007, 11:40 AM
سامر يخرج إلى البرية حائراً... يسير وهو يعد: واحد، اثنان، ثلاثة.... ترى لمن يعطي هذه القطع الفضية التي معه؟... معلمه يقول له: أنت بارع في الحساب يا سامر... والمدرسة تقدم له مكافأة... جده قال له: هل تعطيها لمن يحزر؟ أو من يفكر؟ أو من يدبر؟.‏

مامعنى ذلك؟.. من يحزر أي من يعتمد على الحظ والمصادفة. ومن يفكر أي من يستعمل عقله أمام الأمور. أما من يدبر فلاشك أنه من يتصرف حسب ماتقتضي الظروف.‏

سامر لديه لكل قطعة سؤال، ومن يعرف الإجابة ينال القطعة. أخذ يمر على القرى القريبة من بلدته وكان عددها ثلاثاً.‏

في الأولى رأى الناس يحركون أيديهم وكأنهم يحصدون القمح.. يحركونها حركات رتيبة وبطيئة ومملة لكنهم لايتوقفون... إنه حصاد وهمي.. فلا قمح أمامهم.. ولامناجل في أيديهم.. ولاشيء سوى هذا الانهماك الفارغ كأنهم يجمعون الهواء.‏

عندما سأل سامر أحد المارين بالقرية وكان شيخاً وقوراً قال:‏

ـ هؤلاء يابني قاطفو النجوم... زارعو الأحلام، إنهم يتصورون أنهم شقوا الأرض وزرعوا، وسقوا واستنبتوا، وما عليهم الآن سوى أن يحصدوا.‏

وها أنت ترى أنها أحلام في أحلام... وأن الحصاد مجرد كلام... ومن زرع وهماً حصد الكثير من الأوهام.‏

لم ينتبه هؤلاء الناس لسامر عندما دخل بينهم. حاول أن يحاورهم لكن أحداً منهم لم يكلمه، ولم تتوقف أيديهم عن الدوران بينما عيونهم تتطلع إلى السماء.‏

تعجب سامر من حال هؤلاء الناس وسار في الطريق إلى القرية الثانية... وجد أناساً أصحاء أشداء، عضلاتهم مفتولة، وأجسامهم قوية، وهم منهمكون في كسر الحجارة وحملها ونقلها... والعرق يتصبب من جباههم... ملامحهم جامدة كالصخر... ووجوههم مقطبة وكأنها لم تعرف الابتسام... ولاأحد منهم يتوقف دقيقة أو يستريح لحظة.‏

سأل سامر أحد المارين بالقرية وكان رجلاً جسيماً قوياً فقال:‏

ـ هؤلاء يابني حاملو الأسرار...محطمو الأحجار... إنهم يعملون ولايتكلمون... يشقون ويتعبون ولايسألون.. همهم أن يبذلوا الجهود تلو الجهود حتى ولو لم ينالوا أي مردود... يعملون ولايتذمرون.. ويقنعون بالرغيف وحبات الزيتون.‏

هؤلاء الناس لم يتيحوا لسامر أن يدخل بينهم... بل نهروه وطردوه... ووقفوا سداً في وجهه ومنعوه.. فلم يجد أمامه سوى أن يتابع طريقه.‏

في القرية الثالثة وجد جموعاً من الناس كسالى حيارى..يجلسون على الأرض ينصتون بآذان طويلة ونفوس عليلة... وكلما علت الأصوات أو تداخلت أو تقاطعت كانوا يديرون نحوها آذاناً كالأبواق تلتقط كل شيء من كل الجهات والآفاق. أمورهم فوضى... وحياتهم بلاجدوى.. فهم أناس عاطلون معطلون... وهم يحسبون أنفسهم في قلب المعركة يقاتلون.‏

وعندما سأل سامر أحد المارين بالقرية... وكان رجلاً نحيلاً طويلاً، هادئاً عميقاً قال له:‏

ـ هؤلاء يابني أشقى الناس... فهم أهل الوسواس... لايكفيهم أنهم لايفهمون مايسمعون... بل هم لايدركون مايفعلون. يأخذون الأصوات ويتركون الأصداء... وتضيع أفكارهم بين أرض وسماء.‏

حاول سامر أن يدخل بينهم.. أن يفهم منهم أو عنهم لكنهم كانوا عنه مشغولين... وبأعباء مايسمعون منهمكين.‏

خرج من القرية الثالثة وهو يداعب قطعة فضية، ويقول: واحد، اثنان، ثلاثة. القسمة على ثلاثة. ظهرت له الساحرة العجوز وأعطته كيساً وإبرة وخيطاً، وقالت له:‏

ـ ضع فيه كل ماتريد... واحبسه في هذا الكيس الجديد... ثم أطلقه فينطلق كما الماردالعنيد.. من قمقم الحديد.‏

قالت هذا ثم اختفت مع الهواء.. فتعجب سامر ثم قذف بالقطعة الأولى فارتفعت عالياً عالياً في الجوثم تكسرت إلى آلاف النجوم الصغيرة البراقة... أخذت النجوم تهوي نحوه كحبات البرد فبدأ يجمعها ويعبئها بالكيس حتى ظن أنه امتلأ.‏

تنهد تعباً.. ثم مشى ومشى حتى صادف بيادر الحصاد، والقمح الذهبي الناضج يتكدس فوق بعضه بعضاً، وتلفحه حرارة الشمس، فتح الكيس مرة ثانية وأخذ يحشوه بالسنابل المليئة حتى ظن أنه امتلأ.‏

جلس ليستريح قليلاً فهبطت نحوه العصافير والطيور المغردة وهي تصدح بأعذب الألحان، فتهرب منها الأصداء كأسراب الحمام، تساءل سامر: ترى هل أستطيع أن أختزن الأصداء أيضاً؟‏

تذكر ماقالته العجوز: تستطيع أن تضع في هذا الكيس كل شيء... كل شيء.‏

لم يلبث أن أغمض عينيه وترك الأصوت تمر عبر أذنيه، ثم فتح الكيس ولامس أطرافه بأصابعه كما لو أنه يعزف فأحس أن الأصداء تسللت كالنسيم إلى داخله فتركها تفعل مدة طويلة، ثم أغلق كيسه وحمله ومضى.‏

كان يصفر ويغني مردداً: واحد، اثنان، ثلاثة... القسمة على ثلاثة. فتذكر أهل القرية الأولى الذين يزرعون النجوم ويقطفون الأحلام فأسرع نحوهم متحمساً، ثم مد يده إلى الكيس فأخرج سنابل القمح، وقدمها لهم ففرحوا بها وأسرعوا بزرعها.‏

توجه إلى القرية الثانية حيث الذين يحملون الأسرار ويكسرون الأحجار... فتح الكيس ونثر عليهم نجوم الأحلام فأشرقت وجوههم... وابتسموا.. جففوا عرقهم، وجلسوا يستريحون وقد التمعت عيونهم ببريق الأمل. أخذوا يبنون قصور الأماني للمستقبل، ويزينونها بقطع النجوم، متناسين التعب وكل الهموم.‏

أما أولئك الحيارى الكسالى... ذوو الآذان الطويلة.. والنفوس العليلة... الذين يلتقطون الأصوات بلا أصداء حتى لو كان حفيف الشجر أو همس الماء، فقد نفض بين أيديهم كل ما تبقى معهم في الكيس متمنياً أن يظل معهم ، وأن يكون لهم خير جليس.. يسمع كلامهم ويفهمهم من خلال لغة حوارهم.‏

رفع سامر الكيس فأحس أن حمله خفيف..وكأن ليس فيه الا هواء لطيف .لكنه في الحقيقة كان يحتوي على سؤال جوابه عند سامر بألف جواب: هل القسمة على ثلاثة كان فيها العدل ..أم الجهل؟‏

تحير سامر وهو البارع في الحساب،لكنه فكر وأعطى على الفور الجواب انها القسمة...القسمة.‏

ومضى يعد : واحد ..اثنان ..ثلاثة ...القسمة على ثلاثة.‏

Nadine
01-06-2007, 11:40 AM
عندما جاء العمال ليقوموا بالقطع التجديدي لاشجار الشارع العام، سمعت ريما ضجيجاوأصواتا كثيرة فأسرعت تطل من نافذة غرفتها .فوجدتهم وقد اتوا بسلم حديدي طويل وبمنشار كهربائي برتقالي اللون ،وأخذوا يشيرون إلى الشجرة الباسقة التي تمتد فروعها نحو نافذة ريما، وأحدهم يقول : لنبدأ بهذه الشجرة الكبيرة أولاً.‏

عند ذلك دخلت أخت ريما الصغيرة إلى الغرفة وركضت نحو النافذة وهي تصيح:ريما ..ريما..إنهم يقطعون الشجرة التي تحبينها ، أوقفيهم ....لماذا لا تقولين لهم شيئاً ؟ ألم تري ماذا يفعلون ؟‏

ضحكت ريما وهي تنظر إلى أختها وقالت :‏

-وهل تعتقدين أنهم سيقطعون الشجرة كلها ؟....لا، إنهم فقط يجرون القطع التجديدي للأشجار فيقطعون الأغصان الكبيرة الممتدة والمتشابكة.‏

-ولماذا يقطعونها ؟إن منظرها جميل ‍‍‍‍‍‍‍!‏

-ولكنها تحجب الضوء عن باقي أجزاء الشجرة .وهم اذا يقطعونها يعطون الشجرة أيضاً شكلاً أجمل ويعيدون إليها حيويتها.‏

ولما كانت ريما منشغلة بحديثها مع أختها الصغيرة لم تنتبه لما كان يجري في الخارج .‏

كانت مجموعة العصافير التي تسكن الشجرة تتعالى أصواتها وهي تتشاور فيما بيتها عما يمكنها عمله ما داموا سيقطعون أغصان الشجرة ..وهم قد بنوا عليها أعشاشهم منذ شهور!....‏

لا بد لهم إذن من أن يهاجروا ...ولكن أين ؟‏

وارتفعت أصواتهم أكثر وازدادت حدة وعصبية ، حتى إن العمال عدلوا عن رأيهم وقرروا أولاً أن يبدأوا أولاً بقطع أغصان الأشجار التي تقع في نهاية الشارع.‏

وفي صباح اليوم التالي عندما فتحت ريما نافذة غرفتها سمعت أصوات العصافير وهي تزقزق عاليا،ولما نظرت إلى الشجرة الكبيرة وجدتها وقد قطع ما كان عليها من أغصان ، فتساءلت :‏

-اين ذهبت تلك العصافير يا ترى ؟..‏

لابد أنها في مكان قريب ...‏

ولم تبحث ريما طويلاً ثم قالت :‏

-أجل إنها هناك في حديقة الجيران على شجرة السرو الهرمة ذات الأوراق الأبرية كأنها الأشواك .‏

وبينما هي تفكر اذا بعصفور هرم يفرد جناحيه حائما حول الشجرة الكبيرة ثم ما لبث أن حط عليها وهو ينظر إلى باقي العصافير وهي تروح و تجيء حاملة بأفواهها عيدانا من القش .‏

وقف العصفور الهرم طويلاً وهو حزين كئيب وبينما هو كذلك حطت بقربه مجموعة من العصافير الفتية، فتقدم منه أحدها وقال :‏

- هل ستطول غربتنا عن المسكن الذي ولدنا فيه واعتدنا أن نعيش فيه منذ طفولتنا ؟...صمت العصفور الهرم قليلاً ثم أجاب :‏

-...لا بد من أن نبني معاً العش من جديد ....‏

وطار عالياً ولحقت به بقية العصافير .‏

بقيت ريما في نافذتها تراقب جموع العصافير وهي تعمل منهمكة في بناء أعشاش جديدة لها ، وتراقب العصفور الهرم وهو يشجع الصغار منهم ويساعدهم ويبث الأمل في نفوسهم .كان يعرف أن الشجرة سرعان ما تمتد فروعها من جديد وتكسوها الأوراق الخضر الفتية بغزارة، وعند ذلك يمكن لهم أن يعودوا اليها مرة أخرى .‏

ولما أغلقت ريما زجاج النافذة وأغمضت عينيها رأت كم سيكون ربيع الشجرة الكبيرة جميلاً وأخضر هذا العام تسكنه العصافير وتملؤه بالبهجة .‏

Nadine
01-06-2007, 11:41 AM
- كمال: هات الحجارة يا جمال ..‏

- سهى: ها هي هنا يا كمال ..العصا والحبال‏

- نهى: اسرعوا يا أولاد ..خبئوا البنادق ..‏

- جمال : سوف نرمي في وجوههم هذه الزجاجات المليئة بالوقود أيضاً ...‏

- كمال : ضاحكاً : هذه حجارة كبيرة حادة الأطراف تصلح لأن تشج الرؤوس ..‏

- نهى : أجل سوف نخيفهم بها أيضاً‏

- جمال : هيا لنختبئ اسمع وقع خطوات‏

- سهى : إليَّ بالذخيرة يا نهى ...‏

- كمال : ها هم قادمون ...استعدوا..سوف ننجح هذه المرة ..وكما في كل مرة ..كان الرجل الشرير الذي تسلل إلى القرية يريد أن يسرق بيت الاولاد .. وقد دبر خطته الماكرة بكل خبث ودهاء .لكنه ما ان مر قرب النافذة وسمع ماكان يقوله الأولاد حتى ارتعد وخاف، واختبأ إلى جانب البيت لايجرؤ على الحراك، ثم قال في نفسه ‍!‏

ـ ماذا أفعل؟!.. لقد سمعوا وقع أقدامي وتهيأوا .. يا إلهي.. الهروب أحسن... الهروب أحسن وإلا أوقعت نفسي في مأزق... هؤلاء الأطفال ليسوا هينين...‏

وانسل الرجل الشرير ببطء مثل نمس في الظلام، وما لبث أن أطلق ساقيه للريح يعدو دون أن يجرؤ على الالتفات نحو الوراء..‏

والحقيقة أن سهى ونهى وكمال وجمال كانوا يقلدون المشاهد التي رأوها في التلفزيون عن أطفال الانتفاضة ويكررون العبارات التي سمعوها وهم يتخيلون أنفسهم في الأرض المحتلة، وقد انضموا إلى أبناء الانتفاضة يدافعون عن أرضهم وعن حقوقهم بكل بسالة وشجاعة..‏

لكن الرجل الشرير لم يكن يعلم أن الأولاد هذه المرة كانوا (فقط) يلعبون.‏

Nadine
01-06-2007, 11:42 AM
استيقظ طارق يوم عيد الشجرة متأخراً على غير عادته... وكان يبدو عليه الحزن. ولما سأل أمه عن أخوته وقالت له انهم ذهبوا ليغرسوا اشجاراً اضطرب وقلق. قال بغيظ:‏

ـ ومتى ذهبوا ياأمي؟‏

أجابت:‏

- منذ الصباح الباكر .. ألم يوصوكم في المدرسة أنه يجب أن يغرس كل منكم شجرة ؟ ألم ينبهوكم إلى أهمية الشجرة؟‏

قال :‏

ـ نعم.. لقد أوصتنا المعلمة بذلك... وشرحت لنا عن غرس الشجرة في عيد الشجرة، أما أنا فلا أريد أن أفعل.‏

قالت الأم بهدوء وحنان:‏

ـ ولماذا ياصغيري الحبيب؟... كنت أتوقع أن تستيقظ قبلهم، وتذهب معهم. لم يبق أحد من أولاد الجيران إلا وقد حمل غرسته وذهب.. ليتك نظرت إلى تلاميذ المدراس وهم يمرون من أمام البيت في الباصات مع أشجارهم وهو يغنون ويضحكون في طريقهم إلى الجبل لغرسها. إنه عيد يابني فلاتحرم نفسك منه..!‏

قال طارق وقد بدأ يشعر بالغيرة والندم:‏

ـ لكن الطقس باردجداً ياأمي. ستتجمد أصابعي لو حفرت التراب، وأقدامي ستصقع.‏

أجابت:‏

ـ ومعطفك السميك ذو القبعة هل نسيته؟ وقفازاتك الصوفية ألا تحمي أصابعك؟ أما قدماك فما أظن أنهما ستصقعان وأنت تحتذي حذاءك الجلدي المبطن بالفرو!‏

صمت طارق حائراً وأخذ يجول في أنحاء البيت حتى وقعت عينه على التحفة الزجاجية الجميلة التي تحفظ صور العائلة وهي على شكل شجرة، ووقف يتأملها.‏

قالت الأم:‏

ـ هل ترى إلى شجرة العائلة هذه؟ إن الأشجار كذلك.. هي عائلات... أم وأب وأولاد. وهي تسعد مثلنا إن اجتمعت مع بعضها بعضاً وتكاثرت، فأعطت أشجاراً صغيرة. إن الشجرة هي الحياة يابني ولولاها ماعرفنا الفواكه والثمار.. ولا الظلال ومناظر الجمال. إضافة إلى أننا ننتفع بأخشابها وبما تسببه لنا من أمطار، ثم هل نسيت أن الأشجار تنقي الهواء وتساعدنا على أن نعيش بصحة جيدة.‏

صمت طارق مفكراً وقال:‏

ـ حسناً... أنا أريد إذن أن أغرس شجرة.. فهل شجرتي ستصبح أماً؟‏

أجابت الأم بفرح:‏

ـ طبعاً... طبعاًيابني. كلما كبرت ستكبر شجرتك معك، وعندما تصبح أنت أباً تصبح هي أماً لأشجار صغيرة أخرى هي عائلتها، وستكون فخوراً جداً بأنك زرعتها.‏

أسرع طارق إلى خزانة ثيابه ليخرج معطفه وقفازاته، سأل أمه بلهفة:‏

ـ هل أستطيع أن ألحق... أخوتي والجميع؟‏

ضحكت الأم وقالت:‏

ـ كنت أعرف أنك ستطلب مني ذلك... شجرتك في الحوض أمام الباب في كيس صغير شفاف... وإنا كما تراني قد ارتديت ثيابي هيا بنا...‏

وانطلق طارق مع أمه فرحاً يقفز بخطوات واسعة... واتجها نحو الجبل وهما يغنيان للشجرة... شجرة الحياة أنشودة الحياة.‏

Nadine
01-06-2007, 11:42 AM
في الصحراء الواسعة وتحت أشعة الشمس المحرقة عاشت فوق الرمال منذ زمن بعيد مجموعات كثيرة من الأفاعي. كان منها الكبير ومنها الصغير، منها المرقط والملون، ومنها ماكان قاتماً أو بلون الرمال حتى لاتميزه عنها.‏

وكانت مجموعات الأفاعي تزحف في أرجاء الصحراء تارة باحثة عن فريسة لها، وتارة أخرى هاربة من عدو يطاردها. وفي الصيف عندما تشتد حرارة الصحراء تنسل إلى باطن الرمال لتهرب من وهج الحرارة اللافح الذي يتعبها ويذهب بنشاطها وقوتها حتى تغدو غير قادرة على الحراك.‏

فكرت جماعة منها أن تهاجر عن أرض الصحراء اللاهبة نحو الواحات الرطبة حيث الظل كثير والطعام وفير. أما جدة الحيات فلم تشجع الجماعة المهاجرة، بل على العكس قالت:‏

ـ لقد اعتدنا أن نعيش في الصحارى، ولعلي لا أجد في الواحات شروطاً للعيش أفضل. حذار أيتها الحيات... فكم من المفاجآت تنتظركن في الموطن الجديد.‏

وفي إحدى الواحات الخضراء أخذت الحيات المهاجرة ترتع فرحة في بقعة منها مستمتعة بالطقس العذب وبشروط السكن المريح ناسية موطنها الأول في الصحراء.‏

حتى أتت مجموعة من فتيان الكشافة وقرروا أن يخيموا فوق أرض الحيات، قال لهم رئيسهم:‏

ـ أشعلوا بعض النيران المتفرقة من حولكم فهي تطرد الحيوانات الخبيثة.‏

وما هي إلا دقائق حتى امتد لهيب النار إلى حيث الحيات فخرجت من أوكارها وقد شعرت بالخطر وهي غاضبة ناقمة.‏

لم تدر الحية الفضية ذات الألوان المتماوجة ماكان من أمر رفيقاتها فقد كانت تلهو مسرورة مع أحد الأطفال الذي عقد معها صداقة، وكانت تحلم بأنها أصبحت ملكة الحيات جميعاً وهو يقول لها:‏

ـ كم أنت جميلة ياصديقتي الحية. عيناك تبرقان كأنهما جوهرتان نادرتان. وجلدك اللماع الأملس كم هو ناعم. أحب أن أنظر إليك وأنت تنسلين بخفة يتمايل معها جسمك الطويل الرشيق.‏

قالت الحية الفضية وهي ترفع رأسها عالياً:‏

ـ شكراً لك يا صديقي... فأنت تقدر جمالي حق قدره... وأنا أعدك بأنني سأظل صديقة وفية لك، وسأبقي أنيابي السامة بعيدة عن جسمك الطري ولاأسبب لك أي أذى.‏

وبينما هي تنسحب مزهوة حالمة كانت يدا الطفل تمتدان إلى نبتة من الفطر الأبيض الطري مثل قطعة جبن شهية دون أن يدري أنه من الأنواع السامة. فالتفتت الحية ورأت هذا المشهد وإذا بها تعود مسرعة لتنقذه، وما كان منها إلا أن أبرزت نابيها الحادين وغرزت جزءاً منهما في جسم الطفل حتى تسربت كمية صغيرة من السم تعدل من تأثير سموم الفطر.‏

استلقت الحية متعبة بينما الصبي يسترد أنفاسه ويغمره عرق غزير. لكن من رآه في هذه الحالة وآثار أنياب الحية لاتزال ظاهرة على يده تيقن أنها هي التي غدرت به وآذته، فهجم بعضهم عليها وقتلها.‏

أما الطبيب فبعد أن قام بفحوصه على الطفل وسأله عما جرى له تأكد أنه لولا هذا السم الذي غرزته الحية في جسمه لما استطاع أن يتغلب على سم الفطر. فسم الأفعى قاتل كما هو بمقدار معين ترياق شاف.‏

وهكذا انقسم الناس بين صديق للحية وبين عدو لها، واحتارت الأفاعي متى تكون مسالمة وديعة ومتى تفتك بالناس وظلت سمعتها على هذه الحالة... هل هي صديقة أم عدوة !...‏

Nadine
01-06-2007, 11:43 AM
عندما صعدنا إلى سطح منزلنا الريفي الواطئ، كان أخي (سالم) قد صنع طائرات ورقية كثيرة، وناداني لكي أربطها بالخيوط ثم نطلقها معاً نحو السهل، وبما أنني كنت أشعر بمتعة كبيرة وأنا أراها ترفرف كالفراشات فقدأغلقت أذني عن صوت أختي الذي كان كان يرن في أنحاء البيت وهي تناديني كي ألعب معها. هذه المرة كانت الطائرات من الورق المقوى... لونها أزرق رمادي ... ومصممة بشكل متقن كا لو أنها طائرات حقيقية، وقال (سالم):‏

ـ انظري هذه ياسلمى أنها من معدن شفاف ورقيق هي أوراق القصدير التي خبأها خالد عندما أتتنا هدية خالنا صالح.‏

تقول سلمى:‏

ـ آه... لاتذكرني بالهدية ياسالم... فأنا مقهورة منذ ذلك اليوم. لماذا أخفت أمنا كل تلك الأشياء الجميلة؟‏

أجاب سالم:‏

ـ ليس هذا وقته الآن. تعالي الحقي بي إلى السطح قبل أن تفطن أمنا لوجودنا في البيت.‏

ترد سلمى:‏

ـ سأذهب معك بشرط...‏

يقول سالم:‏

ـ أي شرط؟ كنت ستزعلين لو أطلقت طائرتي دون أن تشاهديها.‏

تجيب سلمى:‏

ـ كنت سأزعل... ولكن لماذا لم تعطني أمي قطعة قماش جميلة أخيطها ثوباً؟‏

قالت هذا بينما يسحبها سالم من يدها... قلبها يرفرف كعصفور... لم يكن لديها مثل هذه الأحاسيس نحو الأشياء... تتذكر جدتها وهي تبتسم، وتقول لها:‏

ـ أنت تكبرين بسرعة ياسلمى...‏

وأمها تعاملها على أنها طفلة صغيرة... لكنها أصبحت في سن الحادية عشرة... وأنها قريباً ستنهي دراستها الابتدائية. ومادامت (الضيعة) صغيرة إلى هذا الحدوليس فيها مدرسة ثانوية ولا إعدادية فهي حتماً ستنتقل إلى (البلد)، وستكون مثل ابنة عمها (فرح) التي تعلمت حتى المرحلة الجامعية.‏

فوق السطح تقف سلمى والسهل يمتد أمامها مثل بساط أخضر جميل... تتمنى لو أنها تطير منه وتزقزق مثل عصفورة... أصبحت لا تحب الألعاب التي تخص الصغار.. لكن قصتها مع الطائرات عجيبة... دائماً تحلم بأنها يوماً ما ستركب طائرة..أو ربما تقودها ، من يدري؟ لم ؟ ألا تقود النساء السيارات ؟ ماالفرق ؟ .. صحيح أن قيادة الطائرة أصعب كما تتصور لكن الأمر واحد. أحلامها ترفعها فوق بلاط السطح خفيفة مثل ريشة في الهواء... تحس أنه ينبت لها جناحان... هل سيطول الزمن حتى يأتي هذا المستقبل الذي يحدثونها عنه؟ أمس كتبت في درس التعبير أنها تريد أن تكون طائراً حراً.‏



صوت الأم يأتي من بعيد وهي تنادي: سلمى.. سلمى... أين أنت؟‏

تتنبه سلمى، فتنسحب من حلمها وتهرع نحو أمها.‏

أمام باب المنزل تستقبل الأسرة الخال الذي عاد من المغترب محملاً بالهدايا والأشواق. ومن بين الهمسات والقبلات والأحاديث كانت سلمى تلتصق بخالها، فقد افتقدته كثيراً، يبادرها فيقول:‏

ـ هيه... وأنت ياسلمى... متى ستبدأ إجازتك المدرسية؟‏

تتنهد سلمى وتقول:‏

ـ ليست المشكلة هي الإجازة ياخالي... إنها المرحلة الدراسية القادمة.‏

يضحك الخال ويقول:‏

ـ ومالمشكلة في المرحلة القادمة؟ ألن تذهبي إلى المدرسة من جديد؟‏

تجيب سلمى:‏

ـ وأين هي المدرسة... في قريتنا لاتوجد سوى مدرسة ابتدائية واحدة... ألا تعرف ذلك؟‏

يفكر الخال ويهز رأسه:‏

ـ هكذا إذن.‏

سلمى تشرد بعيداً.. الجميع يضحكون ويتحدثون وهم مبتهجون بزيارة القريب الذي كان غائباً.‏

في زاوية الغرفة الخال والأم يهمسان بحديث لم تسمع منه سلمى ولاكلمة واحدة...‏

وفجأة يقترب الخال منها وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة بدت معها أسنانه البيضاء، وهو يقول:‏

ـ ما رأيك ياسلمى أن تذهبي معي أثناء الإجازة في عودتي للمغترب؟‏

ترد سلمى:‏

ـ ولكن ياخالي...‏

يقاطعها:‏

ـ وقبل افتتاح المدرسة تعودين مع زوجتي وأولادي إلى البلد حيث المدارس متوفرة هناك فتقيمين معهم.‏

تقفز سلمى فرحة وتقول:‏

- أحقاً هذا يا خالي .. هل هذا ممكن يا أمي تبتسم الأم وتقول :‏

ـ ولم لا... أليس هذا حلاً معقولاً؟‏

تنظر سلمى من النافذة فترى الطائرات الورقية التي أطلقتها مع سالم تكبر وتكبر حتى تملأ السماء، وترتفع عالياً حتى تغيب بين الغيوم. وتسمع دوياً هائلاً ما يلبث أن يخفت تدريجياً، فتتنهد وكأنها أصبحت على مقعد الطائرة أمام نافذة صغيرة جداً ولكنها تطل منها على البحار والجبال والسهول.‏

Nadine
01-06-2007, 11:43 AM
الطفلة (سوسو) تقول لنفسها وهي ترى قطها (عنبر) يموء مواء شديداً قرب الباب:‏

ـ ليذهب عن بيتي إلى الأزقة والشوارع... إنه قط غدّار. لقد دللته وقدمت له كل حبي ورعايتي، ولم أقصر عليه بشيء... حتى أنني أخذت من مصروفي الخاص فاشتريت له لحماً ولبناً عندما غابت أمي عن البيت.‏

وفتحت له الباب فأسرع يركض باتجاه الحديقة. وعادت مهمومة وكأنها فقدت عزيزاً. (عنبر) قط أليف وجميل، أشهب اللون، منقط بالأبيض وكأنه نمر، وهي تحبه كثيراً.‏

ربته منذ تركته أمه تحت شجرة وعمره ثلاثة أيام، فكيف ينساها ويتركها؟ ولكنها لاتريد أن تحجزه عندها بالقوة، وإذا أراد أن يذهب فليفعل.‏

وفكرت في حوائجه الصغيرة .. فراشه، وصحنه، ووعاء الماء، ماذا ستفعل بها؟ هل سترميها إلى الخارج وراءه أم تحتفظ بها لقط آخر؟.. ولكن لا.. كل القطط كذلك.إنها غدّارة، وليس عندها وفاء لأصحابها.‏

وعاد القط يموء من جديد قرب الباب مواء كله توسل واستعطاف، فأسرعت (سوسو) لتقول له:‏

ـ ماذا تريد مني أيها الناكر الجميل؟ اذهب عني... وستعرف قيمة حبي لك عندما تتشرد في الشوارع، ولاتجد الطعام والمأوى.‏

وما إن فتحت الباب حتى انسل من الحديقة عنكبوت كبير. صرخت (سوسو) عندما أسرع القط (عنبر) فانقض عليه وأنشب فيه أظافره، وظل يضربه حتى فارق الحياة.‏

قالت (سوسو):‏

ـ شكراً ياعنبر... كان العنكبوت سيؤذي أخي الصغير النائم في فراشه الآن. أنت قط جيد... ادخل.‏

أجاب القط:‏

ـ أنا قط جيد ولكني لن ادخل. أنا أحب أن أعيش معك لكنني أحب حريتي أكثر. كنت صغيراً وكنت بحاجة إلى من يرعاني ويطعمني، وها أنا قد رددت لك شيئاً من فضلك علي.. اتركيني في هذه الحديقة، سأتجول في الطرقات كما أشاء ثم أعود إليك.‏

ورضيت (سوسو) بهذا فما أغلى الحرية على المخلوق، وهي نفسها لم تعد أمها تحجزها في البيت أو في الحديقة بل هي تذهب إلى المدرسة، وإلى رفيقاتها وقريباتها، كما أنها تسرح وتمرح في النزهات. فلماذا لايكون عنبر كذلك؟ لكنها تذكرت شيئاً هاماً، فتحت الباب وقالت:‏

ـ عنبر... عنبر.. إياك أن تؤذي نفسك وتتعرض لغدر الكلاب أو الأشرار أو عجلات السيارات.. وانتبه أن تأكل طعاماً مسموماً وقذراً. وعندما تعود ستجد مأواك في الحديقة وكذلك طعامك.‏

وانتبهت (سوسو) وهي تدخل إلى البيت بارتياح لأن عنبر قتل العنكبوت ولم يأكله، وأنه عندما غادر الحديقة كان يمشي على الرصيف حذراً متنبهاً لأخطار الشارع.‏

Nadine
01-06-2007, 11:45 AM
كان في قديم الزمام، ملكٌ كبيرٌ حكيم، اسمه حسَّان.. وكان الملك حسان، يحبُّ الأذكياءَ، ويرفعُ قَدْرَهم، فهو يُقيم مُسابقةً، بينَ حينٍ وآخر، يطرحُ فيها سؤالاً واحداً، ومَنْ يجبْ عنه، يقلّدْهُ وساماً ملكيّاً رفيعاً.‏

واليوم. هو يومُ المسابقةِ الكبرى..‏

الملك حسان في شرفةِ القصر، وحولَهُ الوزراء والقُوّاد..‏

والساحة الواسعة، تغصُّ بالبشر ،من رجالٍ ونساءٍ وأطفال، وكلُّ واحدٍ يقول في سِّرهِ :‏

- ماسؤالُ اليوم ؟!‏

لقد حضر الناسُ، من أقصى المملكة، ليسمعوا السؤالَ الجديد ...‏

- ما أَغلى قطرةٍ في المملكة؟‏

- ومتى الجواب؟‏

- في مثل هذا اليوم، من العام القادم .‏

***‏

وانصرف الناسُ، يفكِّرون في السؤال ...‏

قال طفلٌ لأبيه :‏

- إذا عرفْتُ أغلى قطرة، هل أنالُ وسامَ الملك؟‏

ابتسمَ والدهُ، وقال :‏

- نعم يابني!‏

قال الطفل :‏

- قطرة العسل .‏

- لماذا؟‏

- لأنها حلوةٌ ولذيذةٌ.‏

وقالتْ طفلةٌ لأُمِّها :‏

- أنا أعرفُ أغلى قطرة..‏

- ماهي؟‏

- قطرة العطر..‏

- لماذا؟‏

- لأنَّها طيِّبةُ الرائحة .‏

***‏

وشُغِلَ الناسً بالقطرات، فهذا يقول :‏

- إنَّها قطرةُ الزيت..‏

وذاك يقول :‏

- إنَّها قطرةُ النفط ..‏

وأكثرهم يقول :‏

- سؤالُ الملكِ، ليس سهلاً، كما تظنّون !‏

فما القطرةُ التي يريد ؟!‏

***‏

قال عقيل :‏

- لن أهدأَ حتى أعرفَ الجواب ..‏

وأقبلَ على مطالعةِ الكتب، ومصاحبةِ العلماء‏

تارةً يقرأُ في كتاب ،وطوراً يصغي إلى عالم...‏

مضتْ عدَّةُ شهور، ولم يصلْ إلى مايريد!‏

وذاتَ يوم...‏

زار عالماً كبيراً، فوجدَهُ مُنكباً على تأليفِ كتاب ...‏

المحبرةُ أمامه والريشةُ في يده..‏

وفجأة ..‏

لمع في ذهنه الجواب :‏

- إنها قطرةُ الحبر!‏

رمزُ العلوم والأدبْ‏

لولاها ضاع تراثنا ..‏

لولاها ماكانتْ كُتُبْ‏

***‏

وفي مكانْ آخرَ من المملكة، كان ربيعةُ يمشي تعِباً، في أرضٍ قاحلة جرداء ..‏

اشتدَّ به العطش، ولم يعثرْ على ماء!‏

ظلَّ يسيرُ حتى وهنَتْ قواه، وأشرفَ على الهلاك .‏

- ماذا يعمل ؟!‏

وقف يائساً ، ينظرُ حوالَيه ..‏

شاهدَ بقعةً خضراء !‏

لم يصدِّق عينيه، وقالَ مُستغرباً :‏

- الأرضُ الميتةُ، لا تنتجُ خضرة!‏

ومع ذلك ..‏

سارَ نحو البقعة الخضراء، يدفعه أملٌ جديد...‏

وعندما وصل إليها ،وجد الماء !‏

أقبل عليه فرِحاً، يشربُ ويشربُ، حتى ارتوى تماماً..‏

حمد الله، وقعد يستريح، ويتأمَّلُ المياه،‏

وما يحيط بها، من عشبٍ غضٍّ، ونبتٍ نضير...‏

وتذكرَّ سؤال الملك، فنهض واقفاً، وقال :‏

- لقد عرفتُ أغلى قطرة !‏

إنَّها قطرةُ ماء‏

فيها أسرارً الحياة‏

إنَّها قطرةُ ماء‏

***‏

واختلط الحارثُ بأصنافِ الناس ...‏

شاهدَ البنَّاءَ الذي يحوِّلُ كومةَ الأحجارِ إلى قصر جميل، وشاهد النجارَ الذي يصنعُ من جذعٍ غليظِ خزانةً أنيقة...‏

وشاهد الفلاح الذي يحوِّلُ أرضه البَوار إلى جنَّةِ أشجارٍ وثمارٍ‏

شاهد وشاهد كثيراً من العمال، الذين يعمرون الوطن، ويسعدون البشر‏

وشاهد قطرات العرق، تزين جباههم السُّمر.. عادَ مسروراً ،وهو يقول :‏

- عرّفْتُها.. عرَفْتُها ... إنَّها قطرةُ العَرَق !‏

رمزُ النشاطِ والعملْ‏

تكرهُ كلَّ القاعدينْ‏

كأنَّها لؤلؤةٌ‏

تهَوى جِباهَ العاملينْ‏

***‏

أمْا طارق ، فقد وصلَ في أسفارهِ، إلى جنوب البلاد...‏

وجد الناسَ في هرج ومرج...‏

سأل عنِ الخبر، فقيل له :‏

- لقد اجتاز الأعداءُ حدودَ مملكتنا..‏

دخل السوقَ، فسمع كلماتٍ غاضبة:‏

- الأعداءُ يقتلون ويحرقون !‏

- إنَّهم يخربون مابناه العمال !‏

- ويفسدون زروعَ الفلاحين !‏

- ويلقون كتبَ العلماءِ في النهر!‏

- مياههُ تجري سوداء!‏

- حياتنا أشدُّ سواداً !‏

- هيّا إلى الجهاد !‏

- هيّا إلى الجهاد !‏

انضمَّ طارقٌ إلى المجاهدين، وانطلقوا جميعاً إلى الحرب، يتسابقون إلى الموت، ويبذلون الدماء، حتى أحرزوا النصر، وطردوا الأعداء ...‏

عادت الأرضُ حرَّةً ..‏

وعادتِ الحياةُ كريمةً‏

وعادَ الناسُ فرحين، يحملون شهداءهم الأبرار..‏

سقطَتْ على يد طارق، قطرةُ دمٍ حمراء ،نظر إليها طويلاً، وقال :‏

أنتِ أغلى القطرات‏

أنتِ رمزٌ للفداء‏

أنتِ عزٌّ للحياة‏

أنتِ روح للضياء‏

***‏

مضى عامٌ كامل، وحانَ موعدُ الجواب ..‏

الملك حسان في شرفةِ القصر، وحولَهُ الوزراءُ والقُوّاد..‏

والساحة الواسعةُ، تغصُّ بالبشر، من رجالٍ ونساءٍ وأطفال ...‏

وكلُّ واحدٍ يقول في سرِّه :‏

- مالجوابُ الصحيح ؟!‏

لقد حضر عقيل، ومعه قطرةُ حبر .‏

وحضر ربيعة، ومعه قطرةُ ماء .‏

وحضر الحارث، ومعه قطرةُ عرق .‏

وحضر طارق، ومعه قطرةُ دم..‏

إنَّهم أربعةُ رجال، يحملون أربعَ قطرات ..‏

والسؤالُ الآن :‏

- مَنْ سيفوزُ بالوسام ؟!‏

Nadine
01-06-2007, 11:46 AM
في قريتنا كَرْمٌ فسيح ، يملكه " سحلول " البخيل ..‏

حلَّ فصلُ الصيف، وأينعتْ عناقيدُ العنب ..‏

فرحتِ العصافيرُ كثيراً، وطارتْ مسرعةً إلى الكرم ، وعندما صارتْ قربه.... قال عصفورٌ مُحذِّراً‏

- ها هوذا رجلٌ يقفُ وسطَ الكرم!‏

قال آخر :‏

- في يده بندقية!‏

قال ثالث :‏

- يجب ُ ألاّ نعرّضَ أنفسنا للخطر ..‏

خافتِ العصافيرُ، وولَّتْ هاربةً..‏

في اليوم الثاني ..‏

استفاقتِ العصافيرُ باكراً، وهرعَتْ إلى الكرم،‏

آملةً أنْ تصله، قبلَ الرجل المخيف ..‏

وهناك.. فوجئَتْ برؤيةِ الرجلِ واقفاً، لم يبارحْ مكانه!‏

رمقَتْ بندقيته خائفةً وانصرفتْ حزينةً ..غابَتْ أيّاماً.. ملَّتِ الصبرَ والانتظار، ازداد شوقها إلى الكرم، قصدَتهُ من جديد..‏

وكم كانتْ دهشتها عظيمةً ، وحينما شاهدَتِ الرجلَ منتصباً، في مكانه نفسِهْ، كأنَّهُ تمثال!‏

لم تجرؤ العصافيرُ على دخولِ الكرمِ..‏

لبثتْ ترقبُ الرجلَ عن بُعد..‏

مرَّ وقتٌ طويل..‏

لم ينتقل الرجلُ من مكانه ..‏

قال عصفورٌ ذكيّ :‏

- هذا ليس رجلاً !‏

قال آخر :‏

- أجل ... إنَّهُ لا يتحرَّك!‏

قالتْ عصفورة:‏

- عدَّةُ أيامْ مضتْ، وهو جامدٌ مكانه !‏

قال عصفورٌ جريء:‏

- سأمضي نحوه ،لاكشفَ أمره‏

وقالتْ له أمُّهُ :‏

- أتُلقي بنفسك إلى التهلكة ؟!‏

قال العصفور الجريء:‏

- في سبيل قومي العصافير، تهونُ كلُّ تضحية ...‏

ثم اندفعَ بشجاعةٍ تجاه الرجل ..‏

نزلَ قريباً منه ..تقدَّم نحوه حذِراً.. لم يتحرَّكِ‏

الرجل ... تفرَّسَ في بندقيته.. ضحكَ من أعماقه ..‏

إنَّها عودٌ يابس!‏

حدَّقَ إلى وجههِ، لم يرَ له عينين ... اطمأنَّ قلبه ..‏

خاطبه ساخراً :‏

- مرحباً يا صاحب البندقية!‏

لم يردَّ الرجل..‏

كلَّمهُ ثانيةً ..‏

لم يردَّ أيضاً ..‏

قال العصفورُ هازئاً :‏

- الرجلُ الحقيقيّ، له فمٌ يُفتّحُ، وصوتٌ يُسمع!‏

طارَ العصفور.. حطَّ على قبعةِ الرجلِ.. لم يتحرَّك.. نقرَهُ بقوّةٍ ... لم يتحرَّك.. شدَّ قبعته، فارتمت أرضاً ...‏

شاهدتْ ذلك العصافيرُ، فضحكتْ مسرورةً، وطارتْ صَوْبَ رفيقها، ثم هبطتْ جميعها فوق الرجل ...‏

شرعتْ تتجاذبه بالمخالبِ والمناقير.. انطرحَ أرضاً.. اعتلَتً صدره، تنقره وتهبشه ...‏

انحسرَ رداؤهُ ,... تكشَّفَ عن قشِّ يابس !!‏

قالت العصافيرُ ساخرة :‏

- إنَّهُ محشوُّ بالقَشّ ...‏

قالتْ عصفورة :‏

- كم خفنا من شاخصٍ لا يُخيف!‏

قال آخر :‏

- لولا إقدامُ رفيقنا، لظللنا نعيشُ في خوف .‏

قال عصفورٌ صغير :‏

- ياللعجب.. كان مظهره يدلُّ على أنَّهُ رجل!‏

قال له أبوه :‏

- لن تخدعنا بعدَ اليومِ المظاهر ..‏

غرَّدت العصافيرُ، مبتهجةً بهذا الانتصار، ثم دخلَتْ بينَ الدوالي ، فاحتضنتها الأغصان بحبٍّ وحنان ..

Nadine
01-06-2007, 11:46 AM
في قديم الزمان.. عاشَ ذلك السلطان ..‏

وكان عنده، ثورٌ أسود، ضخمٌ كبير، كأنَّهُ البنيان!‏

رأسه كالصخر، قرونه كالحديد ..‏

إذا سارَ، هزَّ الأرض ..‏

وإذا خارَ، غلبَ الرعد..‏

وكان ذلك السلطان، لا يشبعُ من النظرِ إليه، ولا يملُّ من الحديث عنه، وقد جعلَ له خدماً كثيرين، يعنونَ به ويحرسونه ..‏

خادمٌ يطعمهُ ، وخادمٌ يسقيه .‏

خادمٌ ينظِّفُهُ، وخادمٌ يداويه ..‏

خادمٌ ينزِّههُ، وخادمٌ يحميه ..‏

السلطانُ يحبّهُ كثيراً، والناسُ يكرهونه كثيراً..‏

لماذا ياترى ؟‏

تعالَ لنرى ..‏

***‏

الشارع مملوءٌ بالناس..‏

مابينَ شارٍ أو بائع، مابينَ ماشٍ أو قاعد ..‏

هذا يعمل، ذاكَ يضحك‏

ولدٌ يجري، بنتٌ تلعب‏

شيخُ يمشي على عكّاز‏

أمٌّ تحملُ طفلاً يرضع‏

أخرى تمشي، تسحبُ طفلة‏

حلوة حلوة، مثل الفلَّة‏

الشارعُ مملوءٌ بالناسِ.‏

وفجأة ...‏

جاءَ الصوت، مثل الموت :‏

- خرجَ الثورُ.. خرجَ الثورُ ..!!‏

دبَّ الرعبُ بينَ الناسِ ..‏

هذا يركض، ذاك يركض ..‏

يهربُ يهربُ كلُّ الناس ..‏

وقعَ الشيخُ على العكاز‏

مرَّ الثورُ، وداسَ الشيخ‏

تركَ الشيخَ، ونطحَ الطفلة‏

لكنَّ الطفلةَ ما ماتتْ، فاللَّهُ رحيمٌ بالأطفال‏

ومضى الثورُ إلى البستان.‏

كسرَ الغرسَ، أكلَ الزرع َ‏

خرَّب اسوارَ البستان‏

حلَّ الليلُ.‏

وعادَ الثورُ إلى السلطان.‏

حلَّ الليلُ ...‏

وباتَ الناسُ مع الأحزان ..‏

***‏

هكذا كان يفعل الثور ..‏

يخرجُ مهرولاً كالغول، فيختفي الرجال، وتتوقَّفُ الأعمال، ويتركُ الأطفالُ ألعابهم، ويهربون إلى البيوت، فتحضنهم أمهاتهم خائفات‏

ويغلقْنَ دونهم الأبواب .‏

وتنظرُ العيونُ من الشقوق ..‏

- هل أوقفه أحدٌ عند حدِّهِ ؟‏

- لا ...‏

- لماذا؟‏

- خوفاً من السلطانِ وجندهِ..‏

وصبرَ الناسُ محزونين، ينتظرون رحيلَ الظلم..‏

قال الشيوخ :‏

- الظلمُ لن يرحل‏

- لماذا؟‏

- لأنكم تقبلونه‏

- ومالعمل ؟!‏

- إذا رفضتم الظلم، لن يبقى ظالمون‏

***‏

ذاتَ يوم، والعيونُ غافلة ..‏

أسرع رجالٌ شجعان، وقبضوا على الثور ألجموا فمه، وعصبوا عينيه‏

ربطوا قوائمه بالحبال، وصاروا يشدُّونها بقوَّة.‏

غضبَ الثورُ وهاجَ، مدَّ رأسه وقرنيه، واندفعَ..‏

كالبركان، فاصطدمَ بالجدار، وسقط على الأرض ...‏

هجمَ عليه الرجال، ووقعوا على رقبتهِ، يذبحونه جاهدين..‏

الدمُ الأحمر، يدفقُ ويدفق ..‏

نهضَ الثورُ قويّاً، واندفعَ يجري، ثم وقعَ كالتّل، وسكنَتْ حركته، وفارق الحياة..‏

تركه الرجال، واختفوا في الحال‏

***‏

علم السلطان بمقتل الثور، فجنَّ جنونه، واستدعى جنودّهُ وخاطبهم قائلاً :‏

- أيُّها الجنود!‏

لقد جاء يومكم، فابحثوا عن المجرم اللعين إنْ كان في الأرض فاخرجوهُ ،وإنْ كان في السماء فأنزلوه، والويل ثم الويل لكم إن لم تجدوهُ..!‏

انتشر العساكرُ والأعوانُ، في كلِّ بقعةٍ... ومكان..‏

يطوفونَ ويبحثون ..‏

يراقبونَ ويسألون ..‏

ومرَّتِ الأيام، تتبعها الأيام ..‏

وأخفق الجنود، وعادوا للسلطان‏

لم يحصلوا على خبر، أو يعثروا على أثر!‏

***‏

في اليوم التالي ، كان منادي السلطان، ينتقلُ من مكان إلى مكان، وينادي بين الناس :‏

جائزةٌ كبيرة‏

ألف دينار‏

يأخذها من يخبر السلطان عن قاتل الثور‏

جائزةٌ كبيرة ..‏

ألف دينار ..‏

بُحَّ صوته، والناسُ ساكتون ..‏

وانصرفَ المنادي، وضاعَ النداء‏

***‏

اغتاظ السلطانُ كثيراً، فجمع وزراءه وقال :‏

- هل تعلمون أحداً يكرهُ ثوري؟‏

- الرعيَّةُ كلُّها تحبّهُ يامولانا!‏

- هل أوقعَ ضرراً بأحد؟‏

- ثورُ السلطان لا يعرفُ الضرر.‏

- هل كان أحدٌ يتمنَّى هلاكَه؟‏

- الناسُ جميعهم يدعون له بالحياة‏

- ألَمْ يفرحْ أحدٌ لموته ؟‏

- الرعيةٌ جميعها حزينةٌ لفراقه.‏

جُمِعَتِ الرعيّةٌ، أمامَ القصر، وخرجَ السلطانُ، فخطبَ وقال:‏

- أيُّها الشعبُ الطيِّب!‏

لقد بلغني حبّكم للثور، وحزنكم على فراقه، فعزمتُ على شراءِ ثورٍ آخر، لا مثيلَ له بين الثيران، في جميع الممالكِ والبلدان ، و.. وصرخ الأطفال :‏

- لا نبغي ثوراً يرعبنا‏

- لا نرضى العيشَ مع الثيران!‏

وصرخ الرجال :‏

- إنْ جاءَ الثورُ سنقتله‏

- إنْ جاءَ الثورُ سنقتله‏

واشتعل الغضبُ، وماجتٍ الحشود، كالبحر إذ يموج، وارتفع الهتاف، يدوِّي كالرعود، فارتجفَ السلطان، ودخل القصر ،وغلَّق الأبواب ..‏

***‏

في الصباح الباكر ..‏

شاع النبأْ العظيم، كالنارِ في الهشيم :‏

- لقد اختفى السلطان !‏

- لقد اختفى السلطان !‏

فقامَتِ الأفراح ،وزالَتِ الأحزان، وعادتِ الحياة، تسيرُ في أمان‏

هذا يعمل، وذاك يضحك‏

شيخٌ يمشي على عكاز.‏

وأمٌ تحملُ طفلاً يرضع ..‏

أخرى تمشي تسحبُ طفلة‏

حلوة حلوة، مثل الفلَّة .‏

تنقزُ في فرحٍ وأمان.‏

فالثورُ الأحمقُ لن يظهر .‏

والظلمُ ولَّى مع السلطان .‏

***‏

مضى زمانٌ وزمان، وقصةُ ثورِ السلطان، تنتقلُ من جيلٍ إلى جيل ..‏

يحكيها الآباءُ للأبناء‏

وتحكيها الأمهاتُ للبنات ..‏

الصغارُ ينصتون ، والكبارُ يقولون :‏

في قديمِ الزمانِ ..‏

عاشَ ذلكَ السلطان ..‏

Nadine
01-06-2007, 11:47 AM
كانَ رجلٌ فقير، يعولُ أسرةً كبيرةً ..‏

كثرَتْ نفقاتُ أسرتهِ.. وقلَّ العملُ في قريتهِ، فعزمَ على السفرِ، بحثاُ عن الرزقِ..‏

ودَّعَ زوجته وأولاده، ومضى ينتقلُ من بلدٍ إلى آخر..‏

وصلَ إلى مدينةٍ على ساحلِ البحرِ.. وجدَ رجالاً ينقلون صخوراً، وعلى رأسهم رجلٌ مهيبٌ، يشجّعهم على العمل، ويحثَّهم على السرعة ..‏

وقفَ عندهم، وسأل أحدّهم:‏

- منْ هذا الرجلُ ؟‏

- إنَّهُ حاكم البلد..‏

- لماذا يقف هنا؟‏

- ليراقبَ العمل ..‏

انضمَ الرجلُ إلى العمال، ينقلُ معهم الصخور، دون أن يعرفَ الأجور.. صارَ يسرعُ إلى الحجر الكبير، فيحمله على كتفه '، ويضعه في المكان المراد، فإنْ لم يجدْ حجراً كبيراً، حملَ حجرين صغيرين، بينما رفاقه لا يحملون إلا حجراً واحداً، ينتقونه من الأحجار الصغار ..‏

رأى الحاكمُ نشاطَ الغريبِ، فأُعجبَ به أيَّما إعجاب، ولاحظ الغريبُ نظراتِ الحاكم، فأيقنَ أنَّهُ سينال أجرةً وافية، تفوقُ أجورَ الآخرين، فضاعفَ جهودهُ، وزادَ سرعتهُ ...‏

انتهى النهار، وحانَ وقتُ استيفاءِ الآجار ..‏

اصطفَّ العمالُ، بعضهم وراء بعض، وانتصبَ الحاكمُ أمامهم، فشرعوا يمرُّون أمامه، وكلَّما جاءه واحدٌ، أثنى عليه، وقال له :‏

- عافاك الله‏

وربّما قالها لبعضهم مرّتين ..‏

وجاءَ دورُ الغريبِ، فصافحه الحاكمُ بحرارة..وقال له :‏

- عافاك الله، عافاك الله، عافاك الله ..‏

فرح الغريبٌ، وقال في سرِّهِ :‏

- سأحظى بأجرةٍ وافرةٍ .‏

انتهى الثناءُ والكلام، وانصرفَ الحاكم، وبقي العمال..‏

سألَ الغريب ُ :‏

- متى سنأخذُ الأجرة؟‏

- لقد أخذتَ أجرك‏

- لم آخذْ شيئاً!‏

- بل أخذتَ أكثر منّا جميعاً ..‏

- كيف ؟!‏

- الحاكمُ قال لك " عافاك الله " ثلاث مرّات!‏

- وهل هذه هي الأجرة ؟!‏

- نعم ..‏

- هذا كلامٌ وثناء!‏

- حاكمنا يوزِّعُ مدحه بحسبان، ولا يُظلَمُ لديه إنسان ..‏

أطرقَ الغريبُ يفكِّر.. إنَّهُ جائع، وليس معه نقود .,. خطرَ له خاطر ..‏

نهض مسرعاً، وتوجَّهَ إلى السوق..‏

دخلَ مطعماً، وطلبَ طعاماً ..‏

أكل حتى شبع، ثم قام لينصرف..‏

أمسكه صاحبُ المطعم، قال :‏

- أين ثمنُ الطعام؟‏

- مدَّ يدَكَ ..‏

مدَّ صاحبُ المطعمُ يده، فصافحه الغريبُ بحرارة، وقال له :‏

- عافاك الله، عافاك الله، عافاك الله ..‏

دُهشَ صاحبُ المطعم، وقال غاضباً :‏

- أريدُ نقوداً .‏

- لقد أعطيتك‏

- لم تعطني شيئاً!‏

- أعطيتك عُملةَ الحاكم‏

- هل أنتَ مجنون ؟!‏

- لستُ مجنوناً ..‏

- هيّا معي إلى الحاكم.‏

أخذ صاحبُ المطعم الغريبَ، وذهبا إلى حاكم البلد، وحينما وقفا بين يديه، قال صاحبُ المطعم :‏

- هذا الرجلُ أكلَ طعامي، ولم يدفع الثمن‏

- نظرَ الحاكمُ إلى الغريب فعرفه.. قال له :‏

- لمَ لا تدفعُ له ثمنَ طعامه ؟‏

- لقد دفعت‏

- ماذا دفعت‏

- دفعتُ له عملتك‏

- أيَة عملة ؟‏

- عملة " عافاك الله " التي أعطيتني إياها.‏

ضحك الحاكمُ طويلاً، ثم أعطى صاحبَ المطعم، قيمةَ وجْبَتهِ، وأبطلَ تلك العادة، كي لا تشيع الفوضى في مملكته ..‏

Nadine
01-06-2007, 11:47 AM
تنفَّسَ الصباح، يرشُّ الندى، ويرسلُ الضياء.‏

وداعبَتْ أناملُ النسيم، أغصانَ الشجرةِ الفارعة، فتمايلَتْ ناعمةُ ناضرة ..‏

وفتحتِ العصفورة عينيها، فبادرَتْها الشجرةُ قائلةً :‏

- صباح الخير يا صديقتي العصفورة!‏

- صباح الخير يا صديقتي الشجرة.!‏

- هل استيقظَ صغارك ؟‏

- لم يستيقظوا بعد‏

- هذا دأبهم كلَّ يوم.. يتأخّرون في النوم‏

- سأتركهم قليلاً، لأجلبَ لهم طعام الفطور‏

- إذهبي ولا تقلقي، إنَّهم في أحضاني.‏

ألقتِ العصفورةُ على فراخها، نظرةَ حبٍّ وحنان، ثم رفرفتْ بجناحيها، وطارتْ في الفضاء..‏

ظلَّ الفراخُ الثلاثةُ، في عشِّهم الدافئ، وعندماارتفعتِ الشمسُ، فركوا عيونهم، وأفاقوا من نومهم، فلم يجدوا أمَّهم ..‏

انتظروها طويلاً، ولكنَّها لم ترجعْ!‏

آلمهم الجوع، وأصابهم الجزع ..‏

قال أحدهم خائفاً :‏

- أرجوا أنْ تسلمَ أمُّنا من الصيادين‏

واضافَ آخر :‏

- ومن الطيور الجارحة ..‏

وقال الثالث :‏

- احفظها لنا يارب !‏

سمعتِ الشجرةُ حديثَ الفراخ، فأوجستْ منه خيفةً، غير أنَّها كتمَتْ مشاعرَها، وقالتْ مُواسيةً :‏

- لا تجزعوا ياصغاري، ستعودُ أُمّكم قريباً‏

- لقد تأخّرَتْ كثيراً!‏

- كَسْبُ الرزقِ ليس سهلاً .... غداً تكبرون وتعرفون‏

صمتَ الفراخُ الثلاثة، ونهضَ الفرخُ الأكبرُ، إلى حافَّةَ العشّ، ليرقبَ رجوعَ أُمَّهِ..‏

تدحرجَتْ حبّةُ قمحٍ كانت تحته ..‏

رآها أخوهُ الأصغر، فصاح مسروراً :‏

- هذه حبةُ قمح !‏

التفتَ الفرخُ الأكبرُ، وقال :‏

- إنَّها لي‏

- ليستْ لك‏

- لقد كانت تحتي‏

- أنا رأيتها قبلك‏

لن تأخذَها أبداً ..‏

اختلف الأخوانِ، وأخذا يتعاركان ..‏

ومكثَ أخوهما الأوسط، ينظرُ إليهما ويتفرَّج..‏

حاولت الشجرةُ إنهاءَ النزاع، فلم يستجبْ لها أحد.‏

قالتْ للفرخ الأوسط :‏

- لمَ لا تصلحُ بينَ أخويك؟‏

- لا أتدخَّلُ فيما لا يعنيني ..‏

- بل يعنيك !‏

- كيف؟‏

- أنتم إخوةٌ تعيشون في عشٍّ واحد..‏

-سأبقى بعيداً عن المتاعب‏

- لن ترتاحَ في عشٍّ يسودُهُ النِّزاع.‏

- لا أتدخّلُ فيما لايعنيني‏

- أوقفتِ الشجرةُ الحوار ، فالفرخُ عنيد، والكلامُ معه لا يفيد..‏

لم ينتهِ النزاعُ بينَ الفرخين ..‏

هذا ينقرُ بمنقاره، وذاك يخمشُ بأظافره..‏

تعبَ الفرخُ الأصغر.. رفع قشَّةً صلبةً، وضربَ أخاه الأكبر.. انتحى هذا جانباً.. أصابت القشةُ عين الفرخِ الأوسطِ، فبدأ يصرخُ متألّماً ..‏

جاءَهُ أخوه الأصغر، وأخذَ يعتذرُ إليه‏

وجاءَهُ أخوه الأكبر، وشرع يمسحُ له عينيه ..‏

وعندما سكنَ ألمهُ، تذكَّرَ قولَ الشجرة " لن ترتاحَ في عشٍّ يسودهُ النزاع "، فأصلح بين أخويه، واعتذرَ الصغيرُ لأخيه الكبير ،وقبَّلَ الكبير أخاه الصغير، وزالَ الخلافُ بينهم ،وعادَ الحبُّ إلى عشّهم ..‏

قال الفرخ الأوسط :‏

- أين الحبَّة ؟‏

- لماذا ؟‏

- سأقسمها بينكما ..‏

بحثَ الفرخانِ عن الحبّةِ، فلم يجدا شيئاً!‏

قال الفرخ الكبير :‏

- لقد ضاعتْ بين القَشِّ..‏

وقال الفرخ الأصغر :‏

- ربما سقطتْ خارجَ العش ..‏

حزن الفراخُ الثلاثة، على الحبّةِ الضائعة ..‏

قالتِ الشجرة :‏

- افرحوا ياأحبّائي، واتركوا الحزن.‏

- كيف نفرحُ وقد ضاعت الحبّة ؟!‏

- الحُبُّ الذي عادَ إليكم، أفضلُ من الحبّة بكثير‏

- صدقْتِ والله !‏

قالتِ الشجرة :‏

- عليكم أن تصلحوا العشَّ، قبلَ عودةِ أُمِّكم ..‏

نظر الفراخ إلى العش، فأدهشهم ما أصابه من تخريب!!‏

قالتِ الشجرة :‏

- لقد مات أبوكم دفاعاً عن هذا العش .‏

- وماالعملُ الآن ؟‏

- ابنوا بالحُبِّ، ماخربتم بالخلاف‏

- لن نختلفَ بعد اليوم‏

أسرعَ الفراخُ الثلاثة، يعملون متعاونين، فأصلحوا العشَّ، ورمَّموا جوانبه، وحينما فرغوا من عملهم، تأمَّلو العشَّ الجميل، وتبادلوا نظراتِ المودَةِ، فأشرقَتْ وجوههم سروراً.‏

وفجأة ..‏

صاحتِ الشجرة :‏

- لقد عادتْ أُمّكم ... لقد عادتْ أُمّكم‏

هبَّ الفراخُ يزقزقون، ويرقصون، فتعالتْ فوق العشِّ، أغاني الحبِّ والفرح ..‏

Nadine
01-06-2007, 11:48 AM
وقفَ المعلمُ صالح، أمامَ تلاميذه الصغار، وسألهم قائلاً :

- أيُّهما أغلى : الذهبُ أم التراب؟

قال التلاميذ :

- الذهبُ أغلى من التراب

وقال أحمد :

- الترابُ أغلى من الذهب

ضحكَ التلاميذُ جميعاً..

قال المعلم صالح :

- أصبْتَ الحقيقةَ يا أحمد!

سألَ التلاميذُ دهشين :

- كيف .؟!

قال المعلم صالح :

- اسمعوا هذه القصة، وستعرفون الحقيقة

قال التلاميذ :

- نحن منصتون، فما القصة .؟

قال المعلم صالح :

يُحكى أنَّ رجلاً هرِماً، اشتدَّ به المرضُ، فدعا ولديه، وقال لهما :

- ياولدَّيَّ.. لقد تركتُ لكما أرضاً، وهذا الكيسَ من الذهبِ ، فَلْيخترْ كلٌّ منكما مايشاء

قالَ الولدُ الأصغر :

- أنا آخذُ الذهب ..

وقالَ الولدُ الأكبر :

- وأنا آخذُ الأرض ..

وماتَ الأبُ بعد أيام، فحزن الولدان كثيراً، ثم أخذ كلُّ واحدٍ نصيبه، من ثروة أبيه، وبدأ الولدُ الأكبر، يعملُ في الأرض، يبذرُ في ترابها القمح، فتعطيه كلُّ حبّةٍ سنبلةً، في كلِّ سنبلةٍ مئةُ حبة، وبعدما يحصدُ القمحَ، يزرعُ موسماً آخر، وثروته تزدادُ يوماً بعد يوم..

أمّا الولدُ الأصغر، فقد أخذَ ينفقُ من الذهب، شيئاً بعد شيء، والذهبُ ينقصُ يوماً بعد يوم، وذاتَ مرّةٍ، فتحَ الكيسَ، فوجدهُ فارغاً!

ذهب إلى أخيه، وقال له وهو محزون :



- لقد نفدَ الذهبُ الذي أخذتهُ.

- أمَّا ما أخذتُهً أنا فلا ينفدُ أبداً ..

- وهل أخذْتَ غيرَ أرضٍ مملوءةٍ بالتراب ؟!

أخرجَ الأخُ الأكبرُ، كيساً من الذهب، وقال :

- ترابُ الأرضِ، أعطاني هذا الذهب

قال الأخُ الأصغر ساخراً :

- وهل يعطي الترابُ ذهباً ؟!

غضبَ أخوه ،وقال :

- الخبزُ الذي تأكُلهُ، من تراب الأرض

والثوبُ الذي تلبسُهُ، من تراب الأرض

خجل الأخُ الأصغر، وتابعَ الأكبرُ كلامه

- والثمارُ الحلوةُ، من ترابِ الأرض



والأزهارُ العاطرةُ، من تراب الأرض

ودماءُ عروقك ،من ترابِ الأرض

قال الأخ الأصغر :

- ما أكثرَ غبائي وجهلي !!

- لا تحزن يا أخي !

- كيف لا أحزنُ، وقد أضعْتُ كل شيء ؟!

- إذا ذهبَ الذهبُ، فالأرضُ باقية.

- الأرضُ لك، وأنتَ أوْلى بها ..

- دَعْكَ من هذا الكلام، وهيّا معي إلى الأرض

ذهبَ الأخوانِ إلى الأرض، فوجدا القطنَ الأبيضَ، يميلُ فوقها ويلمع ..

