فؤاد طرابلسي
30-09-2009, 12:46 AM
الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
نهضة مسلمي الهند
أول مَن نهض لنشر التعليم وتعميم التربية في مسلمي الهند هو الرجل العظيم
( السيد أحمد خان ) مؤسس مدرسة ( دار العلوم الشرقية الكبرى ) .
نظر هذا الرجل المجدد في شؤون بلاده فرأى أن الوثنيين قد سبقوا المسلمين
في العلوم والمعارف والعمل والكسب ، وفي نتائجها من الثروة الواسعة والعزة
الرافعة ، وسائر ما أسأره ( أبقأه ) الإنكليز لأهل تلك البلاد من سلطة ومنفعة ، رأى
هذا كما يراه كثيرون من أهل البصيرة ، ولكن أشعة بصره تخطَّت المعلولات
إلى العلل ، وانتقلت من العلل إلى كشف علاج الأمراض التي منت أفكار المسلمين
بالسكون ، وألسنتهم بالسكوت ، وأيديهم بالشلل ، وأرجلهم بالقزل ، حتى باتوا بلا
علم ولا عمل - نظر نظرة حكيم ، فاهتدى إلى الصراط المستقيم ، وما هو إلا تعميم
التربية والتعليم .
كم من عالم لا يعمل بعلمه ، وكأيِّن من طبيب لا ينفع مريضًا بطبه ،ولكن السيد أحمد
خان علم فعمل ، وطب لمن حب فنفع وأفاد ، وهدى إلى سبيل الرشاد .
كان زيت هذا الرجل في مشكاة نفسه الزكية صافيًا يكاد يضيء ولو لم تمسسه
نار ، فلما زار إنكلترا ورأى ما فيها من الجد والكد ، مسته نار الغيرة ، فاشتعل نورًا
على نور ، واعتزم من ذلك الحين على إنشاء مدرسة جامعة في وطنه تشابه إحدى
المدرستين الكبيرتين في إنكلترا ( كلية كامبردج ) أو ( كلية أكسفورد ) فرجع إلى
وطنه بلسان خاطب وسعي دائب ، يذكر ويحذر وينذر ويبشر ، فقابله قومه
بالسخرية والاستخفاف ، وكثر في شأنه اللغط والإرجاف ، سنة الله في المصلحين
مع المفسدين ، وفي المحقين بين الواهمين ، وفي العالمين لدى الجاهلين ، وفي
الأنبياء والمرسلين مع الأمم الكافرين ، ولكن الرجل لم يثنِ عزيمته عن الإيضاح
والإيجاف ما قوبل به من الاستخفاف ، ولم يبالِ بعدم المساعدة والمؤازرة ، فبدأ
بالعمل على نفقة نفسه ، فحمل ذلك بعض عشيرته الأقربين وأصحابه الصادقين ، على
أن يساعدوه ويعضدوه ، فانتشر رأيه رويدًا رويدًا ، كما هو الشأن في كل
مشروع مفيد ، وكان هو المبدأ لهذه النهضة الحاضرة في الهند ، والمفيض لروح
التربية والتعليم على جثمان مسلمي تلك الممالك .
أسس مدرسته الشهيرة ( دار العلوم الشرقية الكبرى ) في مدينة ( عليكره ) من
أنحاء الهند الشمالية الغربية في سنة 1289 هـ 1872 م ، وفي سِنِيها الأولى لم
يرد إليها إلا قليل من الطلبة ، ولم يكن فيها إلا بعض الأساتذة الوطنيين ، ولم يأتِ
عليها بضع سنين حتى تحولت إلى مدرسة كلية جامعة ، وتلامذتها اليوم يكادون
يبلغون بضع مئين ، وأحضر لها بعض الأساتذة والمعلمين من الأوروبيين ، وقد
تخرج منها شبان بارعون في جميع الفنون ، وهم موضوع فخر البلاد الهندية ،
وموضع أملها ورجائها في تعميم التربية الفاضلة والتعليم الصحيح مع الاستغناء عن
الأجانب .