امتلأ الأخوان فرحاً ،وهتفَ الأخُ الأصغرُ :



يا أرضَنا الكريمةْ

يامنبعَ العطاء


يا أمَّنا الحبيبة

نفديكِ بالدماء

Nadine
01-06-2007, 11:49 AM
أقبلَ الصباحُ المشرق، استيقظتِ الطبيعةُ من سُباتها، وبدأتْ تمارسُ عملها النبيل، في نشر الجمالِ والفرح..‏

الأزهار البديعة، افتتحتْ معرضَ ألوانها، وشرعتْ تنفحُ بالشذا والعبير‏

العصافير تغرِّدُ طروبة، وتنثر حولها الألحان، المرج الأخضر، فرش بساطه الناعم، لاستقبال الزائرين.‏

ورشَّ الندى، قطراتِهِ الوضيئة ، فتلألأ الشجرُ والمرجُ والزهر‏

وانسابَ النهر، رائقاً صافياً، يرسم لوحاتٍ خضراء، حيثما سار‏

ومرَّ الهواء بالنهر، فغسل وجهه ،وانطلق نقياً نظيفاً، ينعشُ النفوس، ويداعبُ الغصون، وحينما وصل إلى الأزهار، أعطْتهُ رسالتها العطريّة، ليحملها إلى كلِّ منْ يلقاه..‏

في هذا اليوم الجميل، خرج للنزهة، ثلاثةُ أولاد ..‏

طافوا في أرجاء الطبيعة الوادعة، فأحسنت استقبالهم، ومنحتهم كلَّ ماتملك، من متعةٍ وجمال.. وعندما جاعوا، جلسوا على المرج الأخضر، وأخرجوا طعامهم، وأخذوا يأكلون، وبعدما شبعوا، غادروا المرج، تاركين على بساطه الأخضر، عظاماً متناثرة، وقِطع دهن، وقشِر فاكهة، سرعان ماأصبحَتْ مرتعاً للذباب والجراثيم، ومبعثاً للروائح الكريهة، و حزِنَ المرجُ الأخضر، ذهب الأولاد إلى النهر، وقفوا على شاطئه، يتأمَّلونه مسرورين، كانت مياهه مرآةً صافية، ترنو إليها الغصونُ الناضرة، فترى صورتها على صفحة المياه، وتسبح فيه بطاتٌ جميلة، تتهادى كأشرعةٍ بيضاء..‏

أخذ الأولاد، يرمون البطاتِ بالعُلَب الفارغة .، والقمامة المختلفة ..‏

هربَتِ البطاتُ بعيداً، وظلَّتِ العلبُ والقمامة، تطفو وتسبح، أمام أعينِ الأولادِ، فراقهم منظرها، وجعلوا يلقون في النهر، كلَّ ماتصل إليه أيديهم ..‏

تلَّوثت مياهُ النهر، ورحل عنها الصفاء..‏

حزنتِ الأغصانُ المتدلِّية، وفقدتْ صورتها المرسومة على المياه‏

انصرف الأولاد فرحين، تراكين وراءهم، نهراً عكِراً حزيناً ..‏

وصل الأولادُ إلى شجرة فارعة، جلسوا تحتها، وأشعلوا النار، لإعداد الشاي ..‏

تصاعد دخانٌ كثيف ،من الحطب المحروق، لوَّثَ الهواءَ، وشوَّهَ زرقةَ السماء ..‏

حزنتِ الأشجارُ والأزهار، وصارت تتنفَّسُ هواءً فاسداً‏

وحزن الهواءُ ،فاسودَّ وجهه، وترك - مرغماً - رسالته العطريّةِ، وحمل رسالةَ الدخانِ الأسود، ليوصلها إلى كلِّ مَنْ يلقاه ..‏

أقبل المساءُ ،وانتهتْ نزهةُ الأولاد، فعادواإلى بيوتهم مسرورين، وحدَّثوا أهلَهم عن جمالِ الطبيعة، ونزهة الفرح !!***‏

Nadine
01-06-2007, 11:49 AM
سامرٌ تلميذ صغير، في الصفِّ الأوَّل..‏

يقرأ جيِّداً، ويكتبُ جيّداً.. لولا النقطة!‏

يراها صغيرة، ليس لها فائدة.‏

فلا يهتمُّ بها، عندما يكتب‏

وينساها كثيراً، فتنقص درجته في الإملاء‏

يعجبُ سامر، ولا يعرف السبب!‏

يأخذ دفتره، ويسأل المعلِّمة:‏

أين أخطأت؟!‏

فتبتسم المعلِّمةُ، وتمدُّ إصبعها، وتقول:‏

-هذه الغين.. لم تضع لها نقطة‏

وهذه الخاء.. لم تضع لها نقطة‏

وهذه، وهذه..‏

يزعل سامر، ويقول:‏

-من أجل نقطة صغيرة، تنقصين الدرجة؟!‏

-النقطة الصغيرة، لها فائدة كبيرة‏

-كيف؟!‏

-هل تعرف الحروف؟‏

-أعرفها جيداً‏

قالت المعلِّمة:‏

-اكتب لنا: حاءً وخاء‏

كتب سامر على السبّورة: ح خ‏

قالت المعلِّمة:‏

ما الفرق بين الحاء والخاء؟‏

تأمّل سامرٌ الحرفين، ثم قال:‏

-الخاء لها نقطة، والحاء ليس لها نقطة‏

قالت المعلّمة:‏

-اكتبْ حرفَ العين، وحرف الغين‏

كتب سامر على السبورة: ع غ‏

-ما الفرق بينهما؟‏

-الغين لها نقطة، والعين بلا نقطة‏

قالت المعلّمة:‏

-هل فهمْتَ الآن قيمَةَ النقطة؟‏

ظلَّ سامر صامتاً، فقالت له المعلّمة:‏

-اقرأ ما كتبْتُ لكم على السبورة‏

أخذ سامر يقرأ:‏

ماما تغسل‏

ركض الخروف أمام خالي‏

وضعَتْ رباب الخبزَ في الصحن‏

قالت المعلِّمة:‏

اخرجي يا ندى، واقرئي ما كتب سامر‏

أمسكَتْ ندى، دفترَ سامر، وبدأَتْ تقرأ، بصوت مرتفع:‏

ماما تعسل‏

ركض الحروفُ أمام حالي‏

وضعَتْ ربابُ الحبرَ في الصحن‏

ضحك التلاميذ، وضحك سامر‏

هدأ التلاميذ جميعاً، وظلّ سامر يضحك..‏

قالت المعلِّمة:‏

-هل تنسى النقطة بعد الآن؟‏

قال سامر:‏

-كيف أنساها، وقد جعلَتِ الخبزَ حبراً،‏

والخروفَ حروفاً!‏

Nadine
01-06-2007, 11:50 AM
كانتِ الأغنامُ، تسومُ في المرعى، وادعة آمنة، لا تخاف من الذئاب، إذْ كان يحرسها، ثلاثةٌ من الكلاب..‏

وكان الراعي الطيِّب، يجلس في ظلّ ظليل، تحت شجرةٍ وارفة، يعزف ألحاناً شجيّةً، تهفو لها الأغصان، وتهيمُ بها الأنسام..‏

وفي هذه الأثناء، كان ذئبٌ مخاتل، يرصدُ الأغنامَ خلسة"، ويلتفت إلى الكلاب، فلا يجرؤ على الاقتراب..‏

وفجأة..‏

أبصرَ الكلابَ تقتتل، وقد انشغل بعضها ببعض..‏

ضحك الذئبُ مسروراً، وقال في نفسه:‏

-الآن أمكنَتْني الفرصة!‏

واقترب الذئبُ من القطيع، فشاهد نعجة قاصية، فوثبَ عليها سريعاً، وأنشبَ أنيابه فيها..‏

أخذتِ النعجةُ، تثغو وتستغيث..‏

سمع الكلابُ، الثغاءَ الأليم، فكفّوا عن القتال، وتركوا الخصامَ والخلاف، وانطلقوا جميعاً إلى الذئب، وحينما رآهم مقبلين، طار فؤاده ذعراً، فأفلَتَ النعجة، وانسلَّ هارباً، لا يلوي على شيء..‏

Nadine
01-06-2007, 11:51 AM
وقف الفلاحُ، على طرف حقله، يرنو إلى سنابل القمح، وهي تميلُ وتلمع، كأمواجٍ من ذهب، فانتشى إعجاباً بنفسه، وقال:‏

-لولا كفّايَ الخشنتان، لما كان هذا القمح الوافر!‏

فابتسمتِ السماءُ في العلاءِ..‏

قالت إحدى السنابل:‏

-نحن أَوْلى بالفضل، كنّا حبوباً يابسة، مدفونة في التراب، فامتصصْنا الغذاء، وشقفْنا التراب، وصرنا ننمو، شيئاً فشيئاً، حتى كبرنا، وأنبتَتْ كلُّ حبّةٍ، سنبلةً فيها مئةُ حبة!‏

وابتسمتِ السماءُ في العلاء..‏

قالت الأرض:‏

-أنا صاحبة الفضل، احتضنْتُ البذورَ صغيرةً، وأرضعتها حتى صارت كبيرة، فلولا ترابي، لما نبتَ قمحٌ، ولا شبع فلاّح!‏

وابتسمتِ السماءُ في العلاء.‏

وجاءتِ السنةُ التالية، شديدة مجدبة، فانقطع المطر، واشتدَّ الحرُّ، وانتشر الجفاف.. حزنتِ الأرضُ القاحلة، ويبسَتْ شفاهها الظامئة..‏

حزنتِ البذور، في ظلمة التراب، وخافت أنْ تموت أحلامها، ولا ترى النور.‏

حزن الفلاحُ على جهده الضائع، وأشفق على عيالهِ البائسين.‏

وحزنتِ السماءُ الرحيمة على الجميع، فأرسَلتْ إلى الأرض، سحباً سخيّةً، تحمل الأمطار والأفراح..‏

Nadine
01-06-2007, 11:51 AM
سارتِ السحابةُ، مثقلةً بالمياه..‏

وقفَتْ فوق البحر، وسكبَتْ قطرَها الغزير..‏

فرح البحرُ، واحتضن القطرات‏

فرحتِ القطراتُ، وعانقتِ البحر‏

قال البحرِ:‏

-ما أحلى اللقاء!‏

قالت القطرات:‏

-ما أمرَّ الفراق!‏

قالتِ السحابة للبحر:‏

-منحتكَ مائي، لتعرفَ فضلي‏

-لا تمنِّي عليّ بفضلك .‏

-أتأخذُ مائي، وتنكرُ فضلي؟!‏

-ماؤكِ منّي .‏

-لا يصدّقُ ادّعاءَكَ أحد‏

-اسألي قطراتكِ‏

قالت القطرات بصوت واحد:‏

-البحر وطننا.. منه خرجنا، وإليه نعود‏

صمتتِ السحابةُ من الحياء، وانسحبَتْ مبتعدةً في السماء..‏

Nadine
01-06-2007, 11:52 AM
كــان بيتنا على حدود القرية، قريباً من سفح الجبل.. لم نعرف بيتاً غيره، فأحسسنا بالغربة والملل.. ذات يوم.. عاد والدي من المدرسة، فسألته:‏

-لماذا لا يزورنا أهلُ القريةِ ونزورهم؟‏

قال أبي:‏

-لأنهم بخلاء.‏

وقالت أُمِّي:‏

-لأننا غرباء .‏

-عند المساء، قال والدي:‏

-هيّا نذهبْ إلى الجبل .‏

خرجنا نطير فرحاً:‏

تسلّقنا الصخور العالية.. قطفْنا الأزهار الجبلية.. نال منا التعب..‏

شاهد والدي، صخرة كبيرة، يغمرها الظلُّ، فقال لنا:‏

-هذا أفضلُ مكانٍ نستريحُ فيه .‏

قعدْنا على الصخرة الملساء، نشرب الشاي مسرورين..‏

-لم نهجر الصخرة بعد ذلك..‏

كنا نزورها كلّ يوم .‏

نأخذ طعامنا، ونأكله فوقها .‏

نلعب حولها، ونبني بيوتاً صغيرة.‏

نقبع عليها صامتين، ونسمع من أُمّنا الحكايات.‏

ثم نتركها في الليل، لنأتيها في النهار .‏

-في آخر العام الدراسي..‏

ذهبنا إلى الصخرة، وقعدْنا كلُّنا عليها..‏

التقط لنا والدي عدّة صور، وقال:‏

-هذا آخرُ يومٍ ترون فيه الصخرة .‏

-لماذا يا أبي؟‏

-سننتقل إلى قرية بعيدة .‏

مكثْتُ واجمة صامتة، لم ألعبْ ولم أفرح..‏

وحينما نهض أهلي، ليرجعوا إلى البيت، أخرجْتُ من جيبي، قطعة من الطباشير، وكتبْتُ على الصخرة:‏

-وداعاً يا صخرتنا الحبيبة!‏

-في الصباح الباكر..‏

أحضر والدي سيّارة، حملنا عليها متاعنا، ثم ركبنا فيها، وسارت بنا، تُبعدُنا شيئاً فشيئاً.. وعندما بلغنا أعلى الجبل، التفتُّ نحو الصخرة وبكيت..‏

Nadine
01-06-2007, 11:52 AM
كــان النهرُ الصغير، يجري ضاحكاً مسروراً، يزرع في خطواته الخصبَ، ويحمل في راحتيه العطاء.. يركض بين الأعشاب، ويشدو بأغانيه الرِّطاب، فتتناثر حوله فرحاً أخضر..‏

يسقي الأزهار الذابلة، فتضيء ثغورها باسمة. ويروي الأشجار الظامئة، فترقص أغصانها حبوراً ويعانق الأرض الميتة، فتعود إليها الحياة.‏

ويواصل النهر الكريم، رحلةَ الفرحِ والعطاء، لا يمنُّ على أحد، ولا ينتظر جزاء..‏

وكان على جانبه، صخرة صلبة، قاسية القلب، فاغتاظت من كثرة جوده، وخاطبته مؤنّبة:‏

-لماذا تهدرُ مياهَكَ عبثاً؟!‏

-أنا لا أهدر مياهي عبثاً، بل أبعث الحياة والفرح، في الأرض والشجر، و..‏

-وماذا تجني من ذلك؟!‏

-أجني سعادة كبيرة، عندما أنفع الآخرين‏

-لا أرى في ذلك أيِّ سعادة!‏

-لو أعطيْتِ مرّة، لعرفْتِ لذّةَ العطاء .‏

قالت الصخرة:‏

-احتفظْ بمياهك، فهي قليلة، وتنقص باستمرار.‏

-وما نفع مياهي، إذا حبستها على نفسي، وحرمْتُ غيري؟!‏

-حياتكَ في مياهكَ، وإذا نفدَتْ تموت .‏

قال النهر:‏

-في موتي، حياةٌ لغيري .‏

-لا أعلمُ أحداً يموتُ ليحيا غيره!‏

-الإنسانُ يموتُ شهيداً، ليحيا أبناء وطنه.‏

قالت الصخرة ساخرة:‏

-سأُسمّيكَ بعد موتكُ، النهر الشهيد!‏

-هذا الاسم، شرف عظيم.‏

لم تجدِ الصخرةُ فائدة في الحوار، فأمسكَتْ عن الكلام.‏

**‏

اشتدَّتْ حرارةُ الصيف، واشتدّ ظمأُ الأرض والشجر والورد، و..‏

ازداد النهر عطاء، فأخذَتْ مياهه، تنقص وتغيض، يوماً بعد يوم، حتى لم يبقَ في قعره، سوى قدرٍ يسير، لا يقوى على المسير..‏

صار النهر عاجزاً عن العطاء، فانتابه حزن كبير، ونضب في قلبه الفرح، ويبس على شفتيه الغناء.. وبعد بضعة أيام، جفَّ النهر الصغير، فنظرَتْ إليه الصخرةُ، وقالت:‏

-لقد متَّ أيها النهر، ولم تسمع لي نصيحة!‏

قالت الأرض:‏

-النهر لم يمتْ، مياهُهُ مخزونة في صدري.‏

وقالت الأشجار:‏

-النهر لم يمتْ، مياهه تجري في عروقي‏

وقالت الورود:‏

-النهر لم يمت، مياهه ممزوجة بعطري.‏

قالت الصخرة مدهوشة:‏

لقد ظلَّ النهرُ الشهيدُ حياً، في قلوب الذين منحهم الحياة!‏

***‏

وأقبل الشتاء، كثيرَ السيولِ، غزيرَ الأمطار، فامتلأ النهرُ الصغير بالمياه، وعادت إليه الحياة، وعادت رحلةُ الفرح والعطاء، فانطلق النهر الكريم، ضاحكاً مسروراً، يحمل في قلبه الحب، وفي راحتيه العطاء..‏

Nadine
01-06-2007, 11:53 AM
كان داخل المقلمة، ممحاة صغيرة، وقلمُ رصاصٍ جميل..‏

قال الممحاة:‏

-كيف حالكَ يا صديقي؟‏

-لستُ صديقكِ!‏

-لماذا؟‏

-لأنني أكرهكِ.‏

-ولمَ تكرهني؟‏

قال القلم:‏

-لأنكِ تمحين ما أكتب.‏

-أنا لا أمحو إلا الأخطاء .‏

-وما شأنكِ أنتِ؟!‏

-أنا ممحاة، وهذا عملي .‏

-هذا ليس عملاً!‏

-عملي نافع، مثل عملكَ .‏

-أنتِ مخطئة ومغرورة .‏

-لماذا؟‏

-لأنّ مَنْ يكتبُ أفضلُ ممّنْ يمحو‏

قالت الممحاة:‏

-إزالةُ الخطأ تعادلُ كتابةَ الصواب .‏

أطرق القلم لحظة، ثم رفع رأسه، وقال:‏

-صدقْتِ يا عزيزتي!‏

-أما زلتَ تكرهني؟‏

-لن أكره مَنْ يمحو أخطائي‏

-وأنا لن أمحوَ ما كان صواباً .‏

قال القلم:‏

-ولكنني أراكِ تصغرين يوماً بعد يوم!‏

-لأنني أضحّي بشيءٍ من جسمي كلّما محوْتُ خطأ .‏

قال القلم محزوناً:‏

-وأنا أحسُّ أنني أقصرُ مما كنت!‏

قالت الممحاة تواسيه:‏

-لا نستطيع إفادةَ الآخرين، إلا إذا قدّمنا تضحية من أجلهم.‏

قال القلم مسروراً:‏

-ما أعظمكِ يا صديقتي، وما أجمل كلامك!‏

فرحتِ الممحاة، وفرح القلم، وعاشا صديقين حميمين، لا يفترقانِ ولا يختلفان..

Nadine
01-06-2007, 11:53 AM
اشتريْتُ كرةٌ جميلة، ورجعْتُ إلى البيت فرحاً..‏

أفلتتِ الكرةُ من يدي، فالتقطها صبيًّ صهيوني.‏

قلت له:‏

-أعطني كرتي.‏

قال:‏

-لن تأخذَ شيئاً.‏

قلت له:‏

-لا يجوز أنْ تأخذَ حقَّ غيرك!‏

ضحكَ ساخراً..‏

-سيغضبُ والدي، إذا فقدْتُ كرتي.‏

ضحك ساخراً..‏

سأشكوكَ إلى والدك!‏

ضحكَ ساخراً..‏

-سأفضحكَ بين الأولاد!‏

ضحك ساخراً..‏

شرعْتُ أبكي، وأذرفُ الدموع، ليرقَّ قلبُهُ، ويعطيني كرتي، ولكنَّهُ لم يفعل، بل صار يضحك أكثر.. امتلأ صدري غضباً.. مسحْتُ دموعي، وأطبقْتُ كفّي بشدّة، وضربْتُهُ على فكّهِ، فانطرح أرضاً، وانفجر يبكي.. أخذْتُ كرتي، ومضيْتُ إلى البيت، وقلبي مملوء بالإباء العربي!‏

Nadine
01-06-2007, 11:55 AM
في حديقةِ القصر الكبير، قعد الثريُّ الأكرشُ، على مقعد وثير.. وضع كلبه بين ساقيه، وأخذ يسرّحُ له شعره، ويرشفُ القهوةَ مسروراً..‏

ونزل المطرُ غزيراً..‏

تلبّد شعرُ الكلب، وابتلّتْ ثيابُ الغني، فجعل يصرخ مغتاظاً:‏

-قفْ أيُّها المطرُ اللعين!‏

ولكنَّ المطرَ لم يقف..‏

وظلّتْ قطراته الضاحكة، ترقص على الأرض.. والأرضُ تضمُّها إلى صدرها، كأنها أُمٌّ رؤوم، فقد مضى زمنٌ طويل، والمطر لم يهطل.‏

وحزنتِ الأرضُ المعطاء، لأنها لا تقدرُ على العطاء. لقد نضبَ ماؤها، وجفَّ ترابها ، وكثرتْ أخاديدها، وصارتِ الأرض، شفاهاً ظامئة، ترتقب المطر. ولكنّ المطر لم يهطل.‏

والعشب لم ينبت‏

وجاعت الأغنام، وجفّتِ الضروع.‏

وطلب الأطفالُ الحليب، وليس من مجيب.‏

وأصابَ الهزالُ الحملان، وأصبح الموتُ يفترسها، فيرمقها الرعاةُ بأبصارهم، ولا يدرون ماذا يفعلون.‏

فالمطرُ لم يهطل!‏

والعشبُ لم ينبت!‏

وذهب الفلاحون إلى الحقول..‏

وقفوا على أطرافها، يتأمّلونها محزونين..‏

فالمطر لم يهطل!‏

والزرع لم ينبت!‏

والتعبُ قد يضيع، والبذارُ قد يموت.‏

ويبقى العيالُ، بغير غذاء.‏

ماذا يعملون؟!‏

اتجهوا إلى السماء، ورفعوا الكفوفَ والأبصار، يدعون بخشوع، ليهطل المطر..‏

وانتثر المطر، كأنّهُ الدُّرَر..‏

واهتزّتِ الأرضُ، للخصب والثمر.‏

وأمطر الفرح..‏

ورقص الرعاة، وابتلّوا بالمطر .‏

يا فرحةَ الفلاح، يا فرحةَ الشجر .‏

يا فرحةَ التراب، يعانق المطر .‏

وانتصب الثريُّ، في شرفة قصره، كأنه تمثال من حجر، يسائل نفسه مدهوشاً:‏

-لماذا يهطل المطر؟!‏

Nadine
01-06-2007, 11:55 AM
كنت أنا وصديقي أسامة، نطوف في أرجاء كَرْمنا الحبيب، تداعبُ وجوهَنا الأنسامُ وترقص أمامنا الظلالُ، وتغمزنا الشمسُ من خلال الغصون.. كنا نسير فرحين، نحني ظهورنا تحت عناقيد العنب المتدلّية، ونشقُّ طريقنا بين الأغصان المثقلة بالثمار..‏

وصلْنا إلى آخر الكرم، وقعدْنا في الظلّ، عند الحجارة المرصوفة، نستعيدُ ذكرياتٍ قديمة.. هذه الحجارة المكسورة، كانت -فيما مضى- صخوراً كبيرة، تربضُ على صدر أرضٍ بائرة، فتكتمُ أنفاسها، وتحجبُ كنوزها، فعاشتِ الأرضُ في حزنٍ دائم، وهمٍّ مقيم، لأنها تملكُ الخير، وتعجز عن العطاء!‏

وعندما اشترى والدي الأرضَ، وشرعَ يعالجُ صخورها، بالمعول والمطرقة والعَتَلَة، و.. سخرَتْ منه الصخورُ الصلبة، وقالت في نفسها: -يا للعجب. رجل ضعيف نحيف، يبتغي قهر الصخور! انهمك والدي في العمل، ودارَتْ رحى الحرب، بينه وبين الصخور.. وكان وحيداً في المعركة، يقاوم صخوراً كثيرة، تحتلُّ أرضه، وتأبى الرحيل.. ثبتَ والدي في المعركة، وبذلَ العرقَ والدمِ.‏

الشمسُ تكويه بحرارتها، والصخورُ تجرحه بشظاياها، وهو ماضٍ فيما عزم، لا يضعفُ ولا يتراجع.. انكسرتِ الصخورُ، ولم تنكسرْ عزيمته.‏

في تلك الأيام، كنتُ أزورُ والدي، كلّما انصرفْتُ من المدرسة، حاملاً إليه طعاماً، لا يأكله إلا الفقراء، وذات مرة، نظرْتُ إلى والدي، وهو يأكلُ الخبزَ الأسمرَ، والبصل، وقلت له محزوناً:‏

-لماذا نحن فقراء؟!‏

مدّ والدي يده، ومسح بكفّهِ على رأسي، وقال:‏

-سأطردُ الفقرَ عنكم يا بني!‏

-بأيّ شيء ستطرده؟‏

-بيديّ هاتين‏

-متى؟‏

-عندما أُخرجُ كنوزَ الأرض.‏

قلت بائساً:‏

-أرضنا لا تحوي كنوزاً بل صخوراً!‏

قال والدي باسماً:‏

-الكنوز مدفونة تحت الصخور.‏

في أحد تلك الأيام، صحبْتُ صديقي أسامة، وذهبنا إلى والدي، وحينما اقتربنا منه، سلَّمنا عليه، فرفع رأسه، ورحَّبَ بنا مسروراً، وقطراتُ العرق، تلمعُ على جبينه، مثل حبّاتِ اللؤلؤ..‏

لقد كان يعمل في أرضٍ بلا ظلّ!‏

مسح عرقه بكمّهِ، وألقى المعول من يده، وقال:‏

-لِنسترحْ قليلاً.. لم يبق سوى هذه الصخرة.‏

سأله صديقي:‏

-ماذا ستفعل بها؟‏

-سأحطّمُ رأسها العنيد، كالصخور الأخرى.‏

-هل حطمْتَ صخوراً غيرها؟‏

ضحك والدي، وقال له:‏

-انظر إلى تخوم الأرض.‏

نظر أسامة إلى حيث أشار والدي، فشاهد سياجاً كبيراً، من حجارة مكسورة..‏

فتح عينيه مدهوشاً، وقال:‏

-هل كانت هذه الحجارة كلُّها في الأرض؟!‏

-كانتِ الأرضُ مغروسة بالصخور، ولكنّهُ غرسٌ لا يثمر! ونهض والدي إلى الصخرة، يأتيها من هنا، ويأتيها من هناك، تارة يحفر تحتها بالمعول، وتارة ينهال عليها بالمطرقة، فيتطايرُ الشررُ منها، وتنكسر أطرافها، ويصغر رأسها الكبير، شيئاً فشيئاً..‏

وبعد جهد جاهد، اقتلع والدي رأسَ الصخرة، وجعل يدفعه بيديه، ويدحرجه نحو طرف الأرض، فبادرْتُ أنا وصديقي إلى مساعدته، وأخذْنا ننقل حطامَ الصخرة..‏

وحينما فرغنا من العمل، وقف والدي مرفوع الهامة، يرنو إلى أرضه الحبيبة،‏

مزهواً بانتصاره العظيم.‏

كانت عيناه تومضانِ سروراً، وعرقه يومض فرحاً. لقد تحرّرتِ الأرض، واندحرَتِ الصخور..‏

امتلأْتُ إعجاباً بوالدي، فقد كان أقوى من الصخر، وبعد ذلك.. حرث والدي الأرض، وحفر فيها حفراً كثيرة، أودعَ فيها غراساً صغيرة، وأصبح يعتني بها ويرعاها، فصارتِ الغراسُ تنمو وتترعرع، وبعد بضعة سنين، ازدانت أرضنا بالأشجار، وبدأتْ تجود بالثمار، فأخذْنا نملأ منها السّلالَ الكبيرة، ونبيعها في المدينة، ونشتري بثمنها ما نحتاج ونريد.. لقد وفى والدي بوعده، فاستخرج كنوز الأرض، وطرد الفقر بيديه، و..‏

تعالى صوت والدي، يدعونا إليه..‏

أسرعْتُ أنا وصديقي، وجلسنا معه، في ظلٍّ ظليل، نأكل مما قطف لنا، من ثمار حلوة يانعة..‏

قلت مسروراً:‏

-ما أطيبَ ثمارَ العنبِ والتين!‏

نظر أسامة، إلى كفِّ والدي الخشنة، وقال:‏

-ما أطيبَ ثمارَ العمل!‏

قال والدي:‏

-لولا العمل، لظلّتْ هذه الثمار مدفونة تحت الصخور!‏

Nadine
01-06-2007, 11:56 AM
كان في قديم الزمان، أميرةٌ شريرة، قبيحةُ المنْظر، خبيثة المَخْبر، تكرهُ الناسَ وتنهرهم، وتسخر منهم وتحقرهم، فكرهها كلُّ مَنْ عرفها، وخافها خدمها وحشمها، بسبب عجرفتها، وسوء خلقها.. وكان لها أعوانٌ وعيون، يخالطون الناسَ متنكّرين، ثم يرجعون إليها، بأخبارهم وأسرارهم، وحينما تسمع ما يتناقلونه عنها، يلتهبُ قلبها حقداً، ويتطاير غيظها شرراً، فلا يجرؤ أحدٌ، على الاقتراب منها، أو النظر إلى وجهها..‏

وفي إحدى الأمسيات، كانت جالسة، في شرفة قصرها، ومرآتها في حجرها، فنادَتْ وصيفاتها، فهرعْنَ إليها مذعوراتٍ، ومثلْنَ بين يديها مطرقات، ينتظرْنَ عقاباً أو توبيخاً.‏

شرعَتِ الأميرةُ المغرورة، ترنو إليهن بازدراء، ثم شمختْ بأنفها، وقالت:‏

-أصحيحٌ ما يقوله عنّي الناس؟‏

-ماذا يقولون؟‏

-يقولون: أنف الأميرة كبير، لكثرةِ ما تشمخ به!‏

-الأنف الكبير، لا يعيبُ صاحبه.‏

غضبَتِ الأميرةُ، ورفعَتْ سوطها، تلوِّحُ به مهدِّدةً. وتقول:‏

-أتوافقْنَ الناسَ، على ما يقولون؟!‏

رمقَتِ الوصيفاتُ السوطَ. وقلْنَ في نفوسهن:‏

-حسِّني أخلاقكِ، وليكنْ شكلكِ ما يكون.‏

قالت الأميرة حانقة:‏

-ما لكنَّ ساكتات؟!‏

-أنفكِ صغيرٌ يا سيّدتي!‏

-لا تكذبْنَ!‏

-اسألي المرآة، فهي لا تكذب.‏

تناولَتِ الأميرةُ المرآة، وشرعَتْ تحملقُ إلى أنفها، فقالت لها المرآة:‏

-أنفكِ كبيرٌ، لكثرة ما تشخمين به.‏

اغتاظتِ الأميرةُ، وأظلمَ وجهها، فقلبَتِ المرآة، وصمتَتْ واجمة، ثم رفعَتْ رأسها، وقالت:‏

-ويزعم الناسُ أنّ لساني سليط، وطويل كالسوط!‏

-إنهم يكذبون!‏

-وكيف أعرف الحقيقة؟‏

- اسألي المرآة، تعرفي الحقيقة.‏

رفعتِ الأميرة مرآتها، وقرّبَتْها من وجهها، ثم دلعَتْ لسانها، وجعلَتْ تنظر إليه..‏

قالت لها المرآة:‏

-لسانكِ سليط، وطويل كالسوط.‏

أرجعتِ الأميرةُ لسانها، وقالت وهي تتميَّزُ غيظاً:‏

-ويزعم الناسُ أنني شبْتُ وكبرت!‏

-ما زلتِ صبيّةً يا سيّدتي!‏

-قلْنَ الحقيقة، ولا تخفْنَ‏

-المرآة تقول لكِ الحقيقة.‏

رفعتِ الأميرةُ المرآة، وصارت تتأمَّلُ وجهها وشعرها.. لم تخفِ المرآةُ منها، بل قالت لها:‏

-وجهكِ أعجف، وشعركِ أشيب.‏

غضبتِ الأميرةُ على المرآة، وضربَتْ بها الأرض، فتكسّرتْ وتبعثرَتْ..‏

وقامتِ الأميرةُ مسرعة، ودخلَتْ قصرها، وهي تصرخ:‏

-المرآة كاذبة، المرآة كاذبة!‏

انحنَتْ إحدى الوصيفات، وأخذتْ تجمع أشلاءَ المرآة، وحينما فرغَتْ من جمعها، نظرَتْ إليها محزونه، وقالت:‏

-لقد ماتتِ المرآةُ، ولم تقلْ إلاّ الحقيقة!‏

Nadine
01-06-2007, 11:56 AM
كان جماعةٌ من الأصدقاء، يتنزّهون في الحقول.. شاهدوا ناراً تشتعل، قرب شجرة كبيرة. وقفوا جميعاً، ينظرون إليها..‏

قال إياد:‏

-يجب أنّ نطفئ هذه النار .‏

وقال باسم:‏

-إطفاؤها عملٌ نافع .‏

وقال ماهر:‏

-صدقْتَ، فالنار تلوّثُ الهواء .‏

وقال أحمد:‏

-ودخانها يؤذي النبات.‏

وقال سامر:‏

-ويؤذي الإنسان والحيوان .‏

وقال عامر:‏

-إذا لم نطفئها، فستحرق الأشجار .‏

وقال خالد:‏

-وقد تصل إلى حقول القمح .‏

وقال نضال:‏

-وإذا حرقتِ المحصولَ، ضاع تعبُ الفلاحين. وحينما كان الأصدقاء، يقولون، ويقولون.. مرَّ فلاحٌ شاب، ورأى النار، فهرع إليها مسرعاً، وألقى عليها التراب، فاختفَتْ ألسنتها الطويلة، ولم يبقَ سوى أنفاسها السوداء، تنفذ من بين التراب، فداسها الشابُّ بقدمه، وتابعَ سيره،‏

ولم يفتح فمه.. نظر الأصدقاءُ إليه معجبين، وحينما غاب من أنظارهم، أطرقوا رؤوسهم صامتين..‏

Nadine
01-06-2007, 11:57 AM
أقبل الشتاءُ، فاسودّتِ السماءُ، وهاجتِ الرياح، فخاف الأرنبُ الصغير، وعزم أنْ يبني لنفسه بيتاً متيناً، يقيهِ شرّ العواصف.‏

بدأَ ينقلُ الحجارةَ الصلبة، ويرصف بعضها فوق بعض.. وبعد أيام، أصبح البيتُ جاهزاً، ففرح الأرنب كثيراً، وأخذ يغنّي، ثم صار يرقص..‏

سألَتْهُ الريحُ:‏

-لماذا ترقص أيها الأرنبُ الصغير؟!‏

-لأنّ بيتي قويٌّ، يتحدّى الريح.‏



-وكيف عرفْتَ؟‏

-لقد بنيته من أقسى الحجارة.‏

ضحكتِ الريحُ من غروره، ونظرَتْ إلى البيت، ثم مدّتْ أصابعها الرقيقة، فدخلَتْ بين حجارته بسهولة.. قالت ساخرة:‏

-حجارة بيتكَ قويّة!‏

-طبعاً.. طبعاً.‏

-ولكن لا يربط بينها شيء!‏

-ماذا تعنين بقولكِ هذا؟‏

-أعني أنَّ حجارته ليستْ متلاصقةً ولا متلاحمة.‏

-هذا لا يهم.‏

-أرى أنه سيتِهدَّمُ سريعاً.‏

-فْلتختبري قوّتكِ!‏

اغتاظتِ الريحُ، ودفعتِ البيتَ، فانهارَتْ حجارته..‏

قال الأرنب مدهوشاً:‏

-كيف هدمْتِهِ، وحجارته كالحديد؟!‏

-الحجارة المتينة، لا تصنع -وحدها -بيتاً متيناً.‏

نظر الأرنب بازدراء، إلى حجارة بيته المبعثرة المتفرقة، ثم خاطبها قائلاً:‏

-لن تغرّني صلابتكِ بعد اليوم، فما أضعفكِ إذا لم تتماسكي!!‏

Nadine
01-06-2007, 11:58 AM
كان في غرفة سلمى وردتان: إحداهما صناعيةٌ، في زهرّيةٍ أنيقة، والثانية وردة طبيعية، تغمرُ ساقها في ماءِ كأسٍ من زجاج..‏

وجاءَتْ صديقاتُ سلمى لزيارتها، فأخذَتْ كلّ واحدةٍ منهنّ، ترفع الكأسَ، وتشمُّ الوردة، ثم تقول منتشية:‏

-ما أجمل هذه الوردة، وما أطيبَ رائحتها!! وحينما انصرفتِ الزائراتُ، أصبحت الغرفة خالية، بينما ظلّتِ الوردةُ الصناعية، مملوءةً بالغيظ والحسد، لأنها لم تسمعْ كلمةَ مدح، ولم تلفتْ نظرَ أحد! ودخلَتْ نحلةٌ جميلة، من النافذة المفتوحة، فأرادتٍ الوردةُ الصناعية، أن تجذبها إليها، لتغيظَ الوردةَ الطبيعية، فشرعَتْ تنادي:‏

تعالي إليّ أيتها النحلة‏

لن تجدي مثل جمالي‏

منظري رائع‏

ألواني حمراء‏

أوراقي ناعمة‏

أعيش بلا غذاء‏

وأحيا بلا ماء‏

وأبقى ناضرة، لا أعرف الذبول.‏

ظلّتِ الوردةُ الصناعية، تباهي بجمالها، وتفخر بنفسها، والوردة الطبيعية، تنفحُ العبيرَ صامتة، لا تنبس بكلمة.. وعلى الرغم من ذلك، طارتْ إليها النحلةُ، وعانقَتْها مسرورة، فغضبَتِ الوردةُ الصناعية، وخاطبتها مدهوشة:‏

-ما الذي جذبكِ إلى تلك الوردة؟!‏

-جذبني إليها عطرها وجمالها.‏

-وكيف عرفتِ ذلك، ولم تسمعي منها كلمة واحدة؟!‏

قالت النحلة:‏

-الشيءُ الجميلُ لا يحتاج إلى دعاية وكلام.‏

***‏

حينما ذبلتِ الوردةُ الطبيعية، شمتَتْ بها الوردةُ الصناعية، وقالت ساخرة:‏

-أراكِ قد ذبلْتِ سريعاً!‏

-إذا فارقْتُ أرضي، لا أعيش إلا قليلاً.‏

-أمّا أنا فأعيش عمراً طويلاً.‏

-طولُ العمر، لا يدعو إلى الفخر .‏

-وبأيّ شيء نفخر؟‏

-بما نعطيه للآخرين.‏

-وماذا أعطيتْ في عمركِ القصير؟!‏

-أعطيْتُ الرحيق والعطر، فهل أعطيتِ أنتِ شيئاً في عمركِ الطويل؟‏

أطرقتِ الوردة الصناعية، تفكِّرُ فيما سمعَتْ، فأدركتْ صوابه، وحينما رفعَتْ رأسها، لتعتذر إلى الوردة الطبيعية، وجدَتْها قد ماتتْ، تاركةً من بعدها، رائحة عطرة لا تموت!‏

Nadine
01-06-2007, 11:58 AM
انصرفنا من المدرسة، وعدنا إلى بيوتنا فرحين.. كنا مجموعة من الأطفال، نتحادث ونضحك ونقفز. وفي الطريق، شاهدْنا مجنوناً، قصيرَ القامة، أسمرَ البشرة، أشعثَ الشعر، يرتدي ثوباً بالياً، يكشف عن صدره..‏

تحلّقنا حوله، ننظر إليه بفضول، ونسخر من مظهره، بعبارات جارحة:‏

-انظروا إلى لعابه كيف يسيل!‏

-ما أبشعَ منظره!‏

-إنه يسير حافياً!‏

-ما أكرهَ رائحته!‏

-أظنُّ أنه لم يغتسل في حياته!‏

انفجرنا ضاحكين..‏

وظلّ المجنونُ صامتاً، يرمقنا مدهوشاً.. أقبلْنا عليه، نغيظه ونؤذيه..‏

نأتيه من بين يديه، ونأتيه من خلفه.. هذا يشدُّ شعرَهُ، وذاكَ ينتر ثوبه، وآخر يدفع ظهره، وهو يلتفت ذات اليمين، وذات الشمال، ولا يدري ماذا يفعل..‏

لم نكتفِ بذلك، بل أخذْنا نقذفه بالحصى، فهرول وراءنا، يصرخ متألّماً..‏

هرْبنا من وجهه، نركض أمامه، ونلتفت إليه.. وحينما وقف، عاودناهُ ثانية، فرماه طفلٌ، بحجر كبير، شجّ رأسَهُ، وأسال دمه، فقعد خائفاً، يمسح الجرح بكفّهِ، ويتأمّلُ يدَهُ الملطخة بالدماء، ثم يرفع بصره إلى السماء..‏

كففنا عن إيذائه، ووقفنا نتأمّلُهُ صامتين..‏

جاءتْ عجوزٌ، فقيرة طيّبة، وخاطبَتْنا معاتبة:‏

-لماذا تضربونه يا أبنائي؟!‏

-إنه مجنون!‏

-ولكنّهُ إنسانٌ مثلكم، يأْلمُ كما تألمون.‏

-ألا ترينَ شكَلهُ القبيح؟!‏

-يا أبنائي.. الشكل القبيحُ لا يعيبُ صاحبه، وإنَّما فعله القبيح.‏

نكسنا رؤوسنا خجلاً، ولم ننبس بكلمة واحدة.. وانحنتِ العجوز على المجنون، تمسح له وجهه وجرحه، ثم قبّلتْهُ بين عينيه، وسحبَتْهُ من يده، فمشى معها طائعاً، مثل حَمَلٍ وديع..‏

تركْتُ رفاقي واجمين، وسرْتُ وراءها، لأكشفَ سرّها.. استدارَتْ نحوي، فرأيتُ في عينيها الدموع..‏

قلت مستغرباً:‏

-أتبكينَ على هذا المجنون؟!‏

قالت بحنانٍ بالغ:‏

-إنه ابني!‏

-لا أكادُ أصدّقُ!‏

لماذا؟‏

-إنه.. مجنون!‏

قالت العجوز:‏

-وهل يولدُ المجنونُ بلا أمّ؟!‏

قلت متعجباً:‏

-لماذا لم تعاقبينا على ما فعلنا؟!‏

-ولمَ العقابُ يا بني؟!. ما زلتم صغاراً.‏

قلت نادماً حزيناً:‏

-إنني أعتذر إليكِ، فهل تقبلين اعتذاري؟‏

مدّتِ العجوزُ يدها، ومسحَتْ رأسي، براحتها الحانية، وقالت:‏

-لا تحزنْ يا صغيري، إنني أعذركَ وأسامحك.‏

ومضتِ الأمُّ الرؤوم، تسحب ابنها الحبيب إلى قلبها، وظللتُ واقفاً في مكاني، أرنو إليهما راحماً، وأقول في نفسي:‏

-ما أكثرَ الدروسَ التي نأخذها خارج جدران المدرسة!‏

Nadine
01-06-2007, 11:59 AM
حلّ الظلام.. ترك مازنٌ اللعبَ، وعاد إلى البيت خائفاً، يفكّر بعذرٍ، يقدّمهُ لوالديه..‏

قال فرحاً:‏

-لن ينجيني إلا الكذب!‏

وحينما دخل البيت، تطلّعَتْ إليه أنظارُ الأسرة، فقد كان الجميعُ ينتظرونه، بصبرٍ فارغ..‏

قال الأب:‏

-أين كنتَ يا مازن؟!‏

-كنتُ عند صديقي، أكتبُ وظائفي.‏

-ولكنني لا أرى معكَ دفاتر!‏

خجل مازن، وقال:‏

-كنت أزور جدّتي، فهي مريضة .‏

-جدتك خرجَتْ من عندنا منذ قليل!‏

ازداد مازن خجلاً، وقال متلعثماً:‏

-كنت.. كنت.. خارج البيت!‏

انفجر الجميع ضاحكين..‏

وانفجر الكذّابُ باكياً!‏

Nadine
01-06-2007, 11:59 AM
كان القاربُ، يتهادى مختالاً، فوق البحر الواسع، وما لبث أنْ شمخ بأنفه، وقال:‏

-ما أعظمني قارباً!‏

أمتطي البحرَ الكبير، فينقلني حيثما أريد، ولا يعصي لي أمراً.‏

قال البحر:‏





-يسعدني أنْ تعترفَ بفضلي .‏

-ليس لك أيّ فضلٍ، لأنكَ مسخَّرٌ لحملي.‏

-أتقضي عمرَكَ على ظهري، وتنكرُ الآن فضلي؟!‏

-اخفضْ صوتكَ، وأنتَ تحادثُ مَنْ فوقك.‏

-أتزعمُ أنكَ فوقي، ولم يرفعْكَ غيري؟!‏

-ما رفعني إلاّ منزلتي وقدري .‏

قال البحر غاضباً:‏

-إنك لمعجبٌ بنفسكَ، وما يكون لأحدٍ أنْ يتكبّرَ على ظهري‏





قال القارب:‏

-سأظلُّ على ظهركَ، شئْتَ أم أبيت.‏

هاج البحرُ وثار، فصار موجُهُ كالجبال، وقذفَ القاربَ المغرور، فانطرح على اليابسة، مكسورَ الأضلاعِ، فاقدَ الإحساسِ..‏

وحينما صحا من إغمائه، حاول أن يتحرّكَ، فلم يجدْ قدرة!‏

أعادَ المِحاولةَ، ولكنْ دون فائدة..‏

شعر أنّ حياته قد انتهتْ، وأصبح هيكلاً من أخشاب.‏

قال نادماً:‏



-لقد أهلكني الجحودُ والغرور .‏

ونظر إلى البحر الأزرق، والأمواج الراكضة، فعاودَهُ الشوقُ والحنين، وقال محزوناً:‏

-ما أعظمك أيها البحر!‏

Nadine
01-06-2007, 12:00 PM
استيقظ حمدانُ باكراً، فأمسكَ ديكَهُ الأحمر، وربط ساقيه جيداً، ثم ألقاهُ في السلّة، ومضى إلى المدينة..‏

وقف حمدان، في سوق المدينة، والديكُ أمامه في السلَّة، ينتظر مَنْ يشتريه.. وكلّما مرَّ به رجلٌ، فحصَ الديكَ بناظريه، وجسّهُ بيديهِ، ثم يساومُ في الثمن، فلا يتفقُ مع حمدان، وينصرف مبتعداً..‏

قال الديك في نفسه:‏

-إذاً ستبيعني يا حمدان:‏

وتململَ في السلّة، يحاولُ الخروجَ، فلم يقدر..‏

قال غاضباً..‏

-كيف يمدحون المدينةَ ولم أجدْ فيها إلاّ الأسر؟!‏

وتذكّرَ القريةَ والحرية، فقال:‏

-لن يصبرَ أهلُ قريتي على فراقي، فأنا أُوقظهم كلّ صباح، و..‏

أقبل رجلٌ من قرية حمدان، فسلّم عليه، وقال:‏

-ماذا تعمل هنا؟‏

-أريدُ أنْ أبيعَ هذا الديك .‏

-أنا أشتريه.‏

اشترى الرجلُ، ديكَ حمدان، وعاد به إلى القرية..‏

قال الديك مسروراً:‏

-كنتُ أعرفُ أنّ القريةَ سترجعني، لأُطلعَ لها الفجر. وحينما دخل الرجلُ القريةَ، دهشَ الديكُ عجباً..‏

لقد استيقظ الناسُ، وطلعَ الفجر!‏

سأل الديك دجاجةً في الطريق:‏

-كيف طلعَ الفجرُ، في هذا اليوم؟!‏

-كما يطلعُ كلّ يوم‏

-ولكنني كنتُ غائباً عنِ القرية!‏

-في القرية مئاتُ الديوكِ غيرك .‏

قال الديك خجلاً:‏

-كنتُ أعتقدُ انّهُ لا يوجدُ غيري‏

قالتِ الدجاجة:‏

- هكذا يعتقد كلّ مغرور .‏

وفي آخر الليل، خرج ديكُ حمدان، وأصغى منصتاً فسمع صياحَ الديوكِ، يتعالى من كلّ الأرجاء، فصفّقَ بجناحيهِ، ومدّ عنقه، وصاح عالياً، فاتّحدَ صوتُهُ بأصوات الديوك.. وبزغ الفجرُ الجميل..‏

Nadine
01-06-2007, 12:00 PM
أسامةُ تلميذٌ في الصفّ الرابع‏

وأخته أسماءُ تلميذةً في الصفّ الثالث‏

أسامةُ ذكيٌّ ومجتهد .‏

أسماءُ ذكيّةٌ ومجتهدة .‏

أسامةْ يحبُّ أخته، وينافسها في كلّ شيء.‏

وأسماءَ تحبُّ أخاها، وتنافسه في كلِّ شيء .‏

تارةً يتباريانِ في الإملاء‏

وتارةً يتباريان في الرسم.‏

وتارة يتباريانِ في التعبير .‏

و..‏

مرّةً يفوزُ أسامةُ، فتهنّئهُ أسماء .‏

ومرّةً تفوزُ أسماءُ، فيهنّئها أسامة.‏

وكانت أمُّهما المعلّمةُ، تعجبُ بهما، وتشجّعهما على هذا التنافس البريء..‏

وفي هذا الصباح، استيقظ أفرادُ الأسرة ،‏

وشرعوا يستعدّون للذهاب إلى المدرسة، فقالت أسماءُ لأخيها:‏

-أنتَ بطيءٌ في ارتداءِ ثيابك، ولن أنتظركَ بعد اليوم .‏

-أنا أسرعُ منكِ في ارتداء الثياب .‏

-دائماً أنتهي قبلكَ وأنتظركَ.‏

-أستطيعُ أن أثبتَ لكِ، أنني أسرعُ منك .‏

-كيف؟!‏

-نجري مباراةً في ارتداء لباسنا المدرسيّ.‏

أعجبَ الاقتراحُ أسماءَ، فقالت متحمّسة:‏

-أنا موافقة‏

-ومَنِ الحكم؟‏

وتحمّستِ الأُمُّ للمباراة، فنظرَتْ إلى ساعتها، ثم رفعتْ رأسها، وقالت:‏

-أنا أحكمُ بينكما.‏

جلبَتْ أسماءُ لباسها المدرسي .‏

وجلبَ أسامةُ لباسه المدرسي .‏

مدّ أسامةُ يدَهُ، وقبل أنْ يلمسَ ثيابه، قالتِ الأْمُّ:‏

-أبعدْ يدَكَ، حتى أُعلنَ بدءَ المباراة .‏

رفع أسامةُ يده، مطيعاً أَمرَ الحَكَمْ‏

وقفَتْ أسماءُ، وأمامها لباسها .‏

ووقفَ أسامةُ، وأمامه لباسه .‏

أعلنتِ الأُمّ بَدْءَ المباراة، فسارعَ الاثنانِ إلى ثيابهما، يلبسانها بخفّةٍ ونشاط..‏

وعندما لبس أسامةُ صدارة المدرسي، أدخل الزرّ الأوّلَ، في العروة الثانية، وتابع التزرير، حتى بلغ الزرّ الأخير، فلم يجدْ له عروة، ورأى صداره، طويلاً من جانب، قصيراً من الآخر!‏

أدركَ خطأَهُ سريعاً، وأخذ يفكّ الأزرارَ، وعندما فرغ منها، بدأ يزرّها ثانية، ولكنه في هذه المرّة، تأكّدَ من صِحَّةِ البداية، فوصل إلى نهايةٍ صحيحة، ورأى طرفي الصدار متساويين.‏

وحينما رفع رأسه، وجد أُمّهُ وأخته، تنظرانِ إليه وتبسمان..‏

قالت أسماء:‏

لقد خسرْتَ المباراة!‏

قالت الأُمُّ:‏

أخوكِ ربح درساً نافعاً.‏

أيّ درسٍ تقصدين؟‏

الدرس الذي تعلّمه من الزرِّ الأوَّل .‏

أطرق الأخوانِ صامتين، يفكّرانِ في كلامِ الأُمّ، وعندما فهما ما تعنيه، أشرق الفرحُ على الوجوه، وانطلق الجميعً إلى المدرسة مسرورين، فقد أخذوا درساً قبل أنْ تفتح المدرسةُ أبوابها!‏

Nadine
01-06-2007, 12:01 PM
كان هناك سحابتانِ: سحابةُ مطرٍ، وسحابةُ دخان.. كانت سحابةُ المطر، تطوف في أرجاء السماء، فرحة مسرورة، فسمَعتْ نداءاتٍ حزينةً، تصعدُ من الأرض، تستغيث بها، وتطلبُ المطر.. سمعَتْ نداءَ الفلاحين البائسين، ونداءَ الحقول الظامئة.‏

سمعَتْ نداءَ الأشجارِ الذابلة، ونداءَ الأنهار الناضبة.‏

سمعَتْ نداءاتٍ كثيرةً وحزينة..‏

حزنتِ السحابة الرحيمة، ونزلَتْ إلى الأرض، تحملُ الفرحَ والمطر.‏

صادفَتْ في طريقها، سحابةَ الدخانِ، وهي تصعد إلى السماء، فسألتها قائلة:‏

-إلى أين أنتِ ذاهبة؟‏

-أنا ذاهبة إلى السماء .‏

-مَنْ أرسلكِ إليها؟‏

-الناسُ أرسلوني .‏

-ألا تعرفينَ أنّ دخانَكِ يلوّثها؟‏

-هذا أمرٌ لا يعنيكِ‏

قالت سحابة المطر:‏

-السماءُ وطني، ولن أدعكِ تلوّثينه .‏

-أنا حرّةٌ، أفعلُ ما أشاء .‏

-لستِ حرّةً، عندما تؤذين غيرك .‏

وطال بينهما الجدال، وظلّتْ سحابةُ الدخان،‏

متشبثةً بالعناد، فغضبَتْ سحابةُ المطر، وصبَّتْ ماءها الغزير، على سحابة الدخان..‏

وتعارك المطرُ والدخان، فانتصرَ المطرُ، وتلاشى الدخان..‏

ونزل المطرْ إلى الأرض، ولكنّه كان مطراً أسود!‏

نظر الناسُ إليه، وقالوا مستنكرين:‏

-مطر أسود!.. ما أبشعه!!‏

قال المطر، وهو محزون:‏

-لا تلوموني، ولوموا أنفسكم.‏

Nadine
01-06-2007, 12:01 PM
انصرفَ التلاميذُ من المدرسة، وسار الصديقانِ، أحمدُ وغزوان، في طريق واحد..‏

قال غزوان:‏

-تعالَ إليَّ اليومَ، لندرسَ معاً‏

-متى أجيء؟‏

في الساعة الرابعة .‏

وافترق الصديقانِ، فذهب كلُّ واحدٍ إلى بيته..‏

وفي الموعد المحدّدِ، استقبل غزوانُ، صديقة أحمد، وأخذ يحدّثهُ، عن زملاء المدرسة، فيغتاب هذا، ويعيبُ سلوكَ ذاك..‏

قال أحمد، محاولاً إنهاءَ الحديث:‏

-ألا نبدأُ بالدراسة؟‏

-الوقتُ أمامنا طويل.‏

-الوقتُ من ذهب، وعلينا أن ننفقه فيما يفيد.‏

-ألم يعجبْكَ حديثي؟!‏

سكتَ أحمدُ خجلاً..‏

وتابع غزوانُ الكلام، فتحدّثَ عن إخوته، وألعابهم، وخلافاتهم، و..‏

شعر أحمد بالصداع، وألقى نظرة على ساعته، فوجدها تشير إلى الخامسة، فرفع رأسه، وقال غاضباً:‏

-أتدري ماذا أضعْتُ عندك؟‏

-ماذا أضعْتَ؟‏

-أضعْتُ ساعةً ذهبيّة!‏

فوجئَ غزوانُ، ونهض مسرعاً، يبحثُ عنِ الساعة، فوق المكتب، وبين الدفاتر، و..‏

أحمدُ يراقبه صامتاً..‏

لم يعثرْ غزوانُ على شيء، فقال يائساً:‏

-لم أجدِ الساعة‏

-لن تجدها، مهما بحثت‏

ونظر غزوانُ إلى صديقه، فرأى ساعته في معصمه!‏

قال ساخراً:‏

-أهذه ساعتك الضائعة!؟‏

الساعة الضائعة غير هذه .‏

-وهل هي من ذهب؟‏

-نعم، إنها من ذهب .‏

وانقطع الكلام، وساد الصمت، وظلّ اللغزُ غامضاً.. أحمد لم يكذبْ، فقد أضاعَ ساعةً ذهبية.‏

وغزوان لن يجدَها، مهما بحث عنها!‏

-ما الساعة الذهبية التي أضاعها أحمد؟!‏

أطرق غزوان، يفكّرُ حائراً..‏

فكّروا معه قليلاً، فقد تصلون قبله إلى الجواب.‏

Nadine
01-06-2007, 12:02 PM
رنّ جرسُ الدرس..‏

أسرعَتِ التلميذاتُ إلى الصفّ، وجلسْنَ في المقاعد هادئاتٍ، ينتظرْنَ قدومَ المعلِّمَة..‏

كانت معلِّمةُ الصف، تناهزُ الخمسين من عمرها، ولكنها لا تزال حازمة، لا تتغاضى عن الشغب، ولا تسامحُ في التقصير، شعارها الجدُّ والنظام، في الدراسة، وفي الدوام، كأنها ساعة عاقلة.‏

-لماذا تأخّرَتِ اليوم؟!‏

قالت تلميذة:‏

-المعلّماتُ مجتمعاتٌ في الإدارة‏

-متى ينتهي الاجتماع؟‏

-لا ندري!‏

فرحَتْ ليلى الصغيرة، وبدأَتْ تتململُ في مقعدها، تميلُ ذاتَ اليمين وذات الشمال، ولا تستقرُّ على حال.. إنها طفلة شقراء مرحة، ماهرة في التمثيل، وتقليد الآخرين، فنالت محبّةَ زميلاتها، بما لديها من دعابة ومزاح.‏

انتهزَتْ ليلى الفرصة، وغادرت مقعدها..‏

وقفَتْ في مكان المعلِّمة، على المنصّة القريبة من السبّورة.. وضعَتْ على عينيها نظّارة، مثل نظارة معلمتها، وحنَتْ ظهرها قليلاً، ثم تنحنحتْ، وقالت تقلِّد المعلِّمة:‏



-بناتي الطالبات!.. مَنْ تذكِّرني بدرسنا السابق؟‏

انجذبَتْ إليها العيونُ والقلوب، وارتفعَتْ عدّةُ أصابع.. قلبَتِ المعلّمة الصغيرة، شفتها السفلى، ثم هزّتْ رأسها وقالت بصوت راعش:‏

-أريدُ أصابعَ أكثر.. كيف نأخذ درساً جديداً، وقد نسينا درسنا القديم؟!‏

كانت التلميذات ينصتْنَ لها مسرورات، والإعجاب ظاهر على الوجوه والعيون.‏

وفجأة..‏

تحوّلَتْ عنها العيون، وكسا الذعرُ الوجوه، وغطّتِ الكفوفُ الأفواه..‏

التفتَتْ ليلى، لتكشف الأمر، فأبصرتْ معلِّمتها، ذاتَ النظارة، واقفة في الباب!‏

انعقد لسانها حيرة، واحمرَّ وجهها خجلاً، فأطرقَتْ رأسها، لا تدري ماذا تفعل..‏

مرّتْ لحظاتُ صمتٍ ثقيل، ثم أفلتَتْ ضحكاتٌ محبوسة، من هنا وهناك..‏

رفعَتْ ليلى رأسها، ونظرَتْ إلى معلِّمتها خلسة، فرأتها تبتسم!‏

كانت ابتسامتها شمساً مشرقة، أضاءت نفسها المظلمة، وقشعَتْ عنها غيومَ الخوف والحزن..‏

عادت إليها شجاعتها، وقالت معتذرة:‏

-أنا آسفة!‏

-لا داعي إلى الأسف يا بنتي!‏

-سامحيني على مافعلت.‏

-لستُ عاتبةً عليكِ‏

-هل أذهب إلى مقعدي؟‏

قالتِ المعلِّمة:‏

-لن تذهبي إلا بشرط.‏

-ما هو؟‏

-أن تنضمّي إلى فرقة التمثيل في المدرسة‏

قالت ليلى فرحة:‏

-موافقة!‏

ضحكَتِ المعلِّمة، وقالت:‏

-اذهبي الآن إلى مقعدك، أيتها المعلِّمة الصغيرة! أسرعَتْ ليلى إلى مقعدها، وهي تكاد لا تصدّق، غير أنها أصبحَتْ على ثقة تامة، أنّ المعلِّمة هي أُمّها الثانية!‏

Nadine
01-06-2007, 12:03 PM
عاشت شجيراتُ الورد، أمام بيتٍ صغير، على طرف القرية، وكانت صاحبة البيت العجوز، تحبّ وردَها كثيراً، وتوليه كلّ عناية، وتسقيه كلّ يوم، وعلى الرغم من ذلك، لم يكن الورد سعيداً..‏

-لماذا؟‏

-لأنّ الأولادَ يقطفون منه خلسة، والحيوانات تدوس فوقه، وتتلف بعضه.‏

عاش الورد في حزن وخوف‏

فكّرتِ العجوزُ في أمره، فاهتدَتْ إلى الحل، وغرسَتْ أشجار العَوْسَج حول الورد..‏

وعندما كبر العوسج، أحاط بالورد الجميل، شاهراً أشواكه الحادة، كأنه صفّ من الجنود المسلّحين..‏

حاول الأولادُ اختراقه، فأدمى أناملهم، وانصرفوا يائسين..‏

ومدّتِ الحيواناتُ أفواهها، فوخزها شوكه، وارتدّتْ غاضبة.‏

فرح الوردُ بحياته الآمنة، فملأ المكانَ عطراً وسحراً..‏

وذات صباح مشرق، تفتّحَتْ وردةٌ صغيرة، فرأتْ دنيا جميلة..‏

غسلَتْ وجهها الأحمر بقطرات الندى، وشرعَتْ تميل مختالة، وترنو حولها، فرأت قربها، شجرة عوسج..‏

نفرَتْ من شكلها، وخاطبَتْها ساخرة:‏

-ما اسمك أيتها الشجرة الغريبة؟‏

-أنا شجرة العوسج.‏

-ما هذه الحِرابُ التي تحملينها؟!‏

-هذه أشواكي .‏

-ما أقبح شكلكِ بهذه الأشواكّ!‏

-لا أستطيع تغيير شكلي، يا صغيرتي الجميلة!‏

-إذا كان شكلك قبيحاً، فلمَ تعيشينَ قرب الورد الجميل!؟‏

قالت شجيرة الورد، وقد نفذ صبرها:‏

-تعيش قرب الورد الجميل، لتحمي جماله من الأذى .‏

-بأيّ شيءٍ تحميه؟!‏

-تحميه بهذه الأشواك، التي تسخرين منها .‏

-الورد لا يعتدي عليه أحد .‏

وانقطع الحوار فجأة، حينما مدّ ولدٌ يده، ولوى عنق الوردة ليقطفها، فبدأت ترتجف مذعورة.. هاجمَتِ العوسجةُ الولدَ، وطعنته بأشواكها الحادّةِ، فأبعدَ يدَهُ مسرعاً، وانصرف متألّماً، يفرك ساعده، وينفخ عليه..‏

قالت شجيرة الورد:‏

-شكراً لكِ أيتها العوسجةُ الطيّبة!‏

خجلَتِ الوردةُ الصغيرة، واعتذرَتْ إلى شجرة العوسج، فسامحتها العوسجة، وقالت لها:‏

-لن أدعَ أحداً يعتدي على شكلكِ الجميل.‏

قالت الوردة الصغيرة:‏

-وأنا لن أنكر -بعد اليوم- فعلَكِ الجميل.‏

Nadine
01-06-2007, 12:03 PM
التقَتْ نقطتانِ، فوق صفحةٍ بيضاء..‏

وبعد أن تبادلتا التحية، قالت إحداهما للأخرى:‏

-ما أجملَ هذه الصفحة!‏

-تعالي، لنسير عليها .‏

-إذا سرنا عليها، ستمتلئُ خطوطاً .‏

-وما الضرر في ذلك؟‏

-نفسدُ الصفحةَ، فلا تصلحُ لشيء .‏

-اطمئنّي يا صديقتي.. سنرسم خطوطاً لها معنى.‏

-ماذا تقصدين؟‏

-اتبعيني، وسترين .‏

-أنا متعبة الآن .‏

-انتظريني إذاً، حتى أعود .‏

-سأنتظركِ.‏

سارتِ النقطةُ الصغيرة، فوق الورقة البيضاء، راسمة وراءها، خطاً أزرق، ينحني تارة، ويستقيم أخرى..‏

كانت خطواتها قصيرة، وطريقها طويلة، فأعياها المسير، ولكنها لم ترجع يائسة، بل ظلّتْ ماضية فيما عزمَتْ عليه، حتى بلَغتْ طرف الورقة، فاتجهَتْ نحو الأسفل، ثم انعطفَتْ راجعة، ترسم خطاً جديداً، يبعد عن الخط السابق، وظلَّتْ تحثُّ الخطا، حتى وصلَتْ إلى المكان الأوّلِ، الذي انطلقَتْ منه، فوجدَتْ صديقتها في انتظارها..‏

قالت لها، وهي تلهث:‏

-انظري ما صنعْتُ على الورقة!‏

تأمّلَتْ صديقتها، الشكل المرسوم، وما لبثت أنْ قالت:‏

-هذه خارطةُ الوطن العربي!‏

-هل أفسدْتُ بها الصفحة؟‏

-لقد أحسنْتِ يا صديقتي، فاستريحي حتى أكملَ العمل.‏

-ماذا ستفعلين؟‏

-سأرسمُ الحدودَ، بين الدول العربية‏

-إيّاكِ أنْ تفعلي!‏

-لماذا؟‏

-لن نضعَ حدوداً بين الأشقّاء .‏

فكّرتِ النقطةُ فيما سمعَتْ، ثم قالت مسرورة:‏

-ما أعظمك يا صديقي!‏

تبادلَتِ النقطتانِ النظرات، وارتفع منهما هتافٌ واحد!‏

-لن نرسم الحدود.‏

-لن نرسم الحدود .‏

فرحَتِ النقطتانِ، وتعانقتا طويلاً..‏

شعرتا بسعادة كبيرة، وكرهتا العودة إلى الانفصال لقد صارت النقطتانِ الصغيرتان، نقطةً واحدةً كبيرة:‏

Nadine
01-06-2007, 12:04 PM
غزوان طفلٌ صغير، في الرابعة من عمره، فيه صفة ذميمة، كثيراً ما أغضبَتْ أمّه..‏

-أتريدونَ معرفةَ هذهِ الصّفة؟‏

لن أبوحَ لكم بها، بعد قليل تكشفونها، عندما تعرفون، ما فعل غزوان اليوم، فقد كان جالساً، بجانب المدفأة، وبين يديه كتابٌ، يقلبُ صفحاته، ويتفرّجُ على صوره الملوّنة..‏

شاهدَ صورةَ خوخةٍ، نظر إليها طويلاً، ثم حمل كتابه، وذهب إلى أُمّهِ، وقال:‏



-ما هذه؟‏

-خوخة.‏

-كيف طعمها؟‏

-طيّبٌ لذيذ.‏

قال غزوان:‏

-أريدُ خوخة‏

-في الشتاء، لا يوجد خوخٌ يا حبيبيّ‏

-أريد خوخة.‏

عندما يأتي الصيف، سأشتري لكَ خوخاً كثيراً.‏

-أريد خوخة‏

جلبَتِ الأُمُّ برتقالةً، أعطَتْها ابنها، وقالت:‏

-هذه البرتقالة، أطيبُ من الخوخة.‏

أكلَ غزوان البرتقالة، ثم ركض إلى أُمِّهِ، وقال لها:‏

-أريد خوخة‏

جلبَتْ له أُمّهُ، تفاحة حمراء، أعطتْه إياها، وقالت:‏

-هذه التفاحة، أطيبُ من الخوخة.‏

أكل غزوان التفاحة، ثم ركض إلى أُمِّهِ، وقال لها:‏

-أريد خوخة.‏

جلبَتْ له أُمّهُ، موزةً صفراء، أعطتْهُ إياها، وقالت:‏

-هذه الموزة، أطيبُ من الخوخة.‏

أكل غزوان الموزة، ولحس فمه بلسانه، ثم ركض إلى أمه، وقال لها:‏

-أريد خوخة.‏

ضاقَتِ الأُمّ به ذَرْعاً، وقالت غاضبة:‏

-لا يوجد خوخ.. لا يوجد خوخ!‏

-أريد خوخة.‏

حارتِ الأُمُّ في أمرها، وعجزَتْ عن إرضاء ابنها، فتركته يبكي، وذهبت إلى عملها.. بعد وقت يسير.. انقطع البكاء!‏

هرعتِ الأمُّ، لتعرف الأمر، فوجدَتْ غزوان، يغطُّ في النوم..‏

تنفّسَتِ الأُمُّ الصعداء، وجاءت بغطاء، فغطَّتْ به ابنها، ثم وقفَتْ على رأسه، ترنو إليه بحنان، فسمَعْتهُ يقول، وهو نائم:‏

-أريد خوخة.. خوخة!‏

Nadine
01-06-2007, 12:05 PM
رنّ جرسُ المدرسة، وانطلقَ التلاميذُ إلى الباحة، يركضون ويلعبون، يضحكون ويصرخون.. وظلّ أحمدُ في الصفِّ، يرتِّبُ كتبَهُ، وأصواتُ زملائه، تملأُ أذنيه..‏

وفجأة.‏

انقطعَتِ الحركةُ والأصوات!‏

قال أحمد مدهوشاً:‏

-أمرٌ عجيب.. ماذا حدث؟!‏

خرج مسرعاً، ليعرفَ السبب..‏

شاهد التلاميذَ مجتمعين، يمدُّون عيونهم إلى باب الإدارة..‏

انضمّ أحمدُ إليهم، ينظر حيثما ينظرون.‏

رأى رجلاً غريباً، يلبس رداءً أبيض .‏

-مَنْ هذا؟‏

-طبيبٌ من المدينة .‏

-ولمَ جاء إلى مدرستنا؟!‏

-ليضربَ التلاميذَ بالإبر‏

-لماذا؟‏

-يقولون إنها لقاح ضدّ المرض .‏

-أيّ مرض؟‏

-لا نعرف اسمه.‏

صمَتَ أحمدُ، وأخذ يراقبُ الطبيبَ، فرآه يجهِّزُ الإبرة .‏

خاف أحمد من وخزها، وأضمر في نفسه أمراً.‏

صفّ المعلّمُ التلاميذَ. وجعلوا يتقدّمون إلى الطبيب، واحداً إثر آخر..‏

كان أحمد مختبئاً، يحبس أنفاسه، ويسترق السمعَ، فلا يصلُهُ إلا أصواتٌ خافتة، وكلماتٌ غامضة.‏

مكث صامتاً يترقّب..‏

وأفلتَ التلاميذُ، وتعالتِ الأصوات، و.. أخرجَ أحمدُ رأسَهُ، ونظر مستطلعاً.. لقد انصرف الطبيب، وانتهى كلُّ شيء.‏

نهض أحمد فرحاً، يقول في نفسه:‏

-لم يدرِ بي أحد!‏

واختلط برفاقه، يستمع إلى حوارهم..‏

-كنتُ خائفاً من الإبرة‏

-ولمَ الخوف؟!.. إنها مثلُ وخزةِ الشوكة‏

-هل تؤلمك الآن؟‏

-لم أتألّمْ غيرَ دقيقة .‏

-ظننْتُ أنه سيأخذ ثمن الإبرة .‏

-ليس معنا قرش واحد!‏

-أخذناها مجاناً وانتهينا .‏

-وماذا ستفيدنا؟‏

-إنها تقي أجسامنا من المرض .‏

سمع أحمد هذا الكلام، فخجل من جبنه، وندم على هروبه، ولكنّ الندمَ لا يفيد، فبعد أيام، أصابه المرض، فانقطع عن المدرسة، ولبث في البيت..‏

قال والده، وهو يلمس جبينه:‏

-لم ينتفعْ باللقاح اللعين!‏

وقالت والدته، وهي محزونة:‏

-يجب أنْ نأخذَهُ إلى الطبيب.‏

-لا أملكُ إلا عشرين ليرة .‏

-وأنا معي ثلاث عشرة ليرة .‏

وقالت أخته الصغيرة:‏

-وأنا معي خمس ليرات .‏

قال الأب:‏

-لا حولَ ولا قوّة إلا بالله.‏

وقال أحمد في سرّه:‏

-لقد تعلّمْتُ درساً لن أنساه..‏

الألم القليل قد يُنتجُ راحةً كبيرة .‏

والمعلِّمُ هذه المرّة هو: إبرة الطبيب!‏

Nadine
01-06-2007, 12:05 PM
أمامَ بيتنا الجميل، حفرَ والدي حفرةً صغيرة.. أخرجَ لوزةً يابسة، رفعها بإصبعيه، وقال:‏

-ما هذه يا أحمد؟‏

-لوزة صغيرة .‏

-لا تنسَ ذلك .‏

-لن أنسى أبداً.‏

وضع والدي اللوزة، في قَعْر الحفرة، وردمَ فوقها التراب..‏

-لمَ وضعْتَ اللوزة في التراب؟!‏

-لنحصلَ على لوز كثير.‏

-مِنْ أين؟‏

-مِنْ هذهِ اللوزة.‏

-كيف؟!‏

-اسألِ الأرض .‏

-لم أفهم!‏

-ستفهم فيما بعد.‏

***‏

مضَتْ شهور..‏

انشقّ الترابُ، وظهر رأس أخضر، أخذَ يكبر ويكبر، حتى صار شجيرةً صغيرة، طريّةَ الأغصان، ناعمةَ الأوراق.‏

ودارَ الزمان..‏

وأصبحتِ الشجيرةُ الصغيرة، شجرةَ لوزٍ كبيرة.‏

زارها الربيعُ، وزيَّنَها بالأزهار.‏

ما أجمل اللوزة!‏

أنا وإخوتي نلعبُ في ظلالها .‏

والنحلُ تمتصُّ رحيقَ أزهارها .‏

والطيرُ تغرّدُ على أغصانها .‏

وبيتنا يزدادُ جمالاً بجمالها‏

***‏

وفي أواخر الصيف، قطفنا منها لوزاً كثيراً، أكلْنا منه طوالَ فصلِ الشتاء..‏

وتذكّرْتُ اللوزةَ الصغيرة، التي طمرها والدي في الأرض، منذ بضع سنوات، فسألته حينذاك:‏

-لمَ وضعْتَ اللوزةَ في التراب؟!‏

-لنحصلَ على لوزٍ كثير‏

-مِنْ أين؟‏

-مِنْ هذه اللوزة‏

-كيف؟!‏

-اسألِ الأرض .‏

ولكنني الآن.. لن أسألَ الأرض، فقد عرفْتُ كلّ شيء، لوسألْتُ الأرضَ، لما حصلْتُ على جواب..‏

الأرضُ تعرفُ العطاءَ، ولا تعرفُ الكلام. فما أكرمكِ أيتها الأرض!‏

أعطيناكِ لوزةً صغيرة، فأعطيتنا شجرةً كبيرة، ولوزاً كثيراً..‏

Nadine
01-06-2007, 12:06 PM
تربَّعَ الثلجُ على قمّةِ الجبل، وألقى نظرةً إلى الأراضي الواطئة، ثم ضحكَ مغروراً، وقال:‏

-أنا فوق الجميع:‏

نادَتْهُ رَبْوةٌ قريبة:‏

-أيُّها الثلجُ العظيم، إنني ظامئة فأغثْني .‏

-لن أغادر القمة، فابحثي عن غيري .‏

-في جوفي بذورٌ صغيرة، ستموتُ من العطش .‏

-فلْتمتْ‏

-إذا ماتَتْ سيموتُ الربيع.‏

-فلْيمتْ .‏

حزنتِ الربوةُ كثيراً، فقال لها النهرُ الطيّبُ:‏

-لا تحزني أيتها الربوة الصغيرة، سأمنحك مياهي، حتى آخرِ قطرة.‏

فرحَتْ الربوةُ، وبدأَتْ ترشفُ من النهر، وتُرضعُ بذورها الصغيرة.‏

بعد أيام..‏

قلّتْ مياهُ النهر، وكاد يجفُّ ويموتُ، فذهبَ إلى الثلج، وقال:‏

-أيها الثلجُ الجليل، لقد شحّتْ مياهي، فجئْتُ طالباً عَوْنك .‏

-ولمَ تطلبُ العَوْنَ منِّي؟!‏

-لأنّكَ قريبي‏

-كيف؟!‏

-أنتَ ماءٌ، وأنا ماء‏

-لا أشبهكَ، ولا تشبهني، فابتعدْ عنّي. انصرف النهرُ يائساً حزيناً..‏

سمعَتِ الشمسُ حوارهما، فغضبَتْ من غرور الثلج، وزفرَتْ زفرةً حارة، ثم سلّطَتْ أشعتها الحامية على الثلج، فأخذ يذوبُ شيئاً فشيئاً، ليرجعَ ماءً، كما كان، فقال مدهوشاً:‏

-يا للعجب.. إنني أتحوّلُ إلى ماء!‏

استمرّ الثلجُ يسيل، قطرات تتبعها قطرات، كأنها دموع غزيرة، يذرفها الثلج، وهو ينسحب من القمة، وينزل رويداً رويداً.. وحينما وصل إلى الأراضي الواطئة، ساحَ في كلّ اتجاه، هائماً على وجهه، لا يدري أين يستقرُّ، فهرع إلى النهر الطيّبِ، واستنجدَ به ليؤويه، فقال النهر:‏

-أهلاً بكَ يا عزيزي:‏

وسرعان ما احتضنه بين ضفّتيهِ، فاتّحدَ ماءُ النهر، وماءُ الثلج..‏

وسار النهرُ دفّاقاً غزيراً.‏

يجودُ بمائهِ، وهو طروب.‏

فارتوتِ الربوةُ، وارتوى السهل.‏

ونَمَتِ البذورُ، واستطالَتْ سوقها‏

ثم ودَّعَتْ جوفَ الأرض، وخرجَتْ إلى النور.‏

فوُلِدَ الربيع.. جنَّة ألوانٍ وعطور..‏

Nadine
01-06-2007, 12:06 PM
كانتِ النملةُ الصغيرة، تصعدُ جدارَ البيت، وعندما بلغَتْ زاويته، شاهدَتْ بيتَ عنكبوت..‏

اقتربَتْ منه تتفحَّصُهُ، فرأَتْ نسجه دقيقاً، وخيوطه واهية، وفي ناحية منه، كمنتِ العنكبوتُ، ساكنةً هادئة..‏

تأمّلَتْها زمناً طويلاً..‏

لم تبارحْ مكانها!‏

رفعتِ النملةُ رأسها، وقالت للعنكبوت:‏

-ألا تخرجينَ من بيتك؟!‏

-ولمَ الخروج؟‏

-لتعملي كما نعمل.‏

أنا لا أعمل‏

-وكيف تكسبين قوتكِ؟!‏

-أكسبه وأنا قاعدة هنا.‏

-كيف؟!‏

-استريحي جانباً، وانظري ما أفعل.‏

مكثتِ النملةُ، لترقبَ ما سيجري..‏

بعد حين..‏

جاءت ذبابةٌ، تطنُّ وتطيرُ، وهي مسرعة طائشة، فعلقَتْ بشبكة العنكبوت..‏

اهتزَّتْ خيوطُ الشبكة.. أحسَّتِ العنكبوتُ بالفريسة، فغادرَتْ مكمنها، واندفعَتْ نحوها، وأخذَتْ تلفُّها بخيوطٍ تفرزها..‏

كافحتِ الذبابةُ لتفلتَ، فلم تستطعْ خلاصاً، فجعلَتْ تصرخ:‏

-ارحميني أيتها العنكبوت!‏

ضحكتِ العنكبوتُ ساخرةً، وظلَّتْ تكفِّنها بخيوطها، حتى سكنَتْ حركتها..‏

أنشبَتْ فيها أنيابها، وبدأَتْ تمتصُّ دماءها، حتى صارت جوفاً فارغاً..‏

ألقتْ بها بعيداً، ومضتْ إلى مكمنها، منفوخةَ البطن، تنتظر فريسةً جديدة.‏

دنَتْ النملةُ إليها، فقالتِ العنكبوت:‏

-عرفْتِ كيف أكسبُ قوتي؟‏

-لقد عرفْتُ‏

-هل أعجبكِ؟‏

-لا.‏

-لماذا؟‏

-لأنه ظلمٌ واحتيال‏

-وكيف تكسبين أنتِ قوتكِ؟‏

قالت النملة:‏

-أكسبهُ بالجدِّ والعمل.‏

-ولكنَّ العملَ شاقٌ!‏

-الكسبُ الشريفُ، لا يكون إلا بالعمل. أدارتِ النملةُ ظهرها، فقالت العنكبوت هازئة:‏

-أين تسكنين يا عاملتي الصغيرة؟‏

-بيتي قريبٌ من هنا‏

-أتسمحين لي بالسكن معكِ؟‏

-لا.‏

-لماذا؟‏

قالتِ النملةُ، وهي تنصرف:‏

-البيتُ النظيفُ، لا يسكنُهُ العنكبوت.‏

Nadine
01-06-2007, 12:07 PM
وقف المعلّمُ، أمامَ تلاميذه، ينظر إليهم، قبل أنْ يبدأَ قصته، فوجد عيونهم معلَّقةً به، وآذانهم مصغيةً إليه..‏

قال المعلِّمُ:‏

كان بضعةُ أطفالٍِ، يلعبون بطائراتهم الورقية، فوق رَبْوةٍ خضراء، في جنوب لبنان.. كانوا يتراكضون فرحين، وطائراتهم الملوّنة، ترقص فوق رؤوسهم، مثلَ فراشاتِ الربيع، تارةً تجذبهم وترتفع، وتارة يجذبونها ويهتفون:‏



نحن العصافير‏

نجري ونطير‏

نحن العصافير‏

ظلّ الأطفالُ، يركضون ويمرحون، والفرحُ يركض معهم، حيثما يركضون، ويقف معهم، حيثما يقفون.. فرحَتِ الربوةُ لفرحهم، وفتحَتْ لهم صدرها الأخضر. وفرح الهواءُ لفرحهم، فطفق يلعب معهم يجاذبهم طائراتهم، ويداعبُ لهم وجناتهم. وفرحتِ السماءُ لفرحهم، فأشرق وجهها، صفاءً ونقاء.‏

ومرَّتْ بهم، عجوزٌ كبيرة، فرفعَتْ ظهرها وبصرها، ترنو إليهم مسرورة، وتقول:‏

-ما أجملَ الأطفالَ، وهم يفرحون!‏

وصمتَ المعلّمُ قليلاً، ينظر إلى تلاميذه، فوجدهم كلّهم فرحين، كأنّ لهم قلباً واحداً!‏

وتابع المعلّمُ قصته، فقال:‏

وفجأة..‏

سمع الأطفالُ، هديراً مخيفاً، يمرُّ فوقهم، ويبتلعُ ضحكاتهم..‏

جمدوا في أماكنهم، ورفعوا رؤوسهم إلى السماء، فشاهدوا طائراتٍ كبيرةً، ليسَتْ كطائراتهم، و.. صاحتِ العجوز محذَّرةً:‏

-انبطحوا يا أبنائي على الأرض.‏

انبطح الأطفالُ مذعورين، وقد طارتْ قلوبهم، وطارت أفراحهم..‏

أرهفوا آذانهم منصتين.. سمعوا انفجاراتٍ مرعبة، ترجُّ الأرضَ، وتصمُّ الأسماع.. وعادتِ الطائراتُ الإسرائيلية، وهي تفاخرُ بوحشيّتها، بعد أنْ قصفَتْ قريتهم، وألقَتْ عليها، حقدها وحممها..‏

وقفتِ العجوزُ محزونة، وقالت:‏

-انهضوا يا أبنائي، وأسرعوا إلى بيوتكم.‏

نهض الأطفالُ، وهم يتلفَّتون.. شاهدوا سحباً سوداً، تتصاعدُ من قريتهم الوادعة، وتهاجمُ سماءهم الزرقاء، فتلوِّثُ نقاءها، وتعكِّرُ صفاءها.. وصمتَ المعلّمُ قليلاً، ينظر إلى تلاميذه، فوجدهم كلّهم محزونين، كأنَّ لهم قلباً واحداً!‏

وتابع المعلّم قصته، فقال:‏

وهرع الأطفال إلى قريتهم، فسمعوا صراخ نساء، وبكاء أطفال، وأبصروا بيوتاً مهدومة، وأمّهاتٍ والهاتٍ، وشاهدوا رجالاً غضاباً، ينقلون قتلى، ويسعفون جرحى، و.. التهب الأطفال غضباً، فنظر بعضهم إلى بعض، وأخذوا يمزّقون طائراتهم، ويهتفون غاضبين:‏

لا نريدُ أن نكون عصافير‏

نريد أن نكون نسوراً‏

لا نريد طائراتٍ ورقيّة‏

نريد طائرات حقيقيّة‏

وانطلق الأطفالُ، نسوراً صغاراً، يساعدون المنكوبين، ورؤوسهم مرفوعة، وأقدامهم ثابتة..‏

قال أحد التلاميذ:‏

-ما أعظم هؤلاء الأطفال الأبطال!‏

وقال المعلّم:‏

-وما أعظمكم أنتم يا أبنائي!‏

-لماذا؟!‏

-لأنكم كثيرون. وقلبكم واحد .‏

قال التلاميذ مدهوشين:‏

-كيف؟!‏

قال المعلّم:‏

-عند الفرح.. فرحتم جميعاً‏

وعند الحزن.. حزنتم جميعاً.‏

وعند الغضب.. غضبتم جميعاً.‏

و..‏

أطرق المعلّم قليلاً، ثم رفع رأسه، وقال:‏

-ما أجمل أنْ يكون العربُ مثلكم، يجمعُ كَثْرتَهم، قلبٌ واحدٌ كبير!‏

Nadine
01-06-2007, 12:08 PM
نسمة فرحانة، فاليوم عطلة نهاية الأسبوع وجدّها ينتظر زيارتها، ذهبت نسمة إلى بيت جدّها القريب، دقّت الباب، ووضعت أذنها عليه، لتسمع صوت عكّاز جدّها.‏

فتح الجدّ الباب، رأى حفيدته تنطّ كقطّة صغيرة، حملها، وقبّلها، بينما راحت أصابعها تلعب بشرّابة طربوشه الأحمر.‏

دخل الجدّ إلى ساحة الدار الكبيرة، حيث تربّعت بركة الماء في وسطها، أمّا الأشجار، فقد شكّلت حولها زنّاراً أخضر.‏

شمّت نسمة رائحة طيّبة، التفتت حولها وحينما رأت زهر العسل، صاحت:‏

- جدّي.. أنزلني، أريد أن أسلّم على هذا الزهر.‏

أنزل الجدّ حفيدته، ركضت صوبه، وهزّته برفق، كأنها تصافحه، فاهتز فرحاً ورشّ فوق رأسها زهرات صفراء، عربون محبّة.‏

قرفصت نسمة، وجمعت حفنة من الأزهار شمّتها، ثمّ أغمضت عينيها وقالت:‏

- الله.. ما أزكى هذه الرائحة، إنها تنعش القلب!‏

وقبيل المساء، عادت إلى منزلها، تمسك بكفّها باقةً من زهر العسل، لتقدّمها إلى معلمتها.‏

مرةً، غابت المعلمة، فعلم التلاميذ أنّها أنجبت طفلة حلوة.‏

ذهبت نسمة إلى بيت جدّها، كي تقطف باقة كبيرة من زهر العسل، وتقدمها إلى معلمتها، لكنّها شاهدت أغصان زهرتها عارية من الأوراق.‏

ركضت إلى الثلاّجة، وأحضرت شراب السعال، تريد أن تسقيها، فلمحها جدّها، وقال دهشاً:‏

- ماذا تعملين يا حلوة؟‏

- زهرتي مريضة، وتحتاج إلى الدواء!!‏

ضحك الجدّ وقال:‏

- إنها ليست مريضة، لقد حلّ الشتاء، وأسقط الأوراق، ولكن عندما يأتي الربيع، ستزهر من جديد.‏

- وماذا سأهدي معلمتي، لقد ولدت طفلة حلوة؟؟‏

ربت الجدّ على ظهر نسمة بحنو، وقال:‏

- لا تحزني يا حلوتي، أنا سأحلّ المشكلة!؟‏

في صباح اليوم التالي، جاء الجد إلى بيت نسمة، حاملاً بيده علبة كرتون حمراء ملفوفة بشريط ذهبي لامع.‏

فكّت نسمة الشريط، وفتحت العلبة، فرأت زجاجة شفافة، يرتجّ العطر بداخلها، انتزعت غطاءها، ففاحت رائحة زهر العسل، وملأت الغرفة.‏

ركضت نسمة إلى جدّها فرحة، نطّت إلى رقبته، وتعلّقت بأكتافه، فوقع طربوشه الأحمر على الأرض.‏

حمل الجد طربوشه، ووضعه على رأس نسمة، ثمّ حملها، وبدأا يضحكان بينما راحت شرّابة الطربوش، ترقص فرحاً.‏

Nadine
01-06-2007, 12:08 PM
استيقظت الفرشاة ذات صباح على صيحات الألوان الجالسة في العلبة كانت الأصوات مختلطة، وعالية، فلم تفهم سبب الشجار.‏

حرّكت الفرشاة رأسها، فتطاير شعرها الأسود الناعم، ثم قالت:‏

- هس، لمَ كل هذه الضجّة، ما القصّة؟.‏

ردّ اللون الأحمر، والشرر يتطاير من عينيه:‏

- أجيبيني أيّتها الفرشاة، ألست أنا من يمثّل دماء الشهداء، والورود الحمراء، وألسنة النار..؟... إذاً... أنا ملك الألوان.‏

قهقه اللون الأزرق، وقال ببرود:‏

- اسكت، وإلاّ أطفأت نارك بمياهي، فأنا البحر والمحيط، أنا السماء، أنا الفضاء، أنا ملك الملوك.‏

قاطعه اللون الأصفر، قائلاً:‏

- لتعلموا جميعكم، أنني أرمز إلى أغلى شيئين في الوجود، الذهب، والشمس، أنا وحدي الملك.‏

سخر اللون الأخضر من رفاقه، وقال:‏

- ما فائدة الحياة، إذا لم يكن فيها عرقٌ أخضر، هيّا أعطوني التاج، ونصّبوني ملكاً عليكم.‏

حكّت الفرشاة رأسها، وقالت:‏

- إنّكم تخدعون أنفسكم، ألم تسمعوا بأن الكفّ الواحدة لا تصفّق؟!.‏

ثم سارت نحو كأس الماء، وبللّت شعرها فعطست، لكنها اقتربت من اللون الأصفر ومسحت على رأسه بلطف، فاصطبغ شعرها بالصفرة.‏

دنت الفرشاة من صفحة بيضاء، ورسمت دائرة صفراء، ثمّ سألت:‏

- ماهذا الشّكل أيها الألوان؟‏

نظرت الألوان إلى الدائرة، لكنّها بقيت صامتة، قالت الفرشاة:‏

- إنها دائرة صفراء، ولكن عندما نرسم سماء زرقاء، فإنها ستتحول إلى شمس.‏

خجلت الألوان من نفسها، وطلبت من الفرشاة أن توحِّدها، على ورقة واحدة.‏

مسحت الفرشاة على رأس اللون الأخضر بلطف، ورسمت الأشجار، ثمّ راحت تمسح على رؤوس الألوان، وترسم عصافير تزقزق وفراشات تلعب، وأطفالاً يغنّون ويرقصون.‏

وبعد أن انتهت من رسم اللوحة، فهمت الألوان سرّ الحياة، فصفّقت للفرشاة وصاحت بصوت واحد:‏

- عاشت الملكة.‏

Nadine
01-06-2007, 12:09 PM
غابت الشمس، فلبست الطبيعة، رداءها الأسود الجميل.‏

أطل معن برأسه، من نافذة غرفة المزرعة وصاح:‏

- جدّي... جدّي!!‏

- نعم يا صغيري، ماذا تريد؟‏

- لقد حلّ الظلام، وحان موعد ذهابنا إلى النهر، لنسهر على ضوء القمر، ألم تعدني بذلك؟.‏

- أجل.. ولكن بعد أن تضع إبريق الشاي والكؤوس في كيس.‏

ثم حمل الجد عكازه، ومضيا صوب النهر.‏

جلس الجدّ على حافة النهر، وقال:‏

- ألا ترغب بشرب الشاي، يا صغيري؟‏

- بلى.. الشاي لذيذ.‏

جمع الجدّ من حوله أعواداً يابسة، وأشعلها، ثم وضع ثلاثة أحجار، وركز الإبريق فوقها.‏

كانت النار ترسم على وجهيهما، وهجاً أحمر كذاك الذي ترسمه الشمس على وجه البحر، لحظة غيابها.‏

غلى الشاي، نصبّ الجد كأسين، إحداهما ملأى والأخرى نصفها.‏

نظر معن إلى كأسه، وقال ممتعضاً:‏

- لماذا صببت لي نصف الكأس، لقد صرت كبيراً، أما قتلت اليوم جرادتين؟‏

ضحك الجدّ وقال:‏

- الشاي ساخن، وأخشى أن يحرق فمك، هيّا ضع ملعقة سكر في كل كأس.‏

غرَفَ معن السكّر بالملعقة، وبدأ يحرك، بغتة انتبه إلى أمر.‏

كان صوت الملعقة في أثناء التحريك، مختلفاً بين الكأسين.‏

نقر بخفّة على حافّة كوبه، فصدر رنين حاد ثم نقر على حافّة كوب جدّه، فصدر رنين غليظ.‏

نظر إلى جدّه باستغراب قائلاً:‏

- هل سمعت يا جدّي، الملعقة تصدر موسيقا؟!.‏

ابتسم الجدّ، حكّ لحيته بأصابعه الخشنة، وقال:‏

- الموسيقى موجودة حولنا، وما علينا سوى سماعها؟‏

تلفت معن في كلّ الإتجاهات، سار نحو النهر غمس قدميه بمياهه، تناثر رذاذ ناعم، وعلا صوت خريره.‏

ركض صوب شجرة صفصاف، فسمع تسبيح أوراقها، وابتهال أغصانها. تطلّع نحو أعواد القصب، المغروسة كالرماح على ضفاف النهر فعلم أن صوت الصفير المبحوح، يخرج من أفواهها، كلما دخلت الريح إليها.‏

كانت الأصوات، تتداخل في أذنيه الصغيرتين فطرب لها، وتمايل، ثمّ بدأ يغنّي: "ورقات تطفر بالدرب‏

والغيمة شقراء الهدب‏

والريح أناشيد‏

والنهر تجاعيد‏

يا غيمة يا....."‏

توقف أحمد عن الغناء، أدهشه منظر القمر على حافة غيمة رمادية، ماسكاً بإحدى يديه عصا صغيرة، يحرّكها بعفوية، كأنّه قائد فرقة موسيقية بينما راحت الطبيعة، تعزف موسيقاها الأزليّة.‏

Nadine
01-06-2007, 12:09 PM
أدخل القلم رأسه في غطائه، لينام قليلاً، بعد أن رسم على الورقة البيضاء خطيّن، أحدهما مستقيم، والآخر منحنٍ.‏

وقبل أن يغمض عينه، سمع دردشة، ما تزال تتعالى، حتى وصلت إلى حدّ الصراخ. أخرج رأسه، فشاهد الخطّ المنحني، يتحرّك كالأفعى ويصيح:‏

- اخرج أيّها الخط المستقيم من ورقتي فشكلك القاسي يذكّرني بالعصا.‏

ردّ الخطّ المستقيم:‏

- أنت مخطئ، فأنا أمثّل العقل والنظام والدقّة ولا أمثّل العنف والقسوة.‏

- اسكت، وانظر إليّ لتعرف من أنا.‏

وراح الخط المنحني يتحرّك بليونة، ويشكّل أوراقاً، وأزهاراً، وحيوانات.‏

ثمّ ضحك وقال:‏

- هل رأيت حركتي الرشيقة، تفضّل، تحرّك أنت، وكوّن أشكالاً حلوةً كأشكالي.‏

أخذ الخط المستقيم، يروح ويجيء، على سطح الورقة، مشكّلاً نجمة جميلة.‏

نظر الخط المنحني إلى النجمة، فخجل من نفسه.‏



اقترب منها، والتفّ حولها برقّة، مشكّلاً هلالاً.‏

صفّق القلم فرحاً، وقال:‏

- الآن، سأنام هانئاً، على ضوء النجمة والهلال.‏

ثم أدخل رأسه في غطائه، وأخذ يشخر!!.‏

ضحكت الخطوط، حتى كادت تتزحلق من على سطح الورقة.‏

Nadine
01-06-2007, 12:10 PM
في غرفة رامي، وعلى طاولته الصغيرة، كان يوجد عرس بهيج. فقلم القصب يتراقص، والحروف تنطّ على سطح الورقة كالأرانب، بينما تمايلت المحبرة، حتى كاد مدادها يندلق.‏

فلوحة الخطّ، التي كتبها رامي، نالت المرتبة الأولى، على مستوى المدرسة.‏

في غمرة هذا الفرح، قال قلم القصب:‏

- ما رأيكم يا أصدقائي، أن نقيم مهرجاناً خطابياً؟‏

رحّبت الحروف والمحبرة والورقة بالفكرة واتخذوا كتاب القراءة منصة.‏

صعد كلٌ من المحبرة والقلم المنصّة، بينما جلست الأحرف فوق السّطور ممثّلة الجمهور.‏

افتتح قلم القصب المهرجان بقوله:‏

- أبنائي الحروف، إنّه ليسعدني، أن تنال لوحة رامي، التي كُتِبَت بي، المرتبة الأولى ويسرّني أن أنتهز هذه الفرصة، لأعطي لمحة عن حياتي.‏

حكى لي جدّي، أنّ أوّل لقاءٍ له، كان مع الخط الكوفي، غير المنقوط، ثمّ تتالت اللّقاءات مع خطّ الثلث، والرقعة، والدّيواني وبعدها صارت أقلام القصب تكتب الأشعار الحالمة، والقصص الممتعة بخط جميل، كخطّ رامي، الذي نحتفل بفوزه.‏

وقبل أن أنهي حديثي، لا بدّ أن أشير، إلى أنّ الفضل في كلّ ما صنعته، يعود لصديقتي المحبرة الجالسة بجانبي، فشكراً لها وأرجو من اللّه أن يزيد في مدادها.‏

تأثّرت المحبرة لكلام صديقها، فبكت، ثمّ تنحنحت وقالت:‏

- بداية، أشكر أخي وصديقي، القلم القصب، على عواطفه النّبيلة كما أشكر حضوركم، الّذي ينمّ عن تعطّشٍ للعلم والمعرفة.‏

سأدخل في الموضوع مباشرةً، كي لا أطيل؟‏

قديماً، كنت وردةً جوريّةً، لا تستغربوا يا أحبّائي، لأنّ الخطّاط جاء وقطفني، ثمّ وضعني في وعاء يحتوي حديداً صدئاً، وصمغاً شجرياً ثمّ غليت بالماء، وتحوّلت إلى حبر، وبعدها، صرت أصنع من مواد مختلفة، أهمّها هباب الفحم.‏

وختاماً، أعدكم أن أضحّي بآخر قطرةٍ من مدادي، كي تنتشر الثقافة بين النّاس.‏

صفقّت الحروف بحرارة، وتعانقت على سطح الورقة، مشكّلةً لوحةً فنيّةً رائعة.‏

Nadine
01-06-2007, 12:11 PM
صاح الديك، فتحت حنان عينيها، وتمطّت كقطّة صغيرة.‏

كانت الساعة تشير إلى السابعة، إنه موعد إعطاء الدواء لأمّها المريضة.‏

دخلت حنان غرفة أمّها، فوجدتها مستلقية كعادتها، تئنّ وتتوجّع.‏

- صباح الخير يا أمي.‏

- صباح النور‏

- انهضي قليلاً لتشربي الدواء.‏

حاولت الأم النهوض، فلم تستطع، ساعدتها حنان، فلم تفلح.‏

حزنت حنان كثيراً أدارت وجهها صوب النافذة، المطلّة على الحديقة، كي تخفي دموعها فلاحظت أصيص الزنبق ذابلاً.‏

خرجت إلى الحديقة، وجلست قرب أعواد القصب، كانت تبكي، واضعةً كفيّها الصغيرتين على وجهها.‏

اهتزّ عود القصب بجانبها، وقال بصوت مبحوح:‏

- اهدئي يا حلوة، عندي فكرة للترويح عن والدتك.‏

- ما هي؟.‏

- اقطعي مني ثمانية عقد، واثقبيني ستة ثقوب في طرف، وثقباً في الطرف المقابل.‏

- لكنّك ستتألمين!‏

- لا يهم، فقد كانت أمّك تسقيني كلّما عطشت كأحد أطفالها، لذا يجب أن أساعدها. قطعت حنان القصبة، وثقبتها، ثمّ وضعتها بشكل مائل على فمها، وراحت تنفخ.‏

وما إن حرّكت أصابعها الرشيقة، حتى خرجت من الثقوب أنغام عذبة شجيّة، امتزجت مع زقزقة العصافير، مشكّلة لحناً ساحراً.‏

توقفت الموسيقا فجأة، على صوت تصفيق ينبعث من النافذة.‏

نظرت حنان إلى النافذة، فشاهدت أمّها تصفّق باسمة، وبجوارها تفتّحت زنبقتان حمراوان جميلتان.‏

Nadine
01-06-2007, 12:11 PM
يحكى أنّه اجتمع ذات مساء، على طاولة السلطان الكبيرة، وفي صحن زجاجيّ جميل، كلّ من: التفّاحة والبرتقالة والموزة والرّمانة.‏

ولّما كانت الرّمانة كبيرة الحجم، نقد تضايقت الموزة منها، وقالت:‏

- ابتعدي عنّي أيّتها الغليظة، أنتِ تضايقينني!.‏

احمرّ وجه الرّمّانة خجلاً، وقالت:‏

- عفواً موزة، أنا لم أقصد إزعاجك، ولكن كان عليكِ أن تنبهيني بطريقة لبقة.‏

- ومن أنت حتّى أنّبهك، ثمّ كيف تناديني باسمي دون أن تسبقيه بكلمة سيّدة!؟‏

- ولماذا كلمة سيّده هذه؟.. كلّنا فواكه، فلمَ تتعالين علينا؟.‏

ضحكت الموزة، حتّى كادت تتدحرج وتسقط من الصحن، وبعد أن هدأت وقالت:‏

- أولاً... أنا طريّة، وطعمي حلو، فالأطفال الذين لم تبزغ أسنانهم يمضغونني بسهولة.‏

ثانياً.. تقشيري سهل... ولا بذور لي، فهل عرفتِ لماذا يجب أن تناديني بالسيدة موزة؟!.‏

مطّت الرّمانة فمها، وقالت:‏

- قفي عند حدّك أيّتها المتغطرسة، واعلمي أنني أخبّئ في جوفي مئات الحبّات الصغيرة أحفظها من عوامل الطقس، ألمّ شملها، وأزرع في قلوبها الأمل، لتحلم كلّ حبّة، أن تصبح شجرة رمّان كبيرة.‏

أُعجبت التفّاحة بحديث الرّمانة، فصفّقت لها بورقيتها اللتين لهما شكل قلب، اغتاظت الموزة منها، وضربتها في مكان الفصين، فانخفست وصاحت:‏

- آخ... آخ‏

فار الدم في وجه البرتقالة، وقالت:‏

- موزة... عيب، الزمي حدودك، واعلمي بأن الألقاب لاتعلي في المكانة، لكلّ صنف من الفاكهة مذاق خاص، وفائدة خاصة.‏

ثمّ دفعنها بأوراقهنّ خارج الصحن.‏

وقعت الموزة على الطاولة، وانحنى ظهرها فصارت تشبه العجائز.‏

Nadine
01-06-2007, 12:12 PM
دخل أحمد إلى غرفته، فوجد قطّته الصغيرة" لولو" تجثم أمام حوض السّمك، تنظر إلى السّمكات الصغيرات الملوّنة، والحصى المتلامعة، وفقاعات الهواء التي يطلقها أنبوب رفيع، موصول بجهاز كهربائي.‏

تقدّم أحمد من قطّته بهدوء، فلاحظ أنّها تلحس فمها، بينما صار الخط المستقيم داخل عينيها، يشبه صنّارة صيد.‏

خاف أحمد على سمكاته، لأنّه لم يفطن إلى أنّ قطّته البيضاء، التي أحضرها البارحة من بيت جدّته، تأكل السمك.‏

ومن غير أن يدري، زعق أحمد في وجه لولو:‏

- ابتعدي يا جنيّة، وإلاّ أرجعتك إلى بيت جدّتي، الحقّ عليّ، كان يجب أن أترك جدتي تضربك، لأنّك شربكت لها طابة الصوف الحمراء.‏

نطّت لولو، واختبأت تحت الكرسي، وهي تموء بحزن وانكسار.‏

ثمّ اقترب من حوض السّمك، وبدأ يعدّ السّمكات.‏

فجأة، أحسّ بوبر ناعم يدغدع قدميه.. آه... إنها قطّته لولو، لقد أحسسّت أنّه متضايق، فأرادت أن تعرف السّبب، لذا رفعت ذيلها إلى أعلى، فبدا على شكل إشارة استفهام.‏

هدأ أحمد، وجلس على الكرسي، فنطّت لولو إلى حضنه، وحطّت رأسها على فخذه بينما راحت يده تمسح على شعرها الأبيض، كالقطن.‏

نظرت لولو إليه، فقال:‏

- لولو، هل تسمحين بسؤال؟.‏

دعكت لولو رأسها بقائمتها الأمامية، كأنّها تفكّر، ثم ماءت بصوت منخفض، كإشارة لموافقتها!!.‏

سألها أحمد:‏

- هل صحيح أنّك تحبين أكل السّمك؟‏

ارتجف جلد "لولو" عندما سمعت اسم السّمك وكأن الكهرباء قد مسته. انزعج أحمد من قطّته، وقال:‏

- أنت ظالمة يا لولو، لقد ارتجفتِ لأنّك كنت تخطّطين لأكلها، انظري إلى تلك المخلوقات الرائعة، ألا ترينها تلمع مثل النجوم؟.‏

إنّها تعيش في الماء لتبقى نظيفة، تصوّري لولو، لقد ضمرت يداها، كي لا تضرب بهما أحداً وتحوّلتا إلى زعانف صغيرة، تساعدها على السباحة.‏

بينما ضمرت رجلاها، وتحولتا إلى ذيل، لتتّجه حيث تريد، دون أن تزعج أحداً بصوت أقدامها؟.‏

أغمضت لولو عينيها، فتابع أحمد غاضباً:‏

- افتحي عينيك يا كسولة، كثرة النوم تسبّب الخمول، آه ما أنشط السمكات إنها لا تغمض عيونها، حتى في أثناء النوم، هي ليست مثلك يا لولو!!‏

وقبل أن يكمل تأنيبه للقطّة، سمع صوت أمّه تناديه من المطبخ:‏

- تعال يا أحمد، الطّعام جاهز، ألا تحبّ السّمك المشوي؟.‏

قفز أحمد من فوق الكرسي، وركض صوب مائدة الطعام، جلس أمام صحنه، وبدأ يأكل بشراهة.‏

وبعد أن شبع، تذكّر قطّته الصغيرة البيضاء فأحسّ بأنّه قد بالغ في تأنيبها لذا خجل من نفسه واحمرّت أذناه.‏

Nadine
01-06-2007, 12:12 PM
دخل ماجد مع أبيه دكّان الخيّاط، حاملاً بيده قطعة قماش ملونة، ليخيط طقماً للعيد. أخذ الخيّاط مقاس ماجد، ووعدهما أن ينهي خياطتها بعد أسبوع، ثمّ وضع قطعة القماش على الرّف.‏

حلّ المساء، فأغلق الخيّاط باب دكّانه، وذهب إلى بيته.‏

كان الظلام داخل الدكّان دامساً، والسكون مخيّماً.‏

فجأة، سمع كلّ من الإبرة والمقص صوت بكاء، بحثا عن مصدر الصوت، فعرفا أنه ينبعث من على الرف.‏

إنها قطعة القماش الملونة!!‏

سأل المقص:‏

- ما بكِ أيّتها الضيفة العزيزة، لماذا تبكين؟.‏

ردّدت قطعة القماش الملوّنة:‏

- أنا أبكي على حظّي التعس، فما إن أصبحت جوزة قطن، حتى قطفني الفلاّح، وأرسلني إلى معمل الغزل، حيث حوّلني العمّال إلى قطعة نسيج.‏

تنهدت قطعة القماش وأضافت:‏

- وبعد أن اشتراني التاجر، وأجلسني على الرفّ، شعرت بالارتياح، كنت مسرورة لمشاهدة الناس، الداخلين والخارجين من المتجر، لكن عندما صادفني أبو ماجد وابتاعني تغيّر الحال، فغداً ستجري لي عمليّات جديدة، سأقصّ بشفرتين حادتين، وأوخز بالإبرة، يا الله كم أنا خائفة.‏

تنحنح المقص، وقال:‏

- أنت تبالغين يا صديقتي، فما قيمة حياتك إذا بقيت مركونة على الرّف، ستأكلك العثّة، وترمين في حاوية القمامة، أمّا إذا تحوّلت إلى طقم عيد، فإنك سترين الأطفال وهم ينفخون بالوناتهم الملوّنة، وتركبين الأراجيح، بينما سنبقى أنا وصديقتي الإبرة، جالسين على الطاولة، نحلم بالفرح.‏

تدخلت الإبرة قائلة:‏

- ما قاله صديقي المقص صحيح، ومع هذا فأنا سأعمل جاهدة، أن أدخل في مساماتك، كي لا أوجعك في أثناء الخياطة، وتذكري أنّك أنت من سيدخل البهجة إلى قلب ماجد!؟ ارتاحت قطعة القماش، وارتختْ، بعد أن تجعدت أثناء انفعالها، ثم نامت، وهي تحلم بمجيء العيد.‏

Nadine
01-06-2007, 12:13 PM
مع معرفة الخبر، طار أحمد ونور من الفرح.‏

لقد قرر والدهما، أن يصطحب أسرته معه إلى الكويت، وسيكون السفر بعد يومين، ركض أحمد إلى خزانته الصغيرة، أخرج خارطة الوطن العربي، وبدأ يمرّر إصبعه فوقها، باحثاً عن دولة الكويت، بينما راحت نور تجمع ألبسة لعبتها مها وترتّبها في حقيبة صغيرة.‏

كل شيء في البيت يبدو فرحاً، ماعدا السّاعة المعلقة على الحائط، فما إن سمعت كلمة سفر حتى كادت مسنناتها تقف عن الحركة، واضطربت عقاربها، فصارت تسبّق حيناً، وتقصّر حيناً آخر.‏

انقضى اليوم الأوّل، وصحّة الساعة تزداد سوءاً، فالرّقاص النشيط ثقلت حركته، وصار ينوس ببطء شديد، حتى وجهها اللاّمع، بدا شاحباً.‏

أحسّت اللوحة المعلقة على الحائط نفسه بمرض السّاعة، فسألتها:‏

- ما بكِ يا صديقتي، تقولي آه.. آه، بدلاً من تَكْ.. تَكْ، هل أنتِ مريضة؟‏

ردّت الساعة بحرقة، قائلةً:‏

-آه.. أيتها اللوحة الجميلة، غداً سيسافر الصغيران كما تعلمين، بينما سأبقى أنا معلقةً على الحائط، كقطعة خشبيّة ميّتة، من سيوقظهما في الصباح، ليذهبا إلى المدرسة، من سيشير إلى موعد نومهما؟... أجيبيني أيّتها الصديقة، أكاد أقع!!.‏

حزنت اللوحة، عندما سمعت كلام السّاعة، فانكمشت على نفسها، حتى كاد الإطار يسقط منها وبعد تفكير قصير، قالت:‏

- اسمعي أيّتها السّاعة الطّيبة، الصغيران يحبّان عصفورك، الذي يخرج كل ساعة، ويصيح كوكو.. كوكو.. بعدد الساعات، فأرجو أن تطلبي منه ألاّ يخرج صباح الغد، ليبقى الصغيران نائمين، ولا يسافران.‏

عملت السّاعة بنصيحة اللوحة، فتأخّرت الأسرة عن موعد الطائرة.‏

انزعج أحمد، نظر إلى الساعة بغضب، نهض إليها، وقفل الباب الذي يخرج منه العصفور!!.‏

في اليوم التالي، سافرت الأسرة، على متن الطائرة، بعد أن غيّر الأب موعد الرحلة.‏

وبعد شهر من وصولهم، فتحت المدارس أبوابها، لكن الصغيرين تأخّرا في النوم، ولم يذهبا إليها.‏

جلس أحمد على سريره حزيناً، تذكّر ساعته الجميلة، وعصفوره الحبيب.‏

وما إن سمع زقزقة العصافير، تنبعث من حديقة البيت، حتى شعر بالذنب، لحبسه عصفوره فدسّ رأسه تحت الغطاء، وراح يبكي بحرقة شديدة.‏

Nadine
01-06-2007, 12:13 PM
في الحديقة العامّة، وتحت شجرة الكينا الكبيرة، جلس عبد الله أمام صندوقه الخشبي، كان الصندوق مزركشاً بمسامير لامعة، ومزوّداً بدرج صغير، يحتوي علب صباغ ملوّنة، وفرشاة وخرقة صفراء لمسح الأحذية.‏

نظر عبد الله إلى الأطفال، الذين يلعبون في الحديقة، فاغرورقت عيناه بالدموع، ثم وقف وركل الصندوق، فتدحرج وصاح:‏

- آخ.. لمَ تضربني أيّها الصديق، لقد خلعت مساميري؟!‏

دُهِش عبد الله، نظر إلى الصندوق، فرأى درجه يمتدّ مثل اللسان.‏

أحسّ عبد الله بالذنب، فبلع ريقه، وقال:‏

- اعذرني يا صديقي، فأنا متضايق، لأنني أرى الأطفال، ينفخون البالونات، ويمسحون على شعر الدمى، بينما أنفخ أنا الغبار من فوق الأحذية وأمسحها بالخرقة.‏

بكى الصندوق، فقرقعت العلب في بطنه، ثم قال:‏

- اصبر يا صديقي، الحياة قاسية، ومع هذا فهي حلوة، تذكّر أصدقاءك الذين يحبونك، تذكّر أباك المريض، ألست أنت من يرسم الابتسامة على شفتيه، أنت شاطر، وسيكون لك مستقبل زاهر في الدراسة، ستصبح طبيباً، وتشتري سيّارة حمراء.‏

فرح عبد الله عند سماعه كلمة سيّارة، نظر إلى صندوقه بمودّة، وتخيّل علب الصباغ الدائرية مثبتة كالعجلات على طرفي الصندوق، فنطّ مبتهجاً وهو يغنّي:‏

صندوق الألعاب يا خير الأصحاب.‏

Nadine
01-06-2007, 12:14 PM
الغصن فرحان، لأن العصفورين الأصفرين بنيا عشّهما فوقه.‏

رقدت العصفورة على البيض بحنان وعصفورها يقف بجوارها، ينظر إليها، والابتسامة لاتفارق منقاره، يتذكّر كيف بنيا عشّهما قشّة قشّة وبطّناه بالريش الناعم، صحيح أن ريشهما قد بللّه العرق، لكنّه تعبٌ مثمر ولذيذ.‏

بعد أسبوعين، وفي صباح ربيعي جميل، نقر أحد الفراخ قشرة البيضة، ومطّ منقاره الليّن ثمّ بدأ يزقزق، كأنّه يطلب من الطبيعة، أن تفتح له ذراعيها.‏

غمرت السّعادة قلب الأبوين، فطارا إلى الحقول، ليزفّا نبأ السعادة.‏

تتالى فقس البيض، فصار العش يحتضن أربعة فراخ جميلة.‏

الفراخ تكبر، ويتبدّل زغبها الناعم، لينبت مكانه ريش جميل، كانت تنام تحت أجنحة بعضها تأكل ما يجلبه الأبوان، إلاّ واحداً منها، فقد كان لا يأكل إلاّ الدودة الكبيرة، ولا ينام إلاّ ممدداً، ناسياً أن العش قد ضاق لأن الفراخ كبرت، ومع كلّ هذا كان "يسقّطُ" في العش.‏

حكَتْ الفراخ الثلاثة لأمها، عن طباع أخيها السيّئة، فخاطبته قائلة:‏

- كن مهذّباً، واعلم أنّ الإساءة ترتدّ على صاحبها، وإلاّ فسأحرمك من الطعام مدة يوم.‏

انزعج الفرخ الرابع من كلام أمه، وازدادت طباعه سوءاً.‏

في اليوم التالي، قالت الأم لفراخها:‏

- أحبّائي، حرّكوا أجنحتكم داخل العش، لتقوى وتساعدكم على الطيران. حرّك الفراخ الثلاثة أجنحتهم، سخر الرابع من إخوته وقال:‏

- ستتعب أجنحتكم، ولن تقدروا على الطيران أمّا أنا، فجسمي مرتاح لذلك سأكون أقوى منكم!!‏

الفراخ الثلاثة تطير من غصن إلى غصن تلعب مع الفراشات، تزقزق وتضحك غار الفرخ الرابع من إخوته، نطّ يريد مشاركتها اللعب، فوقع على الأرض وجرح رأسه.‏

هرع أبواه وإخوته إليه، احتضنوه، وطاروا به إلى العش.‏

ضمدّت الأم رأس صغيرها، فلم يعد بإمكانه أن يرى شيئاً!؟.‏

في اليوم التالي، كان الأبوان والإخوة الثلاثة يبتسمون، لأنّ الفرخ الرابع، كان يحرّك جناحيه وحيداً داخل العش.‏

Nadine
01-06-2007, 12:14 PM
الحمار الأبيض مربوط بشجرة جوز، إنّه يأكل البرسيم، وأذناه الطويلتان مرخيّتان، ومقوّستان كمقود درّاجة.‏

فجأة.. وقع بصره على العصا المرميّة بجواره، فبصق اللقمة من فمه، وقال:‏

- إلى متى ستلاحقينني أيّتها الأفعى، لقد كرهت حياتي، صرت أراكِ في منامي!؟‏

تململت العصا وقالت:‏

- حمار... لا تنفعل، كي لا يذهب صوابك فأنا لست إلاّ أداة يستخدمها صاحبها، دون إرادتها!!‏

- تمسكني، أيّتها الممثلة، هل نسيت آثار ضربتك على عنقي وجنبي، أليس لديكِ عمل سوى ضربي؟‏

- افهمني أرجوك، الذنب ليس ذنبي، فكم أحبّ أن تحرقني النار وتحوّلني إلى رماد، بدل أن أضربك!!‏

- وهل تظنينني ساذجاً إلى هذا الحد، كي أصدّق كلامك، وكيف أفعل ما دام أنّ قلبك قد تيبّس؟‏

أخذت العصا نفساً عميقاً، فطقطقت، وتشقّق لحاؤها، ثمّ قالت:‏

- صدّقني أيّها الحمار الصبور، أرجوك، فأنا أعرف كم تقاسي، نعم، لأنني أرى العقور الموزّعة على جسدك، وأسمع صوت الذباب اللحوح، الذي يقرصك.‏

هدأ الحمارُ، ثمّ حكّ رأسه بحافره، وقال:‏

- الظاهر أن كلامك صحيح، ولكن، لماذا لا تعصين صاحبك؟.‏

تأوّهت العصا، وقالت:‏

- الأجدر بك أن تعصيه أنت، لأنّك قوي وتستطيع أن ترفس.‏

نظر الحمار بقسوة، إلى صاحبه النائم في ظلّ شجرة زيتون، ثم نتر الرسن بقوّة، فانقطع.‏

نهق الحمار نهقات فرحة، ثم أمسك العصا بشفتيه برفق، واتّجه إلى حقل بعيد، وهو ينطّ برشاقة وسعادة.‏

Nadine
01-06-2007, 12:15 PM
فكّت أنغام جديلتها، أطفأت المصباح، واندسّت في فراشها، كقطّة صغيرة. في المنام، رأت نفسها في حديقة بيتها، فجاءها طائر الكروان، وحطّ على شجرة الورد ثمّ شدا قائلاً:‏

- مرحباً أيتّها الحلوة، ماذا تفعلين في الحديقة؟‏

نظرت أنغام حولها، فشاهدت على شجرة الورد، طائراً ذا ريش ملوّن جميل ابتسمت له وقالت:‏

- أنا آكل البوظة، تفضّل، الحس، إنها لذيذة ومدّت إليه يدها.‏

-شكراً لكِ، الثلّج يؤثّر على حنجرتي، وأخشى أن يبحّ صوتي.‏

- إذا سمحت، غرّد قليلاً، أنا أحبّ صوت الطيور.‏

حرّك الكروان حنجرته، وشدا، فتمايلت أغصان الوردة طرباً، صفقت أنغام ناسية البوظة فسقطت على الأرض، وذابت.‏

توقف الكروان، وقال:‏

- أأعجبك تغريدي؟‏

-الله... إنه رائع، ولكن أين تعلمت الغناء؟‏

- تعلمته في حديقة الألحان!‏

- وهل أستطيع أن أتعرّف إليها؟‏

- بالتأكيد... إنها حديقة رائعة.‏

ثمّ رفع الكروان رأسه إلى السّماء، وشدا بصوت عال، فجاء سرب من الكروان، يحمل سلّة قشّ صغيرة، مربوطة بخيوط ملوّنة، وقد أمسك كلّ كروان طرف خيط بمنقاره.‏

هبطت الكراوين بالسّلة، نطّت أنغام وجلست فيها، بينما وقف صديقها الطائر على كتفها، ثمّ طرن بها نحو السماء.‏

شاهدت أنغام أطفالاً يلعبون على أسطحة البيوت، كانوا صغاراً كالدمى بينما بدا النهر مثل خيط أزرق.‏

مرّ السرب على غيمة بيضاء، فحاولت أن تكمش بيدها قطعة صغيرة، لكنّها لم تستطع، لأن ذرّات البخار، كانت تفرّ من بين أصابعها، كالماء.‏



وصل السرب إلى الحديقة، أعطى الكروان أوامره بالنزول، فهبطت، قفزت أنغام من السلّة شكرت الكراوين، وسارت نحو مدخل الحديقة.‏

كانت حديقة الألحان، مسوّرة بأعواد القصب الصفراء، بينما كان الطريق مفروشاً بأزاهير بيضاء، أمّا الأزاهير الحمراء، فقد شكلّت خمسة خطوط متوازية.‏

سألت أنغام الكروان:‏

- ما هذه الخطوط، أيّها الصديق؟‏

- إنها المدرج الموسيقي!‏

دخلا الحديقة، فرحت الأشجار واهتزّت مصدرة أصواتاً حلوةً ناعمة.‏

رفعت أنغام عينيها، فشاهدت أعداداً كبيرة من الأجراس، معلقة على الأشجار، سألت دهشةً:‏



- لماذا تحمل الأشجار أجراساً؟‏

ابتسم الكروان وقال:‏

- لكي تشارك الطيور في ألحانها.‏

وصلت أنغام إلى ساحة الحديقة، والكروان ما يزال يقف على كتفها، فتوقفت فجأة أمام نصب كبير، له شكل غريب، التفتت إلى صديقها وسألته:‏

- ماهذا الشكّل؟‏

- إنه مفتاح صول!!‏

جلست أنغام على مقعد خشبي، وراحت تتأمّل بإعجاب، ذاك المفتاح الجميل. فجأة، سمعت صوتاً حزيناً، كصوت أمّها، ينبعث من ورائها، التفتت نحوه فشاهدت آلة الكمان، تقف على حافة بركة ماء، تحرّك قوسها فوق أوتارها وتصدر لحناً شجيّاً.‏



طار الكروان إليها، وقف على قوسها، وسألها مستفسراً:‏

- لماذا تعزفين بمفردك يا صديقي...‏

أين العود والطبلة؟‏

تأوّهت الكمان، وأجابت:‏

- في الصباح، عندما طرتِ إلى المدينة، جاء العود وأهانني!‏

- العود؟!‏

- نعم.. اتهمّني بأن زندي قصير، وأوتاري أربعة، بينما يملك هو خمسة أوتار.‏

- وماذا أجبته؟‏

- قلت، إن الإبداع لا يتعلق بكثرة الأوتار وقلّتها، فأنا أصدر طبقات صوتية عالية، لا يستطيع غيري، وإن كان له ستة أوتار، أن يصدرها. تنهّد القوس قائلاً:‏



- واللّه، أيّها الكروان الحبيب، لو لم تمنعني الكمان، لألهبت ظهر العود ضرباً.‏

نظر الكروان إلى القوس، وقال:‏

- لا يا قوس، يجب ألاّ نقابل الإساءة بمثلها.‏

ثمّ طار الكروان، واختفى بين الأشجار، وبعد مدّة قصيرة، عاد بصحبة العود والطبلة.‏

اعتذر العود من صديقته الكمان، وأهداها ميدالية، على شكل مفتاح صول صغير.‏

دقّ قلب الطبلة، وأصدرت ضربات فرحة، ثم قالت:‏

- لن تختلفا بعد اليوم، فأنا سأضبط إيقاعيكما.‏

عزفت الآلات، وشدا الكروان.‏



اهتزت الأجراس، حام الفراش، وزقزقت العصافير.‏

فتحت أنغام عينيها، نظرت حولها، فلم تجد الحديقة، لكنّ صدى الألحان بقي يرنّ في أذنيها الصغيرتين.‏

Nadine
05-06-2007, 05:10 AM
دعا الهدهد طيور الغابة منذ الصباح الباكر إلى اجتماع طارئ، وبدا وكأنّ أمراً خطيراً قد وقع، أو هو على وشك الوقوع... فمثل هذه الدعوات لا تحدث إلاّ في حالات نادره.‏

سارعت الطيور تمسح عن عيونها آثار النوم، ومضت في طريقها نحو الساحة الكبيرة، محاولة أن تخمّن سبب هذه الدعوة المفاجئة، وعندما اكتمل الحضور، انبرى الهدهد يتكلّم:‏

- أنتم تعلمون أيّها الأعزّاء أنّ هذه الغابة هي موطننا وموطن آبائنا وأجدادنا، وستكون لأولادنا وأحفادنا من بعدنا.. لكنّ الأمور بدأت تسوء منذ أن استطاعت بندقيّة الصياد الوصول إلى هنا، فأصبحت تشكّل خطراً على وجودنا.‏

- كيف؟.. قل لنا..‏

تساءل العصفور الصغير.‏

- في كلّ يوم يتجوّل الصيادون في الغابة متربصين، ولعلّكم لا حظتم مثلي كيف أخذ عددنا يتناقص، خصوصاً تلك الأنواع الهامّة لهم.‏

مثل ماذا؟‏

تساءل الببغاء‏

- مثل الكنار والهزار والكروان ذات الأصوات الرائعة..‏

ومثل الحمام والدجاج والبط والإوز والشحرور والسمّان ذات اللحم المفيد، والبيض المغذي، ومثلك أيّها الببغاء... فأنت أفضل تسلية لهم في البيوت، نظراً لحركاتك الجميلة وتقليدك لأصواتهم.‏

وقف الطاووس مختالاً، فارداً ريشه الملوّن.. الأحمر، والأصفر، والأخضر، والأسود..‏

قال:‏

- لابد وأنّك نسيتني أيّها الهدهد، فلم يَردْ اسمي على لسانك، مع أنني أجمل الطيور التي يحبّ الإنسان الحصول عليها، ليزيّن بها حدائقه.‏

- لا لم أنسك، وكنتُ على وشك أن أذكرك... فشكلك من أجمل الأشكال.. ولكنْ حذار من الغرور.‏

قال الحجل بدهاء:‏

- معك حق فيما قلته أيّها الهدهد.. حذار من الغرور. نظر الطاووس نحو الحجل بغضب شديد، اتجّه إليه وهو يؤنّبه:‏

- إنّك لا تقلّ خبثاً عن الثعلب الماكر، ولذا لن أعيرك أيّ اهتمام.‏

حاول الحجل أنْ يردَّ له الإهانة، لكنّ الهدهد هدّأ من حاله قائلاً له:‏

- دعونا الآن من خلافاتكم... فأنتم إخوة ويجب أن لا تنشغلوا عن المشكلة الكبيرة التي تواجهنا جميعاً.‏

قال الشحرور:‏

- أيها الصديق معك حق.. لقد لامست كبد الحقيقة.. قل لنا ماذا نفعل؟‏

رفع الهدهد وجهه، فاهتزّت ريشاته المغروسة في رأسه... قال:‏

- لقد دعوتكم لنتبادل الرأي في هذا الموضوع.. فليذهب كلّ منكم إلى عشّه الآن، ويأتني غداً في مثل هذا الوقت بالتحديد، وقد حمل إليّ حلاً نستطيع به حماية أنفسنا من بنادق الصيادين.‏

Nadine
05-06-2007, 05:11 AM
أقامت مدرسة (الأمل) حفلاً فنّياً جميلاً بمناسبة عيد الأمّ، افتتحته المديرة بكلمة ترحيبيّة قالت فيها:‏

[أبنائي وبناتي الأعزّاء.. في الحادي والعشرين من شهر آذار من كلّ عام، نحتفل بعيد الأم. وأنتم تعرفون قيمة الأمّ ودورها في تربية الأجيال، وفضلها الكبير على النشئ، فهي التي تمسك العالم بيمينها، وتهزّ السرير بيسارها، وهي من يضحّي بسعادته من أجل أن يُسعد أبناؤها ويعيشوا حياة كريمة...]‏

حين انتهت المديرة صفّق لها التلاميذ.. صاروا ينشدون ويغنّون ويرقصون مبتهجين بهذا اليوم الجميل.]‏

عندما عادت (ميسون) إلى المنزل حدّثت أمها عن الحفل الجميل، بعد أن قدّمت لها هديّة قائلة:‏

- كل عام وأنتِ بخير يا أمّي.‏

- كل عام وأنتِ بخير ياابنتي.‏

أجابتها الأم، ثم طلبت منها أن تساعدها في إعداد طعام الغداء ريثما يعود أبوها من العمل.‏

تلكّأت ميسون قائلاً:‏

- مهلاً يا أمي.. أريد أن ألعب قليلاً.‏

في المساء.. نادت الأم على ميسون فلم تلتفت. كرّرت النداء، فتصنّعت عدم السمع، قائلة في نفسها:‏

- إنّ أُمّي تريد تكليفي بعمل من أعمال المنزل، ولذا لن أجيب."‏

جاءت الأمّ إلى ابنتها... وقفت قبالتها قائلة:‏

- عند الظهيرة طلبت منك مساعدتي فرفضت لأنّك كنت تلعبين... والآن أناديكِ فلا تردّين، إن محبة الأم بطاعتها، وعدم مخالفة أوامرها. وهذه هي أجمل الهدايا التي تقدّم إليها...‏

Nadine
05-06-2007, 05:11 AM
أمضى مازن عطلة صيفيّة ممتعة، فزار البحر برفقة أبويه وأخويه مستمتعاً بالسباحة، وذهب إلى الحدائق والبساتين يلاحق الفراشات والعصافير. أمّا كرته المطاطيّة، فكانت رفيقته إلى الساحات والأندية، وكلّ الأمكنة التي يلعب فيها مع رفاقه وأصدقائه الذين يهوون كرة القدم. فهو يحبُّ الرياضة أكثر من أيّة هواية أخرى... لذلك فقد طلب من والده أن يشتري له عند قدوم العام الدراسي حقيبة مدرسيّة عليها رسوم الرياضيين الذين يراهم في المباريات الرياضية العربيّة والعالميّة.‏

ذهب مازن وأبوه إلى السوق، وبدءا يفتّشان عن الحقيبة المطلوبة. في الدكّان الأول لم يجداها.. في الدّكان الثاني لم يجداها... وكذلك في بقية الحوانيت والمجمعات.. فمازن كان يريد حقيبة ذات ألوان زاهية، ومواصفات معينة.. وأخيراً، وبعد جهد جهيد، وبعد أن مضى نصف النهار في البحث التقى بضالّته المنشودة، ورأى حقيبته عند بائع جوّال.‏

- إنّها هي.. هي من افتشّ عنها.‏

صاح مازن والفرحة ترقص فوق وجهه، متابعاً كلامه:‏

- سأتباهى بها على كلّ زملائي في المدرسة.‏



- المهم أن تحافظ عليها، وعلى جميع أشيائك الأخرى.‏

- لابأس.. لا بأس.‏

اشترى الأب لابنه كلّ ما يلزمه من حاجيات مدرسيّة.. كتب، دفاتر، أقلام تلوين، قلم حبر، قلم رصاص، ممحاة، مبراة، ولم يعد ينقصه شيء أبداً‏

فرحت الحقيبة بأصحابها الجدد.. قالت لهم:‏

- سنبقى أصدقاء طوال العام. ونمضي معاً أياماً جميلة.‏

- إن شاء اللَّه.. إن شاء اللَّه.‏

أجاب قلم الرصاص، ولم يكن يدري عن مصيره المنتظر شيئاً على الإطلاق.. فلم يمض اليوم الأوّل على افتتاح المدرسة، حتى كان مازن قد استهلك قلمه تماماً، من جراء بريه الدائم له.‏

بعد عدة أيام، وبينما التلاميذ يرسمون على دفاترهم شكلاً معيّناً طلبت المعلمة تنفيذه، جلس مازن في مقعده واجماً، شارداً.‏

سألت المعلمة:‏

- لماذا لاترسم يا مازن؟..‏

- لأنني لا أملك دفتر رسم.. لقد مزّقه أخي الصغير.‏

في درس الإملاء ارتبك مازن وبكى، لأنه أضاع ممحاته، ولم يستطع أن يصحّح الكلمات التي أخطأ بكتابتها.‏

مسطرة مازن كُسرت، ولم يعد بمقدوره أن يحدّد الأشكال الهندسية، أو يرسم خطوطاً مستقيمة.. وكذلك المبراة، فتّش عنها كثيراً بلا جدوى.. حتّى الدفاتر اختفت، ثم لحقت بها مجموعة الكتب.‏

حزنت الحقيبة الزاهية ذات الصور والرسوم لفقدان أحبّتها الذين راحوا من بين يديها واحداً بعد الآخر.‏

أخذت تندب وتنوح:‏

- أين أنت أيّتها الأقلام الملّونة؟. فكم أسعدتني ألوانك الصفراء والخضراء والحمراء. أين أنتَ يا دفتر الرسم الجميل؟.. فكم تباهيت بصحبتك. أين أنتَ ياكتاب القراءة؟، فكم راقت لي مواضيعك القيّمة، وقصصك الممتعة، ودروسك ذات الفائدة.‏

أين أنتم يا أصدقائي.. إنني غريبة بدونكم، أعاني الحزن والوحدة.. ليس هذا فقط، وإنما هناك شعور بالخوف يتملّكني.‏



ذات يوم اتّخذت الحقيبة قراراً مهماً، توصّلت إليه بعد تفكير طويل.. فقد صمّمت على الهروب قبل أن يغدو مصيرها كمصير الكتب، والدفاتر، وبقية الحاجيات التي أهملها مازن، ولم يحافظ عليها.‏

Nadine
05-06-2007, 05:12 AM
تدلّت أغصان شجرة الكرز خارج سياج البستان. رآها رجل يمر من هناك كلّ يوم قاصداً مكان عمله، فوقف يتأمّل، ويتمنّى لو يستطيع أن يقطف منها.‏

لمحه صاحب البستان، فاقترب منه قائلاً:‏

- كُلْ ما تشاء أيّهاالرجل، فأنا قد سمحت للعابرين بقطف ما يتدلّى خارج السور.‏

سُرّ الرجل بموقف البستاني، وصار كلّ صباح يقف عند الشجرة، ويأكل منها.. إلى أن جاء يوم خاطب فيه نفسه:‏

- لماذا لا أحمل لزوجتي وأولادي شيئاً من هذه الثمار.. فكم حدّثتهم عنها، وكمْ تمنّوا أن آتيهم بها.. إنّهم يحبّون الكرز كثيراً.‏

قفز الرجل عن السور، وصعد إلى أعلى الشجرة، وقطف سلّة صغيرة. في يوم لاحق فعل فعلته ذاتها، وقطف سلة أكبر... وتكررت محاولاته دون أن يدري صاحب البستان بأمره.‏

ذات مرة، وبعد أن ملأ صندوقاً كبيراً من الثمار اليانعة الناضجة، وهمّ بمغادرة البستان، قافزاً من فوق السور، فاجأه كلب الحراسة بهجوم مباغت، وبدأ يمزق له ثيابه، ويعضّه في مختلف أنحاء جسمه.‏

Nadine
05-06-2007, 05:12 AM
فكّر النبع الصغير أن يحتفل بعيد ميلاده الأول، فقد مضى عام على ولادته، وكان ذلك منذ صيف فائت، حيث دفعت به الأرض إلى الوجود، بعد أن خزّنت الأمطار في جوفها طيلة الشتاء.. وعندما آن الأوان قرّرت أن تخرجه إلى النور عذباً رقراقاً، يروي العطش، ويسقي السهول الواسعة.‏

دعا النبع إلى الإحتفال أغلب أصدقائه.. الفراشة. العصفور. النحلة. الوردة. الطفل الصغير. فرح الجميع بدعوة النبع، وسعدوا بذلك اللقاء الحميم.‏

وبعد أن شرب كلّ منهم قطرة ماء، قررّوا أن يقدّموا الهدايا لصديقهم.‏

رقصت الفراشة:‏

"إليك يا صديقي ألواني اللطيفة التي أخذتها من ألوان الأرض."‏

زقزق العصفور:‏

" سأغني أغنيتي التي علّمتني إيّاها الأرض"‏

حامت النحلة:‏

"وز.. وز.. أعطيك نقطة عسل منحتها لي براعم الأرض."‏

أمالت الوردة رأسها:‏

"أما أنا.. فأزين صدرك بوريقات ناعمة أهدتني إيّاها أمي الأرض."‏

فرح الطفل صديق النبع بذلك الإحتفال، وفكر مليّاً بالهديّة التي سيقدّمها. وبعد قليل، أتى بريشة وألوان وورقة بيضاء، وراح يرسم..‏

رسم النبع، والفراشة، والعصفور، والنحلة والوردة، وكذلك الأرض المحيطة. كما رسم نفسه، والفلاح الذي يزرع بالقرب منهم.. وكم كانت جميلة تلك اللوحة!.. وكم كانت بديعة وزاهية!..‏

حيث بدت وكأنّها حقيقة، عُلِّقت على شجرة الجوز المنتصبة هناك، ليراها الجميع في ذهابهم ورجوعهم.‏

كان النبع بمنتهى السعادة، وهو يعيش فرحته بعيد ميلاده الأول. شكر أصدقاءه على حضورهم، وعلى هداياهم، ثم تابع مسيره كي يهب حبّه للأرض، صاحبة الفضل عليه، وعلى الجميع.‏

Nadine
05-06-2007, 05:13 AM
كان الثعلب يذهب كل ليلة إلى كرم من كروم القرية، ويقطف ما يحلو له من العناقيد الحمراء والصفراء والسوداء، ذات المذاق اللذيذ، ثم يأتي بها إلى بيته فيضعها في حفرة قد هيّأها لتخبئة أشيائه الخاصّة.‏

وبعد أن ينتهي من مهمته تلك، يتجه إلى جاره الثعلب العجوز، فيقضي الليل بزيارته، وسماع حكاياته وقصصه المسلّية. ذات يوم... مرض العجوز، فوصف له الطبيب دواء خاصاً قائلاً له:‏

- عليك بأكل العنب.. إنّه الدواء الشافي لك.‏

طلب الثعلب المريض من جاره أن يقطف له عنقوداً من الكرم المجاور:‏

إن العنب دوائي، ولا يشفيني إلاّه.. فماذا لو تكّرمت عليّ بشيء منه.‏

ارتبك الثعلب، حاول التهرب من تلبية رغبة الجار، متذرّعاً بحجج غير مقنعة:‏

- إن ناطور الكرم شديد الحراسة، وعينه لا تغفل عن داليات العنب.. فهل تريدني أن أخاطر بحياتي من أجل عنقود؟‏

ذات يوم حدث للثعلب البخيل ما حدث لسواه. لقد داهمه مرض شديد ألزمه الفراش، ولم يعد باستطاعته الحركة.. وعندما زاره الطبيب، فحصه بدقة، ثم قال:‏

- دواؤك الشافي هو العنب.‏

ابتسم الثعلب رغم مرضه، حدّث نفسه:‏

- الأمر سهل بالنسبة لي.. العنب كثير، وحفرتي ممتلئة بكميات كبيرة منه.‏

وعندما نزع الغطاء عن الحفرة ليأخذ عنقوداً ممّا خبّأه، عقدت الدهشة لسانه، واستولى عليه ذهول.. لقد فوجئ بأن العنب قد فسد بأكمله.‏

Nadine
05-06-2007, 05:14 AM
خرجت الحروف الهجائيّة في مظاهرة ضد حرف "الألف"، تهتف بكرهها له، وبرغبتها في نفيه وإبعاده.‏

وقف حرف "الألف" حزيناً مما سمع. جاء إلى اشقّائه يستفسر:‏

- لماذا يا إخوتي تقفون منّي هذا الموقف؟.. هل آذيتكم؟..‏

هل أزعجتكم؟..‏

قالت الجيم:‏

- نحن لا نحبك.‏

قال الواو:‏

- ولا نريدك.‏

تساءل "الألف" باستغراب شديد:‏

- لماذا؟!!..‏

- لأنك تختلف عنّا.. فأنت مرفوع الرأس، مستقيم الظهر. أمّا نحن.. فيا حسرتنا!.. انظر إلى أشكالنا الملتوية.‏

- وما ذنبي أنا؟!.. ما ذنبي؟!‏

ردّد "الألف" وهو يمضي مطرقاً، كسير النفس.‏

بعد ذهابه، جلست الحروف تفكّر فيما تستطيع أن تفعل، إلى أن توصّلت لحلّ مناسب جعلها تقفز فرحاً.. فقد اتفقت فيما بينها على الذهاب إلى الحدّاد "مسعود"، ليقوّمها، ويسوّيها، ويصلح من حالها بالمطرقة والسندان، فتصبح مستقيمة كحرف "الألف" تماماً.‏

"واللَّه فكرة جيدة"‏

قفز الجميع..‏

وافق الحدّاد على اقتراح الحروف، وسُرَّ أيما سرور لأنَّه سيجني من وراء عمله هذا مبلغاً لا بأس به من المال قال:‏

- أنتم سبعة وعشرون حرفاً -عدا الألف- قسّموا أنفسكم إلى ست مجموعات.. صباح كل يوم تأتيني مجموعة. ما رأيكم؟‏

-موافقون.‏

بعد أن أخذ "مسعود" الموافقة من أفواه الحروف، واتّفق معها على الأجر، بدأ العمل، يوم السبت ذهبت إليه الباء، والتاء، والثاء، والجيم، والحاء، والخاء،‏

يوم الأحد ذهبت الدال، والذال، والراء، والزاي.‏

أما الإثنين فكان من نصيب السين والشين والصاد والضاد.‏

الطاء والظاء والعين والغين بقوا إلى الثلاثاء.‏

نهار الأربعاء خصص للفاء، والقاف، والكاف، واللام.‏

الخميس، وهو نهاية الأسبوع.. زارته بقيّة الحروف، الميم، والنون، والياء.‏

تغيّرت أشكال الحروف، صارت كشكل الألف الذي حزن لحالها، وتألّم للتغيير الجذري الذي آلت إليه.‏

- وكيف ستميّزون بعضكم؟ وما هي أسماؤكم الجديدة؟‏

سأل "الألف" الأحرف التي صارت تشبهه.‏

حين ذهب تلاميذ المدارس إلى بيوتهم يريدون تحضير الدروس، لم يستطيعوا أن يقرؤوا، أو يكتبوا شيئاً، إذا لم تكن أمامهم أيّة حروف سوى حرف واحد، لا يستطيعون أن يصيغوا بواسطته كلمة.‏

المعلّمون والمعلّمات وقفوا مكتوفي الأيدي عاجزين عن إعطاء المعلومات المقرّرة.‏

الأدباء والكتاب أيضاً كانت حالهم كحال الذي منع عنه الطعام والشراب.‏

بعد حين من الزمن، ملّت الحروف وضعها.. فقدت أسماءها وأشكالها، ولم يعد الحرف يعرف أخاه أو يميزه.‏

وعندما يتصادم به أثناء سيره، يقول له:‏

- من أنتَ؟ ما اسمكَ؟‏

فلا يعرف هذا الآخر بماذا يجيب.‏

الحدّاد "مسعود" تأذّى من الوضع مثلما تأذّى جميع الناس، فقد نسي ابنه القراءة والكتابة بعد أن أغلقت مدرسته بابها، كباقي المدارس. حالة من الندم تملّكته على ما اقترفت يداه.‏

خاطب نفسه:‏

"لو كنت أعرف نتيجة صنيعي لما قمت به ولو قدّموا لي كنوز الدنيا كلّها."‏

وظلّ الحدّاد الليل بحاله يفكّر بما عساه يقوم به ليعوّض ما فات. رأى ابنه حيرته، فقال له:‏

- ما رأيك ياوالدي لو اقترحت على الحروف أن تعيد لها شكلها بمطرقتك وسندانك.‏

- وهل تقبل؟‏

- جرب.. ولنر..‏

اتّجه مسعود إلى الحروف، فرآها تتخبّط بعضها ببعض، تتشاجر، وتختلف، ولا تتفّق على شيء. وحده حرف الألف الحقيقي كان يقف عن بعد، وينظر إلى الأحوال التي توصل إليها إخواته بسبب جهلهم، وعدم إدراكهم.‏

قال له:‏

- أيها الألف العاقل.. تعال معي نحاول إقناع إخوتك بالرجوع إلى أشكالهم الأولى، وأنا على استعداد للقيام بهذا العمل دون أجر أو تعويض.‏

فرح الألف بمبادرة الحداد.. تأبط ذراعه، ومضيا إلى الحروف، وكلّهما ثقة وتفاؤل بأنهما سيستطيعان بالحوار والمناقشة غرس القناعة في نفوسهم، فتعود المياه إلى مجاريها الطبيعية.‏

Nadine
05-06-2007, 05:15 AM
كان منذر يحب الزراعة كثيراً، وهي إحدى هواياته المفضّلة إلى نفسه، والتي يمارسها يومياً بعد الانتهاء من واجباته المدرسية، حيث يقصد بستان والده الصغير، يقلّم الأغصان، ويغرس الورود، ويقلب التربة، وينثر البذار، ويروي المزروعات.‏

منذ فترة، ذهب مع والده إلى أحد المشاتل الزراعية وأحضرا كميّة من شتلات البندورة، قاما بزراعتها وسقايتها.‏

قال منذر:‏

- أنا سأهتم بها، وأراقب نمّوها.‏

وكم كان سعيداً وهو يراها تكبر وترفع رأسها نحو الشمس. بعد مدّة من الزمن، وحين شارفت الأغصان أن تعقد ثمار البندورة، بدأت الشتلات بالذبول، فانحنت السيقان، ومالت الأوراق نحو الأرض.‏

حزن منذر، ونقل مشاعره إلى أبيه مستغرباً ما حصل:‏

- أنا لم أقصّر بالعناية أو بالسقاية.‏

اتجه الوالد نحو المساكب، انكبّ فوقها متفحّصاً، ثم رفع رأسه ليقول:‏



- لقد عرفت السبب.‏

- ماهو..؟‏

قال منذر متلهّفاً.‏

- لقد نبتت إلى جانب كلّ شتلة نبتة طفيلية، التفت حول ساقها، وغرزت فيها أشواكاً كالإبر، وأخذت تمتصّ غذاءها.. لذا فقد ذبلت الشتلات، ولم تقدر على الإستمرار في نموّها الطبيعي.‏

- ما اسم هذه النباتات الطفيلية يا أبي؟.‏

- للطفيليات أسماء عديدة.. لكن النوع الذي يلتف حول غراس البندورة تحديداً اسمه "الهالوك".‏

- وكيف نستطيع القضاء على الهالوك؟‏

- بتعقيم التربة، ورشها بالمبيدات المخصصة له قبل الزرع.. وقد فاتنا أن نقوم بهذه العمليّة.‏

- سأستفيد من هذه التجربة، فلا أدع الطفيليات المفسدة تقضي على إنتاجنا..‏

فرح الأب باندفاع ابنه نحو الأمور المفيدة، واهتمامه بالزراعة... وتمضية وقت فراغه بهواية محببّة.. أكمل حديثه معه قائلاً:‏

- بماذا تشبّه هذه الأعشاب الضارة يا منذر؟.‏

فكر منذر قليلاً.. ابتسم مجيباً:‏

- إنها كرفاق السوء تماماً.. يصاحبوننا، ثم يسيئون إلينا.‏

- أحسنت.. وكيف نتصرف تجاههم؟‏

- نبتعد عنهم، ونجنب أنفسنا أذاهم.‏

Nadine
05-06-2007, 05:15 AM
وكان احتفالاً عظيماً ذلك الذي أقامته المدينة بمناسبة عيد الفرح.. وهو عيد تحتفل به المدينة كلّ عام.. تُعلي لأجله الزينات، وتشعل المصابيح، وتلوّن أبواب المنازل ونوافذها.. ويهئُ الكبار والصغار أنفسهم للمسرّة في هذا اليوم المشهود. فيرتدون الثياب الجديدة، ويخرجون إلى الساحات يرقصون ويغنون.‏

قبل الإحتفال، وقفت مجموعة الآلات الموسيقية تستعدّ للسير وسط الشوارع، والتجوّل في الطرقات، لتقدم استعراضها الفني الجميل، ومعزوفاتها الرائعة التي تحرّك الأحاسيس، وتزيد الحماسة.‏

قال الطبل:‏

- من الطبيعي أن أقف في المقدمة.. إن صوتي الجهوري، وضرباتي المجلجلة، تشد الناس، وتجعلهم يأتون من كل حدب وصوب للمشاركة في هذا الاحتفال الجماهيري.‏

قال الدُّف:‏

- وأنا.. أين سأقف؟..‏

أجاب الطبل:‏

- ستقف أنت والطبلة الصغيرة والمزهر ورائي مباشرة، فأنتم أولادي، ولا أستطيع الإبتعاد عنكم.. أما بقيّة الآلات.‏

- فليرتّبوا أنفسهم كيفما يريدون.‏

تمشّى الكمان ببطء، ووضع نفسه خلف الطبل والدُّف والطبلة والمزهر.. ثم تلاه العود، ذو الخطوات الرصينة.. أما الناي فقد أصبح في مؤخرة الفرقة، ولم يكترث أحد لوجوده.‏

حزن الناي على نفسه حزناً شديداً.. وقال:‏

- "أشكو أمري للطبل عله يرأف لحالي"‏

- يا رئيس الفرقة الموسيقية.. أيها الطبل المبجل.. هل يرضيك أن أقف في آخر القوم، ويقف الآخرون أَمامي.. أرجو أن تنصفني وتحكم بالعدل.‏

ضحك الطبل ملء شدقيه:‏

- بم.. بم.. بم.. كلامك غريب أيها المزمار الهزيل.. لا بدّ أنّك نسيت نفسك، ومن تكون، حين فكرت بالمجيئ إليّ،‏

- لماذا...؟‏

سأل الناي مستغرباً.‏

- انظر إلى شكلك.. ألا ترى أن طولك لا يتعدى السنتيمترات.. وأن قامتك الضعيفة لا تليق بالمقّدمات.. اذهب من هنا.. عُدْ إلى مكانك، فالأولويّة تكون لأصحاب الأحجام الكبيرة، والأصوات القوية.. وما أنت سوى عود من القصب المثقوب جلبوه من الحقل.‏

زاد حزن الناي، وانكفأ على نفسه يحدّثها بصوت شجيّ:‏

- صحيح أنني عود قصب.. وصحيح أن حجمي ليس كبيراً، وصوتي ليس بقوّة الرعد.. لكنّ الإحساس الذي أبثّه في ألحاني، والرقة التي تخرج من ثقوب قامتي تجعل أقسى القلوب ترقّ، وتفيض حناناً.‏

وقف الناي -كما أريد له- في آخر الصف، وانطلق مع بقيّة زملائه يصدحون بأداء مميز، لتشكل أصواتهم انسجاماً صمّم خصيصاً لذلك الاحتفال.. لكنّه الوحيد ضجيج الطبل كان طاغياً على بقيّة الأصوات التي تحاول إثبات حضورها وجدارتها.. فالعود بعد أن دوزنوا أوتاره أصدر أنغاماً شرقيّة أصيلة. والكمان اتخّذ طريقة متفرّدة في العزف لا تشبه أيّة طريقة أخرى، أمّا آلات الإيقاع فتتبّعت أباها الطبل في كلّ حركاته وسكناته.. المجموعة كلّها كانت تؤدي أدوارها بإتقان وصدق أكيدين، فتنجح نجاحاً باهراً.‏

تجمّع الناس على جانبي الطريق.. رافقوا مسيرة الفرقة الموسيقيّة إلى كلّ مكان اتجهت إليه، وحيثما تتحرك كانت هناك عبارات من المديح والثناء تقال:‏

- أحسنتَ.. بارك اللَّه فيك.‏

- إنَّك تستحق مكافأة على أدائكَ الرائع.‏

- تُرى.. من علمكَ هذا العزف الرقيق.؟!‏

- إنَّ صوتكَ الشجي يشفي قلب العليل.‏

- لقد مللنا الصخب والضجيج، ونريد أن نرتاح.‏

- قلوبنا لا تسعد إلا بسماع همسك.‏

شنّف الطبل أذنيه الكبيرتين وهو يسمع إطراء لا أبدع ولا أجمل، وظنّه موجهاً إليه، فزاد من قوة ضرباته أكثر وأكثر... صاح:‏

- بم.. بم.. بم.. أنا هنا.. ووجودي يلغي وجود الباقين.‏



ضحك الناس منه، تغامزوا فيما بينهم.. سخروا قائلين:‏

- نحن لا نقصدك أنتَ أيّها الطبل الفارغ.. إن قلبكَ الأجوف، وصوتكَ المزعج، قد جعلنا نفر منك، ونبعد عنك.‏

- بم.. بم.. بم.. ومن تقصدون بمديحكم إذاً؟...‏

سأل الطبل منزعجاً.‏

- إن ثناءنا كلّه موجه لذلك الذي نعتّه بالقصبة المثقّبة.‏

- هل تقصدون الناي؟..‏

سأل الطبل من جديد.‏

- نعم.. ومن سواه يريح أعصابنا، ويهدّئ مزاجنا، ويجعل حياتنا تصفو.‏



- لكنه ضعيف، وصغير، وهزيل، و.. و.. و.. و.. لم يستطع الطبل أن يكمل كلماته، فانفجر غيظاً.. وتمزّق.‏

أما الناس فكانوا جميعاً واقفين في الخلف، يصغون إلى الناي وهو يشدو بأعذب الألحان.‏

Nadine
05-06-2007, 05:16 AM
في إحدى ليالي الصيف المقمرة، وبينما كان القمر بدراً يسطع، فيغمر نوره الكون... قرّر أفراد الأسرة مجتمعين السهر على سطح الدار، كما اعتادوا أن يفعلوا في مثل هذه الليالي.‏

طوت خولة البساط المخصّص للجلوس فوق السطح. أخوها أحمد فعل مثلها، وشارك في نقل الوسائد الصغيرة. الأم والأب أعدا العشاء ورتّبا أمور المائدة.. أما الجدّة، فلم يكن بمقدورها أن تحمل سوى طبق القش الذي باشرت بجدل عيدانه، وتنسيق ألوانه.‏

هرة البيت الأليفة كانت على مقربة من أفراد الأسرة تلهو بكرة صوفية بيضاء.‏

حالما انتهى الجميع من تناول العشاء... قال أحمد:‏

- الحمد للَّه.. لقد شبعت.‏

- هذا غير معقول.. إنّك لا تشبع على الإطلاق.‏

قالت الجدّة ضاحكة.. فضحك الجميع.‏

اقترح الأب على والدته وزوجته وولديه أن يقوموا بلعبة مسلية.‏

- ماذا بوّدكم أن تلعبوا؟...‏

سألت الأم.‏

احتار الجميع.. تبادلوا النظرات... ابتسم القمر وهو يسمع كلامهم ثم قال:‏

- ما رأيكم... لو راح كلّ منكم يشبّهني بشئ يحبّه، ومن يعجبني تشبيهه سأكافئه بهديّة لطيفة..‏

وافق الكبار والصغار على اقتراح القمر، وكانوا جميعاً فرحين لأنّه يحادثهم ويراهم.‏

صاحت خولة:‏

- سأبدأ أنا أوّلا..‏

أجابها أحمد:‏

- لا.. لا.. أنا أوّ لاً.‏

- موافقون.‏

هتف الجميع‏

قالت الجدة:‏

- طبق القش الملوّن الذي أصنعه، سيكبر، ويكتمل ويصبح كاستدارتك أيّها القمر.‏

قال الأب:‏

-مقود سيارتي الذي تلامسه يداي كلّ يوم بحبّ وحنان يشبهك أيّها القمر.‏

قالت الأم:‏

- كعكة العيد التي تصنعها أصابعي بمهارة، قريبة من شكلك أيها القمر.‏

قالت خولة:‏

- وجه لعبتي الجميل مثل وجهك أيها القمر.‏

قال أحمد:‏

- إنَّك كالرغيف المقمّر اللذيذ.. هم.. هم.. أيّها القمر.‏

قفزت الهرة وماءت..‏

- مياو.. مياو.. ها هي كرتي الصوفيّة البيضاء أمامي، ولا تختلف عنك أيّها القمر.‏

ابتسم القمر، وقد بدت على وجهه علامات الحبور والسعادة:‏

- لقد أعجبني كلّ ما قلتموه.. ولذا سأكافئكم جميعاً، بأن أزوركم من وقت لآخر، لنلعب اللعبة نفسها.. ولكن ضعوا في حسبانكم، أن شكلي لن يبقى على حاله.. وإنّما سيتغير عندما أدخل مراحل جديدة.‏

Nadine
05-06-2007, 05:16 AM
جاءت الدجاجة إلى جارها الديك باكية، شاكية، تخبره بأنّ الحدأة تستغلّ ضعفها كدجاجة وحيدة لاعون لها، وتنقضّ على صيصانها الصغيرة، مختطفة صوصاً كلّ يوم.‏

انزعج الديك من الحال، وانتصب عرفه غضباً وهو يصيح:‏



- كوكو.. كوكو.. سآتيكِ غداً في الموعد الذي تُقبل فيه الحدأه لتخطف صوصك.‏

- وماذا ستفعل؟‏

- سأوقفها عند حدّها، وأضع نهاية لأعمالها العدوانيّة.. لاتخافي.‏

ارتاحت الدجاجة لكلام الديك، ولموقفه الإنساني الجميل، وانصرفت تُؤمّل نفسها بالخلاص من الظلم الواقع عليها.‏

في اليوم التالي.. انتظرت الدجاجة قدوم الديك، لكنّه لم يأتِ بسبب مرض مفاجئ ألمَّ به، فوجدت نفسها وحيدة من جديد في مواجهة الحدأة التي انقضّت على الصيصان لتخطف واحداً منها.‏

في هذه الأثناء، قرّرت الدجاجة الدفاع عن صغارها بنفسها دون معونة من أحد.. وبعد كرّ وفرّ، وبعد عراك دام وقتاً طويلاً، استطاعت الدجاجة أن تفقأ عيني الحدأة، وتحرمها من نور عينيها، لكنّها في الوقت نفسه سقطت ميّتةً، ونجا الصغار.‏

Nadine
05-06-2007, 05:17 AM
بينما كان المعلّم العجوز الذي أُحيل إلى التقاعد منذ سنين طويلة جالساً وحيداً حزيناً يفكّر في رحلة العمر التي قضاها في سلك التعليم، حيث أعطى خلالها جهده وشبابه ونور عينه لتنشئة الأجيال وتعليمهم، طُرق بابُ داره... هتف من الداخل بصوت ضعيف:‏

- من؟‏

- نحن أستاذ.‏

فتح الباب، وإذا به وجهاً لوجه أمام عدد من الرجال يلقون التحية واحداً واحداً.‏

قال:‏

- من أنتم؟.. تفضّلوا‏

أجاب أحدهم:‏

- نحن جماعة من تلاميذك القدامى، تذكرناك في هذا اليوم "يوم المعلم العربي"، وجئنا نتفقّد أحوالك، لما لك علينا من فضل كبير.‏

ابتسم العجوز. رحّب بضيوفه، بينما دمعتان سخيّتان تترقرقان في عينيه.‏

عرّف الرجالُ بأنفسهم ومهنهم الحالية..‏

قال الأول:‏

- أنا محمّد... أعمل طبيب أسنان.‏

قال الثاني:‏

- أنا توفيق... أعمل مهندساً‏

قال الثالث:‏

- أنا جميل... أعمل تاجراً.‏

قال الرابع:‏

- أنا سعيد... أعمل موظّفاً في إحدى الشركات.‏

انفرجت أسارير المعلّم، وأحسّ أن الدنيا تضحك له من جديد، لأن ما قدّمه لم يضع سدى.‏

أخذ من بين يدي تلاميذه أضمومة الورد التي أحضروها، فرأى الفل والقرنفل والياسمين والزنابق، كأنّها تغني وتقول:‏

"كل عام وأنت بخير يا مربيّ الأجيال".‏

Nadine
05-06-2007, 05:18 AM
رنده طفلة ذكيّة مهذّبة وشاطرة.. كلّ يوم وحين تعود من مدرستها ظهراً، تساعد أمّها في أعمال المنزل، وتحضّر دروسها، ثم تجلس للمطالعة.‏

موضوع التعبير الذي أعطتهم إيّاه المعلّمة البارحة كان يقول:‏



"اكتب موضوعاً إنشائيّاً تتحدّث فيه عما تريد أن تصبح في المستقبل".‏

كتبت رنده أشياء جميلة في هذا المجال.. قالت إنّها تحبّ أن تغدو كاتبة مهمّة، معروفة.‏

قرأت رنده موضوعها أمام زميلاتها وزملائها في الصف.‏

أُعجبت المعلّمة بأسلوبها الجميل، وعباراتها الرشيقة، وإلقائها الجيد... قالت لها:‏

- أُهنئك على هذا يا رنده، وأتمنّى أن تَصِلي إلى ما تريدين.‏

فرحت رنده بعبارات المعلّمة وبقيت تسائل نفسها:‏

- ولكن كيف يتحققّ حلمي؟.‏

نامت رنده، وفي المنام رأت نفسها أديبة كبيرة تقف أمام حشد من الناس، وتلقي ما كتبت، بينما الأصابع تشير إليها بإعجاب:‏

- انظروا... إنّها الكاتبة "رنده سالم".. هذا ما شاهدته في الحلم.. وعندما استيقظت كانت سعيدة، وحكت لأمها كلّ شيء.‏

سُرّت الأم.. شجعّت ابنتها قائلة:‏

- لابأس عليكِ يا ابنتي.. إن الكتابة هواية رائعة... ولكن عليك بالمطالعة المستمرة.. إقرئي كلّ ما هو مفيد وممتع، وعندما تشعرين أنّك بحاجة للتعبير عما يجول في ذهنك، انهضي إلى دفترك، واكتبي عليه.‏

استمرّت رنده تقرأ في أوقات فراغها كلّ ما تختاره لها أمها من كتب وقصص علميّة وتاريخيّة وأدبيّة، وعندما تشعر بالرغبة في التعبير عن شيء ما، كانت تركض إلى دفترها الخاص، وتسجل فيه ما تشاء.‏

أسلوبها راح يتحسّن، وعباراتها الجميلة تلفت نظر المعلّمة التي باتت تعتبرها من الأوائل.. فتخاطب التلاميذ بين الحين والحين:‏

- افعلوا مثل رنده.. نمّوا هواياتكم بالمثابرة والجدّ والاهتمام.‏

بعد عام.. كان دفتر رنده الخاص قد مُلئ بالكتابة من أوّله إلى آخره، فاقتنت واحداً آخر، وصارت تخطّ فوق سطوره أشعارها وقصصها وخواطرها.‏

زميلتها "منال" كانت تحبّها، وتطلب منها على الدوام أن تعلّمها كيف تكتب بهذا الأسلوب الجميل... وكانت رنده تجيب:‏



- الأمر ليس تعلّماً فقط.. إنّه هواية قبل كلّ شيء.. فهل هوايتك هي الكتابة؟.‏

- لا أنا أحبّ الرسم.‏

- حسناً بالجدّ والمتابعة تصبحين رسّامة ممتازة.‏

وأنت يا أحمد -التفت إلى زميلها- قائلة:‏

- ستغدو عازفاً ممتازاً لو اهتممت بعزفك على العود، ونميّت موهبتك.. وكذلك سمير "زميلك" بإذن اللَّه سيصبح لاعب كرة مشهوراً، لأنه يتدّرب يومياً.‏

كانت رندة سعيدة لأنّها سمعت نصيحة أمّها ومعلّمتها، ولأنّها رأت نتيجة التزامها بأقوال من هم أكبر منها... فقد غدت فيما بعد من الكاتبات الشهيرات، تنشر في الصحف والمجلاّت، ويقرأ الناس قصصها وأشعارها، ويفتخر بها أهلها وجيرانها، وأبناء بلدها... قال لها أبوها رافعاً رأسه‏

- بارك اللَّه بك يا رنده.. لقد أصبحت عنصراً فعّالاً في المجتمع.‏

Nadine
05-06-2007, 05:18 AM
سار الخروف في المزرعة يلهو ويلعب ويتنقّل من مكان إلى مكان، جارّاً وراءه حبله المربوط بعنقه، وبينما هو في حالته تلك، وإذا بالحبل يعلق في جذع شجرة.‏

شدّ الخروف الحبل فلم يستطع الإفلات، وصار كلّما دار حول الجذع محاولاً تخليص نفسه، قصر الحبل، وازدادت الأمور تعقيداً.. صاح الخروف مستغيثاً:‏

- ماع.. ماع.. أيّها الحصان.. أيّتها البقرة.. أيّها الكلب الصديق.. تعالوا إليّ.. أنقذوني.‏

جاء الحصان وأمسك بالحبل، وصار يشدّ. أقبل الكلب ينبح ملبيّاً النداء، وصار يشدّ. قدمت البقرة متثاقلة، متسائلة:‏

- ماذا حلّ بالخروف؟.‏

وعندما عرفت الخبر، بادرت إلى تقديم مساعدتها وصارت تشد.‏

كلّ الحيوانات القوية لم تبخل ببذل الجهد.. لكن دون فائدة.‏

خرج الفأر الصغير من وكره مستطلعاً الخبر.. قال:‏

- ما هذه الجلبة؟.‏

قالوا:‏

- إنّ الحبل المربوط إلى عنق الخروف قد لُفَّ حول جذع الشجرة، ولم تستطع عضلاتنا القوية قطعه.‏

أجاب الفأر:‏

- أنا أحلّ المشكلة.‏

قهقه الجميع باستخفاف:‏

- ها.. ها.. ها.. أنتَ؟ ..أنتَ؟..‏

ابتسم الفأر، ثم قفز إلى الحبل يقرضه بأسنانه.‏

وبعد لحظات كان الخروف يسير برفقة الحصان والبقرة والكلب، عائداً إلى المزرعة.‏

Nadine
05-06-2007, 05:19 AM
خرج قطيع الأغنام من القرية في الصباح الباكر قبل صياح الديكة. انطلق وسط البراري الواسعة والأراضي الخضراء وراح يرعى، وهو مطمئن البال، هادئ الطبع. فقد سمع صاحبه يقول للراعي قبل الإنطلاق:‏

- هذا القطيع أمانة في عنقك يا حسن.. لا تغمض عينيك عنه، ولا تغفل عن مراقبته.‏



- لاتقلق يا سيدي.. فأنا سأهتم به، وأرعاه، وأحافظ عليه محافظتي على نفسي.‏

أجاب حسن، ثم راح يصغي إلى تتمّة كلام الرجل:‏

- وأنتَ أيّها الكلب الطيب.. وصيّتي أيضاً موجّهة إليك.‏

هزّ الكلب رأسه بالموافقة.. لكنّ فكرة ما كانت تراوده منذ زمن، وتلحّ عليه بالهروب، وترك العمل.. قال في نفسه:‏

- لقد تعبت.. تعبت جداً، وآن لي أن أرتاح، في المرعى.. كان كل شيء حسناً وبديعاً.. السماء صافية. الماء عذب. العشب وفير، والخراف سعيدة بعد أن أخذت كفايتها من الكلأ والماء، وبعد أن أطمأنّت على وضعها... فالراعي يهتمّ بها، والكلب يحرسها، ولا خوف عليها أبداً.. لكنّ الكلب كان في حال غير طبيعية.. فعندما انتصف النهار، وصارت الشمس في قبة السماء، عاد يحدّث نفسه:‏

- أنا نعسان.. أريد أن أنام.. لقد أتعبوني بالحراسة والسهر.‏

غافل الكلب الراعي، وانطلق يعدو إلى مكان فيه شجر كثيف.‏

- الجوّ هنا لطيف، ومناسب للقيلولة.. يا سلام!‏

تحت أغصان شجرة كبيرة استلقى، أغمض عينيه وراح يحلم بالأيام القادمة التي سيغدو فيها طليقاً دون أوامر، ودون مراقبة من أحد، ودون عمل يتعبه.‏

ساعة. ساعتان. خمس ساعات.. الكلب لم يرجع.. قلق الراعي عليه قلقاً كبيراً... حزن لغيابه، وأخذ يفتّش هنا وهناك.. هتف في كلّ مكان:‏

- أيّها الكلب.. يا صديقي، ورفيق عمري.. تعال أنا بحاجة إليك.‏

عندما استيقظ الكلب من نومه، كانت الشمس قد غابت، والعتمة تغلغلت في المرعى شيئاً فشيئاً.. قال:‏

- عو.. عو.. لن أعود إلى الحراسة بعد اليوم، ليحضروا كلباً سواي إن أرادوا، أو تعتمد الخراف على نفسها في الذهاب وفي الإياب.. لقد أصبحت عجوزاً، ولا قدرة لي على العمل.‏

من قلب الليل.. من سكونه المخيف، خرج الذئب يتسللّ كالعادة، يفتّش عن "دجاجة حرش" أو عن "أرنب بريّ" أو عن أيّ صيد يملأ به معدته الخاوية.‏

- ماذا أرى؟... إنّه قطيع غنم بكامله! يا لسعادتي!‏

اقترب الذئب من القطيع كاللص. مشى بحذر وحيطة شديدين، كي يستطلع الوضع، ويعرف كيف يتصرف.‏

وعندما تأكّد من عدم وجود الكلب برفقة الخراف، قهقه عالياً، ثم انقضّ عليها بشراسة، مصدراً صوتاً أفزعها:‏

- سأكتفي اليوم بهذا الحمل الصغير، وسأعود غداً.‏

بين لحظة وأخرى كان الذئب يعدو وفي فمه الحمل، بينما الخراف تطلق ثغاء خائفاً يملأ المكان.‏

نهض الكلب من رقدته.. هب ينبح:‏

- عو.. عو.. إنّه صوت الأغنام.. ماذا جرى؟!.. ماذا هناك؟!..‏

ودون أن يفكّر بما قررّه من قبل، انطلق صوب القطيع، وهو يكاد يسابق الريح.‏

Nadine
05-06-2007, 05:20 AM
البيت مرتب نظيف، يتوزع في أرجائه أثاث أنيق.. وعابد ذو السنوات السبع يجلس منزوياً على إحدى الكنبات المواجهة لجهاز التلفاز.. على الطاولة أمامه مجموعة أجهزة تحكم آلي.. جهاز تحكم بالتلفاز، وجهاز تحكم بالمكيف، وجهاز تحكم بستائر البيت وجهاز تحكم بألعابه الإلكترونية.. ويقف إلى جواره مطيع، فهل تعلمون من هو مطيع؟! مطيع هو رجل آلي (روبوت) أكثر الأجهزة طاعة وتنظيماً. اشتراه أبو عابد الذي يمضي أكثر وقته مسافراً بسبب ارتباطه بأعمال تجارية في بلد بعيد.. وأم عابد هي الأخرى، طبيبة مشهورة تمضي أكثر وقتها في ممارسة مهنة الطب، وحضور ندوات، وحالات تستدعي حضورها.. وعابد!‏

قال مرة لأبيه: أريدك إلى جانبي لتعلمني ممارسة الألعاب الإلكترونية.‏

فقال أبوه: بسيطة‏

قال عابد: أريدك إلى جانبي لأستفيد من علمك‏

فقال أبوه: بسيطة‏

قال عابد: أريدك إلى جانبي لأستمتع برؤيتك‏

قال أبوه: وهذه أيضاً بسيطة!‏

ثم قال عابد لأمه: أريد أن تقدمي لي الطعام الشهي، والحلوى.‏

قالت أمه: لك ما شئت من أطايب الطعام والشراب والحلوى.‏

قال: وأريدك أن تبقي إلى جواري لتغني لي وتقصّي على مسامعي حكاياتك الجميلة قبل أن أنام.‏

قالت أمه: ولك هذا أيضاً. فرح عابد كثيراً، فقد نال وعوداً بتنفيذ كل أمنياته..‏

لكنه فوجئ بعد أيام قليلة وهو يرى صندوقاً كرتونياً كبيراً يُحمل إلى داخل البيت، ويُفتح فيتَبدّى فيه رجل آلي له هيكل البشر.. يتحرك ماشياً بخطوات منتظمة.. وأكثر من ذلك فقد اكتشف عابد أن هذا الرجل الآلي له قدرة على النطق والمحادثة.. إنما بكلمات متقطعة.‏

قال أبو عابد وأم عابد: هذا مطيع.. كل ما يطلب منه يلبّى. يعلمك ممارسة الألعاب الإلكترونية، ويريك صور من تحب، حين تريد. وهو مبرمج بحيث يوقظك صباحاً ويمضي إلى المطبخ فيعد لك الوجبات الشهية.. وينظف البيت، ويذكرك بمواعيد الدراسة واللعب.. ويقيس حرارتك كل يوم للاطمئنان على صحتك.. ويقص على مسامعك حكايات شيقة في مواعيد محددة. ويسمعك إذا شئت أغنيات مسجلة، ويجيب على أية أسئلة تطرحها.. باختصار إنه خادمك الأمين يا ولدي.. سيساعدك على تحمل غيابنا عنك..‏

سُرّ عابد كثيراً بهذا الخادم الأمين.‏

صباح اليوم التالي سافر أبو عابد.. وعادت أم عابد تمضي معظم وقتها بعيداً عن ساعات عمر ولدها.‏

بداية:‏

أخذ عابد يصدر أوامره، فينفذها مطيع في الحال.. ضحك كثيراً لحديث الرجل الآلي الذي كان ينطق كلمة كلمة.. وأعد مطيع وجبات طعام شهية ثم وقف إلى جانب الطاولة بانتظار أن يفرغ عابد من طعامه ليعيد تنظيف الأواني وترتيبها. مرة، دعاه عابد ليشاركه طعامه فرد مطيع: لا شكراً -سيدي- أنا- أتناول- كل سنة وجبة- واحدة" ضحك عابد لهذا الرد.. وهزّ رأسه ساخراً. فأيّ رجل يبقى دون طعام سنة كاملة؟!‏

بعد مضي أيام.. إسبوع.. بدأ الضجر يتسلّل إلى نفس عابد.. وأخذ يمقت وجود مطيع، ويحاول إجهاده بإصدار أوامر لا جدوى منها.. ومطيع ينفذ كل الأوامر ومرة ركض عابد باتجاه مطيع أخذ يركله برجله.. وبقي مطيع جامداً لا يتحرك. رنّ جرس الهاتف.. أسرع عابد يرد، كان على الطرف الآخر والده.‏

سأله: الأب مالي أسمع صوتك حزيناً.. هل يقصر مطيع في خدمتك؟‏

عابد: لا.. إنه ينفذ كل ما أطلب.‏

الأب: إذاً ما الذي يحزنك؟‏

عابد: لا أريد مطيعاً.. أريد أبي.. مطيع ليس أبي.. أريده أن يقبلني ويمسح على وجهي بعطف وحب..‏

الأب: فهمت.. أعدك أن أختصر أسفاري وأمضي بين حين وآخر وقتاً طويلاً إلى جوارك.. إلى اللقاء يا ولدي.. وبعدها رن جرس الهاتف أيضاً.. كانت على الطرف الآخر أم عابد..‏

قالت الأم: عابد حبيبي.. هل تتمنى شيئاً يعجز عنه مطيع؟ إنه مبرمج لتلبية كافة رغباتك.. رد عابد بحزن أجل يا أمي.. أتمنى أن أغفو ويدك تداعب شعري، أتمنى لمسة حنانك التي اشتقت لها كثيراً. مطيع ليس أمي.. أريد أمي.‏

قالت أم عابد: ولدي الحبيب.. لا تحزن أرجوك.. أعدك أن أعطيك من وقتي زمناً أكبر أمضيه إلى جوارك.. سامحني يا حبيبي..‏

وضع عابد سماعة الهاتف مكانها.. أحس بفرح كبير لأنه نال هذه المرة وعوداً أكبر.. إنه بلا شك يحب مطيعاً.. لكنه الآن يجلس منتظراً أن ينال ما عجز عن تقديمه خادمه الأمين.. مطيع..!!!؟!‏

Nadine
05-06-2007, 05:21 AM
الغياب ليس في الحساب"‏

انتظر الأخوة الثلاثة خالتهم القادمة من السفر وقتاً طويلاً جداً ليسلموا عليها وتفرح بهم، وليتسلموا أيضاً الهدايا التي اعتادت أن تأتي اليهم بها، وكيف لا ينتظرون مهما تقدم الليل والخالة (مريم) طالت غيبتها هذه المرة في تلك البلاد البعيدة السعيدة؟ لا شك أن الهدايا أكثر وأثمن لاسيما أنها كتبت لهم أنها وزوجها قد وفقا في أعمال تدر كثيراً من المال.‏

قال (طارق) وهو أصغر الثلاثة:‏

- أشعر بنعاس شديد، ولم أعد أستطيع الانتظار... سأقوم إلى النوم.‏

قالت الأم:‏

- ستأسف خالتك لعدم رؤيتك... لابأس....ستراها فيما بعد.‏

قال (نجيب) الأخ الأوسط:‏

- وستستلم هديتك أيضاً فيما بعد... أم تريد أن نستلمها نحن بدلاً عنك؟‏

ضحكت الأم وقالت:‏

- لا أحد يأخذ دور أحد... ولا حصته أيضاً. أليس كذلك يا أحمد؟‏

كانت توجه كلامها للأخ الأكبر لأنه في المرة الماضية حاول أن يستأثر باهتمام خالته أكثر من إخويه، وأن ينال هدايا أكثر منهما.‏

قال (نجيب) بعد أن رأى أخاه (طارق) ينسحب إلى النوم:‏

- أما أنا فلا أشعر بالنعاس أبداً.. وسأسهر حتى الصباح.‏

وعندما وصلت الخالة (مريم) متأخرة من المطار كانت متعبة جداً. سلمت على أختها بمحبة واشتياق، ولما قالت لها الأخت إن الأولاد ينتظرونها عادت فاستدركت قائلة:‏

- ماعدا طارق فهو الأصغر كما تعلمين، ثم إنه تعب اليوم- أكثر من أخويه في جلب حاجيات البيت لأن والدهم مسافر.‏

وأخذت الأختان تتبادلان الأحاديث والقبلات، وفي لحظات ما الدموع، بينما الولدان يحيطان بهما من هنا وهناك وهما قلقان.‏

قالت الخالة (مريم) أخيراً:‏

- هذه هدايا لك يا أختي أنت وزوجك. أما هدايا الأولاد فلا بد أن أعطي كل واحد منهم هديته. أنظري هذه هي هدية الأكبر، وهذه هدية الأصغر، أما الأوسط...‏

ولم تتم كلامها حتى رأت (نجيب) يأخذ الهدية من يدها بسرعة وكأنه يختطفها ثم يضعها في يده، فقد كانت عبارة عن ساعة ذهبية.‏

قالت الخالة:‏

- ما هذا يا نجيب.. هذه ليست هديتك. إنها هدية (طارق) وقد طلبها مني في الرسالة، ثم إنك أنت لست الأصغر.‏

قال (نجيب):‏

- وأنا طلبت أيضاً ساعة في الرسالة... وأنا الآن الأصغر... أليس (طارق) نائماً؟‏

ضحكت الخالة وقالت وهي تنتزع من عنقها عقدها وتضع يدها على الحبة الكبرى فيه:‏

- كم عدد حبات العقد يا نجيب؟‏

أخذ (نجيب) يعدها فإذا بها أربع عشرة قال:‏

- أربع عشرة يا خالتي.‏

قالت وقد رفعت يدها عن الحبة الكبرى:‏

- والآن ما عددها.. أليست خمس عشرة؟:‏

قال (نجيب):‏

- هذا صحيح.. لقد كانت غائبة عني.‏

قالت الخالة:‏

- والغياب... أليس له حساب يا نجيب؟‏

شعر (نجيب) بأنه أخطأ لكنه قال:‏

- كنت سأتنازل عن الساعة الهدية لطارق على أي حال لأن ساعتي التي في يدي رغم أنها ليست ذهبية لكنها جيدة ولا تزال تعمل.‏

قالت الخالة:‏

- وستنال في المرة القادمة هدية الأكبر وليس الأصغر... وما رأيك؟‏

انسحب (نجيب) بهدوء وهو يقول:‏

- أنا لست الأكبر... ولا الأصغر... أنا الأوسط. جيد أن تكون الأوسط فموقعك متحرك... فأنت تارة الأكبر وتارة الأصغر.‏

ولكن لماذا أحسب لهذا الأمر كل هذا الحساب؟‏

Nadine
05-06-2007, 05:43 AM
الطائر الطيب العجيب"‏

كانت نباتات البطيخ الأخضر تملأ ذلك الحقل الكبير وهي فرحة بأنها نضجت وأصبحت جاهزة للقطاف وكل بطيخة كانت تتخيل مصيرها: هل ستقع في يد مسافر عطشان.؟... أم ستنتقل على العربات إلى البعيد من البلدان؟. هل سيقطفها الصغار من الصبيان ليأخذوها إلى بيوتهم ويأكلوها مع وجباتهم؟...أم ستأتي الفلاحات النشيطات لقطفها وجمعها ثم توزيعها على أهل القرية جميعاً من المساكين العطشانين؟‏

كل ثمار البطيخ بألوانها الخضراء الزاهية كانت تضحك، ما عدا واحدة منها هي أضخمها وأكبرها حجماً.. كانت قشرتها قد أصبحت سميكة وصفراء، وتكاد تنفجر من كثرة نضجها وامتلائها.‏

قالت البطيخات لهذه البطيخة الأم:‏

- أنت لم يقطفك أحد الموسم الماضي... أليس كذلك؟‏

قالت:‏

- أنا مثلكن... زرعوني هذا الموسم، لكن بذرتي كانت كبيرة وقوية، ونمَوَتُ بسرعة أكثر منكن.‏

وهم زرعوني لغاية غير الغاية التي من أجلها زرعوكن.‏

قالت البطيخات الشابات بفضول:‏

-هيه... قصي علينا قصتك... ثم ما هي هذه الغاية؟‏

قالت البطيخة الأم أكبر البطيخات:‏

-قصتي هي أنني سأظل في مكاني هنا حتى أنفجر وتخرج بذوري مني.‏

صاحت بطيخة صغيرة بفزع:‏

- ولماذا؟ ألا تذهبين معنا وتنفعين الناس. وينتهي الأمر؟ وإلا لماذا خلقنا؟ ضحكت البطيخة الكبيرة أم البطيخات، وقالت:‏

- إنني أنتظر هنا صديقي الطائر الطيب... ذلك الرسول الأمين الذي سينقل بمنقاره ما استطاع من بذوري، ثم يطير بها إلى مسافة بعيدة ويرميها في أرض لا تعرف البطيخ.. فأنبت من جديد هناك وأكون سعيدة بسعادة الناس بي.‏

قالت البطيخات الشابات:‏

- كان الله في عونك... ستظلين هنا وحدك مع ريح الليل، وشمس النهار... وربما هطلت الأمطار عليك فأفسدت كل شيء.‏

قالت البطيخة الأم:‏

- وماذا تظنين أنت ومثيلاتك أيتها البطيخات الشابات؟ من أين أتيتن إلى هذا المكان ولم يكن يعرف البطيخ أبداً؟. إنه الطائر الطيب العجيب.. هذا الذي حمل أول بذرة وألقاها في بلاد بعيدة.. وكانت مغامرته مفيدة وسعيدة... وهكذا يفعل.‏

قالت بطيخة ناضجة أكثر من سواها:‏

- دعينا من هذا الكلام.. إنه من الوهم أو الأحلام... أنهم يزرعوننا بذوراً... ولم نسمع هذه الحكاية إلا منك.‏

هزت البطيخة العجوز برأسها، وقالت:‏

- صحيح... إنها حكاية... لكنني أحبها، وأتشوق أن تحصل معي... ولعل الطائر الطيب سيرسل بدلاً منه آخرين... من المزارعين الطيبين يأخذونني... ويستغلون بذوري لأعود فأنبت مع كل بذرة من جديد.‏

ونظرت البطيخات كل منها إلى الأخرى وتشاورن... من تريد أن تبقى مع البطيخة الأم لتغدو من جديد هي الأم؟‏

وبينما هن كذلك رفرف طائر فوق حقل البطيخ.. ولم يعرف اسمه أحد.. ولم يعرف سره أحد.. وأخذ يهبط ويطير فوق حقل البطيخ، وهو يزقزق بحبور... ويبحث بين التراب عن البذور.‏

Nadine
06-06-2007, 04:14 AM
ثوب الدمية سلمى"‏

كانت (زينب) وهي بنت صغيرة مدللة لم يرزق أبواها سواها، تحب الدمى كثيراً، وأفضل دمية عندها هي التي أسمتها (سلمى). لماذا أسمتها (سلمى) ذلك لأنها سلمت بعد أن سقطت في النهر في اليوم الأول الذي أهدوها فيه هذه الدمية.‏

سقطت في النهر وظنت (زينت) أنها ضاعت منها، ولن تعود أبداً.‏

لكنها علقت بجذوع شجيرات حول الماء. ولما ركضت (زينب) بمحاذاة النهر لتودعها سمعتها تناديها:‏

- انقذيني يا زينب... انقذيني... أنا دمية جميلة... وأريد أن أفرح قلب طفلة جميلة مثلك.. وبما أن هذا اليوم هو أول يوم لي أخرج فيه من الواجهة الزجاجية لمحل الألعاب فمعنى هذا أنه أول يوم في حياتي.‏

انقذيني.. وسأكون صديقتك... وسأستمع إلى حكاياتك... وأسليك... وأنام بقربك.‏

ولم تجرؤ (زينب) بالطبع أن تمد يدها لتسحب دميتها خوفاً من أن تنزلق قدمها فتغرق في النهر. ظلت تنتظر أمواج النهر المتدافعة موجة بعد أخرى عسى أن تقذف الدمية نحوها. انتظرت وهي تقول لها:‏

-هيا خلصي نفسك يا دميتي... على كل منا أن يخلص نفسه إذا وقع في مشكلة، وخاصة إذا وجد غيره يساعده، وها أنا أساعدك.. وسأسميك (سلمى) إن سلمت، ولن أفارقك أو أفرط بك أبداً.‏

ثم أتت موجة كبيرة فدفعت (سلمى) نفسها نحو (زينب)، ودفعتها الموجة أيضاً فوصلت إلى حافة النهر، فتناولتها (زينب) وضمتها إلى صدرها وهي تقطر ماء وعيناها مليئة بالدمع.‏

تذكرت (زينب) كل هذا وخالتها تدعوها إلى عيد ميلاد ابنتها (سناء)، قالت (زينب):‏

- سأصحبك معي يا سلمى... ألم أعاهدك على أنني لن أفارقك؟‏



لكن أم (زينب) قالت:‏

- وهل تأخذ الصغيرات الدمى معهن إلى الحفلات؟.. أنهن يذهبن ليشاركن رفيقاتهن في الأناشيد، والألعاب، والتسلية، والمرح فلماذا تأخذين معك دميتك؟‏

قالت (زينب):‏

-لكنها (سلمى) يا أمي... ولا أستطيع أن أتركها وحدها، وإذا لم تسمحي لها فلن أذهب أنا أيضاً.‏

قالت الأم:‏

- لا.. يجب أن تذهبي، وما عليك سوى أن تخبئيها عند خالتك حتى تنتتهي الحفلة فترجعيها معك إذا كنت لا تريدين فراقها.‏

قالت (زينب):‏

- لكن عندي مشلكة يا أمي... سلمى لا تملك ثوباً جديداً للحفلات فماذا أفعل؟‏

ضحكت الأم وقالت:‏

- ثوب جديد للدمية، الدمى لا تبدل أثوابا ياحبيبتي. هيا اسرعي سرحي شعرك وارتدي ثوبك الأبيض الجميل ولا تتأخري.‏

ولما هبطت (زينب) لتذهب إلى الحفلة كانت فرحة لأنها مع دميتها، وعندما وصلت أخذت الصغيرات كلهن يضحكن من منظر الدمية (سلمى)، فقد ألبستها (زينب) أحد أثوابها حين كانت أصغر وعقدت لها شريطاً أبيض على رأسها فبدت تشبهها تماماً.‏

واضطربت (زينب) وكل واحدة من البنات تداعب الدمية أو تلامسها، أو تحركها، أو تهزها لتقول (ماما) مثل بعض الدمى. وأسرعت (زينب) لتخطفها من ايديهن وتسلمها إلى خالتها حتى تنتهي الحفلة. وضعتها في سرير (ندى) ابنة خالتها صاحبة الاحتفال بعيد الميلاد، وعادت وهي تظن أن الجميع كانوا يسخرون منها ومن دميتها التي تشبهها.‏

لكن المفاجأة كانت عندما دخل (سالم) أخو (ندى) بعد قليل وقد وضع جهاز تسجيل صغير تحت ثوب (سلمى) فيه قصص وأغنيات وحكايات ونكات، حتى كأن (سلمى) هي التي تشارك في الحفلة.‏

سرت (زينب) بهذا غاية السرور، وضحك الجميع لهذه المفاجأة اللطيفة، وقال (سالم):‏

- عندما أكبر وافتتح محلاً لبيع الألعاب والدمى سأجعل كل دمية تتكلم بهذه الطريقة، ما رأيك يا سلمى؟.‏



واهتز الجهاز تحت ثوب (سلمى) وهي تقول: أنا سلمى الدمية... أحبكم جميعاً وأريد مشاركتكم الحفل.‏

Nadine
06-06-2007, 04:15 AM
هدية بلا أذية"‏

أخذ (حسام) يجمع قطع الخبز الفائضة عن المائدة وبقايا الكعك والبسكويت في علبة معدنية صغيرة ليأخذها يوم الإجازة معه إلى حديقة الحيوان. فهو يضع قسماً منها للعصافر التي تحط فوقها وهي تزقزق ثم تطير فرحة، ويضع قسماً آخر للأسماك في تلك البركة الجميلة.‏

وقد يصادف قطاً جائعاً فيرمي له بقطعة، وقد يتناثر الفتات فيهجم عليه النمل، فيتأمله (حسام) مسروراً.‏

أن الطبيعة كريمة.. والله سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين.. وهو لا ينسى مخلوقاته فيهيء لها رزقها... وهنيئاً لمن يسعى لغيره كما يسعى لنفسه ويقدم له هدية.‏

وفي ذلك اليوم وقد أوشكت العلبة المعدنية أن تمتلئ بالهدايا لرفاق (حسام) من عصافير وأسماك، وقطط، ودجاج، ونمل، الخ...، سمع ضجة وراء العلبة فالتفت، فإذا بالعلبة تقع وينفرط كل ما فيها. ولمح وراءها زوجاً من الفئران الرمادية وهي تحاول أن تهرب مضطربة.‏

أسرع (حسام) ليمسك بها فتسللت إلى جحرها المثقوب في أسفل الجدار واختفت.‏

قال (حسام) في نفسه:‏

- هذه الفئران ضارة فهي تنقل الأمراض، وتعتدي على المؤونة والطعام، ولا بد أن أقضي عليها، وما علي ما دامت قد رأت كل ما في العلبة من طعام شهي بالنسبة إليها سوى أن اختبئ حتى تخرج. وبعد ذلك أقبض عليها أو أدعها تقع بنفسها في هذه المصائد الصغيرة التي سأنصبها لها وفيها قطع الجوز الشهي.‏

وما هي إلا لحظات حتى أطلت فئران كثيرة بأجسامها الرمادية النحيلة، وعيونها الصغيرة الحذرة، وشواربها الدقيقة. وقبل أن يقترب منها (حسام) قالت إحداهن وهي فأرة ناعمة الجلد، لامعة الوبر، وعيناها تلمعان كحبات الخرز:‏

- ما نحن إلا فأرات جائعات أيها الولد الطيب... فلماذا لا تدعنا نأكل من هذا الفتات؟‏

قال (حسام):‏

- جائعات؟ إذن من يقضم الخبز في المطبخ.. ومن يعتدى على بيت المؤونة؟ أنتن فأرات مؤذيات، ولا هدية لمن يتسبب بالأذية، سوف أقبض عليكن جميعاً وارميكن خارجاً.‏

قالت الفأرة:‏

- أو تقتلنا.. أليس كذلك؟‏

قال (حسام):‏

- لا... لن اقتلكن إذا أخذت عهدا منكن ألا تعود أي واحدة منكن إلى داخل منزلنا.. أليس لكنّ فرصة للعيش إلا عندنا... وعلى حساب أذانا؟‏

خجلت الفأرة كثيراً، وأخذت تنظر إلى بقية الفئران التي أطرقت برؤوسها ثم قالت:‏

- حسناً... سندخل إلى جحورنا بعد أن نأكل، ولن نخرج من هنا أبدا، بل من الفتحة الأخرى المتصلة بالحديقة، ما رأيك؟‏

قال (حسام):‏

-موافق... هذا حل مقبول ما دام هذا الفتات قد تبعثر وامتلأ بالغبار والجراثيم.‏

وانقضت جموع الفئران تلتهم الفتات كله، ثم تسللت بعد أن شبعت إلى جحورها واحدة تلو الأخرى فما كان من (حسام) بعد أن نظف المكان إلا أن سد الفتحة بالجبس المعجون بالماء ورمى العلبة وهو يقول:‏

- لاهدية لمن يتسبب بالأذية. أما رفاقي أولئك من البط والعصافير، والأسماك فهي لا تتسبب بأذى أحد ولهذا تستحق مني الهدية، وتستحق العطف من كل أحد.‏

Nadine
06-06-2007, 04:27 AM
لاتبردي يا قطتي"‏

(سمر) بنت صغيرة... حلوة ومؤدبة... أمها تحبها كثيراً... وأبوها يدللها... وأخوها (سامي) لا يزعجها أبداً. (سمر) لم تذهب إلى المدرسة بعد... بل إلى حديقة الأطفال القريبة من عمارتهم... توصلها أمها أوأبوها وأحياناً بواب العمارة.‏

وفي يوم عثرت هي والبواب على قطيطات صغيرات مع أمهن خلف دكان البقال. أسرعت نحوها... وحاولت أن تمسك بالقطيطة البيضاء... لكن القطة الأم نفخت في وجهها، وأخرجت أظافرها لتخمشها.‏

قال العم البواب:‏

- هل أحببت هذه القطيطة يا سمر؟‏

قالت سمر:‏

-جداً.... جداً.... ليتني آخذها إلى البيت.‏

قال العم البواب:‏

- حسناً.... سآتي لك بها بعد أيام عندما تكون أمها قد فطمتها. وتكونين أنت قد طلبت الإذن من أمك برعاية هذه القطيطة الجميلة. ولكن اسمعي ما سأقوله لك يا سمر.‏

واستمعت (سمر) بكل انتباه إلى العم البواب وهو يقول:‏

- فالقطيطة يجب أن تتناول أولاً اللبن لأنها صغيرة.... وبعد ذلك تطعمينها ما تشائين. ويجب أن تنام في مكان آمن ودافئ. وأهم من كل ذلك ألا يؤذيها أحد.‏

قالت (سمر):‏

-سأفعل كل ذلك ياعم... سأفعل.‏

وبعد أيام ومن وجود القطيطة التي أسمتها (ماسة)، أصبحت (سمر) لا تفارقها.... تحملها... وتطعمها... وتضعها مساءً في سلة من القش مفروشة بالقطن.‏

وفي ليلة... وقد نسيت (سمر) قطتها المحبوسة في غرفتها دون أن تقدم لها طعاماً، أخذت (ماسة) تموء وتموء، ولم يسمعها أحد. وما إن فتحت (سمر) باب غرفتها حتى هربت (ماسة) بسرعة كبيرة إلى المطبخ.. ووثبت فوق الطاولة الصغيرة بحثاً عن الطعام فأوقعت الصحون فحطمتها.‏

أسرعت الأم إلى المطبخ لتعرف ما الخبر... فقالت (سمر):‏

- ماسة هي التي أوقعت الصحون... ولست أنا.‏

غضبت الأم وقالت:‏

- يجب أن نعاقب (ماسة) فلا تنام في سلتها في غرفتك بل في الخارج.‏

أطرقت (سمر) حزينة.... ولم تعارض أمها التي أخرجت (ماسة) إلى الحديقة، وأغلقت الباب.‏

ولما كان الفصل شتاء.. وهطلت الأمطار... لم تستطع (سمر) النوم.. وأخذت تبكي لأنها هي السبب فيما جرى مع (ماسة) وهي لم تخبر أمها بالحقيقة.‏

تسللت (سمر) من فراشها بهدوء وخرجت إلى الحديقة، والتقطت (ماسة) التي كانت ترتجف برداً أمام الباب، وقالت لها:‏

- لاتبردي يا قطتي... سامحيني أنا السبب.. أنا السبب، فقد نسيتك في الغرفة وما قصدت حبسك.‏

وكانت أم (سمر) قد سمعت ضجة وحركة، ورأت ابنتها وهي تحتضن القطة وتعتذر منها، فابتسمت... واعترفت لها (سمر) بكل شيء.‏

قالت الأم:‏

- عودي إلى فراشك يا سمر.. الطقس بارد.‏

قالت سمر:‏

- وهل تعود (ماسة) أيضاً إلى فراشها؟‏

قالت الأم:‏

- طبعاً كي لا تبرد هي أيضاً... هيا يا قطتي أسرعي كي لا تبردي.‏

Nadine
06-06-2007, 04:29 AM
الليمونة الحزينة...‏

كانت شجرة الليمون محملة بثمارها الناضجة الصفراء وقد حان قطافها، وكل ثمرة تنتظر قاطفها وتحلم كيف ستكون مفيدة له... أليس من أجل هذا خلقت؟‏

وبينما الثمار تلتمع في الليل كأضواء الكهرباء بين الأوراق الزاهية الخضراء كانت ليمونة في أعلى الشجرة تخبئ نفسها ولا تشارك رفيقاتها في أحلامهن، تقول لنفسها:‏

- سأظل هنا مختبئة بين الأوراق فلا يراني أحد. لا أريد أن يقطفني أحد... بل أظل هنا في أعلى الشجرة كملكة على عرشها. ماذا في ذلك؟ أن قشرتي قوية.. وعودي المتين عالق تماماً بالشجرة. سأظل لأشهد ربيعاً آخر... وأرى الأزهار كيف تتفتح... صحيح أنني سأبقى وحدي لكنني سأسامر النجوم في الليل.. وأداعب الهواء في النهار.. وتحط علي العصافير فأسمع قصصها وحكاياتها.‏

وإذ حل وباء (الانفلونزا) فجأة في الحي أسرع السكان لاقتطاف ثمار الليمون دواء لهم ولأطفالهم... ولم يروا تلك الليمونة لأنها اختبأت أكثر وأكثر. وهكذا فجأة وجدت نفسها وحيدة وحزينة خاصة وأن الفصل أصبح شتاء... ولا نجوم في الليل لأن السماء مغطاة بالسحب والهواء يلسع ببرودته، والعصافير كلها آوت في أعشاشها. بدأت الليمونة المتكبرة تلوم نفسها على ما فعلت عندما هبت عاصفة قوية مصحوبة بالمطر وحبات البرد، فإذا بها تسقط في حفرة مليئة بالطين.‏

نادت الأطفال ليأتوا وينقذوها لكنهم كانوا مختبئين في بيوتهم بسبب البرد ولأنهم لم يشفوا من الانفلونزا بعد.‏

بكت الليمونة المتكبرة وأصبحت تعاني من موت بطيء.. هكذا مهملة دون نفع أو فائدة. وبعد أيام وعندما أشرقت الشمس في يوم صحو جميل خرج الأطفال إلى حديقة العمارة فشموا رائحة كريهة في حوض مليء بالطين. ورأوا الليمونة المتفسخة وقد أصبح لونها داكناً وهي منتفخة والبذور تخرج منها، قال بعضهم لبعض:‏

-هذه ليمونة مسكينة.. سقطت من يد أحدهم أثناء القطاف. ليتها لم تلاق هذا المصير البشع.‏

ثم حملوها بطرف غصن من الشجرة، وألقوها في القمامة وهم لا يعرفون أنها الليمونة الحزينة... وليست المسكينة.‏

Nadine
06-06-2007, 04:29 AM
إيهاب ورأسه المصاب"‏

عـاد (عماد) من المدرسة وهو في الصف الأول قلقاً مضطرباً.. شعره مشعث.. وثوبه المدرسي شبه ممزق. شد على محفظته وأسرع إلى غرفته وأغلق الباب وراءه.‏

وتعبت أمه في معرفة ما حصل معه في المدرسة لكنه لم يتكلم... وكذلك لم يرض أن يتناول طعامه، أو يلعب مع أخته الصغيرة. ظنت أمه أنه سيكتب واجبه المدرسي عندما فتح محفظته وأخرج كتبه ودفاتره. لكنه أخرج دفتر الرسم وتكوم في زاوية الغرفة وأخذ يرسم ويرسم.‏

وعادت أم عماد بعد فترة لتتفقده، وتدعوه إلى الطعام والكلام من جديد لكنها لمحت صورة مشوشة رسمها باللونين الأسود والأبيض فقط. تأملت الصورة فرأتها رسوماً لأطفال عديدين في ملعب المدرسة، وكأنهم يتشاجرون أو يضرب بعضهم بعضاً.‏

قالت لابنها:‏

- ماهذا يا عماد؟ هل هذا ملعب مدرستكم؟‏

لم يجب (عماد) وحاول أن يسحب الصورة ليمزقها عندما لمحت الأم رأس تلميذ لا تظهر منه إلا عيناه، وقد لف كله بضماد أبيض.‏

قالت:‏

- ومن هو هذا التلميذ ياعماد؟‏

قال (عماد):‏

- إنه (إيهاب)، لابد أنه كذلك الآن.‏

قالت الأم:‏

- وهل شج رأسه أثناء اللعب أو آذاه أحد؟‏

انفجر (عماد) باكياً وهو يقول:‏

- أنا فعلت ذلك يا أمي... أنا فعلت.‏

سألت الأم بهدوء أيضاً دون أن تعنفه:‏

- وهل رأيتهم يعصبون له رأسه؟‏

قال (عماد):‏

-لا... لم أره إنما أصبته في رأسه ولم أكن أقصد ذلك، فسال الدم وبكى وأخذوه إلى غرفة الإدارة، وهو لم يعترف لهم بأني أنا الفاعل.‏

قالت الأم:‏

- ولماذا يا عماد فعلت ذلك؟ أليس (إيهاب) رفيقك؟‏

قال وهو لا يزال يبكي:‏

- نعم إنه رفيقي وجارنا... وأنا أحبه وأريد أن يسامحني.‏

قالت الأم:‏

-إذن عليك الآن أن تهيئ نفسك وتأخذ له هدية وتذهب للاعتذار منه.‏

فرح (عماد) بما قالته له أمه، وأسرع لينظف وجهه ويديه، ويسرح شعره، ويتأبط كتاباً ملوناً جميلاً يحتوي على قصة بعنوان: الاعتذار بين الصغار.‏

وبينما أمه تتصل هاتفياً بأم (إيهاب) لتعتذر منها عن ابنها، وتخبرها بمجيئه اليهم كان (عماد) قد خرج مسرعاً وهو يفتح الكتاب ويخفي فيه دفتر الرسم والصورة التي رسمها.‏

وبعد أن اعتذر (عماد) من (إيهاب) وعادا رفيقين متصالحين ضحكا واتفقا على أن يسميا تلك الصورة (إيهاب ورأسه المصاب)، وإن يحتفظ بها (عماد) حتى لا يفكر أن يؤذي أحداً من رفاقه. فماذا لو أن أصابة (إيهاب) كانت شديدة وأخذوه فعلاً إلى المستشفى وضمدوا له رأسه كما في الصورة؟‏

لكن إدارة المدرسة عندما أطلعت على الصورة، وعرفت القصة بين (عماد) و (إيهاب)، أخذت الصورة وعلقتها أمام الباب بعنوانها: (إيهاب ورأسه المصاب).‏

Nadine
06-06-2007, 04:30 AM
"أحمر.. أصفر.. أخضر"‏

عندما انطلق تلاميذ مدرسة (الأمل) من صبيان وبنات للمشاركة في يوم المرور العالمي كانوا يرتدون زياً مشابهاً لأزياء الشرطة.... ويحملون عصيا بيضاء لامعة.... ويلبسون قفازات بيضاء أيضاً. خرجوا وهم يسأل بعضهم بعضاً عما تعلموه عن حركة سير السيارات، وتقاطع الشوارع، وأي منها باتجاه واحد أو باتجاهين. أما إشارات المرور وما ترمز إليه بالأحمر والأصفر والأخضر فهي أسهل ما تعلموه وما يثير الضحك بينهم لأن واحدهم يقول للآخر أثناء اللعب (أحمر) وهو يقصد أنه ممنوع، أو (أخضر) وهو يقصد أنه مسموح.‏

انطلقت المجموعة وهي تردد نشيداً تعلموه خاصاً بهذه المناسبة... نغمه عالمي لكن كلماته تختلف من لغة إلى أخرى. انطلقوا وهم فرحون يضحكون، لكن (سناء) وهي أكثرهم تحمساً لهذه المغامرة اللطيفة ولهذا الدرس العملي في الحياة أسرعت نحو رفاقها ملهوفة وكأنها تستغيث، وأنبأتهم أنها لا تستطيع المشاركة فهي في هذا اليوم مسؤولة عن أختها الصغيرة التي لا تتجاوز أربع سنوات من العمر لأن أمهما في المستشفى تضع مولوداً جديداً.‏

قال الجميع:‏

- وكيف يا سناء؟ وأنت التي دبرت لنا مع إدارة المدرسة هذا كله فاختارونا كلنا كمجموعة أصدقاء؟‏

قالت سناء وهي تكاد تبكي:‏

- هذا ما حصل... اعذروني.‏

وأدارت ظهرها لتعود راجعة وهي تجر أختها الصغيرة.‏

لحق بهما (همام) أكبر أفراد المجموعة وقال:‏

- ابقيها معنا إذن... وسيكون كل واحد منا مسؤولاً عنها مدة عشر دقائق، وهكذا حتى ينتهي النهار.‏

فكرت سناء قليلاً ثم قالت:‏

- معنى هذا إن كل واحد لن يقوم بأي شيء خلال هذه الدقائق العشر.‏

قال همام:‏

-بالضبط... سيكون مع رفيقه كمشاهد فقط.‏

وفرحت البنت الصغيرة بهذه النزهة العجيبة في الشوارع بين حشود البشر، وسيول السيارات وهي تنتقل من يد إلى يد... ومن اثنين إلى اثنين. وأخذت تردد كلمات تسمعها: أحمر... أصفر... أخضر. وتنظر إلى ثيابها الخضراء، وإلى حذائها الأصفر. ولما فهمت أنهم يستعدون للاقتراب من حافة الرصيف على اللون الأصفر ليعبروا الشارع على الأخضر نظرت إلى قدميها وحذائها الأصفر، وإلى ثيابها فأفلتت يدها ممن يمسك بها وقالت:‏

- أصفر... أصفر....‏

وشهقت سناء عندما رأتها في وسط الشارع والسيارات تهدر من بعيد.‏

نفخت بصفارتها بكل ما لديها من قوة... وكذلك فعل رفاقها عندما انتبهوا ورأوا المشهد.‏

توقفت كل السيارات... وتعطلت الطرقات... واندهش المشاة كل المشاة.‏

أما البنت الصغيرة فقد أخذت تعبر الشارع إلى الرصيف الآخر حيث تلوح لها سناء بيدها وهي تقول:‏

-أصفر... أحمر... أخضر.‏

Nadine
06-06-2007, 04:31 AM
"الجمل والسنام"‏

كان الجمل الهرم يستريح في بقعة جرداء خالية إلا من بعض الآثار القديمة وهو يطلق أصواتاً كأنها الأنين أو النواح. سمعه الصغار الذين خرجوا في رحلة للتعرف على الأثار. تقدموا منه وهو يبرك على الأرض، فداعبوه ولمسوا وبره الناعم، وتأملوا ملامحه الضخمة وهو هادئ وديع ينظر إليهم بعينيه الواسعتين، ويمضغ شيئاً دون أن يكون أمامه طعام ما.‏

قال لهم:‏

- هل تريدون أن أقوم لكم بجولة في هذا المكان؟ حسناً... ليركب من يريد منكم فوق ظهري ثم بعد ذلك انهض. ألا ترون كم أنا عال وضخم إذا وقفت؟‏

قال الصغار:‏

-لا... لقد قمنا بجولتنا وانتهينا. نحن نحب الركض والتسابق ولا نتعب. ألسنا صغاراً؟‏

ثم إن الحركة والنشاط عنوان الحياة.‏

سر الجمل بما سمع، ثم أطرق بصمت وكأنه يفكر تفكيراً عميقاً.‏

قالت هدى:‏

- بماذا تفكر أيها الجمل الوديع الصبور؟‏

ثم قفزت فوق ظهره وقالت:‏

- ولماذا لك هذا النتوء في ظهرك دون كل الحيوانات؟‏

هز الجمل برأسه وقال:‏

- هذا سنام... اسمه سنام. ألا تعرفين؟‏

قالت هدى:‏

- أعرف... لكنني استغرب ذلك.‏

قال الجمل:‏

- سأروي لك الحكاية. إنها حكاية أو خرافة وليست قصة. يقولون إن الجد الأول للجمال... أو أول جد لها لم يكن له سنام... كان كسولاً.. وكان يقضي وقته كله بين الطعام والنوم. ولا يؤذي أحداً ولا يؤذيه أحد لأنه ضخم الجثة يخافون من منظره فيهربون، حتى مر به ذات مرة قطيع من الغنم فقالوا له: ما نفعك أنت أيها الحيوان؟ أنت لا تقدم لحمك ولا لبنك للناس، ولا تنفعهم في شيء بل على العكس تتناول هذه الحشائش الطرية بكميات ضخمة وتحرم بقية حيوانات المرعى منها.‏

فلم يهتم بما قالت الأغنام، وقال: أتركوني... اتركوني سأنام.‏

ومرت أمامه البغال والحمير والخيول فقالت: ماذا تفعل أيها الحيوان الكسول؟ لا شيء.. انظر إلينا ونحن نحمل الأثقال، ونجر العربات، ونقطع المسافات... هيا كن نشيطاً مثلنا.‏

قال: اتركوني... اتركوني سأنام.‏

ومرت قطعان الماعز تتقافز مسرعة نحو المرتفعات والجبال فقالت له: ألا تقدم شيئاً ينفع أيها المخلوق الكبير؟... نحن نقدم إضافة إلى اللبن... الجلود والشعر بأنواعه وألوانه لتصنع منه الثياب والخيام.‏

ثم انصرفت عنه مسرعة وهو يقول: -اتركوني سأنام... سأنام.‏

وهكذا ظل الجمل الجد كسولاً بليداً لا يأبه به أحد... ولا يحبه أحد حتى ضجر وأصبحت حياته لا تطاق، فطلب من ملاك الرحمة أن يصبح أفضل المخلوقات وأنفعها للإنسان، وأكثرها وداعة وطاعة، فقال له الملاك:‏

- سيكون لك ما طلبت بشرط واحد هو أن أجعل فوق ظهرك هذا السنام حتى تتذكر لو اردت أن تنام.‏

وهكذا أيها الصغار فإن السنام هو اختصار من كلمة (سأنام)، ثم إنني اصبحت كالأغنام أقدم لبني ولحمي للطعام... وكالخيول أقطع المسافات ولا أبالي بالصحارى ذات الطول... وكذلك كالماعز أقدم الوبر والجلد والأشعار لكل من يطلب الثوب أو الخيمة أوالدثار.‏

أما هذا السنام... فهو مخزني أخبئ فيه الطعام.‏

سر الصغار بما سمعوا.... وأحبوا الجمل أكثر وأكثر... لأنه أقدم الحيوانات على وجه الأرض، وهو الأنفع والأكبر.

Nadine
06-06-2007, 04:31 AM
زهــرة الثلــج"‏

خرجت رباب من بيتها الصغير في قرية من قرى الجولان وهي ترتجف من البرد... فالثلج لا يزال يتساقط منذ ليلتين.. وكل شيء حولها لبس ثوباً أبيض... تدثرت بمعطفها السميك ولفت رأسها بشال جدتها الصوفي. السماء صافية وحنون الآن... ولكن ما يدريها أن العاصفة ستعود من جديد؟ لا يهم... فالمسافة بين بيتها وبين مبنى البريد ليست طويلة ولا بد أن تبعث برسالتها إلى خالتها في دمشق. استعادت كلمات الرسالة التي كتبتها نيابة عن جدها وجدتها وكل أفراد الأسرة تقول فيها: "نحن لا زلنا مواطنين سوريين ونرجوكم وأنتم تعرفون أسماءنا وأرقام هوياتنا الأصلية أن تنوبوا عنا في الانتخابات التي تجري في البلاد. وبما أننا لا نستطيع الحضور إلا بإذونات خاصة من سلطات الاحتلال فإننا نفوضكم بإعطاء أصواتنا.‏

ولكم تحياتنا وآمالنا بالتحرر واللقاء. "‏

تنهدت رباب ولمست دمعة ساخنة سقطت على خدها فهي التي كتبت الرسالة وما استشارت فيها أحدا من أسرتها لأنها عندما اقترحت عليهم ذلك نظر بعضهم إلى بعض بحزن... وصمتوا...‏

وأطرقوا برؤوسهم مهمومين.‏

في الطريق استوقفتها دورية اسرائيلية وسألوها بقسوة إلى أين هي ذاهبة في مثل هذا الوقت وهذا الطقس؟ ردت باضطراب: أنا ذاهبة إلى مبنى البريد. فسخر منها أحدهم قائلاً:‏

- لكن المبنى مغلق... وليس هذا وقت الدوام.‏

أجابت بكبرياء:‏

- إذن سأضع رسالتي في أي صندوق للبريد.‏

فتركوها وانصرفوا عنها.‏

وقبل أن تعثر على صندوق البريد الوحيد في القرية صادفت (رافع) قريبها وابن جيرانهم.‏

ولما سألها باحت له بالسر كاملاً. تنهد رافع بحسرة وقال:‏

- لكن رسائلنا من هنا لاتصل إلى أهلنا في دمشق ولا إلى سواها من المدن السورية... فما نفع أن تضعي رسالتك في البريد؟‏

حزنت رباب لأنها لم تنتبه لهذا الأمر الخطير... فما هذا الظلم... ألا يكفي أنهم في الأرض المحتلة... وأنهم بعيدون عن أهل بلادهم.. ألا يكفي أنهم يشعرون وكأنهم مأسورون؟‏

قالت رباب:‏

- لن أعود ومعي الرسالة.... ولا بد أن أفعل أمراً ما.‏

قال رافع:‏

- مزقيها قبل أن تقع في يد أحد ويصيبك أذى.‏

أجابت بحرارة:‏

-لا... لن أمزقها.‏

ثم مشيا صامتين... لكن رباب وفي الطريق المؤدية إلى مبنى البريد أخذت تزيح أكوام الثلج بيديها المرتعشتين، وتصنع حفرة صغيرة وضعت فيها الرسالة ثم غطتها وهي تبكي. ولما سألها رافع ماذا تصنع؟ قالت بثقة وتحد:‏

- إنها زهرة الثلج لا بد أن يقطفها أحد بعد أن تشرق الشمس وتذوب الثلوج عن المروج.‏

Nadine
07-06-2007, 04:42 AM
قال الرّجل العجوز: "لقد أصبحتُ عاجزاً لا أقدر على حراثة الأرض، ولا على حمل الأثقال، هل أبقى رهن البيت، أم أمشي هائماً على وجهي حتّى أسقط من التّعب؟!"... فكّر كثيراً، تذكَّرَ أيام طفولته؛ كيف كان يقفز كالأرنب من مكان إلى آخر، ويصعد كالقطط إلى أعلى الأشجار، تذكّرَ شبابه حين كان يدخل في عراك مع زملائه، وكيف كان يفوز عليهم، ولكنه لم يكن يخاصم أحداً ولا يعتدي على أحد.. شرد طويلاً مع ذكرياته؛ كانت حياتُه خصبةً مليئةً بالعمل والنّشاط! وها هو الآن شيخ كبير، لا تساعده صحته على القيام بأعمال تحتاج جهداً كبيراً كالزّراعة التي زاولها طويلاً... كان أحفادُه يلعبون حوله بصخب.. فجأة خطرت لـه فكرة جعلته يبتسم ويستيقظ من شروده...‏

قال: "كنت أزرع القمح والذّرة، وجنيت الكثير من ذلك واليوم سأكون مزارعاً جديداً، وسأبذر، بدل القمح والذّرة، الكلمات الطيّبة..".‏

نادى الأولاد: "خالد...محمد...فاطمة...وائل.. تعالوا يا أبنائي.".‏

اجتمع الأطفال قرب الجد وتساؤل يرتسم على وجه كل منهم..‏

ابتسم.. ابتسموا، قال: "عندي صندوق من الحكايات"...‏

ركض وائل نحو صندوق الجدّ الموجود في صدر البيت وحاول فتحه! ضحك الجدّ وقال:‏

ـ "إذا فتحت الصندوق تهرب الحكايات، تعال.. تعال يا وائل معي حكاية خبّأتها في صدري سأحكيها لكم..".‏

ثم بدأ: "كان ياماكان في قديم الزّمان"..‏

تجمّع الأولاد أكثر حول الجدّ يستمعون كل كلمة يقولها..‏

Nadine
07-06-2007, 05:05 AM
وقف أبو حمدان على شاطئ البحر، يحدّق في الأمواج الصاخبة وهي تصفع وجه الصخور بقسوة، وتساءل في نفسه:"لماذا يغضب البحر؟ هل يغضب من المحتلين الذين دنّسوا وجهه ببوارجهم الحربية، أم أنّهُ غاضب منّا؟ "كم لعبنا معه، وارتمينا في حضنهِ الرّائع، وكم غنينا معه الأغاني السعيدة؟!".‏

استرسل أبو حمدان في خواطره، كان وجهه الحزين جافاً، برزت فيه لحيته النّامية كالعشب اليابس! وكانت البساتين من خلفه مساحة من السواد القاتم؛ لقد أحرقها الصهاينةُ بحجة اختباء الفدائيين العرب فيها، ووجود مستودعات ذخائرهم الحربية!!‏

لم يكن يحزنه احتراق بستانه الذي أنفق عمره في العناية به وحسب! لكنّه تذكّر أولاده.. كم وعدهم بالملابس الجميلة والألعاب والحلوى والقصص المصّورة، بعد بيع المحصول القادم؟! ماذا يستطيع أن يعمل؟‏

الأشجار تقف محروقة متفحمة، الفواكه أُتلفت، الأولاد هاجروا عن القرية، والصهاينة يعيثون فساداً في كلّ مكان!! هاهو يقف وحيداً جانب الشاطئ، لا يدري ما العمل؟!‏

جاءت موجةٌ قويةٌ لطمت الصخور بعنف، امتلأ وجه أبي حمدان بالرذاذ البارد؛ مسح وجهه، لامست أصابعه المبللة شفتيه المشققتين، شعر بملوحة قارصة، كزّ على شفتيه، ثم التفت بعينيه الغائمتين صوب البساتين، فرك عينيه كأنّه يخفي دموعه، توجّه إلى بستانه، وقال بصوت مسموع:‏

ـ "اليدان اللتان تحسنان الزّراعة تحسنان حماية ما تزرعانه"...‏

اقترب من الأشجار المحروقة والأسى يعتصر قلبه، كانت الأشجار تبدو قاماتٍ داكنةً مغروسةً في هذه الأرض!! نقل بصره من شجرة إلى أخرى؛ مثل من يبحث عن شيء مهمٍ فقده، فجأة ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيه، ماذا حدث؟!‏

لقد كانت بضع شجيراتٍ صغيرةٍ غضّة ترفع رؤوسها عند أقدام هذه الأشجار السوداء المتفحمة، لم يدرِ ماذا يفعل، كان مثل من مسَّهُ سحرٌ، دهش، ركع جانب شجيرة، حضنها برفق، وقبلّها كأبٍ يقبِّلُ ابنه الصّغير بعد غيابٍ طويل!!‏

التمعت عيناه كنصل سكين، وهو يقول:‏

ـ "الأشجار تنهض من جديد، وعليّ أن أنهض أيضاً".. ثم توجّه نحو القرية يبحث عن رجال المقاومة!..‏

Nadine
07-06-2007, 05:05 AM
أحسَّتْ "عُلا" بالضِّيق، فالانتظار صَعْبٌ وقاسٍ، كانت تنظر من زجاج النّافذة إلى باب الحديقة؛ لعلّه يُفْتَحُ وترى أباها قد عاد من السَّفر!‏

كانت كلّ دقيقة تمضي ببطء بالغ، قالت لها أمُّها:‏

ـ "مابك، تبدين منزعجة".. أهكذا تستقبلين والدك؟!!"..‏

ارتاحت لكلام أمّها، ثم نظرتْ حولها في أرجاء الغرفة، خطرت لها فكرة؛ جرت مسرعة لتنفيذها، قالت في نفسها: "سأجمع طاقة من أزهار المرج الجميلة... أضعها في إناء على طاولة والدي؟..".‏

خرجت "عُلا" بعد أنْ أخبرتْ أمّها، كانت الأزهار البيضاء تبدو مثل بحيرة من الثلج النّاصع! خفق قلبُ "عُلا" بفرحٍ وهي تقترب من المرج، شدّها هذا المنظر الرائع.. صارت الأزهار واضحة أمام "عُلا" كانت تتلألأ كعقد من اللؤلؤ!! خطرت أفكار كثيرة في ذهن "عُلا":‏

ـ "سأجعلها تظهر مثل كرةٍ جميلة من الأزهار"..‏

"سيفرح بها أبي كثيراً... سأصنع منها عقداً.. عقداً من الزّهر وأطوّق بها عنق أبي".‏

وقفت "عُلا" بجانب أزهار المرج.. كانت أزهار كثيرة متفرقة تحيط مكان وقوفها! جلست لتقطف بعضها... وحين مدّت يدها لتقطف أول زهرة رأت زهرة أخرى أكبر وأجمل.. قالت:‏

ـ "تلك الزّهرة أجمل من هذه...".‏

ثمّ نهضت ودنت من الزّهرة الثّانية، لكنها لم تقطفها لأنّها شاهدت أجمل منها أيضاً.. وهكذا كانت تمضي من زهرة إلى أخرى!! تعبت ولم تقطفْ أيّ زهرة! هاهي عند الطرف الغربي من بحيرة الأزهار، ألقتْ نظرةً طويلة عليها، كانت عيناها تلمعان بفرح واضح.. رأت الأزهار أجمل من قبل.. نَقّلَتْ عينيها فيما حولها، وعادت تحدّق في بحيرة الأزهار، كلّمت نفسها بصوت واضح:‏

ـ "هذه الأزهار مثل الأسماك ستموت إذا خرجت مِنْ مرجها"..‏

عادت "عُلا" دون أن تقطف أيّة زهرة... وبينما كانت تمشي في طريق العودة؛ أدهشتها رؤية الأزهار البيضاء الجميلة على طول الطّريق.. رأَتْها "عُلا" وكأنّها تمشي خلفها!! كانت مسرورة جداً وتساءلت: "هل تمشي الأزهار حقّاً؟!"..‏

شيء واحد كان يدور في ذهنها.. أن تدعو أباها لزيارة بحيرة الأزهار.‏

Nadine
07-06-2007, 05:06 AM
سأل وليد أمّه:‏

ـ "لماذا‎ أغلق الصَّهاينة مدرستنا؟!"..‏

ـ "لماذا‎ قتلوا ابن خالتي حسام؟"..‏

ـ "لماذا‎ فقؤوا عين رفيقي خالد؟"..‏

كان يريد أن يسأل ويسأل ويسأل، لكن أمّه ضاقت ذرعاً مِنْ أسئلته فقالت:‏

ـ "أوه.. إنّك تكثر من الأسئلة يا وليد!"..‏

قال وليد: "أريد أن أعرف كلّ شيء.. كلّ شيء.. يا أمي".‏

وكانت أمّ وليد ترغب أن تجيب على كل أسئلة ابنها، غير أنّها لم تفعل، بل حاولت أن تبعده عن هذه المشاكل المخيفة؛ التي تحدث كل يوم! وبدأت تحكي له حكاية حورية البحر التي أعطت الصَّياد الفقير كنزاً على أن يعيدها إلى وطنها البحر! وما إن أنهت الأمّ الحكاية حتّى كان وليد قد نام حيث بدأت حكاية أخرى...‏

رأى وليد في حلمه حورية جميلة كحورية الحكاية، قالت له الحورية: "أهلاً بك أيها الطفل اللطيف، هل جئت تبحث عن الكنز؟ اطلب ما تشاء لأحققه لك"..‏

صاح وليد فرحاً: "هل تحققين لي ما أطلب فعلاً؟"..‏

قالت الحورية: "نعم وفوراً"..‏

قال وليد: "أريد أن تفتحي أبواب مدرستنا، لنعود إليها، نقرأ ونلعب، أريد أن يعود حسام إلى الحياة، وأن تعود عين رفيقي خالد سليمة كما كانت..‏

فجأة رأى وليد أنّه يدخل إلى المدرسة مع زملائه ثم رأى ابن خالته حسام يناديه ليلعبا معاً، وشاهد خالداً ينضمّ إليهما، وكان سليماً معافى من كل سوء!!‏

لكنه حين استيقظ عرف أنّه كان يحلم، وتمنى لو كان الحلم حقيقة!..‏

مازال وليد يسأل لماذا..؟.. سيكبر يوماً ويعرف كل شيء.‏

Nadine
07-06-2007, 05:06 AM
من قديم الزّمان كان الليل حزيناً جداً، كان يسمع أطفالاً يقولون: "لا نحبّ الليل".‏

وآخرون يقولون: "الليل موحشٌ ومخيف".‏

والآباء والأمهات يحاولون إبعاد الخوف، دون جدوى ويطلبونَ من الأولاد الذّهاب إلى النّوم، فالليل مخصص للرّاحة والنهار للعمل، وتُطفأ الأضواء؛ فيظهر الليل خلف النّوافذ قاتماً يغطي كلّ شيء: الأشجار والبيوت، والشوارع، فيجزع الأولاد ويأوون إلى الفراش مكرهين، ودائماً يقولون:‏

ـ "الليل مخيف، نحن لا نحبّ الليل".‏

تجوَّلَ الليلُ كثيراً؛ حكى قصّته لكل من صادفه، قال لـه القمر:"لا تحزن يا صديقي، سأساعدك، وسيحبّك الأطفال".‏

فرح الليل حين سمع ذلك، وبعد مدّة أطلّ القمر وسطع ببهاء؛ سمع الليلُ الأطفالَ يقولون:‏

ـ "ما أجمل الليل في ضوء القمر!"..‏

ولكنّ القمر لا يستطيع أن يبقى طويلاً، وعندما ينتهي من عمله كان يذهب إلى مكان آخر ليبدأ عملاً جديداً؛ فيشعر الليلُ أنّ الأطفال عاودهم الخوف، وقبل أنْ يبحث عن حلٍ كانت النجوم تلمع في بحر السماء، والضفادع تنقُّ مغنيةً أجمل الأغاني، وكان يسمع صوت البومة وهي تتمتم:‏

ـ "الليل جميل ورائع، وأنتم أيها الأطفال جميلون فاذهبوا إلى الفراش".‏

صار الأولاد ينتظرون القمر، وبعضهم ينتظر النجوم فيبدأ يعدّها من نافذته حتى يغفو، وآخرون كانوا يسعدون بأغاني الضفادع وحكمة البومة، وعندما يذهبون إلى الفراش يبدؤون رحلة الأحلام.‏

Nadine
07-06-2007, 05:07 AM
عندما دخل سعيد إلى البيت، كان ملطخ الثياب بالوحل، وملوث الوجه أيضاً! نظرت أمّه إليه نظرة خاصة، فوقف مرتبكاً، قالت الأم:‏

ـ "ماذا فعلت بنفسك؟! هيّا إلى الحمام".‏

كان سعيد يكره الاستحمام كثيراً، وغالباً ماكان يهرب إلى اللعب، عندما يشعر أنّ موعد الاستحمام قد حان، فهو لا يطيق الصّابون؛ لأنّه يخرش عينيه، ويقرسه بقسوة.‏

وكانت أم سعيدٍ تصبر عليه وهو ينطّ ويصرخ:‏

ـ "لا أريد أن أستحم.. لا أريد لا أريد"...‏

والآن عرف أنّه لا خلاص من الاستحمام، بعد أن لوّث وجهه ويديه وملابسه بالوحل!...‏

دخل إلى الحمام وراح يحدث نفسه:‏

ـ "لو كنت حصاناً صغيراً أنط وألعب حيث أشاء، أنام فوق الوحل الطري، أجري بسرعة كبيرة، أقضم العشب الغضّ، لا تجبرني أمي على الاستحمام، فلا يدخل الصابون في عيني، لكن لا.. لا لا أريد أن أكون حصاناً، فالحصان الصغير سيكبر، وسيجرّ عربة، ويحمل الأثقال.‏

لقد رأيت حصاناً يجرّ عربة المازوت، والرجل يضربه بالسوط بقسوة! أنا لا أحبّ أن يضربني أحد!‏

لو كنت كلباً صغيراً... لا... لا... لا أريد أن أكون كلباً، بعض الأولاد يعذبون الكلاب الصّغيرة، يشدّونها من آذانها، ويجرّونها من أذنابها! لقد شاهدت كلباً جائعاً يأكل من الفضلات المرمية في مجمع القمامة.‏

أريد أن أكون نمراً قوياً لا أخاف من شيء....لا...لا...لا أريد... رأيت نمراً محبوساً في قفص في حديقة الحيوان، قال لي أبي: "لقد اصطاده رجل قوي ووضعه في هذه الحديقة". يمكن أن يطلق عليّ أحد الصيادين النّار فأموت... لا أريد أن أموت لا أريد".‏

دخلت الأمّ وسعيد مايزال واقفاً يحدّث نفسه! وكانت قد سمعت كل مانطق به منذ البداية...‏

قالت: "مابك أَلَمْ تخلع ملابسك بعد يا حصاني الصغير؟!"..‏

ـ "حالاً...حالاً يا ماما، لكني أخاف الصّابون، إنّه يكوي عينيّ".‏

قالت الأمّ مشجعة:‏

ـ "لا تخف.. هيّا أغمض عينيك وتصوّر نفسك حصاناً صغيراً لطيفاً، أو جرّواً مهذباً، لكن إياك أن تتصور نفسك نمراً ذا مخالب طويلة وحادة تخبّئ الأوساخ تحتها، وتخيف رفاقك بها، فينفضون عنك"..‏

خلع سعيد ملابسه، وأغمض عينيه بسرعة، رأى نفسه حصاناً صغيراً يجري بسرعة، ثمّ جرواً يلحس بلسانه يد أمّه، بينما كانت الأم قد غمرت جسده الطري برغوة الصابون كان سعيد يرغب أن يرى نفسه نمراً، وحين هَمَّ بتقليد صوت النمر، فتح فمه وعينيه، وشدّ أصابع يديه، صرخ بصوت قوي من لذع الصابون، وأطبق عينيه بقوّة؛ ضحكت الأم وقد قدّرت ماخطر لسعيد، فقالت بعد إزالة الصابون بالماء الفاتر:‏

ـ "هل رأيت نفسك نمراً؟"..‏

صمت ولم يجب، ثمّ فتح عينيه.. فركهما جيّداً، كان الماء منعشاً، سرّ سعيد وأخذ يلعب بالماء وتمنى أن يخرج إلى الساحة ليلعب مع رفاقه، ولم يرغب بعد ذلك أن يكون غير سعيد الإنسان، وتعلّم كيف لا يخاف من الصّابون!...‏

Nadine
07-06-2007, 05:08 AM
جمع نشوان ألعابه، البطّة ذات العجلات، الكلب ذا الشعر الطويل والدّب صاحب معطف الفرو، والسَّيارة الحمراء والبيانو الصّغير.‏

قال نشوان لألعابه: "الآن، نحن أصدقاء، سأعلمكم الرّقصَ، ثم نحتفل بصداقتنا"..‏

قالت البطّة ذات العجلات:‏

ـ "أنا بطّة لا أعرف غير السباحة، ولا أحبُّ غيرها.."..‏

قال نشوان: "وهذه العجلات، ماذا تعملين بها؟"..‏

قالت البطّة: "أسابق بها رفيقاتي".‏

صاح الكلب ذو الشعر القصير: "وأنا أجلس هنا؛ أحرس أصدقائي، ولا أتقن غير ذلك...".‏

هزّ الدّب معطَفهُ الثقيل قائلاً:‏

ـ "وأنا لا أترك معطفي الثقيل؛ أخاف البرد كثيراً... ربما أصاب بالزكام".‏

أطلقت السيارة الحمراء صوتاً طويلاً من مزمارها: "وأنا جاهزة لإطفاء الحرائق...".‏

أمّا البيانو الصّغير فقد ظلّ صامتاً. قال نشوان:‏

ـ "وأنت يا صاحب الصّوت الجميل... ماذا تقول؟"..‏

ولم يقل البيانو الصّغير شيئاً... دهش نشوان من صمت البيانو، لكنه سرعان ما لاحظ مطرقتين صغيرتين جانب البيانو، أخذهما نشوان وطرق بهما طرقاً خفيفاً فوق صفائح البيانو الصغير فانبثقت أنغام عذبة، رقص الدّب والكلب ورقصت البطة، لكن السيارة راقبت سعادة أصدقائها بسرور، دون أن تطلق صوت مزمارها وبقي نشوان يعزف ألحاناً جميلة تبعث في النفس الفرح...‏

Nadine
07-06-2007, 05:08 AM
اعتادت عبير أن تنام باكراً، وذات ليلة لم تستطع أن تنام، وبقيت جالسة في سريرها، كان أخوتها ينامون إلى جانبها، نظرت إليها بودّ وفي نفسها تساؤل عن النّوم وسرّه:‏

ـ "لماذا ينام النّاس؟.. ألا يستطيع المرء أن يبقى مستيقظاً؟"..‏

نظرت من النّافذة؛ كان القمر يسكب ضوءاً رائعاً!‏

قالت: "لماذا يسهر القمر كلّ الليالي؟"..‏

ولما لم تجد أحداً مستيقظاً في مثل هذه الساعة، أزاحت الغطاء عنها، بهدوء وغادرت الغرفة، فقد شعرت أنها بحاجة إلى قليل من الماء، تسللت على رؤوس أصابع قدميها؛ حتى لا تزعج أحداً، لكنها دهشت حين وجدت أمّها جالسة تنسج الصوف، فسألتها:‏

ـ "ماما.. لماذا لم تنامي بعد...؟."...‏

قالت الأمّ: "شعرت أنّني لا أستطيع النوم، فجلست لأكمل هذه "الكنزة"...".‏

عادت عبير إلى فراشها وبدأت تكلّم نفسها:‏

ـ "القمر يسهر، يسكب ضوءه ليرشد الناس في الدروب البعيدة، ويسلّيهم لينسوا تعبهم".... أمي تسهر لتنسج الصوف وتمنحنا الدّفء... وأنا أسهر وحيدة أفكّر في هذه الحياة الجميلة".. نامت عبير في ساعة متأخرة.. نامت نوماً عميقاً وحلمت أحلاماً جميلة.... وفي الصَّباح جاءت الأمّ ومسحت بيدها اللطيفة وجهَ عبير... فتحت عبير عينيها، كانت أمُّها تبتسم لها وتدعوها لتتناول الفطور، فالوقت يمرّ بسرعة.. نهضت عبير، نظرت من النّافذة، كانت الغيوم تغطي وجه السماء.. يبدو أنّ الشتاء يطرق الأبواب.‏

تذكّرت ليلة البارحة، السماء الصافية بنجومها اللامعة، وقمرها الواسع المنير...‏

قالت الأم: "الطقس تغيّر بسرعة، إنّه يميل إلى البرودة، لا تخرجي قبل أن ترتدي (كنزتك) الجديدة، عرفت عبير أنّ أمّها سهرت الليلة الماضية من أجل إنجاز هذه (الكنزة)!! كم كانت (الكنزة) جميلة!!‏

لبست عبير كنزتها الجديدة، نظرت في المرآة، ابتسمت وتمتمت:"كم أنت جميلة يا كنزتي!"لكنها لم تنس أن تشكر أمّها.‏

أشرق وجه الأم وهي ترى ابنتها ترتدي الكنزة، وفي المدرسة بدا التلاميذ يزهون بملابسهم الصوفية الجديدة، لم تقل عبير هذه المرّة: "كم أنت جميلة يا كنزتي!".. بل قالت:‏

ـ "كم هي جميلة أيدي الأمهات التي حاكت هذه الكنزات، وأدركت أنّ كلّ الأمهات يسهرن مع القمر يصنعن شيئاً جميلاً...‏

Nadine
07-06-2007, 05:09 AM
كانت ندى تنظّمُ وقتها في أيام العطل، تحضّر واجباتها المدرسيّة، وتساعد أمّها في بعض الأعمال البسيطة، ثمّ تلعب قليلاً من الوقت. في أحد الأيام نسيت أن تحفظ دروسها، وتكتب وظائفها، وراحت تلعب مع قطها فلفل، وفي اليوم التّالي سألت المعلمة (ندى) عن وظيفتها؛ وقفت (ندى) خجلة وقالت:‏

ـ "نسيت أن أكتبها،‏



قالت المعلمة: "هل يرضيك أن تهملي واجبك يا ندى؟"..‏

صمتت ندى ولم تجب، وعندما عادت إلى البيت كانت حزينة؛ تناولت طعامها وجلست تقرأ دروسها بصمت.‏

اقترب منها (فلفل) وهو يموء..‏

قالت ندى لفلفل: "اذهبْ وابحثْ عن كرة تلهو بها، أما أنا فأريد أن أقرأ لأصبح مجتهدة وتحبني معلمتي..".‏

حزن (فلفل)، وانزوى بعيداً يفكّر:‏

ـ "لماذا طردتني ندى؟"..‏

وعرف أنّه يجب أنْ يتركها بعض الوقت، لتكتب بوظائفها، وعليه أن يعمل هو أيضاً!..‏

ومنذ ذلك اليوم تعلم (فلفل) ألا يترك الحشرات الضّارة والفئران المؤذية تهرب من مخالبه أمّا ندى فكانت تمسح شعره النّاعم برفق، وتحمله إلى الحديقة، خلال استراحتها، وتلعب معه بسرور.‏

Nadine
07-06-2007, 05:09 AM
في حقل واسع عاش كثير من الورد والأزهار والنباتات الخضراء الجميلة، وعدّة أسراب من الفراش اللطيف. كانت جماعات الأزهار والورد تستمع لحكايات الفراش، وتنشر عطرها تعبيراً عن فرحتها بصداقة الفراش وحين يشتدّ الحرّ، كانت الفراشات تطير وتحط، ترفرف بأجنحتها؛ تلطّف الجوّ، لتخفّف من قساوة الحرّ عن أصدقائها، وإذا جاء الليل، وتعبت الفراشات تنام في أحضان الورد والأزهار بهدوء مع يرقاتها الصّغيرات:‏

ذات يوم تعرض حقل مجاور لحريق، وامتدّ اللهب إلى حقل الأصدقاء؛ بسرعة سمع الجميع خبر الحريق، أسرعت أسراب الفراش، وشكّلت حاجزاً من أجسادها لحماية الأصدقاء، كان اللهب يلفح وجه الورد والأزهار والعشب؛ احترق كثير من الفراش قبل أن يتلاشى اللهب، وينطفئ الحريق أما الورد والأزهار، فقد احتضنت اليرقات الصغيرات حتى أصبحن فراشاً يملأ الحقل سعادة وجمالاً.‏

Nadine
07-06-2007, 05:10 AM
دخل المعلّمُ إلى الصَّف فجأة؛ صمت الجميع وساد هدوء تام، كان واجماً وبدت علامات الغضب والانزعاج على وجهه، نظر في وجوه التلاميذ واحداً واحداً وكأنّه يبحث عن شيء أضاعه، تنفس بعمق وقال بصوت يشبه الهمس:‏

-"لقد عطلوا الدراسة"‏

فهم الجميع أنّ الإسرائيليين أمروا بإغلاق المدرسة، وبعد لحظات قال بصوت واضح وقوي:‏

-"سنتابع الدروس في البيوت"‏

وقف وليد وقال:‏

"لدينا غرفة كبيرة، سأطلب من أبي أن يسمح لنا بأن ندرس فيها".‏

خرج التلاميذ من الصفوف، ثمّ غادروا بهو المدرسة كان جنود العدو يملؤون الشّارع الرئيسي، وعند مداخل الأزقة المتقاطعة مع هذا الشارع، كانت بعض الأمهات ينتظرن أطفالهن:‏

لم يتوجه الأولاد إلى منازلهم، بل توزعوا إلى مجموعات، كلّ مجموعة اتجهت إلى زقاق فرعي متسلحين بالحجارة والمقالع والزجاجات..‏

من أين ظهرت كلّ هذه الأشياء؟! لقد كانوا يخفونها في محافظهم، وتحت الثياب.‏

مرّ أحدُ المعلمين ورأى ما يحدث، أمرَ الأطفال الصّغار: "اذهبوا إلى البيت أيها الصغار"‏

ردَّ طفل: "نحن كبار"‏

ابتسم المعلم وتابع طريقه، كان يعرف أنّ معركة ستحدث وكان مسروراً.‏

Nadine
07-06-2007, 05:10 AM
جدتي اسمها الحاجة (آمنة)، كلّ الناس في جباليا يعرفونها، وهي تعرف كل أهالي جباليا.‏

جدتي الحاجة (آمنة) تحبّ كل النّاس في جباليا، وهم يحبونها، كلّ الشباب والأطفال، وحتّى الرجال ينادونها: "جدتي" لأنّها ساعدت أمهاتهم في أثناء ولادتهم، وهي أول مَنْ حَمَلَ أجسادهم الصغيرة في أول لحظة مِنْ حياتهم، وهي أول مَنْ تطلق زغرودةَ فرحٍ، ودائماً نراها مبتسمة لم تبكِ مرّةً في حياتها فهي تزغرد عند الولادة لأنّ قادماً جديداً حلّ في جباليا فتقول:‏

-"الحمد الله زاد عددنا واحداً".‏

وتزغرد عندما يموت واحدٌ من المخيم شهيداً من أجل الوطن فتقول:‏

-"الحمد لله، لقد صعد واحدٌ منا إلى السماء وإذا سألها أحدُ الأولاد: "ماذا يفعل الشهيد في السماء يا جدتي؟".‏

تقول لــه: "انظر إلى هذه النجوم الكثيرة، إنّها أرواح الشهداء تضيء لنا أيامنا".‏

قلت لها ذات يوم: "أريد أن أصعد إلى هناك لأصبح نجماً، ماذا أعمل؟"‏

نظرت إليّ وكانت تصنع من الخيطان مقلاعاً،‏

قالت: هذا مقلاع سأدرّبك كيف تضرب به من سرق أرضنا وقتل أباك"‏

قلت: "هل صعدَ أبي إلى النّجوم؟"‏

هزّت رأسها قائلة: "نعم".‏

كانت يداها تعملان بنشاط ومهارة، لقد أنهت المقلاع.. كان جميلاً فقد رسمت بالخيوط الملونة العلم الوطني، كنت أرغب أن تعطيني هذا المقلاع لأضرب به جنود العدو، لكن يبدو أنها وعدت إحدى الفرق الضاربة بعدد من هذا السلاح، فقد سحبت من تحت الفِراش عدداً كبيراً من المقاليع التي حاكتها، خبّأتها في صدرها وخرجت بسرعة غداً سيلبي أهالي جباليا نداء الانتفاضة بالإضراب العام.. وسيصعد بعضهم إلى السماء وستزغرد جدّتي.‏

Nadine
07-06-2007, 05:11 AM
نظرت الحاجة آمنة إلى صور أبنائها الثلاث معلقة في صدر البيت وقالت:‏

-"الحمد لله الذي شرّفني باستشهادهم"* كان طفل صغير ينام فوق السرير الكبير، وقد لُفَّ جسده بالكوفية الفلسطينية، إنّه ابن ولدها (حسن) الذي استشهد قبل ولادة طفله بثلاثة أيام، أسمته الجدّة آمنة (حسن) وقالت حينها: "الحمد الله‏

لقد عاد حسن".‏

اقتربت الجدّة آمنة من حفيدها الجديد وعلى وجهها ابتسامة جميلة، قالت بصوت هامس:‏

-"نمْ ياحبيبي نًمْ لقد سهر أبوك لينام الأطفال نَمْ يا حبيبي ستكبر وتسهر مثل أبيك، نمْ هناك من يسهر الآن من أجلك، ستنهض يوماً حين تشرق شمس الوطن، وتكون كبيراً أما أنا فسأذهب الآن، ربما لن أرجع.. ستكبر وتغنّي "بلادي. بلادي".‏

خرجت الجدّة آمنة بعد أن أخفت شيئاً في صدرها وكان "حسن" ينام بهدوء.‏

* قالت الخنساء الشاعرة العربية العظيمة حين قتل أولادها جميعاً في سبيل الإسلام: "الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم".

Nadine
07-06-2007, 05:12 AM
جلس نشوان، جانب النّافذة المغلقة، يلعب بألعابه، إنّه لا يستطيع الخروج إلى الشّارع؛ فالمطر يهطل في الخارج! اكتشفَ نشوانُ شيئاً أعجبهُ! اكتشفَ صوت حبّات المطر المتساقطة برتابة وكأنّها تغنّي، وراح يُصغي بفرح إلى هسيس الماء المنساب من الأسطحة أيضاً، فجأة قطعت عليه أصواتٌ قويةٌ إصغاءَهُ؛ وكانت غير مألوفة لنشوان، فخاف وركض إلى المطبخ حيث كانت أمُّهُ تحضّر الطّعام، وصاح:‏

-"ماما.. ماما.. ماهذه الأصوات القويّة؟! أنا خائف.."‏

لكنّ ابتسامةَ أمِّه هدَّأت من خوفه واضطرابه‏

-"لا تخف يابني.. هذه أصوات الرّعد".‏

-"ماهو الرّعد؟"‏

-"الرّعد أصواتُ الغيوم في السّماء".‏

-"ولماذا تصرخ الغيوم بأصوات مخيفة.. هل تتشاجر الغيومُ يا أمّي؟"‏

-"نعم، إنّها تتشاجر قليلاً، ولكنّها تخجل من تصرفها فتصمت وتنزل مطراً".‏

-"ماما، هل المطر هو دموع الغيمات؟".‏

-"طبعاً إنّه دموع الغيمات ذرفتها ندماً على الشّجار".‏

-"ماما من أين تأتي الغيمات؟".‏

-"من البحر يا بني".‏

عاد نشوان إلى جانب النّافذة، وأصغى طويلاً إلى حبّات المطر؛ وهي ترقص على السطوح، وفي الشّارع، وكان يسمع، أحياناً، صوت الرّعد، فيضحك لأنه يعرف أنّ الغيمات تتشاجر قليلاً، وأنّ دموعها تسقي الأرض والأزهار والعصافير.‏

Nadine
07-06-2007, 05:12 AM
ذات مرةً حاولت أن أمسك عصفوراً حيّاً؛ لجأت إلى الحيلة كما يفعل كل الأولاد، جهّزتُ حفرةً تسع عصفوراً كبيراً، وأحضرت قطعةً من الصّخر على شكل رقاقة، ثمّ أسندتها بالعيدان بشكل مناسب، ولم أنسَ أنْ أثبّت دودةً حيّةً من ديدان الأرض، ثم مكثت، دون حراك، بعيداً عن الحفرة؛ أراقب العصافير تروحُ وتجيءُ، تحطّ هنا، تنطُّ هناك باحثةً عن طعامها وطعام أولادها! ولم أطلِ المكوث، لأنّ عصفوراً جائعاً، كان قد شاهد دودة الأرض تتحركُ داخل الحفرة، فانقضَّ على الدّودة، ولم يدرِ أنّه وقع في الفخّ! إذ أطبقت عليه رقاقة الصّخر وحبسته في الحفرة! تسارعت دقّات قلبي حين شاهدتُ العصفور يقع في المصيدة التي رتّبتها له، وأسرعت إليه، لم أكنْ فرحاً.. بل كنتُ مضطرباً، خائفاً! لا أعرف لماذا...؟‏

تخيلت نفسي عصفوراً وقع في مصيدةٍ، ولا يستطيع الخروج منها! سمعتُ ضرباتِ جناحي العصفور داخلَ الحفرة، كانت يداي ترتجفان حين بدأتُ عملية القبض على العصفور، بذلتُ جهداً حتّى لا يفلت منّي؛ كنت أريد أن يرى رفاقي العصفور في يدي، لأثبت لهم أنني صياد ماهر مثل أيّ واحد منهم! حفرت حفرة صغيرة جانب الحفرة الكبيرة، وأدخلت يدي، بل تسللت أصابع كفّي الصغيرة بخوف كبير؛ وكأنني سأقبض على جمرات من نار! هاهي أصابعي تلامس الرّيش النّاعم، بدأ العصفور يدور؛ يهرب من أصابعي، وهي تلاحقه.. حتّى أمسكت به.. لم يستسلم العصفور! كان ينتفض بقوّة، فأحطته بكلتا يدي وصرخت بصوت عالٍ: "عصفور.. عصفور.. لقد اصطدت عصفوراً.." لم يسمعني أحد. بدأت أدور في مكاني والعصفور يتخبّط بين يدي المحكمتين عليه، كانت العصافير الأخرى تطير من شجرة إلى أخرى تقفز فوق الأرض؛ تفتش عن غذائها.. حينها شعرتُ أنني فعلتُ شيئاً بشعاً، فارتجفتْ يداي بشدّة، وارتختْ أصابعي، ورأيت عصفوري يمضي كسهم في الفضاء!‏

مازلت أذكر ذلك كلّما رأيت عصفوراً فأهمس هذا هو عصفوري.‏

Nadine
07-06-2007, 05:13 AM
كان فراس ينامُ بعمقٍ حين غادرت أمّه البيت؛ لتشتري الحاجات الضرورية، كعادتها كل يوم، وتعود قبل أن يستيقظ، لكنّ (فراس) لمْ يطلِ النّوم هذا الصباح! فقد استيقظ بعد أنْ غادرتْ أمّه بقليل، نظر في أرجاء الغرفة فلم يجدْ أحداً، فرك عينيه، أنصتَ قليلاً؛ ربّما يسمع أصوات الأطباق التي تغسلها أمُّه كلّ صباح! لكن لا صوت يأتي من ناحية المطبخ، حتّى القطّ الذي يلعب معه كلّ يوم غير موجود!‏



صاح فراس: "ماما.. ماما" لكنه لم يسمعْ جواباً.. نادى بصوت أقوى، لكنه لمْ يسمعْ أحداً يردّ عليه؛ فبدأ يبكي بصوت قوي لتسمعه أمُّه. دار في الغرفة، وكأنّه يبحث عن شيء أضاعه! فجأة شاهد صورته في المرآة الكبيرة الموجودة أمام الخزانة؛ شاهد صورته تبكي مثله، دهش من وجود ولد في المرآة، فتوقف عن البكاء، واقترب من المرآة؛ وقال للولد الذي في المرآة: "هل تركتك أمُّك مثلي؟".‏

شاهد كيف تحركت شفتا الولد في المرآة، لكنه لمْ يسمعْ صوته؛ فعاد يقول لـه: "هل أضعت صوتك، ولم تجدْه؟".‏

وكان يرى شفتي الولد تتحركان في كلّ مرّة يحدّثه! نسي فراس غيابَ أُمِّه، وراح يحدّث طفلَ المرآة وكان الطفل يحدّثه دون صوت، وكلّما اقترب من المرآة؛ كان يشاهد طفل المرآة يقترب منه أكثر، وحين وضع كفَّه على وجه المرآة؛ كان الولد يضع كفّه فوق كفّ فراس أيضاً، وإذا ضحك فراس كان الولد في المرآة يضحك أيضاً!‏

عادت الأمّ من السّوق؛ دَخَلَتْ بهدوء حتّى لا توقظ ابنها؛ فقد ظنّت أنّه مازال يغطَّ في نوم عميق!‏

وما إنْ دخلتْ حتّى سمعتْ صوت فراس وضحكاته وكأنّه يحدّثُ أحداً ما، واعتقدتْ أنّ أباه قد عاد لأمر ما فوجده مستيقظاً؛ لكنها فوجئت عندما رأت ابنها يلاعب صورته في المرآة، ويضحك فقالت: "ها أنا قد عدت.. تعال وانظر ماذا أحضرت لك".‏

فقال فراس دون أن يلتفت: "ليس الآن.. أنا ألعب مع صديقي".‏

اكتفتِ الأمُّ بابتسامةٍ جميلةٍ، تركتْهُ يلعبُ مع صورتهِ وذهبتْ إلى أعمالها.‏

Nadine
07-06-2007, 05:13 AM
صباح كل يوم يوزّع أبي، علينا، حصتنا من النّقود المعدنية قبل ذهابنا إلى المدرسة، ويكرّر نصيحته التي حفظناها عن ظهر قلب:‏

-"اشتروا أشياء مفيدة".‏

وكان كلٌّ منّا يسعد جداً عندما يضع النقود في جيبه، ويرسم في ذهنه مغامرة صغيرة تناسب قيمة هذه القطع!‏

-"سأشتري الطّباشير الملونة، وأقدّمها للمعلمة".‏

-"سأشتري صحناً من الفول من أبي محمود"...‏

لكن أخي وائلِ كان يسرع إلى المكتبة الخشبية، التي وضع، على أسفل رفٍ منها، حصالته التي أهدتها إليه أمُّنا! فنسمع صوت القطع النقدية المعدنية المتساقطة في الحصّالة، وكان هذا يثيرني حقّاً! وأتساءل: "لِمَ يستطيع وائل الصّغير أنْ يوفّر نقوده، ولا تغريه بالشراء من دكّان البقال؟!" وكثيراً ما شعرتُ بالحسد والإعجاب بقدرته على الصبر بتوفير (خرجيته) بينما، نحن الكبار، لا نستطيع مقاومة إغراء الحلوى اللذيذة، والأشياء الجميلة التي تلمعُ خلفَ زجاج المعارض التجارية؛ وقررتُ مرّة أنْ أشتري حصّالة وقلت في نفسي:‏

-"سأضعُ فيها كلَّ ما أحصلُ عليه من نقودٍ منْ أبي وأمّي وجدتي".‏

ولكنني لم أستطعْ شراء الحصّالة؛ فقد تبخّرت نقودي قبل أن أدخل باحة المدرسة، لأنّ البخار المتصاعد من عربة العم أبي محمود، بائع الفول حرّك الرّغبة داخلي؛ أن أتذوق طعم الفول مع الحمض؛ وشعرت بالنّدم ولكن بعد فوات الأوان، وشغلني ذلك كثيراً، حتّى أني شردتُ أثناء شرح الدّرس ونبهني المعلم:‏

-"مالكَ ياربيع.. هل تشعرُ بشيء؟ ماذا يشغلُ ذهنك هذا اليوم؟".‏

وشعرتُ بخجلٍ شديدٍ، وحسبت أن كلّ زملائي ينظرون إليّ!‏

وفي البيت قلت لأمّي: "ماما.. أريد حصالة كحصّالة وائل".‏

لاحظت أمّي علامات الانزعاج باديةً على وجهي فقالت:‏

-"هل هذا ما يشغل بالك ويزعجك؟".‏

قلت: "سأحاول أن أوفّر مثل وائل".‏

ابتسمت أمّي قائلةً:‏

-"لا تقلقْ.. سيكون لك حصّالةٌ هذا اليوم وقبل مغيب الشّمس".‏

فعلاً، لقد برّتْ أمّي بوعدها، واشترتْ لي حصالةً تشبه حصالة وائل، لكنها تختلف باللون! حملتُ الحصالة بيدين مرتعشتين؛ وكأنّي أحمل كنزاً! ودارت في ذهني أحلام كثيرة..‏

-"ستمتلئ حصّالتي بالنقود.. وسأشتري ما أشتهي من الألعاب والحلوى..‏

سأشارك في الرّحلة المدرسية دون أن أكلّف أبي دفع المبلغ المطلوب.. سأصلح دراجتي المعطّلة، وألعب بها في أوقات فراغي".‏

وتوالتِ الأفكار والأحلام.. كانت أمّي تراقبُ انفعالاتي البادية على وجهي والابتسامة تضيء وجهها!‏

قالت وهي تعطيني عدّة قطع من النقود المعدنية:‏

-"ضعْ هذه النقود في حصّالتك الجديدة، وحاولْ أن تضيف إليها كلّ صباح".‏

أسقطت القطع النقدية داخل حصالتي قطعةً قطعةً بينما كانت تدور صور كثيرة في مخيلتي.. دراجتي التي تنتظر الإصلاح، الرحلة المدرسية.. عربة الفول والبخار المتصاعد منها، القصص المصورة في واجهة المكتبة القريبة من بيتنا!‏

اختلطت كلّ هذه الصّور وأنا أضع حصّالتي الجديدة إلى جانب حصّالة أخي وائل!‏

Nadine
07-06-2007, 05:28 AM
وقفت صبا على شاطئ البحر، نظرت إلى البعيد حيث يلتقي البحر بخط الأفق، كان المنظر مدهشاً حركت عينيها في جميع الجهات رأت زورقاً بعيداً، كان يبدو صغيراً جداً، تمنت في نفسها لو أنّها تركب هذا الزورق، وتجوب أنحاء البحر الرّحب، وتذكرت أنّها لم تتعلم السباحة بعد! فإذا سقطت في الماء ماذا يجري لها؟‏



لامست موجةٌ قدمي صبا بلطف، وجعلتها تنتبه من شرودها، وجلست كي تراقب مدّ الموج وجزره، اقتربت أكثر حيث تلطمها الموجات المتلاحقة، أدهشها هسيس الموج فوق الرّمل في تقدمّه وتراجعه، وتساءلت: "ماذا يقول البحر للرمل، وماذا يقول الرّمل لـه؟". وخطر لها أن تكتب اسمها في دفتر الشاطئ: كتبت (صبا) جاءت يد البحر ومحتها، أعادت صبا الكتابة، امتدّتْ يدُ البحر مرّة أخرى ومحتها، لعبت صبا مع البحر طويلاً، بَنَتْ بيتاً كبيراً من الرّمل، وجعلت لـه سوراً من الرّمل أيضاً لكن البحر أرسل موجةً كبيرة هدمت لها البيت والسّور، لم تستسلم صبا بل أعادت بناء البيت الرّملي والسور أيضاً، لكن هذه المرة، في مكان بعيد عن يد البحر وعندما أنهت بناء بيتها الرّملي نفضت يديها من آثار الرّمل وقالت موجهة كلامها إلى البحر: "هيه.. لا يمكنك هدم بيتي هذه المرّة" كانت الأمواج تركض وتركض، لكنها لم تصل إلى البيت الذي بنته صبا، كانت صبا سعيدة لقد لعبت مع البحر طويلاً.‏

Nadine
07-06-2007, 05:28 AM
كان أسامة يقفز وهو يترنّم "ترلّلا.. ترلّلا، ترلّلا" حين سمع هدير طائرة في السّماء، وقف ورفع رأسه إلى أعلى؛ محاولاً أن يرى هذه الطائرة! وتذكر سؤال معلِّمه للتلاميذ في الصّف: "ماذا تحبّ أن تكون في المستقبل؟" وحينها فكر أسامة: هل أقول: أحبّ أن أكون معلماً، أو لاعباً رياضياً؟" تذكر صياح التلاميذ "أنا أحب أن أكون سائق سيارة أنا أريد أن أكون شرطي مرور، وأنا سأكون فناناً، أنا... أنا...". كانت الطائرة قد غابت عن عيني أسامة وصوت محركها تلاشى أيضاً، لكن مازال صدى ذلك الصّوت في ذهن أسامة.. صاح أسامة بصوت عالٍ: أحبّ أن أكون طياراً، وضاع صوته في الفضاء مثل صوت الطائرة، وبدأ خياله يصوّر لـه نفسه طياراً يقود طائرة حربية تحمي سماء الوطن، ثم طياراً يقود طائرة زاخرة بالرّكاب.. كان يقف ويراقب السماء شاهد غيوماً متفرقة وبضع حمامات تطير في سرب واحد، عاد يقفز فرحاً وهو يردّد: ترلّلا.. تلالّلا.. أنا طيار، أنا طيار...

Nadine
07-06-2007, 05:29 AM
دهش الأولاد حين علموا أنّ (ماهر) سيملأ سلّته بالكرز، فشجر الكرز لا يثمر في الشتاء!‏

قالت سوسن: "من أين ستملأ سلّتك بالكرز؟" أشار ماهر بيده إلى السّماء:‏

-"انظروا، هذه شجرة قوس قزح تحمل كرزاً كثيراً". نظر الأولاد إلى الجهة التي أشار إليها ماهر؛ كان قوس قزح بألوانه المميزة يبدو رائعاً.‏

قال مجد: "في بستان قوس قزح أشجار تحمل برتقالاً ناضجاً".‏

صفّقتْ (نجود) وصاحتْ بصوت عالٍ:‏

"ما أجمل هذه الحبال الملونة! سأختار الحبل الأصفر لألعب لعبة نطِّ الحبل"‏

وقال (منار): "أنا أرى حقلاً أخضر، سآخذ خروفي ليرعى وجبةً من العشب الطري".‏

قالت تيماء: "إنّه قلمي الأزرق، صعد ليلوّن السماء".‏

أمّا فاطمة، فقد تذكرت أنّ أمّها طلبت منها أن تشتري أقراص "نيل" لتجمّل الغسيل.‏

فقالت: "سأحمل الغسيل إلى بحيرة قوس قزح النّيلية، ليصبح الغسيل زاهياً".‏

كانت عبير تنظر إلى قوس قزح مع رفاقها ورفيقاتها فقالت: "ألمْ تشاهدوا أزهار قوس قزح البنفسجية؟ انظروا.. ما أجملها!".‏

قال أحدُ الأولاد: "سأرسم قوس قزح في دفتري كي لا أنساه".‏

وحين غاب قوس قزح حزن الأولاد كثيراً.‏

قالت سوسن: ربّما ركب أولاد قوس قزح ظهر غيمة وذهبوا ليحضروا لنا الهدايا الجميلة!"‏

وتمنّى مجد أن يهطل المطر بغزارة ليسقي الحقول وكانت نجود تقول لأصدقائها:‏

"ما أجمل أن أحصل على منديل لأقدّمه هدية لأمي في عيدها!"‏

وأخيراً قرّر الأولاد أن يلعبوا لعبةً مفيدة.‏

-قال ماهر: "تعالوا يا أصدقائي نكوّن قوس قزح". تجّمع الأولاد فرحين. قالت سوسن:‏

-"وكيف ذلك؟".‏

قال ماهر: "أنا الكرز الأحمر".‏

قال مجد: "أنا البرتقال، الجميع يعرفني".‏

قالت نجود: "أنا الليمون الأصفر، تحتاجون إليّ دائماً".‏

قال منار: "أنا العشب الأخضر، لتأتِ كلّ الخراف وترعى".‏

أمّا تيماء فقد صفّقت ضاحكة وهي تقول:‏

-"أنا البحر يحبني الجميع، ويتمتعون برزقتي الصافية. في الصّيف أحمل المراكب الصغيرة، والسفن الكبيرة ويسبح الأطفال في مياهي مع الأسماك الملونة". غمزت فاطمة بعينها مبتسمة:‏

-"سأطير إلى البحر وأغمر الغسيل في مياهه الزّرقاء ليكتسب زرقة السّماء الصّافية".‏

ظهر قوس قزح مرّة ثانية، كان المطر يهطل مبشراً بعطاءات الحقول، وكان الأولاد يرقصون تحت المطر!‏

Nadine
08-06-2007, 10:17 AM
قال المعلم لتلاميذه في الصف الثاني:‏

غداً سيكون عيد الأم. حاولوا يا أطفال أن تقدموا لأمهاتكم هدايا بسيطة ومعبرة. فالهدية في قيمتها المعنوية، وليست في غلاء ثمنها.‏

كلمات المعلم حيّرت سامر وشغلت تفكيره. إذ كيف يكون للهدية قيمة إذا لم تكن غالية الثمن؟‏

إنه يتمنى أن يشتري لأمه الرائعة، أجمل هدية وأثمن هدية في الوجود.‏

لكن ماذا يفعل، وحصالته لا تحوي سوى عدد محدود من الليرات؟‏

فكّر وفكّر، ولم يهتد إلى حل مناسب.‏

فخطرلـه أن يحكي لرفاقه في أثناء الاستراحة مشكلته، ويتشاور معهم في حلِّها.‏

قاللـه عمر: قدم لها بعض السكاكر.‏

أجاب سامر: لكنّ أمي لا تحبها.‏

قال حسن: قدم لها بعض المواد المنظقة، لتنظف بها الصحون.‏

ردّ سامر: لدينا منها الكثير في البيت.‏

اقترح عليه شادي أن يشتري لها وردة حمراء.‏

فقال سامر: فكرة جميلة، لكني أريد أن أهدي أمي شيئاًلـه قيمة أكبر.‏

شارك زياد في الحوار، بقوله: لا بأس ببعض أقراص المعمول.‏

ضحك سامر، وقال: لا يمكن ذلك، وأمي تصنع أطيب معمول في الدنيا.‏

تدخل تمام مقترحاً، أن يشتري لها قفصاً فيه عصفور كناري يغني في الصباح والمساء.‏

لا أستطيع، لأن أمي تكره رؤية عصفور في قفص، ودائماً تردد:‏

العصافير لم تخلق لتحبس في الأقفاص، بل لتطير في السماء.‏

دخل سامر إلى الصف، وهو ساهم يفكر بالهدية التي لم يقرر نوعها بعد.‏

وفجأة سمع المعلم يقول: لديكم ساعة حرة، اصنعوا فيها ما تشاؤون.‏

تناول سامر من درجه طبقاً من الورق المقوى ذي اللون الأحمر، رسم عليه قلباً، قص القلب بالمقص، مسح على سطحه بالصمغ، ورشَّ عليه مسحوقاً فضياً براقاً، ثم كتب بخط كبير: عيد مبارك يا أمي.‏

في اليوم التالي، لاحظت الأم أن سامراً قلق ومشوش الذهن. فاقتربت منه، أحاطته بذراعيها، وسألته بحنان:‏

ما بك يا سامر؟‏

لم يجب سامر أمه، وإنما أخرج من حقيبته البطاقة التي أعدَّها في المدرسة وقدمها لها، وهو يقول: كل عام وأنت بخير يا أمي.‏

ضمته أمه إلى صدرها، وقالت: يا لها من بطاقة جميلة! شكراً على هديتك يا بنيّ.‏

أجاب سامر: إنها بطاقة، وليست هدية. فأنا لم أحضر هديتي بعد.‏

قالت الأم: أنت لي أثمن هدية، فلولا وجودك في حياتي، لما أصبحت أماً واشتركتُ مع الأمهات في عيد الأم.‏

عانق سامر أمه بحرارة، قبّلها وهو يردد: عيد مبارك يا أمي، عيد سعيد.‏

Nadine
08-06-2007, 10:17 AM
أحس فارس بالضجر من القراءة، ومن حلّ المسائل الحسابية.‏

فتح التلفاز، وراح يشاهد بعض أفلام الكرتون التي أدخلت الدهشة إلى قلبه، والخيال إلى عقله. فاندمج مع بطل الفيلم الذي كان فارساً من فرسان أيام زمان، يرتدي الدرع ويضع الخوذة على رأسه والقناع على وجهه ويحمل بيده سيفاً طويلاً.‏

تخيل فارس أنه بطل يدافع عن أخوته وأصدقائه في فلسطين المحتلة.‏

نادى أمه، وقال: أنا فارس من الفرسان، أريد أن أذهب وأنقذ المظلومين.‏

قالتلـه أمه: لا تزال صغيراً يا فارس، افعل هذا عندما تكبر.‏

- أنا ضجر جداً وأريد أن أفعل هذا الآن.‏

ضحكت أمه، وقالت: إنك لست فارساً، بل صبي صغير.‏

- ولكني ضجر ومتضايق، وسأذهب الآن بعيداً.‏

مسحت أمه على رأسه بحنان، وقالت: إذا ذهبت يا صغيري، فسألحق بك إلى أي مكان تذهب إليه.‏

- إذا لحقتِ بي، فسأصبح سمكة في جدول غزير المياه، وأسبح بعيداً.‏

- إذا أصبحتَ سمكة في جدول عزير المياه، فسأصير صياداً، وأصطادك.‏

- إذا صرتِ صياد سمك، فسأصبح أنا صخرة على جبل عال، ولن تتمكني من الوصول إلي.‏

- إذا أصبحتَ صخرة على جبل عالٍ، فسأتعلم كيف أتسلق الجبل، وأتبعك أينما كنت.‏

- إذا تسلقتِ الجبل، فسأختبئ في حديقة بعيدة عن الأنظار.‏

- إذا اختبأتَ في حديقة بعيدة عن الأنظار، فسأصبح بستانياً وأجدك.‏

- لن تستطيعي، لأني سأتحول إلى طائر وأحلق بعيداً في السماء.‏

- إذا تحولتَ إلى طائر، فسأصبح شجرة تأتي إليها، وترتاح على أغصانها.‏

- إذا أصبحتِ شجرة، فسأصير قارباً صغيراً وأبحر بعيداً.‏

- إذا صرتَ قارباً صغيراً، فسأصير ريحاً وأحرك قاربك إلى حيثما أشاء.‏

- عندها سألتحق بسيرك، ألعب على الأرجوحة وأطير من طرف إلى طرف.‏

- إذا التحقتَ بسيرك، فسأصير لاعبة سيرك، أمشي في الهواء على حبل مشدود، وأصل إليك.‏

- إذاً سأصبح أرنباً، وأقفز في الغابة من مكان إلى مكان آخر.‏

- إذا أصبحتَ أرنباً، فسأصير حقلاً من الجزر لتأكل منه ما تشاء.‏

سكت الصبي برهة، ثم قال: في هذه الأحوال من الأفضل لي، أن أبقى في البيت كما أنا.‏

ردت عليه أمه: وستجدني دائماً بقربك يا صغيري، أرعى شؤونك، وأسهر على راحتك، وأبعد عن نفسك الضجر.‏

قبَّل الصبي أمه، فقبلته وضمته إلى صدرها في عناق حنون.‏

Nadine
08-06-2007, 10:18 AM
في صباح أول يوم من أيام العطلة النصفية للمدارس، أفاق شادي على صوت ثلج يذوب نقطة، نقطة.‏

مسح عن عينيه آثار النوم، فرأى الشمس تملأ غرفته نوراً ودفئاً.‏

توجه إلى خزانته، ليرتدي ثيابه ويخرج ليتناول طعام الفطور.‏

فتش عن قميص نظيف وبنطال وجوارب، فلم يجد. كانت كلها متسخة.‏

قد وضع في الخزانة، ثيابه المتسخة بدلاً من أن يضعها في سلة الغسيل، لتنظفها أمه.‏

احتار في أمره وارتبك، لكنه قرر ألا يفسد متعته بالربيع.‏

فارتدى على عجل، الثياب التي كانت عليه أمس، وهو يردد كلمات تواردت على لسانه:‏

جاء الربيع،‏

العصافير تغني فرحة،‏

والماء المتجمد في المزراب يذوب،‏

نقطة فنقطة،‏

والنحل يرقص حول الأزهار،‏

يجمع منها الرحيق شهداً وعسلاً.‏

***‏

خرج شادي، إلى البستان الصغير المحيط بالبيت.‏

فوجد العشب طرياً ندياً، والهواء ناعماً منعشاً.‏

والأشجار مثقلة ببراعم الأوراق والأزهار.‏

أما الغيوم فكانت بيضاء صغيرة، تسرح وتمرح في السماء الزرقاء.‏

صباح الربيع يا شادي.‏

تلفّت شادي حوله، فرأى صديقه حسام يطل عليه من حائط بستانهم المجاور. فقال: صباح الخير يا حسام.‏

سأله حسام: ماذا تنوي أن تفعل في هذه العطلة؟.‏

قال شادي: لا شيء، سوى الراحة واللعب.‏

- ألا تفكر في تنظيف بستانكم من الأعشاب اليابسة؟‏

أجاب شادي: العطلة للراحة واللعب، وليست للعمل.‏

- العطلة ياصاحبي، هي راحة وعمل معاً.‏

دخل شادي إلى البيت، وكلمات حسام لا تفارق مسمعه.‏

ومن غير تردد، أحضر من المطبخ كيساً كبيراً فارغاً، وعاد إلى البستان يجمع الأوساخ من الأرض، مثلما كان حسام يفعل في بستانه.‏

وقبل أن ينتصف النهار بقليل، كان التعب قد نال من جسدي حسام وشادي.‏

فاقترح شادي، أن يأكلا ويأخذا شيئاً من الراحة.‏

أحضر كل واحد منهما طعامه من بيته، وجلسا في ظل شجرة يأكلان ويتحدثان.‏

قال شادي: ما أجمل الربيع!.‏

رد حسام قائلاً: إنه فعلاً من أجمل الفصول، لأنه يجمع بين الجد والعمل، والمرح والراحة.‏

هزّ شادي رأسه موافقاً صديقه، ونهضا ليتابعا العمل في البستان.‏

Nadine
08-06-2007, 10:19 AM
قال غيث: هل أنت متأكدة يا أمي أن عيد ميلادي هو يوم الجمعة؟‏

ما أبعد هذا اليوم! فأنا لا أستطيع صبراً، لا أستطيع.‏

قدمتلـه أمه ورقة التقويم، وقالت: خذ، وتأكد بنفسك.‏

قال غيث: أربعة أيام تبقت على عيد ميلادي، وأتمنى أن يأتي جميع رفاقي إلى الحفلة.‏

فسألته جدته: ما نوع الكعكة التي تفضلها، لأعدها لك؟‏

- كعكة الشوكلاته يا جدتي.‏

أما أخته فقالت له: لا تنس أن تأخذ معك إلى المدرسة بطاقات الدعوة، وتقدمها لرفاقك.‏

***‏

سأل غيثٌ وسيماً، وهو يخرج البطاقات من حقيبته: ألست قادماً لتشاركني الاحتفال بعيد ميلادي؟‏

أجاب وسيم: وهل يمكن أن أفوِّت على نفسي هذه الفرصة؟ بالطبع سآتي.‏

قال غيث: جدتي ستصنع لنا كعكة الشوكلاته.‏

- لا تقلق، سأكون هناك فأنا أحب الشوكلاته كثيراً.‏

فسأل بلال: وأنا، ألست مدعواً؟‏

- طبعاً أنت مدعو، وأنت أيضاً يا زينة، وهذه بطاقة لك يا ريم، ألن تأتي إلى الحفلة؟‏

- سآتي، متى الموعد؟‏

- ظهر يوم الجمعة القادم. يا الله، كم أنا متشوق لذلك اليوم!.‏

- هل قلت يوم الجمعة؟ ياه، كم أنا آسفة!. فلن أتمكن من الحضور، إنه يوم عيد ميلادي أيضاً.‏

- ألا يمكنك تأجيل حفلتك إلى يوم آخر؟‏

- لا يمكن. فقد حجز أهلي مكاناً في أحد الفنادق، من أجل هذه المناسبة.‏

- وأنا أيضاً لا أستطيع التأجيل، فأولاد عمي قادمون من اللاذقية للمشاركة في الاحتفال بعيد ميلادي.‏

***‏

كان رفاق غيث وريم في حيرة من أمرهم، لا يعرفون إلى أية حفلة يذهبون.‏

أيذهبون إلى حفلة غيث، ويتخلون عن ريم؟‏

أم يذهبون إلى حفلة ريم، ويتخلون عن غيث؟‏

غيث يلح على حضورهم جميعاً، وريم تقول لرفيقاتها البنات: ليست صديقتي من لا تأتي إلى حفلتي.‏

في صباح يوم الخميس، وفي طريق العودة إلى البيت من المدرسة، التقى غيث بزينة، فقال لها: غداً موعد حفلتي، ستأتين أليس كذلك؟.‏

كنت أتمنى، لولا أني سأكون في حفلة ريم مع الرفيقات جميعاً. ليتني أستطيع حضور الحفلتين.‏

فقال غيث: لقد خطرت لي فكرة، تعالي معي وسأطلعك عليها.‏

- ما هي؟ ربما يمكنني المساعدة.‏

أخذ غيث أوراقاً وقلماً، وناولها لزينة كي تكتب عليها كلمات بخط يشبه خط ريم، ووضع كل ورقة في مغلف، وأرسله لحنان ودينا وزينة.‏

ثم كتب بنفسه رسالة خاصة أرسلها لرفيقته ريم، قال فيها:‏

عزيزتي ريم‏

هديتي لك في عيدك كبيرة جداً، ويصعب علي حملها وحدي وإيصالها لك. أرجو منك أن تأتي غداً إلى بيتي لاستلامها. المخلص غيث‏

وفي المساء أخبر غيث أهله بالخطة التي وضعها ونفذها بالتعاون مع زينة، فسُرّ والداه بما قام به.‏

في الساعة الرابعة من ظهر يوم الجمعة، وقف غيث أمام النافذة قلقاً مترقباً. وما هي إلا لحظات حتى توافد الأصدقاء والصديقات إلى بيت غيث، بمن فيهم ريم التي حضرت لتستلم هديتها.‏

رحب غيث بريم وفعل الجميع مثله، وقاللـه وهو يشير إلى الحضور:‏

هؤلاء هم هديتك يا ريم، ألم أقل لك إنها صعبة الحمل؟ لا معنى لحفلات أعياد الميلاد يا عزيزتي، من غير وجود الأصدقاء.‏

المفاجأة أسعدت ريم كثيراً، فقالت: هذه أفضل حفلة عيد ميلاد، ولكني لا أستطيع البقاء مدة طويلة. ما رأيكم بأن نذهب جميعاً إلى حفلتي؟‏

صفق الأصدقاء إعجاباً بالاقتراح، وقال غيث:‏

في العام القادم إن شاء الله، سنقيم معاً ريم وأنا، حفلاً واحداً يجتمع فيه الأهل والأصدقاء كلهم.‏

Nadine
08-06-2007, 10:19 AM
في يوم ربيعي، ولد غزال صغير في دغل أخضر بعيد عن حركة الناس وأعين الصيادين، ومزدحم بالأصدقاء من الطيور والسناجب والأرانب، الذين حضروا لرؤية المولود الجديد والمباركة لأمه بمجيئه.‏

سأل الأرنب: ماذا سميته؟‏

أجابت الأم: سميته غزّول.‏

فردد الحضور: يالـه من اسم جميل!.‏

في صباح أحد الأيام، أخذت الغزالة الأم ابنها غزول، في نزهة إلى المرج الأخضر الواسع ليشارك صغار الأرانب والسناجب، اللعب والقفز والركض.‏

وعندما جلس غزّول ليأخذ فترة راحة من الجري والقفز، جاءت إليه غزالة صغيرة، وسلمت عليه بصوت ناعم هامس. توارى غزّول خجلاً خلف أمه، التي قالت له:‏

غزول لا تخجل إنها غزولة ابنة خالتك.‏

وما هي إلا لحظات حتى كان غزّول وابنة خالته صديقين، يلهوان ويلعبان.‏

فجأة، دوى في المكان صفير قوي، تبعه صوت يحذر من خطر قادم. إنه صوت الوعل العظيم أمير الغابة، وهو يجتاز المرج الأخضر، ومعه عدد من الوعول الصغيرة، وقد جاء منبهاً الحيوانات إلى أنّ رجلاً يقترب من الغابة. فأسرعت الطيور إلى أعشاشها، وهرولت الحيوانات إلى مخابئها.‏

كان غزّول ملتصقاً بأمه، وهو يرتجف خوفاً. فهدّأت من خوفه، وقالتلـه موضحة سبب ما حصل: لقد رأى الوعل أمير الغابة، رجلاً يسير قرب المرج الأخضر، متسلحاً ببندقية محشوة بطلقات نارية. هذا الرجل يا بني، يحمل إلى الغابة وإلينا، الخطر والموت.‏

إنك ما زلت صغيراً على فهم هذا. وسوف يأتي يوم تكبر فيه، وتعرف كل ما يجري حولك.‏

مرت الشهور الدافئة، وبدأت الأيام تميل إلى البرودة، ففصل الشتاء بات قريباً على الأبواب.‏

وفي يوم، أفاق غزّول على منظر لم يره من قبل. وعندما سأل أمه، قالت: إنه الثلج. اذهب وامش عليه.‏

خرج غزّول من باب البيت، فرأى صديقه السنجاب، وهو يتزحلق على ماء المستنقع المتجمد. فصاح به: تعال يا غزول، والعب معي. ولا تخف، فالماء متجمد ولن تغرق.‏

اقترب غزّول من المستنقع، وضع قدميه الأماميتين على الماء المتجمد، فانزلقت قدماه الخلفيتان وتكسر الجليد تحتهما، وسقط في الماء.‏

ضحك السنجاب، وقال: بسيطة. انهض، وسنلعب لعبة أخرى. ما أكثر الفرح والمتعة في فصل الشتاء!.‏

في الواقع، لم يكن فصل الشتاء ممتعاً للحيوانات الأخرى كما هو للسنجاب، بل كان قاسياً. فالغذاء قليل، وكم من مرة بات غزّول وأمه بلا طعام.‏

وبعد شتاء قاس وجوع طويل، لمحت أم غزّول بعض الأعشاب الطرية تطل برأسها، فنادت ابنها ليلتهم معها تلك الأعشاب، وبينما هما كذلك، شَمَّْ الأم رائحة رجل. وقبل أن تتمكن من تحذير ابنها، كان صوت طلقات النار يملأ جنبات الغابة.‏

قالتلـه أمه بلهجة آمرة: هيا اركض بسرعة إلى الدغل يا غزول. اختبئ فيه ولا تخرج قبل أن آتي إليك.‏

أطلق غزّول رجليه للريح، مبتعداً عن مكان الخطر. وأمه تركض خلفه حماية لـه، ووقع حوافرها يرن في مسمعه.‏

وصل غزّول إلى الدغل آمناً، وفي ظنه أن أمه ستصل بعد دقائق. لكن غزولاً كان مخطئاً في ظنه، فأمه لن تصل أبداً.‏

نادى غزّول بأعلى صوته: أمي أمي. وهو يخرج من الدغل، ويعدو في الغابة على غير هدى.‏

وفجأة ظهر خلفه الوعل العظيم أمير الغابة، وقال له:‏

أمك لن تستطيع أن تكون معك بعد اليوم. من الآن فصاعداً ستكون وحدك، وعليك أن تتعلم كيف تمشي وتتصرف بمفردك.‏

لم يفهم غزّول معنى الكلام الذي قيل له، لكنه أدرك أن عليه أن يستمع إلى الوعل العظيم ويحترم أقواله، فهو الأكبر حجماً وعمراً وقوة، والأكثر حكمة وشجاعة أيضاً.‏

وبهدوء تام تبعه غزول، وعبر معه الغابة المغطاة بالثلج.‏

***‏

حينما جاء فصل الربيع، وارتدت الغابة حلة خضراء زمردية، كان غزّول قد كبر وأصبح وعلاً جميلاً، ونبتتلـه قرون.‏

وفي أحد الأيام، صادف ظبية جميلة، فسألها: من أنت؟‏

ألم تعرفني؟ إنني غزولة.‏

وبينما هما يتحدثان، ويتذكران أيام طفولتهما، اقتحم وقفتهما وعل بقرون كبيرة وباعد بينهما بقسوة كادت أن ترمي غزولة أرضاً.‏

وقال لها بلهجة آمرة: ستأتين معي.‏

لم يحتمل غزول، غرور الوعل وتسلطه. فاشتبك معه بعراك شديد، وكسرلـه أحد قرنيه، فاختل توازنه واضطر إلى الانسحاب من المعركة، فاشلاً متألماً.‏

في تلك الليلة ترافقا، غزّول وغزولة، إلى المرج الأخضر، ووقفا تحت ضوء القمر يستمعان إلى المناجاة بين الريح الشرقية والريح الغربية.‏

وفي يوم خريفي، اشتم غزّول ريح إنسان في الجوار، فذهب ليحذر غزولة. وفي الطريق، التقى الأمير العظيم، الذي قال:‏

لقد أشعل رجل الغابة. وعلينا أن نبتعد من هنا ونذهب إلى النهر.‏

وصل إلى حيث تقيم غزولة، وأخبرها بالأمر وطلب منها أن تأتي إلى النهر، ثم تابع سيره ليحذر الحيوانات الأخرى.‏

وبفضل غزّول تمكنت جميع الحيوانات من الوصول بأمان إلى ضفة النهر، قبل أن تلتهم ألسنة النار الأشجار، وتدمر كل ما في الغابة من خضرة ونضارة.‏

وبعد شهور من السواد والقحط، استعادت الغابة عافيتها ونضرتها. فجمع الأمير العظيم الحيوانات، وقال لها: لقد كبرتُ وأصبحت شيخاً. ولم تعد لدي القدرة على حمايتكم كما كنت أفعل في السابق.‏

لذا فأنا أطلب منكم، أن توافقوا على أن يحل غزّول مكاني. فهو شاب فتي وشجاع، ويعمل بإخلاص من أجلكم.‏

صفقت الحيوانات تأييداً لرأي أميرها، وأحنى غزّول رأسه احتراماً وامتثالاً لأوامره.‏

وعاد الربيع مرات أخرى، واخضر العشب وأورقت الأشجار وتبرعمت الأزهار.‏

وهناك قرب الدغل، كانت العصافير والسناجب والأرانب تغني وتقفز وتلعب، قرب غزولة وولديها الصغيرين.‏

وعلى مقربة، كان يقف غزّول الأمير الجديد للغابة، يرقبهم بعين محبة وإعجاب.‏

Nadine
08-06-2007, 10:20 AM
حينما كنتُ طفلة صغيرة، عشت مع أهلي في شقة مجاورة لشقة أخرى، يقيم فيها جارنا سمير وأسرته، ومعهم هرة كبيرة.‏

في أحد الأيام دعانا سمير إلى بيته، لرؤية هرته التي ولدت، وقال لي:‏

بإمكانك يا لينة أن تختاري واحدة من القطط المولودة حديثاً.‏



فرحت كثيراً وشكرته على كرمه، واخترت الأصغر حجماً بين أخوتها.‏

سميتها لوسي وأحطتها برعاية وعناية، إلى أن أصبحتْ قطة قوية وجميلة.‏

في يوم عيد الأم، طلبتُ من والدي أن يأخذني لأختار هدية خاصة لأمي، ورجوته أن يسمح لي باصطحاب لوسي معي.‏

كان أول شيء فعلناه، هو أننا دخلنا إلى دكان يبيع حلوى وشكولاته، لنشتري بعضاً منها. وبينما كنت منهمكة في اختيار شوكولاته من النوع الذي تحبه أمي، كانت لوسي تحاول أن تفك شريطاً أحمر يزين إحدى العلب، فسقطت العلبة على الأرض وتناثرت حبات الحلوى منها.‏

فاضطررت أنا وأبي إلى أن نجمع الحبات المتناثرة ونشتريها، ونعتذر من البائع.‏

وفي دكان بائع الأزهار، انتقيت لأمي باقة حلوة عطرة.‏

وقبل أن يدفع والدي ثمنها، عطست لوسي عطسة قوية، أتلفت بعض الأزهار من حولها، فاضطررنا أيضاً إلى شرائها، والاعتذار من صاحب المحل.‏

قال والدي: بقي علينا أن نشتري بطاقة المعايدة.‏

فقلت: لا داعي لذلك، سأصنعها بنفسي.‏

اشتريت من دكان يبيع أدوات الرسم والألوان، ورقاً مقوى وبعض الملصقات للزينة.‏

وفي البيت جلست لإعداد البطاقة، ولوسي تجلس قربي تراقبني، وتتابع عملي. وفجأة، اقتربت مني أكثر، فانقلبت عبوة الصمغ فوق ورقة البطاقة، وتخرّب كل ما صنعت.‏

عندها خطر لي أن أبدأ من جديد، وأرسم على الورقة البيضاء، شكل قلب وألونه باللون الأحمر وأكتب عليه: أحبك يا أمي.‏

ثم لونت كفي باللون الأحمر، وطبعتها على البطاقة.‏

لكني نسيت أن أغلق علبة التلوين، فقفزت لوسي فوقها وداست على البطاقة، وتركت عليها وعلى كنزتي التي تركتها على الأرض آثار أقدامها الصغيرة.‏

وفي اليوم التالي قدمتُ الهدايا لأمي، فأعجبتها كثيراً وشكرتني. وطلبتْ مني ألا أقلق بشأن الكنزة، فقد أعطتها إلى الجيران ليضعوها داخل السلة التي تنام فيها أم لوسي، هدية لها في عيد الأم

Nadine
08-06-2007, 10:20 AM
اضطر والدا ليلى إلى أن يخرجا من البيت، لإنجاز بعض الأمور المهمة.‏

وقبل أن يغادرا، عانقا ابنتهما وقبلاها، وقالا لها: لن نتأخر في العودة. إذا أردت شيئاً، اطلبيه من أم سعيد، إنها في المطبخ.‏

لكن، ما أن أغلق الوالدان الباب وراءهما، حتى أحست ليلى بالوحدة، وبالشوق إليهما. وتمنت لو أنهما لم يذهبا، لتجلس في حجر أمها وتعانقها، أو في حجر والدها وتعانقه. فأم سعيد مشغولة عنها بإعداد الطعام، ولا وقت لديها للمشاركة في التسلية واللعب.‏

فتحت ليلى التلفاز، وجلست تشاهد بعض أفلام كرتون. وبعد فترة ضجرت، وشعرت بحاجتها إلى معانقة والديها.‏

سألت نفسها: ماذا افعل؟ هل أبكي وأصرخ؟‏

البكاء والصراخ لن يفيداني في شيء، فليس هناك من يراني.‏

وفجأة، خطر لها أن تجمع كل ما حولها من الأشياء الناعمة الملمس، وتصنع منها جزيرة للعناق تشبه حضن والديها.‏

أول الأشياء التي أحضرتها من غرفتها، الألعاب المصنوعة من القماش، والحرام الصوفي ومخدة الريش. ثم أخذت تدور في البيت تنكش في الخزن والأثاث، لتجمع أشياء أخرى مناسبة لتنفيذ فكرتها.‏

بعد ساعة من الزمن عاد والداها من الخارج، فوجدا بعض أغراض البيت متناثرة هنا وهناك.‏

قالت الأم غاضبة: ماذا جرى؟‏

وصرخ الأب: أين أنت يا ليلى؟‏

أنا هنا يا أبي. جاء صوت ليلى من بين ركام الأشياء.‏

- ما هذه الفوضى؟ انهضي من مكانك.‏

فقالت ليلى متوسلة: أرجوك يا أمي، أرجوك يا أبي، لا تخربا جزيرة العناق التي صنعتها.‏

ردت الأم: ما حاجتك لجزيرة العناق، وأنا ووالدك معك يا حبيبتي؟‏

تعالي نتعاون، ونعيد كل شيء إلى مكانه.‏

خجلت ليلى من نفسها، وارتمت على صدر أمها، التي عانقتها بحب وحضنتها بحنان. وقالت لها: والدك وأنا نحبك كثيراً، فأنت ابنتنا الغالية.‏

في تلك الليلة، ذهبت ليلى إلى سريرها، ومشاعر السعادة والأمان تغمرها، وغطت في نوم عميق.‏

Nadine
08-06-2007, 10:21 AM
حينما رأتْ الصياد ينصب شباكه قرب أحد الخلجان، انزلقت السمكة في الماء بعيداً عن موقع الشباك، واختبأت في أحد التجاويف الصخرية القريبة من الشط الرملي. فرآها سرطان هارب من صياد آخر، فدنا منها وسألها: أتسمحين لي بالجلوس قربك؟‏

أجابت السمكة: بكل سرور.‏

فقال السرطان:‏

كم ظالم وقاس هو الإنسان!‏

إنه يخرب هذا الكون، ويشوه كل جميل فيه.‏

ردت السمكة بانفعال: انظر كيف يفجرِّ بيوتنا، ويقتل أولادنا ويشتت شملنا!‏

- إنه في الحقيقة، يدمر بيئة البحر كلها.‏

- لقد مللت من هذه الحياة، وأتمنى أن أكون أي شيء غير سمكة.‏

- لا تكوني يائسة إلى هذه الدرجة، يا صديقتي.‏

- كيف لا أكون، وأنا مطاردة في بيتي، ولقمة عيشي، ولا أشعر بالاستقرار.‏

- دعينا نسلِّ أرواحنا بلعبة نلعبها، أو بلغز نفكر بحله.‏

- تقول لعبة أو لغز، ونحن في حالة هروب؟‏

وقبل أن تنهي السمكة كلامها، سمعا صوت رفرفة أجنحة طائر نورس، فتحركت بسرعة بحثاً عن مخبأ جديد، لكنَّ الطائر سارع إليهما بالقول: اهدأا، فأنا لا أريد بكما شراً. كل ما في الأمر أني أشعر بالضجر والملل، وأرغب بالتسلي معكما.‏

قال السرطان: جئتَ في وقتك، نحن ايضاً بحاجة للتسلية. سأطرح عليكما لغزاً، ومن يتوصل إلى معرفته يفزْ.‏

- يا لها من فكرة رائعة!‏

- وأنت أيتها السمكة، ماذا تقولين؟‏

- هيا أسرع، قل اللغز وخلصنا.‏

- هناك جائزة مخبأة في مكان شائك،لـه رائحة زكية. وعليكم أن تعرفوا المكان لتحصلوا عليها.‏

- إنه لغز صعب، لكني سأحاول.‏

قالت السمكة هذا، وسبحت بعيداً بحثاً عن الجائزة، وهي لا تعرف ما المقصود بالمكان الشائك ذي الرائحة الزكية.‏

لم يتسرع طائر النورس بالبحث مثلما فعلت السمكة، وإنما جلس يفكر في معنى اللغز الذي طرحه السرطان، ويقول في نفسه: هل يمكن أن تكون الجائزة موجودة في شجيرة ورد؟ فالورود لها أشواك، ورائحتها زكية.‏

وصدق توقع طائر النورس. فاللغز هو شجيرة ورد مزروعة على حافة الشط، وقد عُلّق على أحد أغصانها دودة كبيرة، جائزة للفائز.‏

التهم النورس الدودة- الجائزة، وارتفع بجناحيه سعيداً بذكائه، وقد زال عنه ما كان يشعر به من ضجر وملل.‏

أما السمكة والسرطان، فعادا إلى بيتهما بعد أن سحب الصياد شبكته، وقد ذهب عنهما الخوف والضجر.‏

Nadine
08-06-2007, 10:21 AM
يحكى أن سمكة كبيرة وابنتها، كانتا تلعبان في بحر أزرق هادئ، فشاهدتا ثلاث سفن تبحر في البعيد.‏

قالت السمكة الكبيرة: إنهم بنو البشر.‏

صاحت السمكة الصغيرة بانفعال: ليتني أعرف إلى أين هم ذاهبون!‏

- في رحلة مخاطرة للاستكشاف.‏

- كم أتمنى أن أقوم بمثل هذه الرحلة!. أريد أن أتعرف إلى خلجان أخرى وبحار أخرى.‏

- ربما في يوم ما، وليس الآن يا عزيزتي. فأنتِ ما زلت صغيرة على مخاطر الاستكشاف.‏

- أنا لست صغيرة كما تظنين يا أمي.‏

- أقصد عندما تكبرين أكثر يا ابنتي، سيكون العالم كله تحت تصرفك. وقتذاك تكتشفين فيه ما تشائين.‏

قالت متذمرة: كيف يكون ذلك، وأنا لم أجد حتى الآن أحداً يساعدني، على الأقل، لأحصل على فرصتي من اللعب واللهو!.‏

سمع السرطان نتفاً من حديث السمكة الصغيرة، فسألها: ما هو الشيء الذي أسمعك متذمرة منه؟ ألأنك لا تأخذين ما يكفي من متعة اللهو؟ في رأيك، غلطة مَن هذه؟.‏

- لا أعرف. فأنا أرغب في القيام برحلة استكشافية، وأمي تقول إنني ما زلت صغيرة، وعليّ الانتظار حتى أكبر.‏

شارك طائر النورس في الحديث، وقال: أمك على حق.‏

- أراك أنت أيضاً تقف أمام رغبتي، ولا تساعدني.‏

- خوفاً عليك، فقد تضلين طريقك وتضيعين، ونحن لا نريد لك ذلك.‏

ردت السمكة الصغيرة محتجة: لن أضل طريقي ولن أضيع.‏

لماذا لا تستطيعون أن تروا أني كبيرة بما يكفي، لأقوم بالمغامرة التي أريد؟‏



ومن غير أن يشعر بها أحد، انسلت خارج الخليج باتجاه المجهول، فلمحت واحدة من تلك السفن المبحرة، التي رأتها هي وأمها من قبل.‏

سبحت بسرعة بقدر ما تستطيع لتصل إليها، إنما قدرتها على ذلك كانت أقل كثيراً مما تظن.‏

انتظريني أيتها السفينة! صرخت بكل قوتها.‏

لم يسمع أحد من البحارة النداء، وفي لحظات غابت السفينة وراء الأفق.‏

أحست السمكة الصغيرة بالتعب وبالخيبة، فقررت العودة إلى موطنها.‏

لكنها كانت ضائعة، ولا تدري كيف تصل إلى الخليج الذي يحتضن أسرتها وأصدقاءها، فكل ما حولها كان غريباً وغير مألوف.‏

وبينما هي تسبح حائرة قلقة، صادفت أخطبوطاً، فسألته: هل تعرف أين الطريق إلى بيتي ؟‏

نفض الأخطبوط جسده، وبسط أرجله في جميع الاتجاهات، وتجاهل السؤال.‏

فأسرعت نحو بعض المحار النائم، وسألتهم: لقد أضعت الطريق إلى بيتي، هل يمكن أن تساعدوني لأجده؟.‏

وأيضاً لم تلق جواباً، فتوسلت إلى قنديل بحر:‏

ليتك تدلني إلى طريق يوصلني إلى بيتي؟‏

وأيضاً لم تلق السمكة الصغيرة جواباً، ولم تجد من يساعدها للوصول إلى موطنها، فالكل لاهون عنها، غير مكترثين بمحنتها.‏

- ماذا أفعل الآن، وما هو مصيري؟ كانت أمي وأصدقائي على صواب، عندما قالوا إنني صغيرة على القيام بمغامرة وحدي.‏



وفجأة، لاحظت أن الأسماك التي حولها تسبح بسرعة هائلة.‏

وقبل أن تسأل عما يجري هنا، سقط عليها ظل كبير. فشعرت بسكون المياه وبرودتها، وعرفت أن القادم هو سمك القرش، وأنَّ الأسماك هربت خوفاً منه.‏

حاول سمك القرش، أن يمسك بالسمكة الصغيرة، ويبتلعها. لكنها تمكنت من أن تحشر نفسها بين صخور دقيقة، يصعب على صاحب الحجم الكبير الدخول إليها.‏

وحينما أحست بزوال الخطر خرجت من مكمنها، ومن غير أن تلتفت وراءها سبحت بكل قوتها بعيداً، فوجدت نفسها في موطنها.‏

في الحقيقة، هي لا تعرف كيف وصلت، إنما تعرف أنها لن تعود للمغامرة من جديد وهي في هذه السن الصغيرة.‏



هكذا قالت لأمها ولأصدقائها، الذين رحبوا بها وفرحوا كثيراً بعودتها سالمة إلى أحضان الخليج الآمن.‏

Nadine
08-06-2007, 10:22 AM
في يوم من ايام الربيع، أفاقت الحديقة الجميلة بأشجارها النضرة ونباتاتها المتنوعة وأزهارها الملونة، على أصوات زقزقة حادة تشبه الشجار.‏

تساءلت النباتات عن سر هذه الأصوات، وتهامست الأزهار عن معنى تلك الزقزقة المشاغبة، فقالت لهم الأشجار:‏

إن طائراً كبيراً قد اقتحم عش حمامة بنته في حضن ذلك الصندوق الخشبي، واحتله. وها هي الطيور انقسمت إلى فرقتين: فرقة تثني على عمل الطائر الكبير وتؤيده، وفرقة تقف إلى جانب الحمامة وتحتج على فعل الاقتحام.‏

حزنت الحديقة وكل ما فيها، لمنظر الطيور وهي تتعارك وتتبادل السباب والصياح، وبعضها ينتف رياش بعضها الآخر.‏

دعت الحديقة نباتاتها وأشجارها إلى اجتماع عاجل لمناقشة الوضع الراهن، واقتراح حلول تعيد السلام إلى الحديقة ومن يعيش فيها.‏

وبعد مشاورات ومداولات، اهتدوا إلى فكرة تقضي أن يكتبوا على ورق الشجر رسائل محبة إلى الطرفين المقاتلين، لعلها تسهم في صلحهما وتلطيف الأجواء بينهما.‏

ماست الأشجار وسقطت الأوراق، فعطرتها الورود عبيراً وطرزتها الأزهار محبة، وحملها النسيم رسائل صدق ومودة.‏

وعندما استلمتها الطيور المتنافرة وقرأت ما جاء فيها، خجلت كل فرقة من موقفها وأدركت خطأ فعلتها، وعرفت أن الخصام والتفرق لا ينفع أحداً منها. فغردت فرحاً وتنادت صُلحاً ورقَّتْ قلباً وصفَتْ نفْساً، وعاد الأمان إلى الأعشاش، والسعادة إلى الأشجار والهدوء إلى الحديقة ونباتاتها الغناء.‏

Nadine
08-06-2007, 10:22 AM
يحكى أنه في مكان بعيد سحيق من البحر الأحمر، يوجد خليج مرجاني اتخذته حورية البحر الصغيرة مخبئاً سرياً لكنز أتاها من عالم الإنسان، يضم علب مجوهرات وأواني فضية وأقداحاً من زجاج الكريستال الثمين.‏

وفي كل يوم تذهب الحورية الصغيرة إلى ذلك المخبأ، لتتفرج على ما في الكنز من قطع جميلة متنوعة.‏

كان طائر النورس صديقها، وكان يأتيها بين الحين والآخر بأشياء جديدة تضيفها إلى كنزها الثمين، ولم يكن هذا اليوم مستثنى من هذا الأمر.‏

مرحباً يا صديقي النورس، ماذا أحضرت لي؟ بادرته الحورية بانفعال وهي تطفو على سطح البحر.‏

مرحباً بك. صرخ الطائر وهو يحط على الشط بقربها، ويقول لها:‏

لقد أحضرت لك اليوم أغرب عشبة رأيتها في حياتي، وأريد منك أن تحتفظي بها.‏

ياه، عشبة بأربع أوراق! صاحت الحورية بتأثر واضح.‏

قال طائر النورس: عشبة بأربع أوراق؟ واو واو!..‏

ما رأيك بهذا؟ وماذا يعني أن تكون على هذا الشكل؟‏

ضحكت الحورية الصغيرة وقالتلـه مازحة: ألا تعرف؟ إنها تجلب الحظ أيها المغفل!‏

ثم تابعت قائلة: لقد سمعت من بعض الناس أن من يحتفظ بهذه العشبة ويعتني بها، يكون الحظ إلى جانبه.‏

فقال طائر النورس: في هذه الحال، عليك أن تريها لصديقيك السمكة والسرطان.‏

- سأفعل ذلك. وبسرعة البرق انزلقت الحورية الصغيرة في الماء، باحثة عن صديقيها المفضلين.‏

- مرحباً يا أصدقاء.‏

- أهلاً يا حورية.‏

- سأريكما الهدية الرائعة التي أحضرها لي النورس.‏

وقبل أن تريهما العشبة، قال السرطان:‏

وأنت أيضاً انتظري لتري الشيء الذي وجدته مدفوناً في الرمال. ورفع بيده كأساً جميلة من زجاج الكريستال.‏

قالت حورية البحر وهي تتناوله من يد السرطان:‏

يا لهذه العشبة المباركة! لقد بدأ تأثيرها يظهر.‏

سألت السمكة الصغيرة: ماذا تعني بذلك؟‏

أعني بذلك، الحظ الرائع الذي جلبته لي هذه الوريقات الصغيرة.‏

قال السرطان: حظ رائع فعلاً!‏

هل تعنين أنك تؤمنين بهذه السخافات؟‏

فقالت لـه باستغراب: وأنت، ألا تؤمن بها؟‏

ردّ السرطان: طبعاً لا أؤمن بها، إنها مجرد خرافات سخيفة.‏

ربما كان بنو الإنسان يؤمنون بقدرة هذه الورقة على جلب الحظ، أما أنا فلا أعتقد ذلك.‏

- إذن، كيف تفسر وجود الكأس الكريستال، بعد ضياعها؟‏

- إنها مجرد مصادفة.‏

***‏

لم تقتنع حورية البحر، بكلام صديقها السرطان، وبقيت على يقين من أن العشبة هي مصدر حظ لها، ومن شدة حرصها عليها وضعتها داخل كتاب.‏

بعد عدة أيام، أحست حورية البحر أن الحظ يبتسم لها، فقد وجدت العقد الضائع الذي فقدت الأمل باسترداده.‏

ووجدت ايضاً سفينة غارقة، محشوة بأنواع مختلفة من الأشياء الثمينة النادرة.‏

وبينما كانت حورية البحر تعزو الحظ الذي حالفها إلى العشبة ذات الوريقات الأربع، كان السرطان يردد: إنها مصادفة، مجرد مصادفة.‏

لكن الشيء الذي لم تعرفه حورية البحر ولم تتوقعه، هو أن ساحرة البحر الشريرة قد علمت بالحظ الذي صادف الحورية، وبالكنز الذي ظفرت به.‏

فقررت أن تفتش عن مكان العشبة، لتتلفها. وفي يوم ذهبت فيه حورية البحر مع أصدقائها في نزهة بعيداً عن الخليج، دخلت الساحرة إليه وأخذت الكتاب ومزقت أوراقه بيديها الغليظتين، فتناثرت بتلات العشبة وضاعت بين الأمواج.‏

لم تلحظ الحورية غياب الكتاب وضياع العشبة، إلا في اليوم التالي. فحزنت وبكت، واحتارت في ما تصنع.‏

فتشت عن الكتاب في كل مكان، فلم تجد لـه أثراً. أمسكت الكأس الكريستالي، فوقع من يدها وتناثر إلى عشرات القطع.‏

بكت حورية البحر، وقالت لصديقتها السمكة: انظري ماذا حدث. لقد ضاعت العشبة وضاع حظي معها.‏

وعلى ما يبدو، كانت حورية البحر صائبة في توقعاتها، وحظها تبدل ما بين ليلة وضحاها. فقد ضاعت منها حقيبة الذهب، وتهشم مزيداً من الكؤوس الثمينة الجميلة.‏

قلقت السمكة على صديقتها وما تعانيه من مشاعر حزينة، وقالت لنفسها:‏

ليتني أستطيع أن أجد لها عشبة بديلة.‏

خطر لها أن تصنع من أعشاب البحر، شكلاً مؤلفاً من أربع أوراق وتقدمه لصديقتها، على أنه عشبتها الضائعة.‏

فرحت حورية البحر كثيراً، وشكرت السمكة على معروفها.‏

وما هي إلا لحظات، حتى شعرت حورية البحر أن الحظ قد عاد إليها، وبفضل المفعول السحري للعشبة عثرت على بعض أشياءها الضائعة، عقد اللؤلؤ، والأزرار اللامعة، والحقيبة المملوءة بالذهب التي حاولت الساحرة الشريرة أن تحصل عليها.‏

أمسك السرطان بالعشبة التي أحضرتها السمكة، وعرف أنها ليست العشبة الأصلية فناولها لحورية البحر، وقال لها: افحصيها بنفسك، أليس فيها شيء غريب؟.‏

أمسكت حورية البحر العشبة وتفحصتها، ثم قالت: معك حق يا صديقي، إنها ليست نبتتي المباركة. ترى هل يمكنك أن تحل هذا اللغز؟‏

كانت السمكة قربهما تسمع ما يدور بينهما من حديث، فأحست بالخجل من فعلتها وتقدمت من حورية البحر قائلة:‏

أعتذر منك عن فعلتي. كان هدفي أن أساعدك، وأبعد الحزن عن قلبك.‏

اضطرب جسد الحورية انفعالاً، وقالت: لا أستطيع تفسير ما حصل. عندما ظننت أنها العشبة الأصلية، حدث كل شيء كما أريد.‏

أجابها السرطان: الآن بدأت تفهمين. فأنت عندما تؤمنين بنفسك، تحدث الأمور جيداً. ثقي يا صديقتي، ليس هناك حظ ولا عجائب.‏

سأل طائر النورس: هل هذا يعني أنك ستتخلصين من العشبة؟‏

لا، بل سأحتفظ بها لتذكرني بأن لا أتكل في إنجاز أموري على عشبة صغيرة، بل علي أن أعمل بنفسي لأحقق ما أريد.‏

Nadine
08-06-2007, 10:23 AM
حدث هذا من زمان بعيد، عندما كان يعيش بألفة ووئام على بقعة جميلة من الأرض قرب بحيرة صغيرة، عدد من الحيوانات والطيور: حمار وحمامة وبطة وأوزة وأرنب وغراب.‏

وفي أحد الأيام خطرت للحمار فكرة، فاقترحها على أصدقائه قائلاً:‏

إننا مجموعة من الكسالى أيها الأصدقاء! نعيش عالة على هذه الأرض الكريمة نأكل ونشرب ونسرح ونمرح، ولم يخطر لنا أن نعمل عملاً نستفيد به من تربتها الخصبة.‏

ما رأيكم في أن نزرع قسماً من الأرض قمحاً وشعيراً، نضمن بهما مؤونة الشتاء؟‏

أعجبت الأصدقاء فكرة الحمار، وجلسوا يفكرون بخطة يبدؤون بها العمل.‏

قال الغراب: أولاً علينا أن نحلف يميناً على أن نكون أمناء على الزرع ونحافظ عليه، حتى ينضج قمحاً وشعيراً.‏

أقسم الجميع يمين الأمانة، وبدأ كل واحد منهم ينفذ العمل الذي أُسند إليه.‏

كان إعداد التربة من نصيب الأرنب، الذي انطلق متحمساً ينكشها ويهيئها لتبذر فيها الحمامة والبطة والأوزة بذور القمح والشعير.‏

ووقف الغراب على شجرة يراقب الطيور الغريبة ليمنعها من الاقتراب.‏

أما مهمة الحمار فكانت الإشراف على تنفيذ العمل.‏

بعد فترة من الزمن، نمت الحبوب سيقاناً يانعة تميس رؤوسها فرحاً بسنابلها الخضراء. وفي غمرة سعادة البطة والأوزة والحمامة والأرنب والغراب بهذا الإنجاز، لم يلحظوا أن الزرع كان يضمر ويقل شيئاً فشيئاً، إلى أن أصبح عليهم يوم لم يجدوا فيه للزرع أثراً. حرك الأرنب أنفه محتجاً، وهدلت الحمامة متألمة ومثلها فعلت البطة والأوزة، ونعب الغراب متأسفاً، بينما نهق الحمار بحدة متهماً الجميع بالخيانة.‏

نظر كل واحد منهم إلى الآخر متسائلاً حائراً عن غريمهم آكل الزرع الذي انتظروا نضجه سنابل ذهبية شهوراً طويلة. لم يكن أحد منهم يملك الجواب، أو هكذا اعتقدوا.‏

قالت الحمامة: لقد خطر لي خاطر، هل ترغبون في سماعه؟‏

قالت البطة والأوزة: نعم، بكل سرور.‏

وقال الأرنب والغراب: نعم، نرغب بسماعه.‏

وقال الحمار: لا أريد أن أسمع شيئاً، فليس لديكم غير الحكي. ثم نهق ضجراً متبرماً.‏

قالت الحمامة: عظيم، الأكثرية موافقة.‏

على كل واحد منا أن يقف أمام البحيرة الصغيرة، ويحلف أنه لم يأكل الزرع، لنعرف من المذنب ومن البريء.‏

وقفت الحمامة، وقالت: حم حم إذا أكلته، حم حم إذا لمسته، حم حم يرميني الله، حم حم في بحرة الله. ثم حركت جناحيها وطارت إلى الطرف المقابل.‏

ووقفت البطة، وقالت: بط بط إذا أكلته، بط بط إذا لمسته، بط بط يرميني الله، بط بط في بحرة الله. وحركت جناحيها وطارت إلى الطرف المقابل.‏

ووقفت الأوزة، وقالت: وز وز إذا أكلته، وز وز إذا لمسته، وز وز يرميني الله، وز وز في بحرة الله. وبلحظة كانت إلى جانب رفيقتيها في الطرف المقابل.‏

ووقف الغراب وقال: قاق قاق إذا أكلته، قاق قاق إذا لمسته، قاق قاق يرميني الله، قاق قاق في بحرة الله. ورفرف بجناحيه وطار إلى الطرف المقابل حيث يقف أصدقاؤه الحمامة والبطة والأوزة.‏

وجاء دور الحمار فراوغ وتململ، وطلب أن يسبقه الأرنب إلى ذلك. لكن الجميع أصروا عليه أن يبدأ قبل الأرنب ويحلف اليمين أمام البحيرة مثلما فعلوا.‏

فوقف، وقال: حيق حيق إذا أكلته، حيق حيق إذا لمسته، حيق حيق يرميني الله، حيق حيق في بحرة الله. وما أن حاول القفز إلى الطرف المقابل، حتى وقع في البحيرة وغرق في مائها. فعرفوا أنه خائن العهد وآكل القمح والشعير، وقد نال جزاء ما صنع.‏

* قصة من التراث الشعبي‏

Nadine
10-06-2007, 05:18 AM
التقى فرخا دجاجة، في باحة أمام القن، وراحا يلعبان سوية. وفجأة أبصرا قطة، تقبل مسرعة نحوهما.‏

صاح الأول: "ماما".‏

وتمتم الثاني مذهولاً: "ماما!".‏

وكالسهم أقبلت الدجاجة، وقد تملكها الغضب، وتصدت للقطة، وأجبرتها على الفرار.‏

أسرع الأول إلى الدجاجة، يصيح فرحاً: "ماما".‏

ووقف الثاني مذهولاً، فهو لم يعرف إلى الآن ما تعنيه كلمة "ماما". وكيف يعرف ذلك، وقد فقس منذ ثلاثة أيام فقط، في مفرخة كهربائية؟‏

Nadine
10-06-2007, 05:19 AM
ضعف أسد، وتقدم به العمر، حتى عجز عن الصيد، وأضرّ به الجوع.‏

وذات يوم، مرّ بضبع عجوز، يأكل من بقايا فريسة، عافها أسد فتيّ. فنظر إليه الضبع العجوز، وقال: "تفضل يا مولاي، الطعام وفير".‏

وتوقف الأسد لحظة، ورمق الضبع العجوز بغضب مشوب بالمرارة. فأطرق الضبع العجوز برأسه، وقال: "آسف، يا مولاي، ظننت أن بك حاجة إلى بعض الطعام".‏

ورفع الأسد العجوز رأسه، ومضى متحاملاً على نفسه، من غير أن يلتفت إلى شيء.‏

Nadine
10-06-2007, 05:19 AM
مسكينة الحمامة، ستحزن كثيراً، حين تعلم أنّ إحدى بيوضها قد سقطت من العش وانكسرت. سأعترف بأنني السبب، لكنها قد لا تتفهمني، وتشكوني لأمي، و.. لا، لن أعترف، سأقول لها: إن الريح دفعتها من العش، و.. لا.. لن تصدق هذا، سأقول لها: إن البلبل هو..، لن تصدق هذا أيضاً، إن البلبل معروف بهدوئه، وتصرفه العاقل. وجدتها، سأقول لها: إنه الغراب، نعم الغراب، إن الجميع يعرفون أنه عدواني.. ومخرب.. و.. آه.. لن أكون عندئذ عصفوراً صغيراً، بل غراباً، وأي غراب. يا للفضول اللعين، لقد أردت أن أتفحص البيضة، وأحتضنها، فانزلقت مني، و.. فلأعترف.. لعلي أبقى عصفوراً.‏

Nadine
10-06-2007, 05:20 AM
مثلما يعوي قطيع من الذئاب، راحت العاصفة تعوي. وقبع العصفور الصغير مرتجفاً تحت جناح أمه.‏

وارتفع خلال العاصفة تغريد طائر، فأطل العصفور الصغير برأسه، من تحت جناح أمه، وقال: "ماما، اسمعي، هناك طائر يغرد".‏

فقالت الأم: "هذا دجّ العواصف، وتغريده يرتفع كلما ارتفع عواء العاصفة".‏

فخرج العصفور الصغير من تحت جناح أمه، وأصغى إلى تغريد الدجّ ملياً، ثم قال: "لتعوِ العاصفة، فلن يخيفنا عواؤها، ما دام بيننا مثل هذا.. الدجّ".‏

Nadine
10-06-2007, 05:22 AM
كان صوصو وبطبط وكتكوت يلعبون قرب شاطئ النهر، حين فاجأتهم الأفعى.‏

فطار صوصو، ولاذ بأقرب شجرة.‏

وأسرع بطبط، ولاذ بماء النهر.‏

وبقي كتكوت وحده، وصاح مستغيثاً: "النجدة".‏

وعلى الفور، أقبل القنفذ مسرعاً، وقد أشرع أشواكه الحادة.‏

وما إن رأته الأفعى حتى تركت كتكوت ولاذت بالفرار.‏

وعندئذ نزل صوصو عن الشجرة، وخرج بطبط من النهر، وتقدما خجلين من كتكوت.‏

وغمز كتكوت للقنفذ، ثم قال: "لا عليكما، فقد لاذ أحدكما بالشجرة، ولاذ الآخر بالنهر، أما أنا فقد لذت بصديقي.. القنفذ".‏

Nadine
10-06-2007, 05:22 AM
أمر الملك حرسه: "هاتوا البلبل".‏

فأسرع الحرس، وجاؤوا بالبلبل.‏

واستدعى الملك الصائغ، وأمره: "اصنع قفصاً من ذهب".‏

فصنع الصائغ القفص، وقدمه للملك.‏

وأمر الملك وزيره: "ضع البلبل داخل القفص".‏

وانحنى الوزير، وقال: "أمر مولاي".‏

ثم وضع البلبل داخل القفص.‏

عندئذ وقف الملك وسط حاشيته، وأمر البلبل: "غرد".‏

وكم كانت دهشة الملك عظيمة، عندما لم ينفذ البلبل الأمر، وظلّ صامتاً داخل القفص.‏

Nadine
10-06-2007, 05:23 AM
كلما رأى البلبل كائناً مفيداً، تذكر أنه كائن لا فائدة فيه.‏

وذات يوم، وقف حزيناً على غصن شجرة، وبدأ يغرد. وحين انتهى من تغريده، رأى الأرنب، والسنجاب، والقنفذ، يصغون إليه.‏

قال الأرنب: "ما أجمل صوتك".‏

وقال السنجاب: "لقد أفرحنا تغريدك".‏

وقال القنفذ: "أرجوك يا صديقي، غرد ثانية وأفرحنا".‏

وفرح البلبل، فها هو أخيراً يعرف فائدته. وفتح فمه، وأخذ يغرد من جديد.‏

الزاهر
10-06-2007, 05:23 AM
قصص الأطفال أجمل من قصص الكبار....فتلك كلها قتل وتشريد و جراح......ومعاناة!!!

Nadine
10-06-2007, 05:24 AM
جلست النملات الصغيرات في ضوء القمر يستمعن إلى صرصار يغني.‏

تنهدت نميلة، وقالت: "يا للأغنية الحزينة".‏

ونهرها نميل قائلاً: "اسكتي، دعينا نسمع".‏

وتمتمت نملة: "لعله يغني الصيف الراحل".‏

وتململ نميل متذمراً، ورفعت نملة رأسها، وقالت: "هناك حكاية تقول، إن الصرصار لجأ في ليلة شتاء باردة إلى نملة، فلم تفتح له الباب، و..".‏

وبصوت واحد، صاحت أكثر من نملة: "هذه حكاية لا أكثر..".‏

Nadine
10-06-2007, 05:24 AM
احتل الغراب عش العصفور، وطرده بعيداً عنه. ومضى العصفور حزيناً، منكسراً، يبحث عن مكان، يبني فيه عشه.‏

ورآه البلبل، وعرف بالأمر، فقال: "أنت مخطئ، ليس الحل أن تبني عشاً جديداً".‏

وأدرك العصفور ما يرمي إليه، فتنهد، وقال: "من الصعب أن أستعيد عشي، إن الغراب أقوى مني".‏

فرد البلبل قائلاً: "لكن عشرة عصافير أقوى من الغراب".‏

في اليوم التالي، فوجئ الغراب بأكثر من مئة عصفور.. ينقضون عليه، فترك عش العصفور، وولى هارباً.‏

Nadine
10-06-2007, 05:25 AM
عاد الشبل، قبيل المساء، من جولته في الغابة، ولاحظت اللبوة جرحاً ينز دماً، فوق وجنته. فتفحصت الجرح، وقالت: "يبدو أنك تقاتلت مرة أخرى، يا بني".‏

فرد الشبل متفاخراً: "قاتلت ضبعاً أكبر مني، وأثخنته بالجراح".‏

ومسحت اللبوة الدماء من حول جرحه، وقالت: "سيفرح أبوك، إذا عرف أنك قاتلت الضبع لسبب يوجب القتال".‏

وقال الشبل بحماسة: "قاتلته لأنه أراد أن يستأثر ببقايا حمار وحشي، تركها أحد الأسود".‏

فأشاحت اللبوة عنه بوجهها، وقالت: "لن يفرح أبوك إذن".‏

Nadine
10-06-2007, 05:25 AM
حطت البطة، فوق البحيرة، قلقة، ومعها حطّ سرب البط. وانهمك البط في البحث عن الطعام، بينما اتجهت البطة نحو الشاطئ. ورأتها البطة العجوز، فأسرعت في إثرها.‏

ووقفت البطة، فوق مرتفع، تتلفت حولها. واقتربت البطة العجوز منها، وقالت: "لم أرَ هذه البحيرة في طريقنا، من قبل".‏

فردت البطة قائلة: "إنها بحيرة اصطناعية، ويبدو أنها أنشئت حديثاً".‏

وتنهدت البطة العجوز بارتياح، وقالت: "لا تقلقي إذن، نحن على الطريق يا عزيزتي".‏

فقالت البطة: "لن أقلق كثيراً لو كنت وحدي، إنني أقود السرب، وعليّ أن أصل به، في سلام، إلى بلاد الشمس".‏

Nadine
10-06-2007, 05:26 AM
حاول السنجاب العجوز، طوال سنين عديدة، أن ينسى شجرة اللوز، لكن بلا جدوى.‏

ولجأ أخيراً إلى صديقه القندس، ورجاه قائلاً: "من فضلك، يا صديقي، اقطع هذه الشجرة، وخلصني منها".‏

ونظر القندس إليه مستغرباً، فأطرق السنجاب العجوز رأسه، ولم يقل شيئاً. وماذا يقول، وقد سرق بذرتها في شبابه من أحد السناجب، وخبأها في حفرة نسي مكانها، فنبتت مع الربيع، وراحت تكبر.. وتكبر.. وتكبر؟‏

وعمل القندس أسنانه القوية بالشجرة، حتى قطعها، وألقاها جثة هامدة على الأرض.‏

لم يشعر السنجاب العجوز بالراحة، ويبدو أنه لن يشعر بالراحة أبداً، فقد ظلت شجرة اللوز حية في داخله، وظلت مع الزمن تكبر.. وتكبر.. وتكبر.‏

Nadine
10-06-2007, 05:27 AM
ابتلت عينا العصفورة بالدموع، حين رأت بيضتها، الأولى تفقس. وأطل العصفور من البيضة، وتطلع إلى أمه، وزقزق قائلاً: "ما الأمر، يا ماما؟".‏

وابتسمت العصفورة فرحة، وقالت من بين دموعها: "هذه دموع الفرح، يا بنيّ، إنني فرحة بمولدك".‏

وهنا رأى العصفور الصغير قطرات لدمعة تذرفها الغيمة، فقال: "ها هي الغيمة أيضاً تذرف دموع الفرح".‏

فضمته أمه ضاحكة إلى صدرها، وقالت: "أنت محق، يا بني، فهي فرحة بآلاف الأزهار، التي ولدت حديثاً في الغابة".‏

Nadine
10-06-2007, 05:28 AM
أقبل السنونو على أمه مرة، وقال: "ماما، أريد أن أرى العنقاء".‏

وابتسمت أمه، وقالت: "هذا ما أردته أنا أيضاً، عندما كنت في عمرك".‏

فتساءل السنونو: "ورأيتها؟"‏

وردت أمه قائلة: "ابحث أنت عنها، لعلك تراها، أو ترى ما هو أهم منها".‏

ومضى السنونو محلقاً، يبحث عن العنقاء، فوق السهول.. والتلال.. والجبال.. والغابات.. والمدن.. وبعد أشهر، عاد إلى أمه، فسألته: "هل رأيت العنقاء، يا بني؟"‏

ورد السنونو مبتسماً: "رأيت ما هو أهم منها، يا ماما، رأيت العالم".‏

Nadine
10-06-2007, 05:29 AM
بنى البلبل عشه بين أغصان شجرة زيتون، تطل على مسكن الخلد.‏

وذات مساء، سمع البلبل الخلد الصغير يقول لأمه: "ماما، سكن بلبل شجرة الزيتون منذ أيام".‏

فقالت الأم مستغربة: "بلبل، يا للعجب، لم أسمعه يغرد، ولو مرة واحدة".‏

ورد الخلد الصغير قائلاً: "قال لي إنه لا يغرد خوفاً من الحدأة".‏

فهزت الأم رأسها، وقالت: "البلبل الذي لا يغرد، يا بني، ليس ببلبل".‏

وفي أول الليل، سمع الخلد الصغير البلبل يغرد بأعلى صوته. فأسرع إلى أمه، وقال: "ماما، اسمعي، البلبل يغرد".‏

فابتسمت الأم، وقالت: "آه، الآن تأكدت أنه بلبل.. بلبل حقيقي".‏

Nadine
10-06-2007, 05:29 AM
جلست أنثى الطائر المقلد، في طرف العش، تصغي إلى مجموعة من البلابل، تغرد على شجرة قريبة. وتمنت لو أن صغيرها معها، ليصغي هو الآخر إلى البلابل، ويتعلم تغريدها.‏

ومن مكان قريب، ارتفع فجأة صوت يصيح: هو.. هو.. اوو".‏

وهبت البلابل متصارخة: "البومة".‏

وهزت أنثى الطائر المقلد رأسها،‏

دون أن تتحرك من مكانها، ثم صاحت:‏

"تعال يا صغيري، تعال".‏

وأقبل صغيرها ضاحكاً، لكنه كفّ عن الضحك، حين وجد أمه عابسة. فحط إلى جانبها، وقال: "يبدو أنني أخطأت، عفواً ماما، لن أقلد صوت البومة ثانية".‏

Nadine
10-06-2007, 05:30 AM
مالت الشمس للمغيب، ودبدوب ما زال يتلكأ في العودة إلى البيت. لا بد أن أمه ستعاقبه، فقد تبلل فراؤه، وتلوث بالأوحال. لتعاقبه أمه، نعم، لتعاقبه، لو أن الخطأ خطأه. لقد سقط أرنوب في حفرة موحلة، وكاد أن يختنق، فمدّ يديه نحوه، واحتضنه، و.. وتلوث فراؤه.‏

وحثّ دبدوب خطاه، سيصارح أمه بالحقيقة، قد تعفو عنه، وقد.. ومن بعيد، رأى أم أرنوب تحدث أمه. آه لقد حانت ساعة العقاب، ولكن ما إن رأته أمه، حتى فتحت لـه ذراعيها، واحتضنته، رغم فرائه الملوث، وقالت مهللة: "أهلاً بدبدوبي البطل".‏

Nadine
10-06-2007, 05:31 AM
فوجئت العصافير، ذات يوم، بكائن غريب، شائك، يدخل البستان، الذي تعيش فيه.‏

وتوقف هذا الكائن، قرب شجرة التوت. ثم تلفت حوله، وقال: "سأبني بيتي هنا".‏

والتمت العصافير حولـه، تحدق إليه قلقة، حائرة. فابتسم الكائن الغريب، وقال: "أنا قنفذ، لنكن أصدقاء، ما رأيكم؟".‏

ولاذت العصافير بالصمت، فقال القنفذ: "أنا يا أصدقائي، حيوان لبون، أقتات على الفئران والجرذان والأفاعي و..".‏

وهنا، وبصوت واحد، صاحت العصافير: "أهلاً بك".‏

Nadine
10-06-2007, 05:31 AM
انقض الثعلب مرة على حمامة، وكاد أن يمسك بها، لو لم يره الضفدع، ويصيح بالحمامة محذراً: "أيتها الحمامة، اهربي، جاء الثعلب".‏

وهبت الحمامة هاربة، ووقفت فوق الشجرة فصاح الثعلب منفعلاً: "أنتم، يا أبناء البيضة، كلكم جبناء".‏

فردت الحمامة قائلة: "لكن النسر والصقر والنعامة من البيضة".‏

وقال الضفدع: "وكذلك الديناصور".‏

فصاح الثعلب: "الديناصور انقرض".‏

وقال الضفدع: ها هو ابن عمه قادم".‏

وانشق النهر عن فم ضخم، أسنانه كالخناجر. فصرخ الثعلب، وهو يلوذ بالفرار: "يا ويلتي، التمساح".‏

Nadine
10-06-2007, 05:32 AM
منذ أيام، تعلم العصفور الصغير الطيران، وراح يخرج وحده، ويطير فرحاً بين الأشجار.‏

وذات يوم، رأى سلحفاة صغيرة، تسير ببطء فوق شاطئ البحيرة. فأسرع يرفرف حولها قائلاً: "يا لكِ من كائن بطيء، عاجز، مضحك، انظري إلي، إنني أسير، وأطير، و.. مهلاً، لا تنزلي إلى البحيرة، مهلاً، مهلاً، ستغرقين".‏

لم تلتفت السلحفاة الصغيرة إليه، ومضت تغوص نحو الأعماق، حتى اختفت. فوقف العصفور الصغير فوق إحدى الأشجار، المطلة على البحيرة، وقال: "يا لحمقي، لم أعرف أن هذه السلحفاة تقدر على ما لا أقدر عليه".‏

Nadine
10-06-2007, 05:33 AM
دفع أرنوب باب مدرسة الأرانب، واندفع إلى الداخل لاهثاً.‏

فقالت الأستاذة أرنبة للتلاميذ: "أيها الصغار، لقد ارتكب أرنوب الآن عدة أخطاء، فما هي؟"‏

قال أرينب: "جاء متأخراً".‏

وقالت أرينبة: "ودخل بلا إذن".‏

وقالت أرينبة أخرى: "ولم يقل صباح الخير".‏

فصاح أرنوب لاهثاً: "ليس هذا وقته.. أصغوا.. جاء الثعلب..".‏

وفي الحال، لفته عاصفة من الغبار. وحين هدأت العاصفة، لم يجد أرنوب أحداً حوله، فقال: "لم يدعوني أكمل كلامي، نعم، جاء الثعلب، لكن الكلب تصدى له، وأجبره على الفرار".‏

Nadine
10-06-2007, 05:34 AM
توقفت النملة الصغيرة، ووضعت حبة الشعير على الأرض، وقالت: "آه تعبت، فلأرتح هنا قليلاً".‏

ورآها العصفور، فحط إلى جانبها، وقال: "ما أكبر حبة الشعير هذه".‏

فابتسمت النملة الصغيرة مزهوة، وقالت: "ستفرح ماما بها كثيراً".‏

وعبس العصفور، متظاهراً بالحزن، وقال: "ابني الصغير جائع، ولم أعثر على ما أسكت به جوعه".‏

لاذت النملة الصغيرة بالصمت لحظة، ثم دفعت حبة الشعير نحو العصفور، وقالت: "لا عليك، خذ هذه الحبة، لعلها تسد بعض جوعه".‏

ضحك العصفور، وقال: "أشكرك يا عزيزتي، إنني أمزح، هيا، أحملي الحبة، وسأرافقك حتى البيت".‏

Nadine
10-06-2007, 05:34 AM
تساقط الثلج في بداية الشتاء، فوق أشجار الغابة. وحطت ندفة صغيرة على غصن من أغصان شجيرة البلوط. وتأوهت شجيرة البلوط ساخرة، وقالت: "آ.. ه".‏

فردت الندفة الصغيرة قائلة: "لو عرفتِ ثقلي الحقيقي لما سخرت مني".‏

وضحكت شجيرة البلوط، وقالت: "ثقلك! إنني أكاد لا أشعر بهذا.. الثقل".‏

فقالت الندفة الصغيرة: "لا تتعجلي، ستشعرين به قريباً".‏

وضحكت شجيرة البلوط ثانية، وقالت: "يبدو أنك لا تعرفينني جيداً، أنا شجيرة البلوط".‏

وطوال ساعات، راحت ندف الثلج، تتراكم فوق شجيرة البلوط، حتى أثقلتها، وأحنت معظم أغصانها إلى الأرض، ولو لم تدفع الريح السحب، وتشرق الشمس، لانسحقت شجيرة البلوط، تحت ثقل ندفة الثلج ورفيقاتها

Nadine
10-06-2007, 05:35 AM
حلّ عيد الأم في الغابة، وانهالت الهدايا أزهاراً من كل نوع، على الأمهات.‏

أهدى الخشف أمه الغزالة زهرة نرجس. وأهدى الحمل أمه النعجة زهرة قرنفل. وأهدى الشبل أمه اللبوة شقيقة حمراء.‏

أما الوقواق الصغير، فقد قطف زهرة بابنج، وقدمها هدية للعصفورة. فقالت العصفورة: "أيها الوقواق، اهدِ هذه الزهرة لأمك، أنا عصفورة".‏

ورد الوقواق الصغير قائلاً: "أنت أمي، فقد حضنتني بيضة، ورعيتني صغيراً حتى كبرت، هذه الزهرة هدية مني لك، بمناسبة عيد الأم، أرجوك.. خذيها".‏

ووسط تصفيق الجميع، أخذت العصفورة زهرة البابنج، وقالت بفرح: "أشكرك، أشكرك يا بني".‏

الوقواق : من الطيور التي تضع بيوضها في أعشاش الطيور الأخرى، وتترك صغارها في رعاية الوالدين بالتربية.‏

Nadine
10-06-2007, 05:36 AM
ولد عصفور وكبر في منطقة منعزلة من الغابة، يغلب فيها وجود البلابل. وحين زقزق أول مرة، صمتت البلابل، وقد تملكها الذهول والانفعال.‏

قال بلبل: "هذا صوت مغاير".‏

وأضافت بلبلة: "وقبيح".‏

وصاح بلبل فتي: "فليسكت".‏

والتمتّ البلابل حولـه، وقال أحدهم: "أنت تعيش بيننا، وعليك أن تغرد مثلما نغرد".‏

فرد العصفور الصغير قائلاً: "لكنكم بلابل، وأنا عصفور".‏

واحتد البلبل الفتي، وقال: "اسكت وإلا..".‏

عندئذ تقدم بلبل عجوز، وقال: "دعه يا بني، لصوته جماله، ومن حقه أن يزقزق كما يشاء".‏

ولاذت البلابل بالصمت، ثم تفرقت مدمدمة. فابتسم البلبل العجوز، وقال: "صوتك جديد عليها، زقزق يا بني، زقزق حتى تعتاد على صوتك".‏

Nadine
10-06-2007, 05:36 AM
عاد سنجوب عند المساء إلى البيت، وعلى غير عادته، لم يأتِ إلا بقليل من البندق. فتطلعت أمه إليه، وقالت: "يبدو أن البندق قد قلّ في الغابة".‏

فرد سنجوب قائلاً: "على العكس، يا ماما، إن الأشجار ما زالت مليئة بالبندق".‏

قالت أمه: "لكن ما أتيت به اليوم قليل جداً".‏

وهرب سنجوب بعينيه من أمه، ثم قال: "أعطيت بعضه لسنجوبة".‏

تساءلت أمه: "أهي مريضة؟".‏

فرد سنجوب: "لا".‏

وابتسمت أمه قائلة: ".. آه فهمت".‏

وقال سنجوب متأتئاً، وقد احمر وجهه: "إنها.. صغيرة".‏

فقالت أمه: "هناك مئات الصغيرات".‏

ووأوأ سنجوب قائلاً: "و.. و.. وضعيفة".‏

وقالت أمه: "وهناك من هي أضعف منها".‏

وتأتأ سنجوب: "إنها.. إنها..".‏

فقاطعته أمه قائلة: "إنها.. إنها ما يصعب التعبير عنه".‏

ونظر سنجوب إلى أمه مذهولاً، ولم ينبس بكلمة. فابتسمت أمه وقالت: "حينما كنت في عمر سنجوبة قدم لي أبوك حفنة من البندق، وكانت ألذ حفنة بندق تذوقتها في حياتي".‏

Nadine
10-06-2007, 05:37 AM
أقبلت العمة دبة من النهر متعبة، وتمددت في ظل شجرة الجوز، وأغمضت عينيها، علها تغفو قليلاً، وترتاح. سمعت أرنوب يتنطط نحوها، فأدركت أنه لن يدعها تغفو. وبالفعل، وقف أرنوب على مقربة منها، وصاح: "من الخطأ أن تصدقي كل ما يقال عن أن الأرانب شجعان".‏

وهمهمت العمة دبة متظاهرة بالنوم. لكن أرنوب تابع قائلاً: "البارحة حدثتني أمي عن الجد الكبير أرنب وشجاعته، وقالت إنني أقرب اخوتي من الجد أرنب".‏

وصمت أرنوب، ثم تأتأ مرعوباً: "أيتها العمة".‏

وفتحت العمة دبة عينيها، ثم أغمضتهما، وقالت: "لا تخف، يا أرنوب، إنه مجرد.. ذئب".‏

وشهق أرنوب، ووثب مرعوباً بين يدي العمة دبة. وقالت العمة وهي تغالب ضحكها: "أنا أعرف جدك الكبير أرنب، حقاً أنت أقرب إخوتك إليه".‏

وتأتأ أرنوب قائلاً: "أرجوك.. احميني.. الذئب سيأكلني".‏

فردت العمة دبة قائلة: "اطمئن، لن يأكلك، هذا ذئب الأرض".‏

وحدق أرنوب في العمة دبة متسائلاً فقالت: "انظر إليه، إنه شديد الشبه بالضبع الصغير، أسنانه صغيرة، وأشداقه ضعيفة، لا يأكل إلا النمل الأبيض، والحشرات، والديدان، والثمار".‏

ومنذ ذلك اليوم، لم تسمع العمة دبة، أرنوب يتحدث ثانية عن.. الجد الكبير أرنب.‏

Nadine
10-06-2007, 05:37 AM
قطع القندس شجرة، وراح يسحبها، ليتم بها بناء سد عبر الجدول. واعترضه قاقم عند الشاطئ، فهتف به: "أرجوك ابتعد عن طريقي، إنني مشغول".‏

فقال القاقم من غير أن يتحرك من مكانه: "جئتك، يا صديقي، في حاجة".‏

وتوقف القندس، ونظر إليه متسائلاً، فقال القاقم: "لي عدو، وأريدك أن تقتله بأسنانك القوية".‏

فرد القندس: "أسنانك أيضاً قوية".‏

وقال القاقم: "أسناني لا تؤثر فيه".‏

وقال القندس: "لا شك في أن عدوك.. شجرة".‏

وبحدة قال القاقم: "لقد حمت عدوي، رغم أني لم أعادها يوماً".‏

ومرة ثانية نظر القندس إليه متسائلاً، فقال: "طاردت أرنباً، أرنباً فتياً، فاختبأ في حفرة بين جذورها، ولم تخبرني عن مكانه".‏

وفي الحال، عاد القندس إلى شجرته، وقال: "دعني".‏

قال القاقم: "لا تخذلني، أنت صديقي".‏

فرد القندس، وهو يسحب الشجرة: "هذه شجرة طيبة، ولا يمكن أن أقطعها".‏

Nadine
10-06-2007, 05:38 AM
جلست الأم أرنبة أمام البيت، تراقب صغيرتها أرنوبة، التي كانت تلعب قرب النهر مع صديقتها سلحوفة. وعند الظهر نادت الأم أرنبة صغيرتها قائلة: "أرنوبة، حان وقت الغداء، تعالي ارضعي".‏

وانطلقت أرنوبة إلى أمها، وهي تقول: "سلحوفة، انتظريني، سأعود بعد قليل".‏

لكن سلحوفة لم تنتظرها، بل سارت باتجاه النهر قائلة: "أنا أيضاً سأذهب إلى أمي، وأرضع".‏

وتوقفت أرنوبة، تنظر إليها مذهولة، حتى نزلت النهر، وغاصت إلى الأعماق. فأسرعت إلى أمها، وقالت: "ماما، قلت لي مرة، إن السلاحف الصغيرة لا تعرف أمهاتها".‏

وابتسمت الأم أرنبة وقالت: "وقلت لك أيضاً، إنها لا ترضع".‏

وقالت أرنوبة محتجة: "لكنك سمعتها، منذ لحظة، تقول...".‏

فقاطعتها الأم أرنبة قائلة: "سلحوفة صغيرة مثلك، يا بنيتي، وقد قالت ما تتمناه".‏

Nadine
10-06-2007, 05:38 AM
مرت أنسام في البستان بنحلة تختبئ بين أوراق زهرة قرنفل، ولم تنطق النحلة بكلمة، وعرفت أنسام سبب اختبائها، فقد رأت عدداً من الزنابير تحوم في الجوار، فهتفت بهم: "أرجوكم، دعوا النحل وشأنه".‏

فرد عليها زنبور: "امضي، هذا ليس شأنك".‏

ومضت أنسام عائدة إلى البيت، ولما علمت أختاها بما حدث، غضبتا أشد الغضب. وصاحت ريح: "إنهم سيقضون على النحل، ويلحقون الضرر بالبستان، سأذهب إليهم، وأنذرهم، و..".‏

وانتفضت عاصفة، وزأرت غاضبة: "كلا، لن يفهم الزنابير إلا لغتي".‏

وعبثاً حاولت أختاها تهدئتها، فقد انطلقت بسرعة جنونية، تطيح بكل ما حولها وهي تزأر: "أيها الزنابير، سأحطمكم، وأخلص البستان من شروركم".‏

وحين هدأت عاصفة، أدركت أنها حطمت بغضبها المجنون، الكثير من الأغصان.. والأعشاش.. وخلايا النحل.. و.. و.. ومع الفجر عادت إلى البيت، ووقفت مطرقة أمام أختيها وقالت: "سامحاني، يبدو أنني أخطأت".‏

وأوت إلى فراشها متمتمة: "والأنكى أنني لم أحطم زنبوراً واحداً".‏

Nadine
10-06-2007, 05:39 AM
تسلل السمّاك الصغير من العش، دون علم أمه. وحلق فوق الجدول، يحاول أول مرة، أن يصطاد السمك. ورأى سمكة تتلاعب قرب سطح الماء، فانقض عليها، والتقطها بمنقاره.‏

وحط السمّاك الصغير فوق أقرب شجرة، وهمّ بأن يبلع السمكة من ذيلها، ورآه سمّاك فتي، فانطلق نحوه، يصيح محذراً: "تمهل، لا تبلع هذه السمكة".‏

وظن السمّاك الصغير أن السمّاك الفتي يريد أن يخطف السمكة منه، فسارع بابتلاعها. وإذا ذيل السمكة يسد حلقه، ويمنع عنه الهواء. وعلى الفور، مدّ السمّاك الفتي منقاره، وسحب السمكة بقوة. وشهق السماك الصغير، متقطع الأنفاس، ودمدم لاهثاً: "أشكرك.. آه.. كدت أختنق".‏

فرد السمّاك الفتي قائلاً: "لقد حذرتك، لكنك لم تصغِ إلي".‏

وأطرق السمّاك الصغير خجلاً، فقال السمّاك الفتي: "السمكة، يا عزيزي، لا تبلع من ذيلها، وإنما من رأسها، انظر".‏

والتقط السمّاك الفتي السمكة بمنقاره، وألقاها إلى أعلى، والتقطها، من رأسها وبلعها بسهولة.‏

ووقف السمّاك الصغير مذهولاً، وتمتم: "سمكتي".‏

فتجشأ السمّاك الفتي، وقال: "لا درس بلا ثمن، يا صغيري".‏

Nadine
10-06-2007, 05:40 AM
نهضت مرة أخرى، متحاملاً على نفسي، ومرة أخرى تهاويت. آه يا إلهي، لا بد أنها النهاية هذه المرة. وتطلعت إلى الأعلى، فلاحت لي القمة، يغمرها الفجر، كأنها الحلم. عبثاً حذروني، وأكدوا، أن أحداً منا، نحن الحلازن، لم يبلغ هذه القمة، وأن الكثيرين، انتهوا عند سفوحها. لا، ها هي القمة، على مرأى مني. واندفعت بما تبقى لي من قوة، سأبلغها، سأبلغ هذه القمة، مهما كان الثمن، وتهاويت مرة أخرى، على السفح، خائر القوى.‏

وأفقت على صوت فتي يحييني: "مرحباً".‏

والتفت، يا لله، إنه صورة مني، عندما بدأت مسيرتي نحو القمة. وقبل أن أرد على تحيته، أشار إلى القمة، وقال: "سأقهرها".‏

قلت بصوت واهن: "بني..".‏

فقاطعني ضاحكاً: "ستحذرني، وتؤكد أن أحداً لم يبلغها، وأن الكثيرين انتهوا عند سفوحها، لكن مع ذلك.. سأقهرها".‏

ابتسمت له، وقلت: "لست الأول، ولن تكون الأخير".‏

وضحك ثانية ملوحاً لي، ثم استأنف مسيرته. تطلعت إليه، ورأيتني أزحف في إثره، خطوة بعد خطوة، حتى تلاشى، على طريق، يكاد لا ينتهي، نحو القمة.‏

Nadine
10-06-2007, 05:40 AM
في كل يوم، عند الغروب، أمضي إلى حديقة منزل، يقع في طرف القرية. فأحط على مصطبة، فوقها كمية من الحبوب، وقدح ماء. وعلى مسافة مني، تجلس امرأة عجوز، تنظر إليّ ولا تتحرك، وكأنها تخشى لو تحركت، أن أهب من مكاني، وأحلق بعيداً عنها.‏

وذات مساء، مضيت إلى الحديقة، فلم أجد الحبوب، ولا قدح الماء، ولا المرأة العجوز.‏

وتلفت حولي حائراً، قلقاً، أنا لا تهمني الحبوب، ولا قدح الماء، إن ما يهمني فقط.. المرأة العجوز.‏

وحلقت حول المنزل، عَلّي ألمحها، أو أسمع صوتها، لكن، لا جدوى.‏

ووقفت فوق شباك غرفتها، يبدو أنها مريضة، فقد رأيتها في المرة الأخيرة، شاحبة، متعبة، تكاد تتهاوى.‏

ورفعت رأسي، وأخذت أغرد بأعلى صوتي، علها تسمعني، وتعرف إني أفتقدها.‏

Nadine
10-06-2007, 05:41 AM
عاد التم، بعد الظهر، إلى العش. وفوجئ باختفاء زوجته، وصغاره الأربعة.‏

وخفق قلبه خوفاً، وغضباً. أهو الصياد؟ من يدري، لقد شكت زوجته، أياماً عديدة، من أن الكلب يطوف في الجوار، وتخشى أن يدل الصياد إلى عشهم.‏

وانطلق محلقاً، يبحث عن زوجته، وصغاره الأربعة. وتناهى إليه، من بين القصب نباح كلب. فانقض عليه، وراح يضربه بجناحيه القويين. ولاذ الكلب بالفرار، جاراً ساقه المكسورة.‏

وانطلق التم ثانية، يبحث بلا جدوى، عن زوجته، وصغاره الأربعة. وقبيل المساء، عاد إلى العش، وجلس فيه وحيداً، والدموع تغرق عينيه.‏

ومن بين دموعه، رأى زوجته، في بياض الثلج، تعوم نحوه في الماء، تحمل فوق ظهرها الصغار الأربعة. وانتفض فرحاً، وأسرع يستقبلهم، فقالت زوجته: "سمعت نباح الكلب، عند الظهر، وخشيت أن يكون الصياد بصحبته، فأخذت الصغار، واختبأنا بين القصب".‏

فقال التم، وهو يعوم إلى جانب زوجته: "اطمئني، لن تري الكلب ثانية، لقد كسرت ساقه".‏

Nadine
10-06-2007, 05:41 AM
عادت الحلزونة، بأسرع ما تستطيع، إلى البيت. فهي تخشى أن يخرج صغيرها حلزون في غيابها، ويتجول وحيداً على الشاطئ.‏

وحالما وصلت البيت، هتفت: "حلزون".‏

لكن حلزون لم يرد، وكيف يرد، وهو ليس في البيت؟ وحين عرفت الحقيقة، انطلقت نحو الشاطئ، تبحث عن حلزون من غير أن تبالي بما قد يواجهها من أخطار.‏

وعلى منحدر قرب كومة الحشائش لمحت قوقعة، إنه هو، صغيرها حلزون. وانطلقت نحو القوقعة، تصيح لاهثة: "حلزون.. حلزون".‏

وجمدت في مكانها، حين رأت القوقعة فارغة. وراحت تتمتم باكية: "يا ويلتي، لا بد أن النورس قد..".‏

ومن بين الحشائش، ارتفع صوت تعرفه، يحذرها: "ماما.. النورس".‏

وانتفضت خائفة، وسرعان ما تخلصت من قوقعتها، وانطلقت نحو كومة الحشائش، تختبئ إلى جانب صغيرها حلزون.‏

وانقض النورس على القوقعة، الشبيهة بالحلزون تماماً. وحين أدرك أنها فارغة، أطلق صيحة غاضبة، ومضى مبتعداً لا يلوي على شيء.‏

وتنفست الحلزونة الصعداء، فنظر صغيرها حلزون إليها، وقال: "يا للصدفة لقد هاجمني هذا النورس اللعين نفسه".‏

وهزت الحلزونة رأسها، فيما يشبه العتاب، وقالت: "وفعلت بقوقعتك ما فعلته بقوقعتي".‏

فغمز حلزون أمه، وقال متفاخراً: "لقد كبر ابنك".‏

وحضنته أمه قائلة: "ستبقى ابني مهما تكبر".‏

Nadine
10-06-2007, 05:42 AM
خطوت ببطء على رمال الشاطئ، متلفتة حولي بحذر. ولاحت فتاة تتقافز، وتنشد: "أمي، أحب الناس لي أمي.. ومن بالروح تفديني".‏

وما إن رأتني أخطر بدرعي المفصص أمامها، حتى جمدت، وصاحت: "ماما".‏

وأسرعت أمها إليها، وهي تهتف: "لا تخافي، يا بنيتي، إنني قادمة".‏

وأخذتها بين يديها، وتساءلت: "ما الأمر يا بنيتي؟".‏

وأشارت الفتاة إلي، فضحكت الأم، وقالت: "هذه سلحفاة، سلحفاة صغيرة".‏

ونزلت الفتاة، واقتربت مني مترددة، وقالت: "ماما، لنأخذها معنا".‏

وتراجعت خائفة، فقالت الأم: "بنيتي، لندعها لأمها، فقد تموت إذا أبعدناها عن أمها، مياه البحر".‏

ثم أمسكت بيدها، وقالت: "هيا، يا عزيزتي، إن بابا ينتظرنا".‏

وانطلقتا معاً، تتراكضان على رمال الشاطئ، والفتاة الصغيرة تنشد: "أمي، أحب الناس لي أمي.. ومن بالروح تفديني".‏

واستأنفت سيري، أخطو ببطء على رمال الشاطئ، آه أمي، يا للكلمة السحرية، ما إن تصيح: "ماما"، حتى تمتد إليك يدان، وتأخذانك، و.. انتفض قلبي، إذ لمحتُ ظلاً يحوم حولي، يا إلهي، إنه النورس.‏

وانطلقت مسرعة نحو البحر، والظل يجدّ في مطاردتي، فصحت بأعلى صوتي: "ماما".‏

ومن البحر، أسرعت إلي موجة، أخذتني بين أحضانها، وهربت بي بعيداً عن النورس، إلى أعماق البحر.‏

Nadine
10-06-2007, 05:43 AM
سمع الدغناش أغرودة، وبهره جمالها، برغم غرابة النغم. فهب من عشه، وحلق مسرعاً نحو مصدر الأغرودة. ورأى دغناشة، أصغر منه قليلاً، تغرد على أحد الأغصان. فحط على غصن قريب منها، وراح ينصت مأخوذاً.‏

وتوقفت الدغناشة عن التغريد، وحدقت إليه ملياً، ثم قالت: "أنت تشبهني".‏

فرد الدغناش قائلاً: "نعم، فأنا دغناش".‏

وهتفت الدغناشة فرحة: "أنا إذن دغناشة".‏

فهزّ الدغناش رأسه، وقال: "طبعاً".‏

ثم أضاف: "لكن ما غردته ليس أغرودة دغناش، بل عصفور".‏

فقالت الدغناشة: "أنت محق، فقد ربتني عصفورة، بعد أن اختطفت الحدأة أمي".‏

ومن بين الأشجار، ارتفع تغريد، فتطلعت إليه متسائلة، فقال الدغناش: "هذا طائر حسون".‏

وبعد قليل، ارتفع تغريد مختلف، فقال: "وهذا صغنج".‏

فابتسمت الدغناشة، وقالت: "حسن، أصغِ".‏

وغردت الدغناشة مثل الحسون، ثم مثل الصغنج، فابتسم الدغناش، وقال: "غردت مثل الحسون والصغنج، أنت دغناشة، غردي كدغناشة".‏

فردت الدغناشة محرجة: "لا أعرف، غرد أنت".‏

وبدأ الدغناش يغرد، فانصتت الدغناشة مبهورة، وحينما انتهى من أغرودته، قالت: "آه.. لا روع من تغريدك.. أعني.. تغريد الدغناش".‏

وهنا هبّ الدغناش من مكانه، وحط إلى جانبها، وقال: "لا عجب.. فأنا أغرد أمامك.. أعني.. أمام دغناشة".‏

الدغناش : طائر مغرد، يستطيع تعلم أغاريد الطيور الأخرى.‏

Nadine
14-06-2007, 04:31 AM
وقف صهيب أمام صورة جدّه المعلّقة على حائط الصّالون، والمؤطّرة بإطار مذّهب لمّاع.‏

كان الجد يضع طربوشاً أحمر، لـه شرّابة سوداء، عيناه لوزيتان أنفه إجاصي، أمّا شارباه فكانا كثيفين ومعقوفين، كجناحي سنونوة.‏

مدّ صهيب أصابعه إلى شفته العليا، جسَّها، كانت ملساء ناعمة، قطّب جبينه، وقال مخاطباً الصّورة:‏

-جدّي.. من أين اشتريت شواربك؟‏

ابتسم الجدّ، قال:‏

-الشّوارب لا تباع، عندما تكبر ستنبت لك شوارب.‏

-لقد كبرت، صرت في الصّفّ الرّابع‏

-ما زلت صغيراً، لا تستعجل، ستمرّ الأيّام، ويصبح لك شوارب كشواربي.‏

استدار صهيب بنزق، شاهد زينب- أخته التوأم- نائمة على الأريكة وشعرها الأشقر الطّويل ممدد على المخدّة.‏

لمعت عيناه، أحضر حقيبته، فتحها، أخرج مقصّاً صغيراً وصمغاً.‏

مشى على رؤوس أصابعه، وضع أذنه على باب غرفة نوم والديه، سمع شخيراً، قال:‏

-إنّهما نائمان، سأغتنم الفرصة، قبل أن يصحوا من قيلولتهما.‏

اقترب من زينب، بهدوء وحذر، ماسكاً المقصّ ذا الشّفرتين الحادّتين، قبض على خصلة شعر صغيرة، وقصّها.‏

تنفّس بعمق، ذهب إلى المرآة، وضع صمغاً على شفته العليا، وبدأ يلصق الشّعرات المقصوصة.‏

بعد قليل، كان لصهيب شاربان طويلان أشقران.‏

نفخ صدره كديك، ومشى متبختراً، عائداً إلى صورة جدّه.‏

-انظر يا جدّي، لقد صرت رجلاً.‏

تنهّد الجدّ، قال:‏

-ألم أقل لك لا تستعجل، لماذا لا تسمع الكلمة؟ أنت ما تزال صغيراً وضعيفاً.‏

غضب صهيب، قال:‏

- بل أنا كبير وقوي، انظر.‏

ركض إلى الطاولة، أزاح عنها الزهريّة، أمسكها من طرفيها، وما إن رفعها حتى اختلّ توازنه، فسقط، وسقطت فوقه.‏

هرع إليه الأبوان فور سماعهما الصّوت، بينما جلست زينب تعرك عينيها.‏

أزاح الأب المنضدة عن صغيره، اطمأن على سلامته، وطلب منه أن يحكي له ما جرى.‏

كانت زينب تعود للنّوم، عندما كان أخوها يروي قصّته، فجأة سمعت عبارة:‏

-اقتربت من زينب، أمسكت خصلة من شعرها، وقصصتها.‏

نطّت زينب كأرنب، ركضت إليه باكية صائحة:‏

-قصصت شعري؟! سأنتف شواربك شعرة شعرة.‏

-اتركي شواربي.. آخ.. آخ..‏

أمسكت الأم زينب، أدخلتها غرفة النّوم، قائلة:‏

-لا تبكي يا حبيبتي، سيطول شعرك، تعالي، سننام معاً.‏

اقترب الأب من صهيب، قال:‏

-اسمع يا صغيري، عندما كان جدّك في مثل سنّك، لم يكن لـه شوارب لكن عندما كبر، قوي جسمه، ونبت شاربه، انظر إلى شاربك المنتوف لقد سقط على الأرض لأنّه مزيّف، المفروض أن تأكل وتدرس لتكبر وتصبح "شابّاً مشورباً"، قويّاً بجسمه وعقله.‏

اقتنع الصغير بكلام والده، وراح ينتف ما تبقّى من شاربه المزيّف، بينما كان الجد يضحك، وهو يفتل بأصابعه شاربيه الكثيفين والمعقوفين، كجناحي سنونوة.‏

Nadine
14-06-2007, 04:32 AM
رياض.. يحبّ قراءة مجلاّت الأطفال، ويجد متعة في صفحة التّسليات. فما إن يمسك المجلّة، حتى يفتح على صفحة التسليات، ويبدأ بحلّ المتاهة. والمتاهة – كما تعرفون- عبارة عن طرق متعددة، متعرّجة، كلّها مقفلة سوى طريق واحد مفتوح.‏

كان رياض يمسك بالقلم، ويسير عبر الطّرق، ليكتشف الطريق المفتوح. مرةً.. يدلّ الطّفل الذي يحمل بيده إبريق الماء على الطّريق الموصل إلى الأصيص، ليسقي الوردة الجميلة الحمراء.‏

ومرة.. يساعد الطفلة ذات الجديلتين الحلوتين، للوصول إلى لعبتها التي ترتدي ثوباً مزركشاً بالزّهور والفراشات.‏

اليوم.. حدث أمر مثير؟!‏

فتح رياض كعادته على صفحة التسليات، نظر إلى متاهته، فرأى في طرفها الأول صيّاداً يرتدي لباساً جميلاً، وبيده بندقيّة لمّاعة، وفي طرفها الثاني، أرنب صغير لونه أبيض.‏

أمسك القلم، وبدأ يكتشف الطريق، فجأة.. توقّف خائفاً، تذكّر أنّ الصّياد سيطلق النّار على الأرنب، ويقتله.‏

ارتجفت يده، لكنّه استطاع التخلّص.‏

أتعرفون ما فعل؟ سأقول لكم:‏

تظاهر رياضٍ أنّه توقّف لأن الطريق مسدود، الحقيقة أن الطّريق لم يكن مسدوداً، هو سدّه،‏

رسم خطاً بالقلم فانسدّ، أمّا الطريقان الثّاني‏

والثّالث فكانا مسدودين.‏

وضع رياض القلم، نظر إلى الصّياد، فوجده ينظر باتّجاهه غاضباً مصوّباً البندقيّة نحوه.‏

خاف رياض، وبدأ يرتجف.‏

لكن.. ما إن نظر إلى الأرنب، حتّى هدأ، وتحوّل خوفه إلى سعادة كبيرة، فأرنبه الحبيب، كان مسروراً جدّاً، حتّى إنّه صار ينطّ فرحاً..‏

Nadine
14-06-2007, 04:32 AM
الصّديقة (ريم الكاتب)، ليتك تبذلين جهداً في تحسين خطّك، الخاطرة الّتي أرسلتها ملأى بالأخطاء الإملائية، ننصحك بالمطالعة، أهلاً بك صديقة للمجلّة.‏

ألقت ريم مجلّة الأطفال جانباً، ركضت إلى خزانتها، وأحضرت النسخة الثّانية لخاطرتها، ثمّ ذهبت إلى المطبخ، وقالت لأمّها غاضبةً:‏

-ماما.. هل هذه الخاطرة سيّئة؟!‏

مسحت الأم يديها المبلّلتين بالمنشفة، ثمّ جلست على الكرسي وبدأت تقرأ بصوت مسموع:‏

البحر‏

البحر كالسّماء الصّافية، و...‏

توقّفت الأم فجأة، قرّبت الورقة من عينيها، ثمّ نظرت إلى ريم وقالت:‏

-ما هذه الكلمة يا ريم؟ إنّها غير واضحة، فخطّك رديء.‏

تلعثمت ريم، بلعت ريقها، وقالت:‏

-هدير.‏

تابعت الأمّ القراءة:‏

وهدير أمواجه مثل صوت الرّعد، إنّه كبير جداً جداً، وعندما تصطع. ومرةً ثانية توقّفت تسأل:‏

-ما هذا يا ريم؟ كيف تستبدلين حرف السّين في كلمة تسطع بحرف الصّاد؟!‏

احمرّ وجه ريم، بينما تابعت الأم القراءة:‏

عندما تسطع الشمس على وجهه، يلمع مثل المرايا، الأطفال يسبحون كأنّهم أسماك صغيرة، إنّ البحر المالح هو الذي يشعرني بالانتعاش.‏

توقّفت الأم عن القراءة، مسحت على شعر صغيرتها، قالت:‏

-يجب أن تهتمّي بدراستك، وتقرئي قصصاً كثيرة، وأعدك أن أشتري لك كلّ أسبوع مجلّة أطفال.‏

وفعلاً.. صارت ريم تقرأ المجلاّت التي تحضرها أمّها، إضافة لاهتمامها بدروسها.‏

بعد عدة أشهر، وما أن فتحت ريم على صفحة الرّدود السّريعة حتّى خفق قلبها، ركضت فرحة إلى أمها، وقالت:‏

-ماما.. ماما، اقرئي ردّ المجلّة على قصّتي الأخيرة.‏

أمسكت الأم المجلّة، وقرأت:‏

-الأديبة الصّغيرة (ريم الكاتب)، أنت موهوبة، ترقّبي نشر قصّتك الجميلة في العدد القادم، وشكراً.‏

Nadine
14-06-2007, 04:33 AM
أمسكت مزنة مجلّة الأطفال، وبدأت تقلّب صفحاتها، وما أن وصلت إلى صفحة التسليات، حتّى انتبهت إلى المربّع الكبير، الذي يضمّ مربّعات صغيرة بيضاء، وأخرى سوداء.‏

وضعت مزنة المجلّة جانباً، وتوجّهت إلى منضدتها، لتحضر قلمها الأسود ثمّ بدأت تقرأ السّطور الأفقيّة كي تحلّها.‏

1-الاسم الأوّل لخليفة أموي.؟‏

قطبت مزنة جبينها، وقالت:‏

-إنّهم كثير، سأطمس مربعات هذا السّطر بالأسود، وأنتقل إلى السّطر الثاني.‏

2-حرف جر.‏

-نسيت حروف الجر، سأطمس هذا السّطر أيضاً، فربّما يكون السّطر الثالث أسهل.‏

3-من الأمراض السّارية؟‏

-أف.. ما هذه الأسئلة؟ سأطمسه أيضاً وأنتقل إلى المربّعات العمودية.‏

1-عاصمة دولة عربية.‏

-وكيف أعرفها وأنا لا أحبّ أن أنظر في الخرائط؟ سألوّن المربعات بالأسود، وأنتقل إلى العمود الأخير.‏

5-كلمة مشابهة لكلمة جهل.‏

فكّرت مزنة طويلاً، ثم قالت:‏

-هذه اللّعبة مزعجة، سأطمس المربعات الأربعة المتبقية.‏

وفور انتهائها، لاحظت أنّ المربع الكبير، بدا كلّه أسود مظلماً، فجأة.. عرفت أنّ الكلمة المشابهة لكلمة جهل، هي ظلام

Nadine
14-06-2007, 04:34 AM
دخلت مها بوّابة العمارة مسرعة، نطّت على الدّرج برشاقة مدّت سبّابتها، وضغطت زرّ الجرس، فرنّ رنيناً طويلاً.‏

-على مهلك.. على مهلك، سأفتح، مالأمر؟‏

-افتحي يا ماما.. افتحي.‏

فتحت الأمّ الباب، وقبل أن تستفسر من صغيرتها عن سبب تسرّعها، سألت مها:‏

-ماما.. أين علاء؟‏

-في الصّالة، ما الأمر؟‏

ركضت مها نحو الصّالة، وهي تفتح حقيبتها.‏

كان علاء يعلّق صدّارة المدرسة على المشجب، حين دخلت مها لاهثة، تقول:‏

-علاء.. لقد نشروا صورتينا في مجلّة الأطفال، تعال لترى.‏

رمى علاء الصّدارة على الكرسي، اقترب من أخته، قائلاً:‏

-صورتي منشورة، أين؟ أرني إيّاها.‏

قلبت مها على صفحة التّعارف، قالت:‏

-تفرّج، هذه صورتك، وهذه صورتي، لاحظ، لا يوجد أحد من أصدقائنا الأطفال يضع نظارة سواي، أتعرف؟ كنت لا أطيق وضعها، لكنّها تبدو رائعة بإطارها المدوّر، آه كم أبدو جميلة.‏

أمسك علاء المجلّة، تأمّل صورته مبتسماً، ثم قام متوجّهاً إلى خزانته، مخرجاً مقصّه الصّغير.‏

سألته مها بدهشة:‏

-لماذا المقصّ يا علاء؟‏

-سأقصّ صورتي، لألصقها على دفتري.‏

-لا تفعل، ستشوّه الصّفحة.‏

-هذا ليس شأنك، الصّفحة ملأى بالصّور، وأنا لا أحبّ أن يزاحمني أحد.‏

-لكنّهم أصدقاؤك.‏

-أنا لا أعرفهم.‏

-تعرّف عليهم، انظر، كلّهم ظرفاء.‏

قطّب علاء جبينه، زمّ شفتيه، وبدأ يقصّ صورته.‏

بعد قليل، وحينما انتهى من لصقها على صفحة بيضاء، اقتربت منه مها، وقالت:‏

-انظر يا علاء، صورتك تبدو حزينة، لقد كانت أجمل قبل القصّ، مؤكّد أنّها تشعر بالوحدة والملل، كان عليك ألاّ تقصّها.‏

فكّر علاء بكلام أخته، تأمّل صورته، وفجأة.. انتزعها ثمّ أحضر لاصقاً شفّافاً، ولصقها في مكانها من جديد..‏

فرحت مها، نظرت إليه بمودّة، عانقته، قالت:‏

أحسنت، لقد أعدت للصّفحة جمالها، ولوجهك إشراقه.‏

نظر علاء إلى الصّفحة، فرأى وجوه الأطفال، فرحة ضاحكة، كأنّها تقول له:‏

-مرحباً بصديقنا الجديد.‏

Nadine
14-06-2007, 04:34 AM
سمع قلم الرّصاص صوت أنين، نظر حوله، فشاهد الورقة التي كان يرسم فوقها منذ قليل، تتلوّى بألم.‏

تعجّب القلم، وسأل مستفسراً:‏

-ما بك يا صديقتي، لماذا تتألمين؟‏

تململت الورقة، وقالت:‏

-لأنّك ظالم، وقلبك أسود، فالأقلام ترسم الخطوط برقّة وانسياب أمّا أنت، فترسم بوحشيّة، انظر إلى شكل العصفور الذي رسمته، ألا ترى أنّك خدشتني أثناء الرّسم، إنّني أتألم، بينما تستلقي أنت مرتاحاً ولا ينقصك سوى أن تغنّي.‏

شعر قلم الرّصاص بالحرج، وقال:‏

-عذراً يا صديقتي، إنّ خدشي إيّاك ليس ذنبي، لأنّ اليد التي تمسكني بقسوة هي السّبب، فأنا أشعر بالاختناق من شدّة الضغط ومع هذا أصبر، في سبيل أن يرسم الأطفال رسوماً حلوة.‏

اقتنعت الورقة بكلام القلم، وابتسمت راضية، ثمّ اقتربت منه، كأنّها تريد أن تسمعه تغريد العصفور المرسوم فوقها.‏

Nadine
14-06-2007, 04:35 AM
جلس نبيل وليلى إلى مائدة الإفطار متقابلين‏

نظرت ليلى إلى باقة الورد أمامها، قالت:‏

-الله.. ما أحلى الورود، إنّها تفتح الشّهيّة.‏

تلمّظ نبيل، قال:‏

-صحيح، لكن أين الطّعام؟ أنا لا أرى سوى ملعقتين.‏

ثم مدّ يده ليمسك الملعقة، لكنّه توقّف وقال:‏

-انظري يا ليلى، الملعقتان تشكلان رقم سبعة.‏

تعجّبت ليلى، قالت:‏

-تقصد ثمانية.‏

-لا.. سبعة يا كسولة.‏

غضبت ليلى، قالت:‏

-قلت لك ثمانية يا غبي.‏

تعالت الأصوات، سبعة، ثمانية، كسول، غبيّة.‏

فجأة.. حضرت الأم ممسكة بيدها صحناً مليئاً (بالفول المدمّس). وضعت الصّحن على الطّاولة، قالت:‏

-لمَ الصراخ... عيب.. ما القصة؟‏

قال نبيل محتدّاً:‏

-أليس هذا هو الرقم سبعة؟ وأشار إلى الملعقتين.‏

ضربت ليلى الطاولة بقبضتها الصغيرة، قالت:‏

-بل ثمانية.. ثمانية، ألا تفهم؟!‏

ضحكت الأم، قالت:‏

-طيّب.. ليجلس كلّ منكما مكان الآخر، ويقرأ الرّقم.‏

وفور تبادلهما، سألت الأم:‏

-اقرأ يا نبيل.‏

خجل نبيل، وتمتم قائلاً:‏

-ثمانية.‏

-وأنت يا ليلى، اقرئي.‏

حكّت ليلى رأسها، قالت:‏

-سبعة.‏

أمسكت الأم الملعقتين، وقدّمتهما لصغيريهما، قائلة:‏

-كان يجب أن تتناقشا بهدوء، لتصلا إلى نتيجة سليمة، الآن.. تفضّلا بالأكل، قبل أن يبرد الفول.‏

ابتسم الصغيران، وراحا يأكلان بشهيّة.‏

Nadine
14-06-2007, 04:35 AM
وضع يزن دفتر الرّسم وعلبة الألوان على المنضدة وجلس قبالة أخته سارة، ليلعبا لعبة التخيّل.‏

قال يزن:‏

-ابدئي يا سارة، وحدّدي حرفاً، كي أرسم شكلاً يشبهه.‏

فكّرت سارة قليلاً، قالت:‏

-لنبدأ من الحرف الأوّل، الألف.‏

أمسك يزن القلم الأخضر، ورسم شجرة سرو، يقف على رأسها طائر جميل، ثمّ قال:‏

-شجرة السّرو هي الألف، والطائر يمثّل الهمزة.‏

ابتسمت سارة راضية، وقالت:‏

-حدّد لي حرفاً، وسأرسم له شكلاً مناسباً.‏

دفع يزن الدّفتر باتّجاه سارة، وقال لها:‏

تخيّلي شكلاً لحرف الباء.‏

حكّت سارة رأسها، ثمّ أمسكت بالقلم البنّي، وراحت ترسم زورقاً صغيراً، وبدل النقطة، رسمت سمكة صغيرة.‏

صفّق يزن قائلاً:‏

-ما رأيك أن نصطاد هذه السّمكة بالصّنارة؟‏

صاحت سارة:‏

-الصّنارة المعقوفة، تشبه حرف الحاء!!‏

رسم يزن الصّنارة أمام الزّورق، فجأة، نطت سارة فرحة، وقالت:‏

-أ.. ح.. ب، الله – أُحِبْ- ما أروع هذه الكلمة.‏

نظر يزن دهشاً إلى الصّفحة، فتخيّل أنّها تمتلئ بالأزهار والعصافير والأشجار.‏

Nadine
14-06-2007, 04:37 AM
على حائط ممّر طويل، وبجانب ساعة نحاسيّة الأرقام، عُلّق ميزان حرارة زئبقي.‏

مرةً.. حاول الميزان أن يرتاح، لكنه لم يستطع، التفت إلى السّاعة قال:‏

-ساعة، هل سيبقى الطقس متقلّباً؟ أنا لا أستطيع الرّاحة، بطني الكبيرة تؤلمني، فكلما ارتفعت درجة الحرارة أو انخفضت، تحرّك زئبقي واندفع عبر عنقي الطوّيل، لماذا لا تبقى الحرارة ثابتة؟‏

تكّت السّاعة عدّة تكّات، قالت:‏

-إذا بقيت الحرارة ثابتة، فلن تتغيّر الفصول، ولن يتبدّل اللّيل والنّهار.‏

-لكنّني تعبت لكثرة الصّعود والهبوط.‏

-ميزان.. اسمع هذه القصة:‏

ذات يوم كُسر أحد مسنناتي، أنت لم تكن قد علّقت بجانبي بعد لقد توقفت مدّة ثلاث وعشرين ساعة، في البداية فرحت، لأنّ عقاربي داخت لكثرة الدّوران، لكن، بعد فترة قصيرة شعرت بالملل، لأنّني لم أعد أشير إلى مواعيد الاستيقاظ والطّعام والنّوم.‏

صار وجهي المدوّر شاحباً ومريضاً، لم أشعر بالحياة تعود إلي إلاّ بعد أن تمّ إصلاحي، وعدت إلى عملي.‏

فكرّ الميزان ذو العنق الطّويل، بكلام السّاعة، وقال:‏

-أشكركِ يا صديقتي، لقد شجّعتني على العمل، سيبقى زئبقي يرتفع وينخفض:‏

مع كل بزوغ شمس وطلوع قمر.‏

مع كل هبوب ريح وهطول مطر.‏

Nadine
14-06-2007, 04:37 AM
عند الفجر، نطّ الدّيك على سطح الخم، صفّق بجناحيه الملونين، وصاح:‏

-كوكو.. كوكو..‏

فتح الحمار عينيه الكبيرتين، ضرب الأرض بحافره، وقال غاضباً:‏

-اخرس أيّها الدّيك، ما هذه العادة؟ كلّ صباح توقظ الحيوانات بصوتك البشع، لقد قطعت مناماً جميلاً كنت أراه.‏

تضايق الدّيك، فصار لون عرفه كالدّم، لكنّه ضبط نفسه، وقال:‏

-وماذا رأيت، يا حمار؟‏

-رأيت بيدرنا مزّيناً بالمصابيح، الحيوانات تجلس حوله بشكل دائري، البطة، الكلب، المعزاة، أنت ودجاجاتك، إضافة إلى ابني الصّغير (جحّوش) أمّا أنا- الحمار- فكنت أقف على ظهر البيدر، واضعاً في عنقي طوقاً من الورد كنت أغنّي، بمناسبة عيد الحصاد، بينما كانت الحيوانات تتمايل طرباً.‏

ضحك الدّيك حتّى كاد يقع من فوق الخم، وقال:‏

-حمار.. ما هذا الكلام، كيف تسمح لك الحيوانات بالغناء، وصوتك من أنكر الأصوات.؟ على كل حال إنّه حلم لا أكثر.‏

غضب الحمار، نصب أذنيه على شكل رقم 11- وقال:‏

-ديك.. الزم حدودك، واعرف مع من تتكلّم، أنا مطرب، أباً عن جد، صوتي جميل ومؤثّر، حتى أنّني أستطيع أن أجعل كل من يسمعني يرقص فرحاً.‏

ابتسم الدّيك ابتسامة خفية، قال:‏

-طيّب.. إذا كنت صادقاً، أسمعنا صوتك، وسنرى.‏

هزّ الحمار رأسه، فتحرّكت أذناه الطّويلتان كمروحتين، أغمض عينيه، أخذ نفساً عميقاً، وراح ينهق.‏

سمعت الحيوانات نهيق الحمار، فراحت تفكّر في طريقة للخلاص.‏

البطّة.. ركضت إلى المستنقع، وغطست تحت الماء كي لا تسمع شيئاً.‏

الكلب.. ترك بيت الحراسة، وجرى إلى مسكبة البصل، قلع بصلتين، وأدخلهما في أذنيه.‏

المعزاة.. أمسكت أذنيها الطوّيلتين بأظلافها، وربطتهما تحت ذقنها كي لا يتسرّب إليهما الصّوت.‏

أمّا الدّيك، فقد دخل القن، مغلقاً الباب خلفه.‏

فجأة.. خرج صاحب المزرعة من بيته، ركض صوب حماره صائحاً:‏

-هش.. هش، صرعتنا.‏

فتح الحمار عينيه، وبدل أن يشاهد أصدقاءه يرقصون فرحين رأى صاحبه يقترب منه عابساً، حاملاً اللّجام بيده.‏

Nadine
14-06-2007, 04:38 AM
بطلة قصتنا عصفورة، والقصة حدثت منذ عام، وبدأت.... في صباح خريفي جميل، وقفت العصفورة زقزوقة على شجرة كينا قبالة إحدى المكتبات، كثيراً ما كانت زقزوقة تقف على تلك الشجرة دون أن تثيرها الصحف و المجلات الملونة.‏

هذا اليوم..... تغيّر حالها.‏

هاهي ترفرف أمام واجهة المكتبة بعصبية، تصعد... تهبط... تنقر الزجاج بمنقارها و... تقرأ خبراً مصوراً نشرته إحدى الصحف على صفحة الغلاف.‏

يقول الخبر:‏

"فاز البلبل كناري بجائزة أجمل عصفور في العالم، وقد أُهدي قفصاً ملكياً صنع من الذهب الخالص، وسيتم وضع القفص والكناري في غرفة زجاجية مطلة على نهر الورد ليتفرج الناس عليهما.‏

حزنت زقزوقة، حطّت على غصن قريب من الواجهة، ناظرة إلى البلبل بحسد. فجأة... حطَّ رفيقهازقزوق بجانبها، وقال مبتسماً:‏

ـ صباح الخير يا حلوة، كيف الحال؟‏

ردّت زقزوقة بفتور:‏

ـ بخير..‏

قال زقزوق... بدهش:‏

ـ ما بك يا رفيقي، هل رماك أحد الأولاد بحجر؟‏

ـ لا...‏

ـ طيّب ما القصّة... خبّريني؟‏

انتفضت زقزوقة، وقفت قبالة رفيقها، قالت:‏

ـ ألست جميلة؟‏

ـ بل.. أنت أجمل عصفورة في العالم.‏

ـ إنَّك تجاملني.‏

لم يصدّق زقزوق ما سمع، لماذا تكذِّبه... لماذا تصرخ في وجهه؟!...‏

تمالك نفسه، وقال بهدوء:‏

ـ زقزوقة... مابكِ.. خبّريني؟..‏

أشارت بجناحها إلى المجلّة، قالت:‏

ـ انظر... ذاك أجمل عصفور في العالم ولست أنا كما تدّعي، لقد صنعوا لـه قفصاً من الذهب الخالص، ووضعوه في أحلى مكان... على ضفة نهر الورد ضمن بيت من الزجاج كي يراه الناس ويمدحوه، وفوق كل هذا نشروا صورته في الصحف والمجلاّت.‏

هزَّ زقزوق رأسه، قال:‏

ـ هاها... الآن عرفت السبب، أرجوكِ... لا تنزعجي، يكفي أنك في عينيَّ أحلى عصفورة في العالم.‏

ـ هذا لا يكفي... المهم أن أصبح أحلى عصفورة في عيون الجميع.‏

ـ ومن قال أنك لست حلوة في عيون الجميع؟ الكل يحبِّكِ...‏

ـ لا تخدعني. لو كنت كما تقول لانتخبوني ملكة للجمال بدلاً من ذاك الكناري. أفْ. ثم طارتْ... تاركة رفيقها واقفاً على الغصن كالتمثال.‏

انقضى ذلك اليوم.. ومرَّ بعده يوم ويومان وثلاثة و....‏

زقزوق يبحث عن خطيبته، على أغصان الأشجار... قرب نافورة الماء، وفي شقوق الحيطان. يسأل عنها حتى العصافير الصغيرة ذوات المناقير اللينة دون أن يعرف أنَّها تقف على سلك كهرباء في طرف المدينة. ومع من؟ مع طائر سنونو.‏

إنها المرة الثالثة التي يتحادثان فيها، يقفان على السلك نفسه، وكالعادة تبدأ هي الحديث:‏

ـ متى ستسافر جهة الجنوب.. أقصد إلى نهر الورد؟..‏

ـ سأهاجر بعد يومين، إلى تلك المنطقة الدافئة، بدأت أشعر بالبرد، ألم أخبرك بذلك من قبل؟...‏

ـ بلى... لكنني أحببتُ أن أذكركَ، أرجوك مُرَّ على...‏

ـ سأمرَّ على ذلك الكناري..... والله سأمر، سأسأله عن وجبات طعامه... وشرابه، مواعيد نومه واستيقاظه.‏

ـ ولا تنسَ أن تسأله: كيف يمكنني التقدم للمسابقة.‏

ـ حاضر.... وسأخبرك الجواب في الربيع المقبل.‏

ـ على كل حال سأذكرك قبل رحيلك بساعة.‏

وقبل الرحيل بساعة، يلمح زقزوق رفيقته واقفة مع طائر السنونو، إنهما يتحدثان... يزقزقان... ويتعانقان عناق الوداع.‏

أحسّ زقزوق بقلبه ينكسر، طار إليها بعد أن رحل طائر السنونو، وبصوت حزين، قال:‏

ـ لماذا هجرتني وأحببت ذلك السنونو؟ الظاهر أن شكلي لم يعد يعجبك...‏

ردّت زقزوقة بانزعاج:‏

ـ إنَّه مجرّد صديق.‏

رفرف زقزوق فرحاً، قال:‏

ـ إذاً ما زلت تحبينني... آه... سنتزوج في الربيع القادم، سأبني لك أحلى عش.‏

ـ لا...‏

ـ ماذا قلتِ؟!..‏

ـ أقصد أننا لن نتزوج قبل أن أفوز بجائزة أجمل عصافير العالم، فهمت... أم أشرح لكَ.‏

ـ لكن...‏

ـ لا تحاول إقناعي. أنا مصمّمة.‏

ثم طارت... وتركته.‏

وتدور الفصول.. ينتهي الخريف... فيأتي الشتاء، يرحل الشتاء، فيقبل الربيع.‏

تبتسم الشمس... تتفتح الزهور... تنتشر العطور... تزقزق العصافير.... و..... ترجع أسراب السنونو بعد غياب طويل.‏

تدور في سماء المدينة فرحانة، تشدو أغنية الدفء.‏

يضحك الأطفال وتهتزّ الأزاهير و....‏

تقف زقزوقة باضطراب على سلك الكهرباء.... ناظرة إلى أسراب السنونو، علّها تلمح صديقها وقد جاءها بالجواب.‏

ويترك طائر السنونو سربه، يتجه إلى زقزوقة كالشهاب، يقف بجوارها، تعانقه زقزوقة قائلة:‏

ـ حمداً لله على سلامتك... هل قابلت الكناري.؟..‏

ضحك طائر السنونو، قال:‏

ـ هذه عادتكِ.... لا تتغيّر، تسألين مباشرة عن أموركِ، أَيْ نعم... قابلته.‏

ـ رائع. وماذا قال؟...‏

ـ اسمعي. قال بالحرف الواحد: لكي تصبحي أحلى الحلوات يجب أن تفطري بذور تين، وتتغدي نصف دودة أرض، ولا يجوز إطلاقاً أن تتعشي... كي لا تسمني، ويقل جمالك.‏

ـ والشراب... ماذا قال عنه؟..‏

ـ قال: اشربي قطرات الماء السائلة على تويجات الأزهار.‏

ـ تقصد قطرات الندى؟...‏

ـ نعم... نعم... لعن الله النسيان.‏

ـ ومواعيد النوم.‏

ـ هذه سهلة. زيدي ثلاث ساعات على ساعات نومك المعتادة.‏

ـ فهمت.. والآن جاء دور السؤال الأهم: كيف يمكنني التقدم للمسابقة.‏

أطرق طائر السنونو قليلاً، قال:‏

ـ صراحة.... للمسابقة شرط صعب.‏

ـ ماهو؟..‏

ـ أن تعيشي في قفص، فالمتسابقون هم من طيور الأقفاص تحديداً..‏

ـ بسيطة. سآكل وأشرب وأنام حسب النظام الذي وضعه الكناري لمدة شهر ثم أدخل إلى أحد البيوت، فيمسكني أصحابه ويضعونني في قفص.‏

ـ وحريتك؟...‏

ـ ما فائدة الحرية؟..‏

ـ فائدتها أنها تشعرك بالسعادة...‏

ـ أغمضت زقزوقة عينيها، قالت:‏

ـ سعادتي الوحيدة هي أن أصبح أجمل عصافير العالم.‏

وتشرع زقزوقة بتنفيذ خطتها بسرية تامة، بعيداً عن الجميع. ورفيقها المسكين. يبحث عنها من شروق الشمس وحتى الغروب، همّه الوحيد أن يجدها مهما كان الثمن.‏

وبعد شهرين من التعب، يسمع زقزوق صدفة صوت زقزوقة.‏

يقف على الحائط باحثاً عن مصدر الصوت و....‏

يكاد يموت حزناً، لقد لمح زقزوقته حبيسة قفص صغير، قضبانه من الحديد الصدئ إنّه معلّق على حائط الشرفة، جانب حزمة من الثوم.‏

كان اللقاء مؤثراً، طار زقزوق إليها... رأته... ضربا بجناحيهما قضبان القفص... زقزقا... نفشا ريشيهما... حكّا منقاريهما... وبصوت مبحوح بدأ زقزوق الكلام:‏

ـ زقزوقة... كيف حالك يا رفيقتي؟..‏

ـ بخير... بخير...‏

وراحت تبكي.‏

ـ تماسكي يا حلوة... كوني قوية.... أخبريني. كيف وصلت إلى السجن..؟‏

ـ آه يا رفيقي العزيز، أرسلت طائر السنونو سراً إلى الكناري لأعرف سرَّ جماله، ثم فعلت مثلما يفعل، ضحَّيت بحرّيتي... لكن للأسف لم يسمحوا لي أن أشترك بالمسابقة.‏

ـ لماذا؟...‏

ـ تصوّر... قالوا إنني بشعة، معهم حق... فالقفص سبب شحوبي، لقد سئمت الحياة بداخله، لكن العجب أن الكناري أيضاً يعيش في قفص.‏

ـ صحيح... لكنه ولد فيه، عشَّه صحن خزفي مبطن بلبّاد، أمّا أنت فولدت في البراري فوق غصن نضر، حيث الشمس والهواء العليل، ومن المستحيل القول أن الطبيعة مثل القفص.‏

بكت العصفورة بحرقة، قالت:‏

ـ معك حق... لكن ما نفع الندم؟ يالغبائي... أصبحت أبشع عصفورة في العالم.‏

قال زقزوق مشفقاً:‏

ـ لا تقولي هذا، ما زلت أحلى عصفورة في الدنيا.‏

نظرت زقزوقة إلى رفيقها دهشة، تأملته طويلاً... شعرت أنها تراه للمرة الأولى، تفحّصت منقاره... ريشه... عينيه، كان يبدو جميلاً... ساحراً... إنه أحلى من طائر الكناري بعشر مرّات، على الرغم من أنه يأكل في الوجبة الواحدة خمس دودات أرض بدلاً من نصف دودة.‏

Nadine
14-06-2007, 04:38 AM
في غابة بعيدة... على غصن مورق... حطَّ بلبل أبيض.‏

سمع صوتاً معدنياً يشبه البكاء.‏

تلفّت... شاهد حبل غسيل مشدوداً إلى شجرتين، كان يهتز بألم.‏

طار إليه... وقف عليه، خاطبه مغرِّداً:‏

ـ حبل... مرحباً.‏

تنهّد الحبل قال:‏

ـ أهلاً بلبل، الله... ما ألطف ملامستك لي، صدقني... أتمنّى لو تلتصق بي كي لا نفترق أبداً.‏

انزعج البلبل، وردَّ مزقزقاً:‏

ـ ماذا... تريدني أن ألصق!؟... ألا تعرف أن الطيور تكره الأعواد اللاصقة كما تكره رصاص الصيّاد؟..‏

ـ اعذرني بلبل، لم أقصد ذلك، كل ما أردت قوله هو فرحي بزيارتك فأنا...‏

ـ أنت ماذا؟...‏

ـ أنا حزين. ذهب الجميع وتركوني معلّقاً.‏

ـ من تقصد؟..‏

ـ في السنة الماضية جاء راعٍ إلى هنا، أعجبه المرج الأخضر مثلما أعجب خرافه، نصب خيمته وثبتني كما ترى، كنت سعيداً.. لم أتضايق من ثقل الغسيل المبلول بالماء، ولا من الملاقط التي تطبق علي.. آه.... يا لها من ذكريات، تصوَّر... مرَّة نشر علي خمسة خرفان، أقصد صوف خرفان، جزَّها وغسلها ثمّ نشرها، شعرت لحظتها أنني كبش كبير...‏

كبش هائل أسطوري.‏

ـ طيب... وبعد..‏

ـ رحل الراعي وخرافه، وبقيت مشدوداً كما ترى، وحيداً... صدئاً.. ميتاً.. لا أصلح حتى أن أكون سلك هاتف أو كهرباء.‏

حكّ البلبل منقاره بالحبل، قال:‏

ـ لا تقل هذا يا صديق، فأنت ما زلت حياً... قوياً... هل نسيت بأنك تحملني؟..‏

ـ لم أنسَ، جئتَ إليَّ صدفة... سمعت بكائي فزرتني. أنتم معشر الطير ترتاحون بالوقوف على الأغصان حيث الظلال، والفرق كبير بين غصن أخضر نضر، وحبل غسيل صدئ.‏

أليس كذلك...؟‏

ـ ربما كان كلامك صحيحاً قبل معرفتي بك، أمَّا الآن فأنا سعيد في الوقوف عليك أكثر من وقوفي على أي غصن، صحيح أنك مصنوع من المعدن، لكن قلبك مليء بالحب والعطاء.‏

سُرَّ الحبل.... أحسَّ بالفرح يمسحه... يكشط الصّدأ عنه... ويلبسه ثوب الحياة اللامع...‏

Nadine
14-06-2007, 04:39 AM
انقضى النّهار، سار الرّعاة خلف مواشيهم، مخلّفين وراءهم موجة من الغبار المتصاعد.‏

أمسك حمدان عصاه، هشّ بها على بقرته، وعادا إلى القرية.‏

كانت البقرة تنقّل قوائمها، وتتمايل، كأنّما أطربها صوت راعيها الذي يغنّي خلفها.‏

لم يستغرق وصول حمدان إلى القرية زمناً طويلاً، فما كادت أغنيته تنتهي، حتّى سمع صوت أبي مروان، صاحب الدّكان الوحيد في القرية يناديه:‏

-حمدان.. حمدان.. تفضّل، اشرب كأساً من الشّاي.‏

دخل حمدان الدّكان، تلفتت البقرة حولها، لمحت "تنكةً" كبيرة أمام الباب، رُسِمَ عليها وجه بقرة ضاحك، مشت صوبها، قرّبت رأسها فدحمتها بقرنيها، رجعت قليلاً، قالت:‏

-من أنت؟!‏

-ألم تعرفيني؟ أنا صورتك.‏

أسبلت البقرة جفنيها، تذكّرت صورتها المرسومة على سطح ماء النهر قالت:‏

-صحيح.. أنتِ أنا، لكن ماذا تفعلين هنا؟‏

-أحرس الزّبدة بداخلي.‏

-زبدة!!‏

-أجل.. إنّهم يخضّون الحليب، فتطفو عليه زبدة لذيذة، يأكلها الناس بشهيّة.‏

ضحكت البقرة، نظرت بإعجاب إلى صورتها، قالت:‏

-الله.. كم أنا حلوة، لماذا لا يرسمون صورتي في كلّ مكان؟‏

-يمكن أن تحققي أمنيتك، لقد سمعتهم في المعمل يقولون: "إذا توفّر الحليب، سنصنع جبنة لذيذة، نضعها في علب دائرية، ونرسم بقرة ضاحكة على غطائها".‏

تخيّلت البقرة صورتها مرسومة في كلّ مكان، قرنان معقوفان كخنجرين عينان كبيرتان حلوتان، وجلد مبقّع بلوني اللّيل والنّهار.‏

فجأة.. خرج حمدان وقادها إلى الحظيرة.‏

عند وصولهما، أحضر حمدان الدلو، ركزه تحت أثداء بقرته، وبدأ يحلبها.‏

كان صوت ارتطام خيوط الحليب بحواف الدلو، يصدر لحناً حلواً.‏

انبسطت البقرة، أغمضت عينيها بعذوبة، تذكّرت صورتها، وسمعت صوت ضحكاتها.‏

صار حليبها يفيض على غير عادته، حتّى أنّها عندما فتحت عينيها دهشت لمنظر الحليب، الذي ملأ الدلو حتّى حوافّه.‏

Nadine
14-06-2007, 04:39 AM
في غرفة مزنة، سبّورة صغيرة، معلّقة على الحائط.‏

مزنة تقف أمام سبورتها طويلاً، تجمع الأرقام، أو تكتب الأناشيد، أو ترسم المناظر الجميلة.‏

اليوم.. رسمت فراشات حلوة، تطير بين الأزهار، حتّى إنّها نسيت حدود السّبورة، ورسمت فراشة صفراء، على حائط غرفتها.‏

دخل أخوها حسام، نظر إليها مستاءً، قال:‏

-أف.. ما هذه الفراشات، إنّها بشعة، تشبه الذّباب.‏

غضبت مزنة، أمسكت الممسحة، محت الفراشات، ثمّ جلست على الكرسي مديرة ظهرها لأخيها.‏

خرج حسام من الغرفة، وهو يضحك.‏

أغلقت مزنة باب الغرفة، وبدأت ترسم من جديد.‏

دخل حسام مرّة أخرى، نظر إلى السبّورة، فرأى عليها زهريّة مملوءة بالورود الملوّنة.‏

ابتسم ساخراً، وقال:‏

-أف.. لقد عدت إلى الخربشة؟!‏

قطّبت مزنة جبينها، وقالت:‏

-يا لك من أخ مزعج، كثير التأفف،‏

تفضّل أرسمْ زهرّية، لنرى مهارتك.‏

أمسك حسام قطعة طباشير، وصار ينظر إلى زهريّة أخته، ليرسم مثلها.‏

صاحت مزنة:‏

-التّقليد لا يجوز، يجب أن ترسم من خيالك.‏

بدأ حسام الرّسم، ويده ترتجف.‏

وبعد انتهائه، رجع إلى الوراء، ليشاهد زهريته، فرى خطوطاً مبهمة، كأنّها خربشة دجاج.‏

نظر إلى زهريّة أخته، فوجدها حلوة جذّابة.‏

احمرّ وجهه خجلاً، أمسك بالممسحة، وقبل أن يمحو زهريته لمح أخته تبتسم ابتسامة عريضة.‏

Nadine
14-06-2007, 04:40 AM
أحسّت العلبة المعدنيّة بحركة داخلها، فتحت غطاءها، قالت:‏

-ما بكم يا أصدقائي، ما الذي يضايقكم؟‏

تنفّس المدور، بعد أن باعد قدميه، قال:‏

-لأنّك تمنعين عنّا الهواء والنّور، فنشعر كأنّنا في السّجن.‏

أيّدت المسطرة والمنقلة والمثلث كلام صديقهم، قالوا:‏

-أجل.. نحن سجناء، فمنذ بدأت عطلة الصّيف، ونحن قابعون في العلبة لا نرسم خطاً، ولا نقيس طولاً، إنّنا نحبّ أن نلعب، مثل كلّ الأطفال. فكّرت العلبة قليلاً، قالت:‏

-معكم حق.. لا مانع من أن تروّحوا عن أنفسكم.‏

قفز المدور مسروراً، وقف على صفحة بيضاء، قال:‏

-أنا أشبه الأرجوحة، سأرسم خطاً، وانتزعه، ثمّ أعّلقه على رقبتي، كي يصبح حبلاً تتأرجح عليه الأرقام.‏

زحف المثلث إلى جانب المدور، قال:‏

-أين قلم التّلوين الأزرق، أريد أن يلوّن مساحة الورقة بداخلي لأبدو كبحيرة مثلثيّة الشّكل.‏

ضحكت المنقلة، قالت:‏

-أمّا أنا فسأقف فوق ضفّتيك، ليشكّل ظهري المنحني جسراً تمشي فوقه الأرقام، فلا تغرق.‏

انتهزت المسطرة فرصة حوار المنقلة مع المثلث، وزحفت إلى المبراة مستلقية فوقها، ممثلة حصان التّوازن.‏

فرحت الأرقام عندما رأت المشهد مكتملاً، فتقافزت هنا وهناك الرّقم .‏

واحد.. جلس على الأرجوحة، ممسكاً بيديه الحبل.‏

الرّقمان سبعة وثمانية جلسا متقابلين على حصان التّوازن وبدأا يرتفعان وينخفضان.‏

أمّا الرّقم اثنان، ذو الظّهر المحدّب، فأمسك عكازه، وبدأ ينظر من خلال نظارته إلى رفاقه الذين يتراشقون بالماء، والابتسامة لا تفارق فمه.‏

Nadine
14-06-2007, 04:40 AM
في صباحٍ ربيعي جميل، خرج يوسف إلى باحة الدّار، ليلعب بطابته الملوّنة.‏

كانت شجرة اللّوز مليئة بالزّهور البيضاء، كأنّها ندف الثّلج. فتح ذراعيه، أخذ نفساً عميقاً، قال:‏

-اللّه.. ما أنعش هذا الهواء!‏

نظر حولـه، شاهد قطه.. "هرهور" يلعب بالطّابة، فضحك وقال:‏

-ما رأيك يا "هرهور" أن نلعب معاً؟‏

-مياوو.. صاح "هرهور" بسرور..‏

ركض يوسف إلى الطّابة وركلها، فلحقها "هرهور" بخفّة لكنّه لم يستطع إيقافها، لأنّها تدحرجت إلى القبو، واختفت.‏

خاف يوسف، وظنّ أن الفئران ستأكل طابته.‏

اقترب "هرهور" منه، نظر إليه، كأنّه يسأله:‏

-ما بك يا يوسف، لماذا لا تنزل وتحضر الطّابة؟‏

قرفص يوسف، مسح على رأسه بلطف، قال:‏

-أنا أخاف النّزول، لأنّ جدتي تقول إنّه يوجد بداخله جبّ مليء بالفئران، وأخشى أن نحبس فيه، فتقرطم الفئران آذاننا.‏

انزعج "هرهور" عندما سمح كلمة فئران، فنطّ غاضباً متوجّهاً إلى مدخل القبو.‏

تشجّع يوسف، عندما تذكّر أن الفئران تخاف القطط فهبط درج القبو ممسكاً بالدّرابزين الحديدي المشغّل، وعندما وصل إلى الباب، أمسك طابته، وقبل أن يصعد، أنصت قليلاً ليسمع صوت الفئران، لكنّه لم يسمع شيئاً.‏

كانت حبّات العرق البارد، تسيل على خدّيه، تنفّس بعمق قال:‏

-سأدخل إلى جبّ الفئران، وأدعسها بحذائي، هيّا يا هرهور.‏

فتح الباب بهدوء، كي لا يصدر صريراً، وما أن دخل وأشعل المصباح، حتّى فوجئ بأكياس ومرطبانات كثيرة.‏

وضع الكرة على الأرض، نظر إلى "هرهور"، قال:‏

-لنبحث عن الفئران يا "هرهور" لقد اختبأت عندما سمعت صوت أقدامنا على الدّرج.‏

فتح أحد الأكياس، وجده مملوءاً بالأرز، اقترب من المرطبانات، كانت تحوي ربّ البندورة، والجبن، والمربى.‏

غمرت السّعادة قلبه، جلس قبالة مرطبان المربّى، فتحه وبدأ يلحس بإصبعه، ويتلمّظ.‏

بينما راح "هرهور"، يلعب بالطّابة.‏

سمع يوسف صوت أقدام، إنّها تقترب، تنزل الدّرج. فجأة.. ظهرت أمّه، وعلامات الغضب مرسومة على وجهها. قالت الأم بنبرة حادّة:‏

-ماذا تفعل هنا أيّها الشّقي؟‏

ارتبك يوسف، لكنّه تشجّع، وقال:‏

-كنت أريد أن أدعس الفئران الّتي تهددني بها جدّتي.‏

ابتسمت الأم، اقتربت من صغيرها، مسحت على شعره ، قالت:‏

-جدتك تمزح معك، لأنّها تعرف أنّك بطل، والأبطال لا تخاف الفئران.‏

Nadine
14-06-2007, 04:41 AM
في أحد الأيّام، وبينما كانت الأرض تدور حول أمّها الشّمس لمحت ساعي البريد يقترب منها، ممتطياً شهاباً أبيض.‏

خفق قلب الأرض فرحاً، ارتفع موجها، واهتزّت قبّعات الثلج البيضاء على رؤوس جبالها.‏

فتح ساعي البريد حقيبته النجميّة، أخرج مظروفاً عليه طابع هلالي الشّكل، أعطاه للأرض، ثمّ غاب كلمح البصر.‏

فتحت الأرض المظروف، أخرجت الرّسالة، وبدأت تقرأ:‏

-صديقتي الأرض، تحيّة نور وجمال.‏

كيف حال سهولك ووديانك، جبالك ومحيطاتك، أرجو أن تبقي أميرة الكواكب.‏

صديقتي‏

البارحة.. قرّرنا، نحن أبناء المجموعة الشّمسيّة، أن نقيم على سطحي مهرجان حبّ وتعارف، بمناسبة رأس السّنة الضّوئية، أرجو أن ترسلي مبعوثك غداً، أشكرك، دامت خضرتك.‏

التّوقيع: صديقك المرّيخ.‏

حكّت الأرض رأسها الجبلي، تأمّلت الفضاء بعيونها الزرقاء الواسعة وراحت تبحث عن مبعوث ترسله إلى المهرجان.‏

في اليوم التّالي، بدأ مبعوثو المجموعة الشّمسيّة يصلون إلى سطح المرّيخ.‏

كان مبعوث عطارد أول القادمين، تبعه مبعوث الزّهرة، فالمشتري، زحل، أورانوس، نبتون، أمّا مبعوث بلوتو فقد وصل آخرهم لبعد كوكبه عن الشّمس.‏

جلس المدعوون، على مقاعد مصنوعة من الأحجار اللاّمعة ينتظرون بفارغ الصّبر وصول مبعوث الأرض.‏

قال ممثّل المرّيخ، وهو راعي المهرجان:‏

-ترى.. من سترسل لنا الأرض، ليشاركنا مهرجان حبّنا؟‏

أجاب مبعوث بلوتو:‏

-ربّما تبعث لنا طائراً جميلاً، ليطربنا بتغريده، فقد سمعت أنّه تعيش عليها أنواع كثيرة من الطّيور.‏

ردّ مبعوث المشتري، وكان أضخمهم حجماً:‏

-أعتقد أنّها سترسل شجرة مورقة، وأتمنّى أن تكون مثمرة، لأنّ منظرها سيكون أجمل.‏

قاطعه مبعوث عطارد، قائلاً:‏

-حبّذا لو أرسلت قطرة ماء كبيرة، لاستمتعنا بلزوجتها ولمعانها، خاصّة وأنّني قريب من الشمس، لا أرى سوى اللّهب.‏

فجأة.. ظهر شهاب من بعيد، حاملاً مبعوث الأرض. نظر المدعوُن نحوه دهشين، وكم كانت فرحتهم غامرة حينما توقّف الشهاب، ونزلت منه طفلة شقراء، تحمل بيدها تسع وردات بيض.‏

Nadine
14-06-2007, 04:42 AM
واجهة زجاجيّة أنيقة، تتضمّن ثلاثة رفوف، الرّف العلوي، عليه إطارات جميلة مزخرفة وملوّنة، ثبّت بداخلها صورٌ لشخصيات كرتونية الرّف الأوسط، يحتوي قصصاً للأطفال ذات أغلفة ملوّنة، أمّا الرّف السفلي، فيحتوي دمى تمثّل كلباً وقطّة وحماراً، يتوسّطهم مهرّج ضاحك، يضع قبّعة مخروطيّة، ثبّت في أعلاها كرة من الصّوف، قميصه فضفاض منقّط عليه أزرار كبيرة مذهبّة، وله ربطة عنق على شكل وردة، بنطاله بنيّ مرقّع برقع برتقالية عند الرّكبتين، وجهه مطليّ بصباغ أبيض، عيناه مكحلّتان بخطّ عريض نيلي، أمّا أنفه فهو كرة بلاستيكية لونها أحمر.‏

-2-‏

المهرّج يقف على رجل واحدة، ينطّ، يقع، يمشي على يديه ويقلّد أصوات رفاقه.‏

الكلب.. يقعي على مؤخرته، يصفّق بيديه مسروراً فرحاً.‏

القطة.. تستلقي على ظهرها من شدّة الضّحك، وتموء.‏

أمّا الحمار.. فكان يضرب بحوافره الرّف وينهق، معبّراً عن سعادته حتّى أنّ الرّف الزّجاجي أصيب بشقّ متعرّج.‏

-3-‏

فتاة صغيرة، تقف بجوار والدها، تشير بسبّابتها إلى المهرّج، الأب يكلّم صاحب المتجر، فيمدّ يده إلى الواجهة، يمسك المهرّج ويضعه في علبة كرتونيّة، الأب يعطيه النّقود، بينما تتأبّط الطّفلة العلبة، وتخرج فرحة.‏

-4-‏

غرفة الفتاة أثاثها بسيط ومرتّب، تتوسّطها طاولة صغيرة عليها دمية، تنظر إلى المرآة بتكبّر، ومهرّج يجلس على علبة كرتونيّة.‏

الدّمية:‏

-مهرّج.. ما بك، لماذا تبكي، لقد أتلفت علبة الكرتون بدموعك، أين ضحكك ومرحك؟‏

المهرّج: "يمسح دموعه بطرف كمه، ويرسم ابتسامة على فمه"‏

-آه.. يا صديقتي العزيزة، أنا حزين جدّاً، لأنّني ابتعدت عن أصدقائي، لكن، أرجو أن تقبلي صداقتي، فأنت دمية جميلة ولطيفة وأنا لا أقدر أن أعيش بلا أصدقاء.‏

-ومن أصدقاؤك؟‏

-الكلب الوفي، القطّة الأليفة، والحمار الطيّب.‏

-ماذا؟! كلب.. قطّة.. حمار، أأنت حزين إلى هذا الحد، من أجل تلك الحيوانات القذرة؟‏

-أرجوك يا صديقتي، لا تتكلّمي عنها هكذا.‏

-اخرس، إيّاكَ أن تقول "صديقتي" مرّة ثانية، اسمي أميرة، السّيّدة أميرة، اسمع.. لقد طلبت من صاحبتي أن تشتريك لتمثّل أمامي وتسعدني، هيّا، ابدأ، فأنا أريد أن أضحك.‏

حاول المهرج أن يمثّل، لكنّه لم يستطع، فبكى، بكى بحرقة وسالت دموعه على وجهه مزيلة المساحيق، لأنّه لم يتعوّد أن يرسم الابتسامة، إلاّ على وجوه الأوفياء والطّيبين.‏

Nadine
14-06-2007, 04:42 AM
دَخل الأستاذ عاطف إلى الصّف، لابساً معطفه الأسود السّميك، والمصنوع من الجوخ.‏

وقف التّلاميذ باحترام.‏

-صباح الخير يا أحبّائي، تفضّلوا بالجلوس.‏

وضع حقيبته الجلديّة على الطاولة، أمسك بالطّباشير، وكتب على السّبّورة- حكمة اليوم- ثمّ وضع نقطتين فوق بعضهما، والتفت إلى التّلاميذ قائلاً:‏

-ما هي حكمة اليوم يا صغار؟‏

تعالت الأيادي، فبانت كأنّها غراس صغيرة.‏

-رشا.. ما الحكمة؟‏

-النّظافة من الإيمان.‏

-أحمد.‏

-من جد وجد‏

-لبنى.. أسمعينا حكمتك؟‏

-بالحبّ والعمل، نُحقّق الأمل.‏

نظر الأستاذ إلى مروان، فوجده منكمشاً على نفسه، ينفخ في كفّيه الصّغيرتين، فسأله قائلاً:‏

-ما حكمة اليوم يا مروان؟‏

وقف مروان، وهو ما يزال يدلك يديه إحداهما بالأخرى، قال:‏

-المدفأة فاكهة الشّتاء.‏

ابتسم المعلّم، قال:‏

-كلّ الحكم الّتي ذكرتموها مفيدة وصحيحة، لكن ما رأيكم أن نكتب حكمة مروان، فرّبّما نشعر بالدفء؟‏

هزّ التلاميذ رؤوسهم موافقين، بينما راحت السّماء ترعد بصوت مخيف.‏

Nadine
14-06-2007, 04:44 AM
أحسّ المفتاح الصّغير، النائم في جيب أنس، بأصابع ناعمة تمسكه، تدخله في القفل، وتديره.‏

فتح عينه، رأى أنس يُخرج من درجه أوراق التّلوين والصّمغ. أخذ نفساً عميقاً، فضغط على القفل، الذي سأله مستغرباً:‏

-مفتاح.. ما بك، هل أنت متضايق؟‏

-آه يا قفلي العزيز، إلى متى سأبقى أضغط بأسناني على مسنّناتك؟ لقد أصبت بالصّداع لكثرة الدّوران، ما فائدتي أيّها القفل؟‏

فكرّ القفل قليلاً، قال:‏

-فائدتك أنّك تحفظ الأشياء وتحرسها.‏

-أتحسب أوراق التلوين، والصمغ، وقلم الرّصاص أشياء مهمّة؟‏

ثمّ ممّن أحرسها؟‏

-تحرسها من وائل، ألم يكسر لأخيه أنس أدوات الهندسة، عندما نسيني بلا قفل الأسبوع الماضي؟‏

-طيّب.. سيمّر الزّمن، ويكبر وائل، وقتها لن يكسر شيئاً.‏

-عندما يمرّ الزّمن، ستتبدّل الأشياء التّي تحرسها، ربّما تحرس أوراقاً ومستندات مهمة، أو نقوداً كثيرة، أنت مهم جداً، ألم تسمع أنّ الأعداء حاولوا كثيراً سرقة مفتاح باب القلعة الذّهبي الّتي نسكنها، كي يتمكّنوا من دخولها، واحتلالها، لكنّهم فشلوا، وبقي سكّان قلعتنا بأمان وطمأنينة؟‏

-قفل.. هل أستطيع في المستقبل أن أصبح كبيراً ومذهّباً، لأقفل باب القلعة؟‏

-طبعاً.. شرط أن تتعلّم منذ اللحظة، كيف تحرس الأشياء، مهما كانت صغيرة ومهملة.‏

Nadine
14-06-2007, 04:44 AM
اقتربت دودة الأرض من جذر شجرة التفاح، ودغدغته، فضحكت الشجّرة، وقالت:‏

-كفى يا صديقتي أرجوك، أنا أهتزّ لكثرة الضّحك، وأخشى على ثماري من السّقوط.‏

توقّفت دودة الأرض عن الدّغدغة، وسألت:‏

-هل نضجت ثمارك؟‏

-أجل.. صار لون خدودها أحمر كشقائق النّعمان، وطعمها حلو كالسّكر، اصعدي إلى سطح التّربة وانظري إليها، إنّها بشوق لرؤية الدّودة الطّيبة، التي حرثت الأرض بأنفاقها، فأدخلت الهواء إلى التّربة، ليزيد خصوبتها.‏

فرحت دودة الأرض، وشقّت دهليزاً ضيّقاً باتّجاه الأعلى. كانت شجرة التّفاح المورقة، تشبه مظلّة خضراء، أمّا تفّاحاتها الحمراء، فكانت تتدلّى كقناديل.‏

ابتسمت التّفاحات، وقلن:‏

-أهلاً بصديقة الفلاّح والشّجر، الحمد لله أنّنا رأيناك قبل أن نُقطف، نحن نشكرك من كلّ قلوبنا، ونرجو أن تبقي صديقة أمّنا الشّجرة.‏

-سأبقى .. سأبقى، وداعاً.‏

ثمّ التفت على نفسها، وقبل أن تدخل دهليزها، لمحت ثوب أفعى صغيرة، ذا لون أبيض مطرّز، اقتربت منه دهشة، قالت:‏

-الله.. يا له من ثوب رائع، سألبسه.‏

صاحت الشّجرة:‏

-دودة.. احترسي، لا تلبسي الثّوب، إنّه لا يناسبك.‏

-لماذا؟.. انظري ما أحلاه.‏

-لا يغرّنّك منظره، إنّه ثوب الشرّ والغدر والخيانة.‏

-لا تخافي يا صديقتي، سأجرّبه.‏

لبست دودة الأرض ثوب الأفعى، نظرت إلى نفسها بزهو، قالت:‏

-يا للروعة.. صحيح أنّه فضفاض، لكنّه مريح.‏

قالت الشجرة متوسّلة:‏

-اخلعيه يا صديقتي الطّيبة، أرجوك.‏

نظرت إليها الدّودة بغضب، قالت:‏

-اصمتي.. أنا أعرف مصلحتي.‏

زحفت الدّودة بلباسها الجديد، سعيدة، فرحة.‏

كانت كلّما قطعت مسافة قصيرة، وقفت تتأمّل ثوبها الجديد بإعجاب، ثمّ عادت للزّحف.‏

تحوّلت الدّودة الطيّبة إلى حيوان مخيف، فالعصافير تطير مذعورة، والحشرات تختبئ عندما تراها، حتّى الضّفادع التي تنقّ على ضفّة السّاقية، صارت ترمي بنفسها في المياه بحثاً عن النّجاة.‏

أصيبت دودة الأرض بالغرور، أحسّت – أوّل مرّة- أنّها لا تحبّ الأرض، فصارت تتسلّق الأشجار تلتفّ على أغصانها، كأنّها تريد خنقها.‏

جاعت الدّودة، نظرت حولها، لمحت شرغوفاً صغيراً على ضفّة السّاقية، زحفت نحوه بانسياب وخفّة، مصدرة صوتاً يشبه الفحيح، وما هي إلاّ لحظات، حتّى لدغته في فخذه، فنقّ، ورمى بنفسه في الماء.‏

تقرّصت الدّودة، وراحت تنتظره، قائلة:‏

-لقد مات، سيطفو الآن على وجه الماء، كورقة يابسة. فجأة.. ظهر الشرغوف على سطح السّاقية، سابحاً ضاحكاً.‏

غضبت الدّودة، حاولت القفز نحوه، لتلدغه مرةً أخرى، لكنّ ثوبها علق بشوكة صغيرة، فانزلقت منه وارتمت على الضّفّة.‏

نظرت الدّودة إلى نفسها، قالت:‏

-ما أعظم غبائي، قضيت عمري تحت الأرض، أخاف الطير والشّمس، صحيح أنّني كنت محبوبة، ولكن ما نفع الحب؟‏

ثمّ توجهّت إلى الثّوب، لبسته، وبدأت تتحرّك لتتخلّص من الشوّكة.‏

وفجأة.. أحسّت بلحمها يتمزّق.‏

لقد رآها الفلاّح، ظنّها أفعى، فهوى عليها بفأسه. تحاملت دودة الأرض على نفسها، مطّت رأسها خارج الثوّب، نظرت إلى شجرة التّفاح، وتمتمت قائلة:‏

-سامحيني يا صديقتي، لأنّني لم أسمع نصيحتك فآثرت الحقد على الحب، لقد نلت جزائي، وداعاً أيتّها الشجّرة الحبيبة، و.. دا.. عاً..‏

Nadine
14-06-2007, 04:45 AM
كنت أراه كلّ يوم.‏

رجل عجوز، يضع نظّارة سوداء، ويحمل عكّازة معقوفة من الأعلى. كان يمرّ من حارتنا، نسمع صوت ضربات عكّازته، على أرض الزّقاق المرصوفة بالحجر، فنقف عن اللّعب، نتأمّله دهشين، حتّى يختفي عن أنظارنا عند المنعطف، آخر الزّقاق.‏

مرةً .. صادفته، كنت برفقة والدي، التفت إليّ، قال:‏

-هذا الرّجل كفيف، لا يرى شيئاً، أعانه الله.‏

بصراحة.. لم أرتح لمظهر العجوز، ذي النظّارة السّوداء، حتّى أنّني لم أقتنع بأنّه أعمى، كان يمشي وحيداً، يقطع الطّريق، يجتاز الحفر ينعطف، أحياناً يقف، يرفع رأسه عالياً، وينظر إلى عصفور مغرّد.‏

اليوم.. حدث أمر مثير.‏

كنت ألعب مع رفاقي، كعادتنا، وبينما نحن نركل الكرة، ظهر العجوز في أوّل الزقاق، كان يمشي ببطء شديد، ويتمايل، كبّطة جارتنا أمّ ياسر.‏

أمسكت الكرة، ووقفنا ننظر إليه، كان صوت ضربات عكّازته على الحجر، يشبه صوت نقّار الخشب، وهو ينقر لحاء الشّجر.‏

فجأة.. تعثّر العجوز بالحجر، الذي وضعناه لنحدّد المرمى وسقط على الأرض.‏

شعرت.. وللمرّة الأولى، أنّني أشفق عليه.‏

رميت الكرة، وركضت صوبه، كان يحبو كطفل صغير، يتحسس الأرض بكفيّه، باحثاً عن العكّازة.‏

عندما وصلت، أمسكت عكّازته، واقتربت منه، قائلاً:‏

-تفضّل يا عم، هذه عكّازتك.‏

أمسك العجوز عكّازته، اتكأ عليها ووقف، ثمّ مدّ يده، وراح يحرّكها، كأنّه يرسم خطوطاً في الهواء.‏

فطنت إلى أنّه يبحث عن رأسي، اقتربت من كفّه، أحسست بأصابعه الحنونة، تمسح برفق على شعري ووجهي.‏

-جزاك الله الخير يا بني، ما اسمك؟‏

-مضر.. مضر عبد العال، أسكن هناك، في أوّل الزّقاق، انظر. وأشرت باتّجاه البيت.‏

ابتسم العجوز، قال:‏

-أهلاً وسهلاً، تشرّفنا.‏

-إلى أين أنت ذاهب يا عم؟‏

-إلى السّوق، سأشتري خبزاً ولبناً.‏

-أتسمح لي بمصاحبتك؟‏

-لا بأس، لن نتأخرّ.‏

أمسكت يده، وسرنا معاً.‏

لم يستغرق مشوارنا أكثر من نصف ساعة، اشترينا الأغراض وعدنا.‏

كنت سعيداً بصحبته، لم أعد أشعر تجاهه بعدم الارتياح، على العكس.. صرت أحبّه كثيراً.‏

عند باب دارنا، أمسكت يد العجوز بقوّة، قلت:‏

-عم.. تفضّل، أبي في الدّاخل.‏

-شكراً لك، سأزوركم في يوم آخر، أنا مستعجل.‏

-أرجوك عم، لا تخجلني.‏

ورحت أقرع الباب.‏

فتح والدي الباب، سلّم على العجوز، ودعاه للدّخول. جلسنا في ساحة الدّار، تحت شجرة الدّراق، نشرب الشّاي ونستمتع بصوت الماء، الصادر عن النّافورة.‏

كانت رائحة الفلّ والياسمين تفوح، كلّما هبّت نسمة لطيفة، أخذ العجوز نفساً عميقاً، قال:‏

-هنّأك الله بهذا البيت، يا أبا مضر، إنّه جميل، فالقناطر الحجريّة فوق الأبواب والشّبابيك، مزخرفة ومنقوشة، السّاحة واسعة ومبلّطة بلونين جميلين، الزّهري والأسود، حتّى الأشجار أنواعها جيّدة، انظر إلى ثمار الدّراق كم هي كبيرة، ماشاء الله.‏

نظرت إلى العجوز دهشاً، قلت:‏

-عم.. كيف عرفت شكل القناطر، ولون البلاط، وحجم الدّراق؟!‏

ضحك العجوز، حتّى كادت الشّاي تندلق من حوافّ الكأس على أصابعه، قال:‏

-اسمع يا صغيري، أنا أرى بواسطة عكّازتي، لكن حينما تعرّفت عليك، صرت أرى بعينيك الجميلتين، فأنت من ذكر لي هذه التفاصيل، أثناء ذهابنا إلى السّوق، هل نسيت؟ ضربت جبيني، بكفّي الصغيرة، وضحكت، ضحكنا جميعاً، بينما كانت رائحة الشّاي الزّكيّة، تعبق بالمكان.‏

Nadine
15-06-2007, 09:36 AM
سألَ معلّمٌ تلاميذَه:‏

-"ماذا تودّون أن تكونوا في المستقبلِ؟".‏

فقالَ أحدُهم:‏

-"أنا جائعٌ، أريدُ أن أصبحَ رغيفَ خبزٍ".‏

وقالَ آخرُ:‏

-"أنا يتيمٌ، أريدُ أن أصيرَ أباً".‏

وقالَ ثالثٌ، وهو يرفرفُ بجناحيه:‏

-"أنا عُصفورٌ، أحبُّ الحريّةَ، وأكرهُ الأقفاصَ، ولن أكونَ في المستقبلِ إلاّ عُصْفوراً".‏

وحين لاحظَ المعلّمُ أنّ سامراً لم يَنْبِس بكلمةٍ(1)، اقتربَ منه، وربَّت على كتِفه، وسأَله:‏

-"بمَ تفكّرُ، يا سامرُ؟ ماذا ستكونُ في المستقبلِ؟".‏

فكّر سامرٌ هنيهاتٍ، وقالَ:‏

-"أريدُ أن أكونَ صلاحَ الدّينِ الأيّوبيَّ".‏

عندئذٍ صفّقَ التّلاميذُ لسامرٍ، وصمّموا أن يكونوا من فُوْرهم جنوداً في جيشِ صلاحِ الدّينِ الأيّوبيِّ.‏

(1) لم يَنْبِسْ بكلمة: لم تتحرّك شفتاه بشيء، وأكثر ما يستعمل هذا التّركيب في النّفي.‏

Nadine
15-06-2007, 09:37 AM
أضجرته الوحدةُ، فقالَ طارقٌ لأمِّه:‏

-"أريدُ أخاً صغيراً".‏

فقالتِ الأمُّ، وهي تضمُّه إلى صدرها:‏

-"غداً أشتري لكَ عروساً جميلةً".‏

وقالَ الأبُ، وهو يضحكُ:‏

-"بل سنشتري لكَ حصاناً".‏

وفي اليومِ التّالي ركبَ طارقٌ حصانَه الخشبيَّ، وأخذَ يجري من غرفةٍ إلى غرفةٍ، وهو يصهلُ، فقال الحصانُ:‏

-"لماذا تَزْعَقُ بوجهي؟ لقد أجْفَلْتَني، وأخفتَني".‏

فقالَ طارقٌ:‏

-"أنا أصهلُ، لا أزْعَقُ".‏

ثمّ أردفَ الحصانُ:‏

-"كاد الرَّسَنُ يخنُقني، اِرمِهِ من يدِكَ".‏

وحين حَرَنَ الحصانُ(1)، وهوى على الأرضِ متعباً، استلقى طارقٌ على سريرِه لاهثاً، وسألَ أمَّه:‏

-"كيف أتيتُ؟".‏

ابتسمتِ الأمُّ، وقالتْ:‏

-"اشترينا يومَ العيدِ عُلبةَ حلوى صغيرةً، وحينَ فتحنا العلبةَ، نهضْتَ منها كالعِفريتِ، ورحْتَ تصيحُ: ماما، بابا..".‏

ضحكَ طارقٌ، حتّى دمعتْ عيناه، وقرّر أن يغفوَ اللّيلةَ، وينتظرَ أيّامَ العيدِ الكبيرِ، حتَى يشتريَ عُلبةَ حلوى كبيرةً.‏

(1) حَرَنَ الحصان: وقف حين طُلب جريه، ورجع القهقرى.‏

Nadine
15-06-2007, 09:37 AM
نفخَ جنديٌّ في بوقِه، فاستيقظتِ النّجومُ، وهبَّ جنودُ المملكةِ من نومهمْ مذعورين، واجتمعوا في فِناءِ القصرِ، وحين أطلَّ الملكُ من الشُّرْفةِ متجهّمَ الوجهِ، أرعدتِ السّماءُ، وأبرقتْ، حتّى ملأتِ الجنودَ مطراً وخوفَاً.‏

قالَ الملكُ، وهو في أقصى الغضبِ:‏

-"أنتم جبناءُ، ترتعدون أمامَ أعداءِ الوطنِ كالفئرانِ. غزا الأعداءُ أطرافَ المملكةِ، وتوغّلوا كالنّملِ في شوارعِها وساحاتِها، حتّى غدتْ مثلَ عُلبةِ كِبريتٍ، وأنتم لا عملَ لديكم إلاّ التّآمرُ عليَّ وعلى حاشيتي. ماذا سيكتبُ عنكم التّاريخُ؟ وماذا سيقولُ؟ أيّها الوزيرُ، هؤلاء الجنودُ غيرُ مخلصين لي وللوطنِ، وهم لا يستحقّون إلاّ الموتَ".‏

وهكذا سيقَ الجنودُ إلى السِّجنِ، حتّى اكْتَظَّ بهم. همسَ أحدُهمْ في أذن آخر قائلاً:‏

-"في أيِّ عصرٍ يعيشُ صاحبُ الجلالةِ؟! لابدَّ أن يستيقظَ من نومِه الطّويلِ، حتّى يرى أنّ سيوفَنا قد تثلّمتْ(1)، وأنّ طائراتِ الأعداءِ تحصدُ رؤوسَنا".‏

قالَ الآخرُ، وهو يتلمّسُ رأسَه:‏

-"هذا الملكُ قصيرُ النّظرِ، لا يرى أبعدَ من المشانقِ والسّجونِ".‏

ضحكا في سرِّهما معاً، وأغفى كلٌّ منهما ليلتَه على حُلُمٍ جميلٍ، لا سلطةَ فيه إلاّ لمَلِكِ النّومِ. وفي الصّباحِ استيقظَ الجنودُ على قرارٍ ملكيٍّ بالإفراجِ عنهم جميعاً، لأنّ جلالةَ الملكِ عقدَ ليلةَ البارحةِ صُلحاً مع الأعداء، فنجتْ رؤوسُهم من المشانقِ، ونجا الملكُ وحاشيتُه من المكائدِ والدّسائسِ.‏

بكتْ يومئذٍ العصافيرُ، وهاجرتْ إلى بلادٍ بعيدةٍ بعيدةٍ.‏

(1) تثلّمت السّيوف: كَلّ حدّها، وتحفّر، فلم تقطع.‏

Nadine
15-06-2007, 09:38 AM
اعترضَ نورسٌ طريقَ موجةٍ في عُرْضِ البحرِ، فاكْفَهَرَّ وجهُ الموجةِ، وعلاه الزَّبَدُ. هاجتِ الموجةُ، وماجتْ، ولكنّ النّورسَ لم يأبه لها، بل أمعنَ في اللَّحاقِ بها، ثمّ حطَّ على ظهرِها، وأرادَ أن يستريحَ من عَناءِ الطّيرانِ الطّويلِ قليلاً.‏

صرختْ في وجهه، وقالتْ:‏

-"إلامَ تعترضُ طريقي، أيّها النّورسُ؟".‏

جَفَلَ النّورسُ، وفَزِعَ، وقالَ متلعثماً:‏

-"أنا تائهٌ في هذا المدى المَخوفِ، لا أعرفُ طريقاً إلى الشّاطئ. غفوتُ هنيهةً، وحين فتحتُ عينيَّ، افتقدتُ سِرْبَ النّوارسِ. أنا وحيدٌ، أيّتها الموجةُ، لا أبَ لي ولا أمَّ، ولا صديقَ لي سواكِ".‏

قالتِ الموجةُ، وهي تهيجُ، وتموجُ غضباً:‏

-"ابتعدْ عن طريقي، أيّها النّورسُ، وابحثْ عمّن يحملُكَ إلى الشّاطئ، فالبحرُ كبيرٌ، والأمواجُ كثيرةٌ".‏

قال النّورسُ، وهو يركبُ ظهرَ الموجةِ، ويتودّدُ إليها:‏

-"أنا متعبٌ، أيّتها الموجةُ، لا أقوى على الطّيرانِ. سأكونُ صديقَكِ الودودَ، وسأحكي لكِ قصّةً جميلةً، هي قصّةُ هجرةِ النّوارسِ من بلادِهم الباردةِ إلى بلادٍ دافئةٍ".‏

أزْبَدَتِ الموجةُ، وراحتْ تتقلّبُ غيظاً، وتتململُ سُخطاً، حتّى كادَ النّورسُ أن يغرقَ، فطارَ عنها، وحلّقَ ببصرِه إلى بعيدٍ، وهو يضربُ بجناحيهِ خوفاً وهَلَعاً، فرأى شاطئَ البحرِ، ولمحَ سِربْاً من النّوارسِ يتطايرُ هنا وهناك، والأمواجُ تتكسّرُ على الشّاطئ موجةً في إثرِ موجةٍ، ثمّ ترتدُّ، وتتلاشى.‏

من بعيدٍ..‏

أبصرَ النّورسُ الموجةَ، وهي تقتربُ من الشّاطئ، وتلهثُ من التّعبِ لهاثاً مسموعاً، فطارَ إليها، وحنا عليها قائلاً:‏

-"لن أنسى فضلَكِ عليَّ، ولن أنساكِ ما حييتُ".‏

هدأتِ الموجةُ، واطمأنتْ، ثمّ تراجعتْ رويداً رويداً إلى عُرْضِ البحرِ، وهي تترقّبُ بلهفةٍ عودةَ ذلك النّورسِ التّائهِ إلى بلادِه يوماً ما.‏

Nadine
15-06-2007, 09:38 AM
قرّرتْ يوماً سمكةُ سَلْمُون أن تعودَ إلى بلادِها البعيدةِ، فلوتْ رأسَها، وحدّقتْ بعينين دامعتين إلى الخلفِ، فلم ترَ إلاّ نهراً دافقاً، يهدرُ ماؤه كالرّيحِ في ليلةٍ عاصفةٍ، فيملأُ القلبَ هَلَعاً وخوفاً.‏

أسرّتِ السّمكةُ ما عزمتْ عليه، وراحتْ تتحيّنُ الفرصةَ للعودةِ، ولكنّ النّهر لم يسكنْ، ولم يهدأْ. انتظرتْ يوماً، ثمّ انتظرتْ أسبوعاً فشهراً، والنّهرُ يتدفّقُ غزيراً، ويوغلُ في السّهولِ والوديانِ، فتبتعدُ السّمكةُ عن بلادِها أكثرَ فأكثرَ.‏

ضاقتْ السّمكةُ بالنّهرِ ذَرْعاً(1)، فسألتْه بحَنَقٍ وغضبٍ:‏

-"إلى أين، أيّها النّهرُ؟".‏

أجابَ النّهرُ بصوتٍ هادرٍ كالعاصفةِ:‏

-"هناك حقولٌ وبساتينُ عطشى، تنتظرني منذ زمنٍ بعيدٍ".‏

قالتْ سمكةُ السَّلْمُونِ:‏

-"أريدُ أن أعودَ إلى بلادي حالاً".‏

قالَ النّهرُ، وهو يضحكُ:‏

-"سيجرُفُكِ التيّارُ إلى أمامٍ، ولن تقدري على الرّجوعِ خطوةً أو خطوتين إلى الوراءِ".‏

قالتْ السّمكةُ في أسى وحزنٍ:‏

-"اِهدأ قليلاً، أيّها النّهرُ الودودُ، وحاولْ أن تساعدَني مثلما تساعدُ أهلَ القرى، أينما سرتَ، وكيفما اتجهتَ".‏

قال النّهرُ:‏

-"طريقُنا طويلةٌ، والثّلوجُ على رؤوسِ الجبالَ كثيفةٌ، تذوبُ أيّامَ الرّبيعِ، فيفيضُ الماءُ، ويتدفقُ هادراً. أيّتها السّمكةُ الطّيبةُ، سنمضي حيثُ تتشقّقُ الأرضُ عطشاً، ويتضوّرُ النّاسُ جوعاً، ونحن خيرٌ وحياةٌ للأرضِ وللنّاسِ. قدرُنا واحدٌ، وهو أن نسيرَ معاً إلى أمامٍ حتّى النّهايةِ، فلا نلتفتُ إلى الوراءِ أبداً".‏

بكتْ يومئذٍ السّمكةُ، بكتْ حتّى فاضَ النّهرُ، وكاد أن يُغرقَ القرى، ولكنّها ذاتَ صباحٍ أحسّتْ أنّ النّهرَ قد ضَحَلَ ماؤه وقلَّ، فعزمتْ على العودةِ إلى بلادِها، والبلادُ خلفَها تنأى، وتبتعدُ، فلا يبقى منها إلاّ حُلُمٌ وذكرى.‏

تقاوتْ سمكةُ السَّلْمُونِ، وارتدّتْ إلى الوراءِ، وراحتْ تسبحُ عكسَ التيّار بسرعةٍ، والتيّارُ يصدّها مرّةً، ويرأفُ بها مرّةً أخرى، حتّى قطعتْ سهولاً، واجتازتْ أوديةً.. وفي طريقِها الطّويلةِ صادفت السّمكةُ جبلاً شاهقاً، لا يَطولُ ذِروتَه أحدٌ، فتوقّفتْ عن السّباحةِ، وأخذتْ تفكّرُ كيف تخرجُ من هذا المأزقِ الخطيرِ؟ والجبلُ يعلو، ويعلو أمام عينيها، حتّى يصلَ عَنانَ السّماءِ، فيتلاشى حُلُمُ العودةِ، وينأى الوطن بعيداً. فجأةً حطَّ طائرُ غُرْنوقٍ على ضفّةِ النّهرِ، ليشربَ من مائِه العذبِ، فلمحَ سمكةَ السَّلْمُونِ مكتئبةً حزينةً، شَحَبَ وجهها واسودَّ، وهَزَلَ جسمها ونَحَلَ، فسألها:‏

-"ما بكِ، أيّتها السّمكةُ؟ أراكِ شاحبةً هزيلةً!".‏

أجابت السّمكةُ، والحزنُ يعتصِرُ قلبَها:‏

-"أريدُ أن أعودَ إلى بلادي، وهذا الجبلُ-كما ترى- يقفُ كالجدار في وجهي، فلا أستطيعُ أن أجتازَه".‏

ضحكَ طائرُ الغُرْنوقِ، وأخذَ يضربُ بجناحيه سعيداً، وقال:‏

-"أنا سأحملُكِ إلى الطّرفِ الآخرِ من النّهرِ خلفَ الجبلِ".‏

سألته السّمكةُ بلهفةٍ وتعجّبٍ:‏

-"أحقّاً تستطيعُ، أيّها الطّائرُ؟! أخشى أن تستغرقَ وقتاً طويلاً، فأختنقَ، وأنا خارجَ الماءِ".‏

قال الغُرْنوقُ في عزيمةٍ وإصرارِ:‏

-"ستكونين على الطّرفِ الآخرِ من النّهرِ في غمضةِ عينٍ. إنّها مجرّدُ ثوانٍ، لا أكثرَ ولا أقلّ..".‏

قبض الغُرْنوقُ بقدميه على سمكةِ السَّلْمُونِ، وطارَ بها بعيداً، حتّى اعتلى قمّةَ الجبلِ، ثم هوى على النّهرِ سريعاً، وألقى السّمكةَ في الماءِ برفقٍ، وهي تلهثُ، وتتلوّى، ولمّا استردّتْ أنفاسَها شكرتْ لطائرِ الغُرْنوقِ معروفَه الجميلَ، ومضتْ في طريقها الطّويلةِ، تسبحُ عكسَ التيّار، وتحثُّ الخطى نحو المجهولِ.‏

(1) ضاقتْ بالنّهر ذَرْعاً: ضجرت منه، وتألّمت.‏

Nadine
15-06-2007, 09:39 AM
حلّقَ عُقابٌ ماكرٌ في أعالي السّماءِ، وراحَ ينافسُ الطّيورَ في التّحليقِ بعيداً، وحين بدا عليها التّعبُ حطَّ العُقابُ على رابيةٍ، تتبعه الطّيورُ، وهي تلهثُ، ثمّ أخذتْ تتنافسُ فيما بينها، وتتبارى، فقالَ طائرُ لَقْلَقٍ، وهو يقفُ على قدمٍ واحدةٍ:‏

-"من منكم يستطيعُ مثلي أن يقفَ على قدمٍ واحدةٍ؟".‏

أجابَ الصَّعْوُ- وهو أصغرُ الطّيورِ- قائلاً:‏

-"لا تغترَّ بنفسِكَ كثيراً، أيّها الأبلهُ، لستَ إلاّ أعرجَ".‏

وأردفَ ببغاءٌ ساخراً:‏

-"لا شكَّ في أنّكَ تحتاجُ عكّازين، فلعلّكَ تقدرُ على المشي جيّداً".‏

ثم رفع هُدْهُدٌ رأسَه عالياً، وأشار إلى قُنْزُعَةٍ عليه قائلاً:‏

-"من منكم يستطيعُ مثلي أن يحملَ هذه القُنْزُعَةَ على رأسه؟".‏

أجابَ نورسٌ:‏

-"أيّها الأحمقُ، هي مصدرُ رائحتِكَ الكريهةِ، فلا تتعالَ بها علينا، ولا تتغافلْ".‏

وأردفَ غُرابٌ ضاحكاً:‏

-"حقّاً، إنّكَ تبدو كالملكِ المتوَّجِ، ولكنّكَ ملكٌ بلا مملكةٍ، ونحن لسْنا رعاياكَ".‏

ثمّ دسّتْ نعامةٌ رأسها في التّراب، وقالتْ، وهي تتمايل يَمْنةً ويَسْرةً:‏

-"من منكم يستطيعُ مثلي أن يدسَّ رأسه في التّراب هكذا".‏

وحين دسّتْ النّعامةُ رأسَها في التّرابِ انقضَّ عليها العُقاب، وقبضَ عليها بمخالبه الحادّةِ، وطارَ بها بعيداً.‏

جَفَلَتِ الطّيورُ، وطارتْ إلى البعيدِ سرباً واحداً، لا يتعالى عليه لَقلَقٌ ولا هُدْهُدٌ، ولا يحتالُ عليه نسرٌ ولا عُقابٌ. ومنذ ذلك اليومِ تعلّمَ كلّ طائرٍ منها درساً قاسياً، لن ينساه طوالَ حياتِه.‏

Nadine
15-06-2007, 09:39 AM
إلى صديقي عبد اللّطيف الباير:‏

-"بُصرى مملكتك، ولا أرضى لك أن تكون ملكاً".‏

دبيّ في 10/3/1999‏

يُحكى أن في قديمِ الزمانِ جندياً، غافلَ يوماً الملكَ، وجلسَ على عرشه، وراحَ يصرخُ صراخاً مُدويّاً:‏

-"أنا الآن ملكُ البلادِ".‏

تردّدتْ صرختُه في أرجاءِ القصرِ، ووصلتْ أسماعَ الملكِ وحاشيتِه الّذين فاجؤوا الجنديَّ، وهو مازالَ جالساً على العرشِ، يرتجفُ من هَوْلِ المفاجأةِ، والجنودُ يُشهرون سيوفَهم الّلامعةَ في وجهِه، ولكنّ الملكَ أمرهم أن ينصرفوا عنه، ويتركوه وهذا الجنديَّ.‏

نهضَ عندئذٍ الجنديُّ من مكانِه، فأشار إليه الملكُ أن يجلسَ، فجلس، والسّيافُ يتراءى أمام عينيه المذعورتين شاهراً سيفه، يهُمّ بضربِ عُنقِه، فيرتعدُ هَلَعاً وخوفاً. حاول الجنديّ أن يفتحَ عينيه، ويرفعَ رأسَه قليلاً، فلم يستطعْ، وحاولَ أن ينهضَ من مكانِه ثانيةً، فلم تحملْه قدماه، والقصرُ يدورُ به، فلا يهدأُ، ولا يستقرُّ.‏

سأله الملكُ مستغرباً:‏

-أتظنُّ أنّ هذا الكرسيَّ الخشبيَّ يجعلُكَ ملكاً؟!".‏

أجابَ الجنديُّ، وهو يتلعثمُ:‏

-"هو مجرّدُ حُلُمٍ، يا صاحبَ الجلالةِ، ظلَّ يراودني منذ صغري".‏

ثمُ أردفَ الملكُ ضاحكاً:‏

-"أنتَ الآن ملكٌ، وأنا أحدُ رعاياكَ. بمَ ستحكمُ عليّ لو انقلبتُ عليكَ".‏

هبَّ الجنديُّ واقفاً، وقالَ معتذراً:‏

-"أستغفرُ اللهَ، يا صاحبَ الجلالةِ، ما أنا إلاّ عبدٌ من عبيدِكَ".‏

قالَ الملكُ:‏

-"اجلسْ، اجلسْ، أيّها الجنديُّ، وقلْ لي: كيف ستحكمُ بين هؤلاء النّاسِ الذين لا همَّ لهم إلاّ التآمرُ عليّ وعلى مملكتي".‏

قالَ الجنديُّ، وهو مطرقُ الرّأسِ:‏

-"إنّهم-يا صاحبَ الجلالةِ- لا يستحقّون إلاّ الموتَ، فلا رأفةَ بهم، ولا عطفَ عليهم".‏

قالَ الملكُ:‏

-"لا شكّ في أنّكَ جنديٌّ مخلصٌ لي وللوطنِ. أيّها الجنديُّ، أنتَ منذ اليومِ وليُّ عهدي الأمينُ".‏

يُحكى بعدئذٍ أنّ وليَّ العهدِ انقلبَ يوماً على الملكِ، وزجّه في السِّجنِ، حتّى ماتَ، وجلسَ على عرشِه منتشياً، لا يفارقُه لحظةً، ولكنّ جنديّاً غافله يوماً، وجلسَ عليه، وهو يقولُ:‏

-"أنا الآن ملكُ الزّمانِ".‏

ويحكى أنّ الملكَ تلمّسَ عندئذٍ رأسَه، وهو يرى أحدَ جنودِه يجلسُ مكانَه، وأمرَ من فوره السّيافَ أن يضرِبَ عنقَه، حتّى يكونَ عِبرةً لغيره من الجنودِ الذين لا يروقُ لهم من كراسي القصرِ جميعِها إلاّ كرسيُّ الملكِ.‏

Nadine
15-06-2007, 09:40 AM
أغفى عُصفورٌ ليلتَه، وهو يحلمُ بالحريّة، فرأى صيّاداً، يتربّصُ(1) بسربٍ من العصافير، وجعلَ يحذّرُ العصافيرَ من بندقيّةِ الصيّادِ، ويقولُ لها:‏

-"إيّاكِ والصيّادَ"‏

وحين نجتِ العصافيرُ، التفتَ إليه الصيّادُ، وقالَ:‏

-"سينامُ أولادي جياعاً".‏

قالَ العُصفورُ متعجّباً:‏

-"ضاقت الدّنيا بكَ وبأولادكَ، فلم تجدْ سوانا طعاماً!".‏

وعندما استيقظَ العُصفورُ من غفوتِه مذعوراً، ألفى بابَ القفصِ مفتوحاً، صفقَه بعنفٍ، زلزلَ الدّنيا، وأرعدَها، وطارَ بعيداً، يحلّقُ في الأفقِ الكبيرِ.‏

(1) تربّص به: انتظر به خيراً أو شراًّ، يحلّ به. وأكثر ما يستعمل هذا التّركيب في الشّرّ.‏

Nadine
15-06-2007, 09:41 AM
صباحُ الخيرِ، أيّها الصبّاحُ‏

أنا ديمةُ من أقصى الجنوبِ‏

انتظرني قليلاً‏

سآتي يوماً،‏

وأحملُ إليكَ وردةً حمراء".‏

قانا في 18/4/1996‏

من دفتر ديمة‏

نزلتْ قطرةُ مطرٍ على أرضٍ عطشى، والفصلُ خريفٌ، فارتوتِ الأرضُ، وجرتِ الأنهارُ.. وسقطتْ دمعةٌ حارّةٌ من عين لاجئٍ على التّرابِ، فنبتتْ سنبلةٌ، وتعالت نخلةٌ.. ووقعتْ قطرةُ دمٍ من شهيدٍ على حقل ألغامٍ، فأزهرتْ وردةٌ حمراءُ. وحين نهضتْ ديمةُ من نومها أشرقتِ الشّمسُ.‏

بَهَرَتِ الشّمسُ عيونَ الأعداءِ، فسدّدوا بنادقَهم إلى صدرها، وأخذوا يطلقون النّارَ وابلاً، فأصابتْ رصاصاتُهم الطائشةُ ديمةَ، وهي في طريقها إلى المدرسةِ، وأجهزَ واحدٌ منهم عليها(1)، فهوتْ ديمةُ على الأرض، وسال دمُها على التّراب أنهاراً، نبتتْ على ضفافها ورودٌ حمراءُ، والعدوُ يطلق النّارَ على الشّمس الّتي غابتْ توّاً خلف ظهور الرّجالِ.‏

(1) أجهز عليه: أسرع في قتله، وتمّم عليه.‏

Nadine
15-06-2007, 09:41 AM
(1)‏

قال الرّاوي: في مملكةٍ من ممالكِ الزّمانِ وسالف العصر والأوانِ كان ما كان.‏

يُحكى أنّ ملكاً من الملوك شاخ، حتّى بلغ الثّمانينَ من عمره، فأشار عليه حكيمٌ أن يولّيَ المملكةَ أحدَ أولادِه الثّلاثةِ، وإلاّ سيتربصُ(1) بها الأعداءُ، وسينقضّون يوماً عليها فريسةً سهلةً، فناداهم الملكُ العجوزُ على عَجَلٍ، وأمر الحكيمَ أن يختبرَ قوّةَ عزيمتهم وسدادَ رأيهم(2)، فالتفتَ إليهم الحكيمُ قائلاً:‏

-"الملكُ منكم مَنْ يُقْدِمُ على عملٍ مستحيلٍ، يجعله وليّاً لعهدِ مولاي الأمينِ".‏

تهلّلتْ وجوهُ الأمراءِ الثلاثة فرحاً، واستأذنوا الملكَ أن يمهلهم ثلاثةَ أيّامٍ، يفكّرُ خلالها كلُّ واحدٍ منهم بعملٍ ما، فوافق الملكُ على مَضضٍ(3)، وأمرهم بالانصرافِ إلى شؤونهم، وحين هَمّ الأمراءُ بالخروج من المجلس ناداهم من جديدٍ محذّراً:‏

-"أمامكم ثلاثةُ أيّامٍ، وإلاّ سيحيطُ بنا الأعداءُ كما يحيطُ السِّوارُ بالمِعْصَمِ".‏

انحنى الأمراءُ الثّلاثةُ، وخرجوا إلى قصورهم واجمين، يفكّرُ كلٌّ منهم بعملٍ عظيمٍ، يحظى برضى الملكِ، فالكبيرُ علاءُ الدّينِ يحلمُ منذ صغره أن يصبحَ ملكاً، فكان يضع تاجَ والدِه خِلسةً على رأسه، ويتباهى به أمام إخوته الصّغار، والأوسطُ صلاحُ الدّين يحلم أن يصبحَ وليّاً للعهد، فكان يرفع صوْلجانَ(4) الملك في وجهِ الصّغيرِ عزِّ الدّينِ، ويأمره أن ينحنيَ له، فينحني الصّغير صاغراً(5)، وهو يحلمُ أن يغافلَ يوماً والدَه، ويجلسَ مكانَه على عرشِه العاجيِّ الوثيرِ.‏

(2)‏

قال الرّاوي، وهو يقلّبُ كتاباً أمامه، اهترأتْ أوراقُه، واصفرّتْ:‏

في صباحِ اليوم التّالي أتى الأميرُ علاء الدّين القصرَ لاهثاً، ودخل المجلسَ بلا استئذانٍ، فلامه حكيمُ المملكةِ، وأمره أن يستأذنَ الحاجبَ في الدّخول على الملك، وحين وقف الأميرُ بين يدي الملكِ قال:‏

-"أنا أستطيعُ- يا صاحبَ الجلالةِ- أن أقلبَ النّهارَ ليلاً".‏

ابتسم الحكيمُ في وجهِ الملكِ المتجهّمِ(6)، وسأل الأميرَ ضاحكاً:‏

-"كيف ستقلب النّهارَ ليلاً، يا سيّدي الأمير؟".‏

أجاب الأميرُ- وهو يرفعُ قبضتَه في الوجوه- قائلاً:‏

-"سآمرُ جنودَ المملكةِ الشّجعانَ أن يلقوا الشّمسَ في زنزانة".‏

غضبتْ يومئذٍ الشّمسُ غضباً شديداً، وغربتْ باكراً، فساد المملكةَ ظلامٌ دامسٌ. خاف عندئذٍ الملكُ أن يباغتَ الأعداءُ المملكةَ، فأمر- والشّمسُ تشرقُ بوجهٍ ساحرٍ- بإغلاق السّجونِ في وجه ذلك الأميرِ المغفّل.‏

وفي اليوم الثّاني جاء الأميرُ صلاحُ الدّينِ قصرَ والدِه الملكِ، ودَلَفَ إلى مجلسه مستبشراً، فوجد الملكَ وحكيمَ المملكةِ في انتظاره، ألقى عليهما السّلامَ، وأردفَ قائلاً:‏

-"أنا أجرؤُ- يا صاحبَ الجلالةِ- أن أمنعَ نهرَ المملكةِ من الجريان".‏

سأله الحكيمُ، وهو يبتسمُ:‏

-"كيف ستمنعُ النّهرَ من الجريان، يا سيّدي الأمير؟".‏

أجاب الأميرُ- والملكُ يكادُ يتميّزُ من الغيظ(7)- قائلاً:‏

-"سأقيم في وجه النّهرِ سدّاً منيعاً".‏

ضحك النهرُ في سرّه ضحكاً خبيثاً، وراح يترقّبُ اليومَ الذي ينفّذُ فيه ذلك الأميرُ المغفّلُ ما عَزَمَ عليه، لأنّه عندئذٍ سيخزُنُ وراءه ماءً غزيراً، يروي به الفلاحون حقولَهم وبساتينَهم بعد أن كان يذهبُ هدراً في عُرْضِ البحرِ.‏

وفي اليوم الثّالث حضر الأميرُ عزُّ الدّين المجلسَ، وطأطأ رأسه بين يدي والدِه الملكِ، فأمره الحكيمُ أن يرفعَ رأسه قليلاً، ويعرض ما عنده من الرّأي أمام صاحبِ الجلالةِ، فقال الأميرُ:‏

-"أنا- يا صاحبَ الجلالةِ- أُصْلحُ ما أفسده الدّهرُ بيننا وبين الأعداءِ".‏

فسأله الحكيمُ متعجّباً مستغرباً:‏

-"كيف ستصلح ما أفسده الدّهرُ بيننا وبين الأعداء؟ بيننا وبينهم دمٌ لا ماءٌ، يا سيّدي الأمير!".‏

أجاب الأميرُ، وهو يُعرِضُ(8) بوجهه عن وجه والدِه المتجهّمِ:‏

-"نَعْقِدُ معهم صُلحاً".‏

انتفض الملكُ كعصفورِ ذبيحٍ، وطلب من حكيم المملكةِ أن يخرجَ هذا الأميرَ الجبانَ من القصر حالاً، ثمّ أمر بنفيه إلى جزيرة نائية، لا إنسَ فيها ولا جنَّ.‏

(3)‏

قال الرّاوي، وهو يطوي صفحةً من كتابه الأصفر:‏

تبرّأ الملكُ من أولادِه الثّلاثةِ، وأوصى الحكيم ألاّ حقَّ لهم في مُلْكٍ ولا إرثٍ، وأرسل إلى الرّعية رسولاً، يطوف بهم شارعاً شارعاً، وينادي فيهم عالياً:‏

-"أيّها الناسُ، مَنْ يُقْدِمْ على عملٍ مستحيلٍ، يُرضي به وجهَ اللهِ وجلالةَ الملكِ، يكنْ وليّاً لعهدِ مولاي الأمين".‏

سمع النّداءَ شبابُ المملكةِ ورجالُها، وراح كلّ منهم يفكّرُ بعملٍ ما، وكلّما دخل أحدُهم القصرَ رجع خائباً، ولكنّ فتى منهم- وهو المنتصرُ بالله- ألحّ على الحاجب أن يقابلَ جلالةَ الملكِ على انفرادٍ، فلم يأذن له، وظلّ هذا الفتى يتردّدُ على القصر أيّاماً، حتّى سمع الملك بقصّته، فطلبه، ورحّب به في مجلسه قائلاً:‏

-"قل ما عندك، يا بنيّ".‏

وقف المنتصرُ بالله بين يدي الملكِ رابطَ الجَأْشِ قويَّ العزيمةِ(9)، وقال له:‏

-"إذا كان أبناؤك- يا صاحبَ الجلالةِ- قد خذلوك، فأنا يتيمٌ، ليس لي أبٌ سواك، أضع عمري بين يديك، لتبقى شاباً قويّاً، أنا لا أعرف المستحيلَ، يا سيّدي".‏

لم يتمالك الملكُ نفسَه، فأقبل- وعيناه تَذرفان- على الفتى، يحتضنه كابنه، ويربّتُ على كتفه، ثمّ أجلسه إلى جانبه، واستدعى كاتبَ المملكة، وقال له:‏

-"اكتب: نحن- ملكَ الملوكِ- قرّرنا أن نتنازلَ عن عرشِنا الجليلِ لفتى الفتيانِ المنتصرِ بالله".‏

(4)‏

قال الرّاوي، وهو يغلق كتابَه الكبيرَ أمامه:‏

وهكذا تنازل الملكُ عن عرشه لهذا الفتى، وزوّجه من ابنتِه الوحيدةِ بدر البدور التي سُرعان ما طلبتْ منه العفوَ عن إخوتها الثلاثة، فرفض طلبَها، لأنّ الملك الرّاحل كان قد أوصاه- وهو في النَّزْعِ الأخيرِ(10)- أن يتركَهم وشأنَهم في منفاهُم البعيدِ البعيدِ.‏

دبيّ في 30/12/1999‏

(1) تربّص به: انتظر به شراًّ.‏

(2) سداد الرّأي: استقامته وصوابه.‏

(3) على مضض: على كره.‏

(4) الصَّوْلجان: عصا معقوفة، يحملها الملوك والسّلاطين.‏

(5) صاغراً: ذليلاً مهاناً.‏

(6) المتجهّم: العابس.‏

(7) تميّز من الغيظ: تقطّع، وتمزّق.‏

(8) أعرض بوجهه عنه: صدّ، وولّى، ومال.‏

(9) رابط الجأش: ثابت عند الشدائد، وقويّ العزيمة: قويّ الإرادة.‏

(10) النَّزْع الأخير: احتضار المريض، ونَزَع: أشرف على الموت

Nadine
15-06-2007, 09:42 AM
وقف شرطيٌّ في وجه الرّياحِ، والرّياحُ تعصِفُ بالأشجار، فلا تَذَرُ على الأرضِ منها زيتونةً ولا نخلةً، وسألها مستغرباً:‏

-"ماذا أصابك، أيّتها الرّياحُ؟".‏

أجابتِ الرّياحُ، وهي تجهشُ:‏

-"أنا حزينةٌ، أيّها الشّرطيُّ".‏

لم يسألِ الشّرطيُّ الرّياحَ عندئذٍ عن سرِّ حزنِها، لأنّه كان قد قرأ في الكتبِ القديمةِ أنّ الرّياحَ لا تحزنُ ولا تغضبُ إلاّ إذا استسلم النّاسُ للأعداء.‏

Nadine
19-06-2007, 04:45 AM
فرحتْ ليلى كثيراً، لأنَّ أُمَّها سمحتْ لها بالذهاب إلى الحديقةِ القريبةِ.‏

كان الفصلُ ربيعاً، والشمسُ ضاحكةً.‏

تمتعتْ ليلى بالأزهارِ الملوّنةِ، والفراشاتِ المرفرفةِ، والمناظرِ الجميلةِ.‏

وقبل أن تعودَ، اقتربتْ من الحارسِ بأدبٍ، وقالت:‏

ـ أرجو أن تعطيَني زهرةً حمراءَ، أقدّمها لأمي الحبيبة.‏

Nadine
19-06-2007, 04:46 AM
في الربيعِ، والشمسُ مشرقة‏

حطّ عصفورٌ دوريٌّ على سور المدرسة‏

سمعَ المعلمةَ‏

تسألُ الأطفالَ‏

عن أجملِ امرأةٍ في الوجودِ‏

لكنَّ العصفورَ طار.‏

وتنقَّلَ من مكانٍ لمكان.‏

يسألُ عن أجملِ امرأة‏

وحين عادَ‏

والشمسُ لا تزالُ دافئةً.‏

حكى للفراخِ الصغارِ.‏

عمّا رأى في النهار.‏

قال:‏

ذهبتُ إلى الرسّام.‏

قلتُ: يا فنَّانَ اللونِ الأجمل‏

أريدُ لوحةً‏

لأجملِ امرأةٍ في الوجود.‏

قال: اذهبْ إلى البستانيّ‏

***‏

قلت: يا فنّانَ الروضِ الأخضرِ.‏

أريدُ وردةً ناضرةً‏

لامرأةٍ رائعةٍ‏

قال: اذهبْ إلى بائعِ الوردِ.‏

***‏

يا بائعَ الورد:‏

أريدُ وردةً صافيةً مثل عينيها‏

قال: اذهب إلى بائع الزنابقِ.‏

***‏

يا بائع الزنبقِ:‏

هل مَسَحَتْ على رأسِكَ أصابعُ الحنان؟‏

وهل ربتتْ على كتفك يدٌ حانية؟‏

أريدُ زنبقاً كأصابعها.‏

قال: اذهبُ إلى بائع الحرير..‏

***‏

يا بائعَ الحريرِ:‏

هل شاهدَتْ أزهارَ الياسَمين؟‏

أريدُ ثوباً لأجملِ امرأةٍ.‏

قال: اذهبْ إلى ذلك البيتِ القريبِ.‏

***‏

في البيت القريبِ المجاور.‏

وجدتُ اللوحةَ الجميلة.‏

رأيتُ امرأةً تعمل بمهارةِ.‏

تمسحُ زجاج النافذة.‏

تسقي أصيصَ الزهرِ.‏

تقتربُ من طفلٍ صغير.‏

تُسرّحُ شعرَه.‏

تعطيه قطعةَ حلوى..‏

***‏

الطفلُ الصغيرُ يحملُ حقيبتَهُ المدرسية.‏

وعلى ثغرهِ ابتسامة‏

يُقَبّلُ يدَ المرأةِ.‏

وقبلَ أن ينطلقَ‏

يقولُ: "شكراً يا ماما"‏

Nadine
19-06-2007, 04:46 AM
أخذتْ ليلى علبةَ أقلامِ التلوينِ، وبدأتْ ترسمُ فوقَ الورقةِ بالألوان..‏

رسمتْ ليلى مدينةً مسوَّرةً بالوردِ والأزهارِ.‏

رسمت في وسطها شارعاً نظيفاً‏

رسمتْ في طرفِ الشارعِ منزلاً جميلاً.‏

رسمتْ في المنزلِ غرفةً‏

في الغرفةِ نافذةٌ للشمسِ والهواء.‏

داخلَ الغرفةِ سريرٌ.‏

بجانبِ السريرِ طاولةٌ.‏

الطاولةُ عليها سلَّةُ أزهار.‏

جلستْ ليلى فوقَ السريرِ.‏

قرَّبَتِ الأزهارَ من وجهها.‏

ثم شمّتها‏

ونامتْ.‏

Nadine
19-06-2007, 04:47 AM
قطفَ أحمدُ مع أبيهِ ثمارَ شجرةِ الكرزِ.‏

امتلأتِ السلَّةُ . لكنَّ بعضَ حبّاتِ الكرزِ الشهيّ ظلّت معلقةً على الأغصانِ العاليةِ...‏

قالَ الأبُ:‏

ـ أحمد... اصعدِ الشجرةَ بتأنٍّ واقطفْ بقيَّةَ حبّاتِ الكرزِ.‏

نظرّ أحمدُ إلى الحبَّاتِ الجميلةِ التي تتلألأَ تحت أشعَّةِ الشمسِ.‏

ثم ابتسمَ ، وقالَ:‏



ـ عفواً يا أبي... أرجو أن نتركَ الحبَّاتِ الباقيةَ للعصافيرِ...‏

Nadine
19-06-2007, 04:48 AM
غسلتْ ليلى الكأسَ جيَّداً، ثم ملأتْها ماءً، وسارتْ نحو أبيها.‏

كانَ أبوها يقرأُ الجريدةَ في ظلِّ شُجيرةِ الياسَمين.‏

عندما صارتْ ليلى قربَ أبيها. طارتْ زهرةُ ياسَمينٍ، وسقطتْ في الكأسِ.‏

توقَّفتْ ليلى، وفكَّرتْ لحظةً...‏

سألها أبوها:‏

ـ مابكِ يا ليلى؟ أعطني الكأسَ.‏

ابتسمتْ ليلى وهي ترى أوراقَ الياسَمينةِ يُحَرِّكُها الهواءُ، فتصلُ إليها رائحتُها المنعشةُ، وظلَّتْ واقفةً.‏

أعاد الأبُ سؤالَهُ:‏

ـ مابكِ يا ليلى؟!‏

ابتسمتْ ليلى من جديدٍ، وقالتْ:‏

ـ الياسَمينةُ تشيرُ إليَّ... إنها عطشى!‏

سقتْ ليلى الياسَمينَة، ثم ملأتِ الكأسَ من جديدٍ، وانحنتْ قليلاً، ثم قالتْ مبتسمةً:‏

ـ تفضَّلْ يا بابا...‏

Nadine
19-06-2007, 04:49 AM
شمَّتْ (عبير) الوردةَ الحمراءَ، وقالتْ:‏

ـ هذه الوردةُ جميلةٌ. سأقدّمها إلى معلَّمتي.‏

لكنَّ أخاها (خالداً) اعترضَ، وقالَ:‏

ـ سآخذها ـ أنا ـ وأقدِّمُها إلى معلِّمي.‏

أمسكتْ (عبير) الوردةَ وأبعدتها.‏

لكنَّ (خالداً) شدَّها...‏

فحزنتِ الوردةُ، وتناثرتْ أوراقُها على الأرضِ.‏

Nadine
19-06-2007, 04:49 AM
راقبوا جيِّداً‏

صديقيَ الصغيرَ‏

إنه يأخذُ من أبيهِ قطعةَ النقودِ‏

ويركضُ مسرعاً إلى الحانوتِ.‏

انظروا إليه‏

انظروا جيِّداً‏

إنه كعادتهِ كلَّ يومٍ‏

يشتري (بالوناً).‏

انظروا كيف ينفخ (البالون).‏

ينفخُ....‏

والبالونُ يكبرُ.. يكبرُ...‏

ثم ينفجرُ!!!...‏

Nadine
19-06-2007, 04:50 AM
كنتُ مع أهليّ على ضفِّةِ النهرِ، نتمتَّعُ بالمنظرِ الجميلِ...‏

قلتُ لأخي سامر:‏

ـ تعالَ نشاهدِ الصيَّادين.‏

وقفنا دقائقَ ننظرُ إلى الصيادين، وهم يصطادون السمكَ... تمنَّيتُ لو كان معنا (سنارة) نصطادُ بها، ونجرِّبَ حظَّنا...‏

قلتُ لسامر:‏

ـ سأشتري شيئاً أتسلَّى به، من الدكان.‏

ذهبنا إلى الدكانِ القريبِ. كان يحتوي على كلِّ شيءٍ... اشتريتُ قصَّةً ملوَّنةً، لكنَّ سامراً قرَّرَ شراء (بالون).‏

سألتهُ:‏

ـ لماذا اخترتَ (البالون)؟‏

فأجابَ:‏

ـ لأنَّه يسلِّيني طوالَ الوقتِ.‏

ضحكتُ في سرِّي، وجلستُ على مَرجٍ أخضرَ بجانب أُمِّي وأبي، أمامَ النهر، وأخذتُ أقرأُ القصَّة، بينما نفخَ سامرٌ (البالون) فصارَ كبيراً.. كبيراً، حتى ظننتُ أنَّهُ سينفجرُ!...‏

بدأ سامرُ يلعبُ بالبالون. يضربه بيده، فيعلو قليلاً في الجوِّ، ثم يلحقُ به، والسعادةُ تغمرُ نفسَه. لكنَّه ضربَه ضربةً قويةً بيدهِ، فاندفع (البالونُ) بعيداً...‏

لاحقناه جميعاً بأنظارنا، حتى رأيناه يحطُّ مثلَ بطَّة فوق الماءِ! ... وذهبَ مع النهرِ... مسكينٌ سامر!!.. ظلَّ ينظرُ إليه حتى غابَ عن الأنظارِ، وقد بدتِ الخيبةُ على وجهه... وحين التفتَ إليَّ حزيناً. شاهدَني أطالعُ قصَّتي الملوَّنةَ، ولكني كنت ـ في الحقيقةِ ـ أضحكُ من أعماقِ قلبي، ضحكةً طويلةً...‏

Nadine
19-06-2007, 04:51 AM
ذاتَ ليلٍ ربيعيٍّ دافئٍ، أحبَّتْ ليلى السهرَ في ضوءِ القمر، حتى ساعةٍ متأخِّرةٍ.‏

قالتْ لها أُمُّها:‏

ـ هيَّا يا ليلى. اذهبي إلى النوم.‏

قالتْ ليلى:‏

ـ لكنِّي أحبُّ القمرَ.‏

ـ القمرُ (سيزعلُ) منكِ. إذا لم تنامي الآنَ.‏

قالت ليلى للقمرِ:‏



ـ هل صحيحٌ (ستزعلُ) منِّي لأني أُحبُّ السهرَ معك؟‏

ابتسمَ القمر، وغمرها بأشعَّتهِ الفضيَّة.‏

عندَ الصباحِ استيقظْت ليلى متأخَّرةً، ونظرتْ إلى أمّها تعاتُبها:‏

ـ لماذا لم توقظيني باكراً؟‏

ردَّتِ الأمُّ:‏

ـ لأنَّ القمرَ قد (زعلَ) منكِ.‏

عندئذٍ أدركتْ ليلى خطأها، واعتذرتْ من أُمِّها قائلةً:‏

ـ لن يزعلَ القمرُ مني بعدَ اليوم، لأني سأنامُ باكراً.‏

Nadine
19-06-2007, 04:51 AM
كلما خرجتُ من المدرسةِ في الشتاءِ، أشاهدُ سيَّارةً صغيرةً تنتظرُ تلميذةً صغيرةً مثلي قربَ بابَ المدرسةِ، وما إنْ تصلُ إليها حتى يفتحُ لها السائقُ البابَ، ثم تسيرُ السيَّارة...‏

أتابِعُها لحظاتٍ بأنظاري، ثم أسيرُ تحتَ المطرِ بجانبِ الجدارِ.‏

عندما عدْتُ أمسِ من المدرسةِ، كان المطرُ غزيراً، وحينما شاهدتْ أمي شعريَ وثيابيَ المبلَّلةَ، أسرعتْ إليَّ، فقبَّلتني، وضمَّتني إلى صدرها، ثم قادتني إلى جانبِ المدفأةِ، وقالت مبتسمةً:‏

ـ أولَ الشهرِ. عندما يستلمُ بابا راتِبَهُ، سأطلبُ إليه أن يشتريَ لكِ مظلَّةً صغيرةً..‏

Nadine
19-06-2007, 04:52 AM
صديقتي سميرةُ. ثوبُها نظيفٌ، لكنَّهُ قديمٌ، يتمزَّقُ دائماً، فتصلحهُ أُمُّها...‏

في المدرسةِ تقفُ وحدَها حزينةً. لا تضحكُ، ولا تلعبُ، ولا تضعُ في فمها سكَّرةً، وكلَّما شاهدْتُها واقفةً بجانبِ حديقةِ المدرسةِ وحيدةً، أشعرُ بالحزنِ، مع أني مثلُها، ليس لديَّ سكّرةٌ أو قطعةُ كعكٍ، ولكنَّ ثوبي لم يكنْ ممزقاً..‏

هذا اليوم، قرّرتُ مساعدتها، وعلى الرغم من أنني لا أملكُ شيئاً، فقد تقدَّمتُ منها، وقدَّمت لها ابتسامةً دافئة.‏

Nadine
19-06-2007, 04:52 AM
قالَ خالدٌ:‏

ـ هل تسمحين لي أيَّتها النحلةُ بدخول بيتكِ.‏

ـ ابتعدْ أيها الطفلُ!..‏

ـ ولكنِّي أحبُّ أنْ أتعلَّمَ، طريقةَ صُنْعِ العسلِ.‏

ـ المسألةُ سهلةٌ. أخرجُ في الصباحِ الباكرِ. أطيرُ نحوَ الحقولِ والحدائقِ، أجمعُ رحيقَ الأزهارِ، ثم أُحوِّلُهُ إلى عسلٍ، وأضعُهُ في الخلية.‏

مدَّ خالدٌ إصبَعَهُ ليذوقَ العسلَ.‏

ـ آه!... لقد لسعتني نحلةٌ. يدي تؤلمني!!‏

ضحكتِ النحلةُ وهي تنظرُ إلى يدِ الطفلِ...‏

حين سحبَ خالدٌ يدَهُ... وقفَ لحظاتٍ يفكّرُ. ثم قالَ:‏

ـ "أنتِ رائعةٌ أيَّتها النحلةُ. تدافعينَ عن بيتكِ دفاعَ الأبطالِ"!...‏

Nadine
19-06-2007, 04:53 AM
منتصفَ الشهرِ..‏

عندما صارَ القمرُ بدراً... قالتْ ليلى:‏

"ما أصغرَ القمرَ!... إنَّه مثلُ الدائرةِ التي أرسمُها في دفتري... غضبَ القمرُ. وقالَ لليلى:‏

ـ أنا القمرُ. كبيرٌ... كبيرٌ جداً. ولا يستطيعُ الأطفالُ معرفةَ حجمي!!!...‏

قالتْ ليلى: "هذا القمرُ متكبِّرٌ!!... إنه بحجمِ رغيفِ الخبزِ...".‏

لكنَّها في المدرسةِ، عندما كانتْ تُصغي‏

إلى المعلِّمةِ في درسِ العلوم، وهيَ تشرحُ‏

"دورةَ القمرِ الشهريةِ"‏

قالتْ:‏

ـ كم كنتُ متسرِّعةً!... القمرُ لم يكن متكبِّراً... وإنما أنا التي حكمتُ عليه قبلَ أن أعرِفَ الحقيقةَ جيِّداً.‏

Nadine
19-06-2007, 04:53 AM
حملتُ إبريقَ الماءِ، وبدأتُ أسقي شُجيراتِ الحديقةِ... سقيتُ الياسمينةَ والورداتِ، والداليةَ، وشجرةَ الزيتونِ الصغيرةَ...‏

ثم شاهدتُ بعض الأعشابِ حولَ شجرةِ الزيتونِ، فقلعتُها، وسقيتُها ثانيةً.‏

كانتْ أمي تنظرُ إليَّ معجبةً، وعندما أنهيتُ عملي، شكرتني، وسألتني عن سبب عنايتي الزائدة بشجرة الزيتون.‏

فابتسمتُ وقلت لها:‏

لأن المعلمةَ قالتْ لنا اليومَ: "إنها شجرةٌ مباركةٌ تحبُّ بلادَ الشامِ"..‏

Nadine
19-06-2007, 04:54 AM
في ساحةِ القريةِ.. اجتمعَ الأطفالُ..‏

قالوا: سنلعبُ لعبةَ العساكر واللصوص.‏

فرحوا كثيراً وبدأوا يوزِّعون الأدوراَ..‏

ـ أحمدُ : ضابطٌ.‏

ـ حسانُ: شرطيٌّ.‏

ـ نبيلُ : حارسٌ.‏

ـ أما خليلُ وحسينُ وبسَّامُ فسيقومون بتمثيلِ دورِ اللصوصِ.‏

رفضَ الثلاثةُ معاً تمثيلَ دورِ اللصوصِ.‏

ولم تتمّ اللعبةُ.‏

Nadine
19-06-2007, 04:55 AM
قالتْ سلوى:‏

ـ ألا تحبُّني يا سامرُ؟‏

ـ أحبُّكِ.. أنتِ أختي.‏

ـ إذنْ أرجو أنْ تشرحَ لي الدرسَ.‏

شرحَ سامرٌ الدرسَ، لكنَّ سلوى قالتْ:‏

ـ ما دمتَ تحبُّني يا سامرُ، أرجو أن تُجيب ليَ عن الأسئلةَ.‏

ضحكَ سامرٌ كثيراً، ثم اعتذرَ قائلاً:‏

ـ ومن سيجيب لكِ عن الأسئلةَ، غداً في الامتحانِ؟!....‏

Nadine
19-06-2007, 04:56 AM
عند المساءِ كانتْ ليلى وحيدةً في المنزلِ..‏

كتبتْ واجباتِها المدرسيةَ، وجلستْ تنتظرُ عودةَ والديها، لكنَّها خافتْ أن تنامَ، فنهضتْ إلى التلفازِ.‏

ـ هذا "توم وجيري" لقد كرهتُهُ!‏

ـ وهذا "السوبرمان" لا أُحبُّه!!‏

ولكنْ هذا "خالدُ بنُ الوليدِ" يا الله‏

ما أروعه!!!...‏

شاهدتْ ليلى أبا عبيدةَ بنَ الجرَّاحِ، أمامَ سورِ البابِ الشرقيِّ لمدينةِ دمشقَ يحاصرُ المدينةَ، وبجانبه خالدُ بنُ الوليدِ، وبقيَّةُ أفراد الجيشِ يقاتلون بشجاعةٍ، وما إن فتحَ بابَ السورِ الكبيرِ، حتى تَنَفَّسَتْ ليلى بعمقٍ وشعرتْ بالسعادةِ، وأغمضتْ عينيها، ولم تنتبهْ إلاَّ على رنينِ الجرسِ المتواصلِ، فنهضتْ مسرعةً، وفتحتِ البابَ، واعتذرتْ من والديها إن كانتْ تأخَّرتْ في فتحِ البابِ.‏

Nadine
19-06-2007, 04:56 AM
مرَّ رجلٌ أحمقُ بعقربٍ فحيَّاها.‏

ردَّتِ العقربُ التحيةَ، وقالتْ له:‏

ـ أنتَ رجلٌ عاقلٌ، وتحبُّ الخيرَ. أليسَ كذلك؟‏

قال الرجلُ الأحمقُ فرحاً:‏

ـ أجل أنا رجلٌ عاقلٌ جداً، وأحبُّ الخيرَ كثيراً.‏

ـ إذنْ اقتربْ مني وأخرجْ هذه الشوكةَ من ذنبي.. إنها مؤلمةٌ جدَّاً.‏

تقدَّمَ الرجلُ الأحمقُ من العقربِ، ومدَّ يده ليخرجَ الشوكةَ، من ذنبها، فلسعته!..‏

عندئذٍ صرخَ من الألمِ، وقالَ معاتباً:‏

ـ ماذا فعلتِ أيَّتها الحمقاءُ؟!..‏

Nadine
19-06-2007, 04:57 AM
عاشتِ الصفدعةُ عند سدٍّ، خَلْفَهُ ماءٌ، وفجأةً شاهدتْ ثقباً في السدِّ يتسرَّبُ منه الماءَ، فخافت أن يضيعَ ماءُ السدِّ، لذلك بدأتِ العملَ بهمَّةٍ ونشاطٍ.‏

مرَّ الصرصور فشاهدَ الضفدعةَ تدحرجُ حصاةً أمامها. فسألها:‏

ـ ماذا تفعلين أيتها الضفدعةُ؟‏

أجابتِ الضفدعةُ:‏

ـ الماءُ يتسرَّبُ من السدِّ، وأنا أعملُ على إيقافهِ.‏

نظرَ الصرصورُ إلى الماءِ المتدفِّقِ من السدِّ، فقالَ لها:‏

ـ إنكِ لن تستطيعي سدَّ الثقبَ، ومنعَ الماءَ من التدفُّقِ. إن ذلك يحتاجُ إلى عددٍ كبيرٍ من الضفادع، وأنتِ صغيرةٌ، والثقبُ كبيرٌ... أنصحكِ أن تتركي هذا المكانَ، وترحلي عنه..‏

قالت الضفدعةُ:‏

ـ كيف أتركُ هذا المكانَ الذي عشتُ فيه، وكيفَ أعيشُ بلا ماء؟!‏

فكَّرتِ الضفدعةُ قليلاً، ثم جمعتْ قوَّتها وأخذتْ تدفع الحصاةَ وتدحرجها، وهي تقولُ للصرصور:‏

ـ انصرف عني.. إلى غنائك ولهوك... ودعني أكملْ عملي، ومهما كان الثقبُ واسعاً... فأنا لن أتأخَّرَ عن القيام بواجبي...‏

Nadine
19-06-2007, 04:57 AM
جاعَ الغرابُ‏

فسرقَ قطعةَ جبنٍ وطارَ‏

حطَّ فوقَ شجرة‏

قالَ: أنا سعيدٌ جدَّاً‏

هنا سآ كلُ قطعةَ الجبنِ‏

وأستنشقُ الهواءَ النقيَّ‏

لكنَّ الغرابَ شاهدَ حديقةً‏

الحديقةُ في المدرسةِ‏

قالَ : الطعامُ بين الأزهارِ أشهى وأطيبُ‏

حطَّ الغرابُ في الحديقةِ‏

وفي منقاره قطعةُ الجبنِ‏

في المدرسةِ تعالتْ أصواتُ الأطفالِ بالغناءِ.‏

أنصتَ الغراب إلى اللحنِ الجميلِ والكلماتِ العذبةِ.‏

أعجبَهُ اللحنُ، فقال:‏

هؤلاءِ الأطفالُ سعداءُ جدَّاً‏

طَرِبَ الغرابُ لأصواتهم، فرقصَ،‏

وأحبَّ غناءَهم فغنَّى‏

وقد نسيَ قطعةَ الجبنِ التي تدحرجتِ بين العشبِ‏

وظلَّ يرقصُ، ويغنّي‏

حتى قرعَ الجرسُ‏

واندفعَ الأطفالُ إلى الباحةِ يلعبون‏

فطارَ الغرابُ سعيداً‏

ونسيَ أنَّهُ جائع...‏

Nadine
19-06-2007, 04:58 AM
نقرَ العصفورُ ثلاثَ نقراتٍ على زجاجِ شبَّاكِ ليلى:‏

ـ استيقظي يا صديقتي.الشمسُ مشرقةٌ، والساعةُ تجاوزتِ الثامنةَ، لقد تأخَّرتِ عن المدرسةِ..‏

ضحكتْ ليلى، وأيقظتْ أختَّها سميرةَ، وقالتْ لها:‏

ـ اسمعي، اسمعي يا سميرةُ، يبدو أن مدارسَ العصافيرِ لا تعطِّلُ في فصلِ الصيفِ!...‏

Nadine
19-06-2007, 04:58 AM
كانت العصفورةُ تُغرّدُ على سورِ المدرسةِ، فأحبَّتْ أن تتعلَّمَ مثلَ التلميذاتِ الصغيراتِ.‏

تقدَّمتْ نحوَ المديرةِ مستأذنةً:‏

ـ يا آنسةَ: هل تسمحينَ لي بأن أكونَ تلميذةً ، أتعلَّمُ مع البناتِ الجميلات؟‏

قالتْ المديرةُ:‏

ـ التلميذةُ يجب أن تلبسَ (صدّارةً)، وتضعَ شريطةً على شعرها، وتُحضَر حقيبةً فيها دفترٌ وقلمٌ...‏

حزنتِ العصفورةُ، وعادتْ إلى السورِ، فشاهدَها الصيّاد، فسألها:‏

ـ لماذا تقفينِ على سورِ المدرسةِ؟‏

ـ أريدُ أن أتعلمَ القراءةَ والكتابة.‏

ـ ولكنكِ عصفورةٌ تجيدين الزقزقةَ والطيرانَ.‏

قالتِ العصفورةُ:‏

ـ أريدُ أن أكتبَ اسميَ على العشِّ، والأشجارِ، والأزهارِ، والسهولِ، والمروجِ، والسماءِ الجميلةِ، والأوديةِ والجبالِ...‏

ضحكَ الصيَّادُ، وقال:‏

ـ إذن، اقتربي. سأكونُ معلّمَكِ، وتصيرين تلميذتي.‏

اقتربتِ العصفورةُ من الصيَّاد. فشاهدتِ (الحقيبةَ) الملأى بالعصافير، فطارتْ هاربةً.‏

نادى الصيّاد بأعلى صوتهِ:‏

ـ لماذا تطيرين؟... ألم تقولي إنك ستتعلَّمين القراءةَ والكتابة؟!‏

ضحكتِ العصفورةُ، وهي تصفُّقُ بجناحيها، وتقولُ:‏

ـ ظننتُ في حقيبتكَ العلمَ والنورَ، فهربت عندما شاهدت الريشَ، والدم المنثور.‏

Nadine
19-06-2007, 04:59 AM
بالأمسِ تساقطُ الثلجُ الجميلُ، فغطَّى الأرضَ والأشجارَ والسطوحَ؛ واليومَ سطعتِ الشمسُ الدافئةُ.‏

نظرتُ من الشرفةِ، فأعجبني المنظرُ البديعُ.‏

قلتُ لنفسي: سأصعدُ إلى السطحِ، لأتمتَّعَ بجمال الطبيعةِ الخلاَّب... ولكني تذكَّرتُ البلبلَ الصامتَ الذي لم يغرّدْ منذ يومين. لعلّه يحسُّ بالبردِ.لذلك حملتُ القفصَ، وصعدتُ إلى السطحِ، ووضعتُهُ قريباً مني، تحتَ أشعَّةِ الشمسِ الدَّافئةِ، فنفشَ البلبلُ ريشَهُ، وقفزَ، وغرَّد قليلاً ثم صمت.‏



وبينما كنتُ أرسلُ نظري إلى الأفقِ البعيدِ، أتمتّع بمنظرِ البساطِ الناصعِ البياضِ الذي يكسو الأرضَ، سمعتُ زقزقةً صاخبةً، وشاهدتُ عصفوراً كان يقف على حافَّةِ المدخنة.‏

قلت لنفسي: لعلَّ العصفورَ يحسّ الآن بالبرد، ويريدُ أن يأوي إلى مكانٍ دافئٍ.‏

وفي الحالِ، اقتربتُ من القفصِ، وفتحتُ البابَ، ثم ابتعدتُ عنه، لعلَّ العصفورَ الغريبَ يستأنسُ بالبلبلِ فيأتي إليهِ، ويدخلُ القفصَ.‏

غرَّدَ البلبلُ، فردَّ العصفورُ بزقزقةِ عذبةً... فرحتُ كثيراً، وحسبتُ أنهما يتبادلان الحديثَ، وأن العصفورَ لابدَّ أن يأتيَ إلى القفصِ ليأكلَ الحبَّ ويشربَ الماءَ، ويشاركَ البلبلَ في مسكنهِ الدافئ... ولكنْ ياللعجب!!! كم كانت دهشتي كبيرةً حين شاهدتُ البلبلَ يخرجُ من القفصِ ويطيرُ إلى المدخنةِ، حيث يقفُ العصفورُ.‏

ويرسلُ الاثنان ألحاناً عذبةً رائعةً، ثم يطيرانَ معاً، ويحلّقان في السماءِ الصافيةِ الزرقاءِ...‏

Nadine
19-06-2007, 04:59 AM
حطَّت العصفورةُ على الشبَّاكِ، وأرسلتْ ألحانها العذبةَ...‏

رفعتْ (ليلى) رأسها عن السريرِ، وعركتْ عينيها، ثم سألتها:‏

ـ لماذا تأتينَ كلَّ صباحٍ، وتزقزقينَ قربَ سريري؟‏

ـ لأقولَ لكِ : "صباحُ الخيرِ"..‏

عندما طارت العصفورةُ، فكَّرتْ ليلى: "ـ ألا يجب أن أردَّ على تحيَّتها؟"..‏

قبل أن تنامَ. وضعتْ ليلى بضعَ حبَّاتٍ من القمحِ على حافَّةِ الشبَّاكِ.‏

عند الصباح. غَرَّدَتِ العصفورةُ كثيراً، ففرحتْ ليلى، ولم تنسَ عند المساءِ أن تضعَ حبَّاتِ القمحِ.‏

في الصباح الثاني. استيقظتْ ليلى على أصواتِ عصافيرَ كثيرةٍ، فهتفتْ بفرحٍ:‏

ـ يا إلهي.. ما أسعدني... لقد صارَ عندي سربُ عصافير!‏

Nadine
19-06-2007, 05:00 AM
فتحتِ القطَّةُ بابَ القفصِ، وقالتْ للعصفور:‏

ـ اخرجْ بسرعةٍ!!‏

بدأ العصفورُ يخرجُ، وعندما صارَ بباب القفصِ، وفتحَ جناحيهِ ليطيرَ انقضَّتْ عليه القطَّةُ، لكنها لم تستطعْ اصطيادَه!!‏

عادَ العصفورُ إلى داخل القفصِ، وهو يرتجفُ من الخوف.‏

قالتِ القطَّةُ:‏

ـ سأفتحُ بابَ القفصِ مرةً ثانيةً. هيَّا. اخرجْ إلى الحرية.‏

قال العصفورُ معتذراً:‏

ـ الحريَّةُ شيءٌ لا يقدَّرُ بثمنٍ، لكنَّ القفصَ أحبُّ إليَّ الآنَ من أنيابكِ، وعندما يأتي الطفل المخلّص، ويفتحُ لي بابَ القفصِ، لن أتأخَّرَ لحظةً واحدةً عن الخروجِ إلى الشمسِ والهواءِ والعالمِ الجميلِ...

Nadine
19-06-2007, 05:00 AM
قالَ القطُّ للعصفورة:‏

ـ ساعديني على فتحِ بابِ القفصِ لأنامَ عِندَكِ.‏

تساءلت العصفورةُ:‏

ـ لماذا تنامُ عندي؟‏

ـ لأحكيَ لكِ الحكاياتِ المسليَّةَ.‏

ـ ولكني لا أحبُّ الحكاياتِ. أنا أحبُّ الغناءَ.‏

قالَ القطُّ:‏

ـ صوتي عذبٌ. هيَّا افتحي ـ معي ـ بابَ القفصِ.‏

قالتْ:‏

ـ أسمعْني غناءَكَ أولاً.‏

عندما بدأ القطُّ يغنّي "مياو... مياو" شاهدتِ العصفورةُ أنيابَهُ، فأسرعتْ بإغلاقِ بابِ القفصِ جيِّداً.‏

ـ لماذا أحكمتِ إغلاقِ البابِ.؟.... هل خفتِ منّي؟!..‏

قالتِ العصفورةُ:‏

ـ السجنُ بين قضبانِ القفصِ، خيرٌ لي من الموتِ بين أنيابِ قطٍّ مفترسٍ!!‏

Nadine
19-06-2007, 05:01 AM
قطتَّانِ كانتا تلعبانِ فوقَ سطحٍ من الصفيحِ، كان الثلجُ يُغطي كل شيءٍ، لكنَّ الشمسَ ساطعةُ. توقفتِ القطَّةُ الأولى عن اللعبِ،وقالتْ لأختها:‏

ـ مياو.. مياو... الشمسُ دافئةٌ.‏

قالتِ الثانيةُ:‏

ـ مياو.. مياو... هيَّا نلعبْ ونقفزْ فوقَ الثلجِ..‏

قفزتِ القطَّةُ الثانيةُ عدَّةَ مرَّاتٍ. لكنَّها رأتْ أختَها واقفةً، فسألتها:‏

ـ لماذا لا تلعبينَ وتقفزين؟!‏

ردَّتِ الثانيةُ:‏

ـ أنصتي قليلاً، واسمعي.‏

ـ ماذا أسمعُ؟!..‏

ـ البيتُ الذي نلعبُ فوقَهُ، فيهِ طفلٌ مريضٌ، ولعلَّهُ بحاجةٍ إلى الهدوءِ والرَّاحةِ...‏

Nadine
19-06-2007, 05:02 AM
جلستْ ليلى تكتبُ واجباتِها الليليةَ...‏

كلُّ شيءٍ هادئٌ في البيتِ...‏

التلفازُ مغلقٌ...‏

المذياعُ صامتٌ...‏

الأمُّ تنسجُ (كنزةَ) الصوفِ...‏

فتحتْ ليلى الكتابَ... أمسكتْ بالقلمِ، وبدأتِ الكتابةَ في الدفترِ..‏

جاءت قطَّتُها (شامة) وجلست فوقَ الكتاب.‏

همستْ ليلى:‏

ـ ابتعدي يا شامة. ألا تَرَيْنَ أنني أكتبُ واجباتي؟!‏

لم تبتعدْ شامةُ... فأبعدَتْها برفقٍ، ثم بدأتْ تكتبُ...‏

سمعتْ ليلى، صوتَ حركةٍ بجانبِها... التفتتْْ... فشاهدتْ شامةَ تلعبُ بأدواتِ الهندسةِ...‏

ـ اهدئيِ يا شامة!..‏

لكنَّ شامةَ لم تهدأ!...‏

عندئذٍ أمسكتْ ليلى بها برفقٍ ثم قَرَّبَتها منها، وهمستْ في أذنها: أرجوكِ يا صديقتي أن تهدئي قليلاً ليس من أجْلي هذه المرَّةَ، وإنما من أجلِ أبي الذي عادَ من عملهِ متعباً، وهو نائمٌ الآن.‏