مات السيد أحمد خان من نحو ثلاثة أشهر ، فكان لمصابه رنَّة أسف في تلك
الديار ، وطيَّر البرق نعيه إلى سائر الأقطار ، ولقد أبَّنه بعض الفضلاء عند جدثه ،
فقال كلمة جليلة نقلتها الجرائد وحفظها التاريخ ، كلمة كانت أبلغ نعت للفقيد ،
وأحسن تعريف له وهي قوله مشيرا إلى القبر : ( هذا قبر أمتنا ) ولعمري إن ذلك
المفرد العَلَم هو الذي يصح أن يقال فيه ( يا مفردًا هو في أثوابه أمم ) لأن من أوجد
الأمة وأحياها كان هو إياها . عظُم قدر الرجل في نفوس قومه بعد فقده ، ولا يزال
يعظم وينمو بنمو تعاليمه وانتشارها ، ولا يعرف أقدار الرجال العظام في حياتهم إلا
الأمم العالمة الراقية أعلى مراقي التمدن ، كذا أفادنا التاريخ القديم والحديث . اتفق
مسلمو الهند العارفون بقدر الرجل الذين قدروا الروح الذي أفاضه على الأمة بخطبه
وسعيه حق قدره - على إنشاء مدرسة جامعة مشابهة لمدرسته تسمى باسمه ، وتكون
تذكارًا لحياته الطيبة واعترافًا بفضله ، وتألفت جمعية لتنفيذ المشروع سميت :
(جمعية أحباء المرحوم السيد أحمد خان ) وقد بعث كاتب سر الجمعية ( السكرتير )
رقيمًا إلى جميع أعيان المسلمين وفضلائهم الدين يعرفون فضل الفقيد يدعوهم فيه
إلى مد ساعد المساعدة للجمعية ، افتتحه بالثناء الأوفى على فقيد الملة والوطن ،
مصرحًا فيه بمعنى قول الشاعر :
هيهات أن يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل
ثم قال : ( ولكننا لا نرتاب في أن الحركة الفكرية والنهضة العلمية ، اللتين
أوجدهما المرحوم السيد أحمد خان لا يعتريهما سكون ولا سقوط ما لم يفاجئنا الدهر
بحادث غير منتظر ، ومن أعظم واجباتنا وأقدسها أن نعمل بكل ما في إمكاننا لإتمام
مشروعاته الجليلة ، والسير على منهاجه في أعماله ) .
ثم ذكر أن أول من اقترح هذا العمل المفيد هو السيد قطب أحمد خان ، وأن
مليون روبية ( مائة ألف جنيه ) تكفي لإنجازه ، واستنهض همم الشبان الأذكياء
لتأليف اللجان في جميع المدائن والقرى للحض على الاكتتاب ، وخصص بالذكر
الشبان الذين تخرجوا من مدرسة ( عليكره ) وحتم على جميع الجرائد الإسلامية
موالاة الكتابة في الموضوع والتحضيض على الاكتتاب ، وأوجب على رئيس
الجمعية وكبار أعضائها المؤسسين التجوال في البلاد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ،
وصرح بأن على الجمعية أن تقبل قليل التبرع وكثيره ، مع الشكر والامتنان ،
ليتمكن مجموع الأمة من الاشتراك في هذا المشروع الشريف . ولقد لبى الهنديون
النداء بكل رغبة وحمية ، فانبرت جرائدهم للكتابة ، وفصحاؤهم للخطابة ، وعامتهم
وخاصتهم للإجابة ، انتهازًا للفرصة ، واغتنامًا للنهزة ، فعسى أن يقتدي بهم
المصريون وسائر العثمانيين ، فيلتفتوا إلى هذا الأمر الذي هو كل أمر وهو
( التربية والتعليم ) والله يهدي من شاء إلى صراط مستقيم .
__________
(1/389)
__________
نهضة مسلمي الهند
أول مَن نهض لنشر التعليم وتعميم التربية في مسلمي الهند هو الرجل العظيم
( السيد أحمد خان ) مؤسس مدرسة ( دار العلوم الشرقية الكبرى ) .
نظر هذا الرجل المجدد في شؤون بلاده فرأى أن الوثنيين قد سبقوا المسلمين
في العلوم والمعارف والعمل والكسب ، وفي نتائجها من الثروة الواسعة والعزة
الرافعة ، وسائر ما أسأره ( أبقأه ) الإنكليز لأهل تلك البلاد من سلطة ومنفعة ، رأى
هذا كما يراه كثيرون من أهل البصيرة ، ولكن أشعة بصره تخطَّت المعلولات
إلى العلل ، وانتقلت من العلل إلى كشف علاج الأمراض التي منت أفكار المسلمين
بالسكون ، وألسنتهم بالسكوت ، وأيديهم بالشلل ، وأرجلهم بالقزل ، حتى باتوا بلا
علم ولا عمل - نظر نظرة حكيم ، فاهتدى إلى الصراط المستقيم ، وما هو إلا تعميم
التربية والتعليم .
كم من عالم لا يعمل بعلمه ، وكأيِّن من طبيب لا ينفع مريضًا بطبه ،ولكن السيد أحمد
خان علم فعمل ، وطب لمن حب فنفع وأفاد ، وهدى إلى سبيل الرشاد .
كان زيت هذا الرجل في مشكاة نفسه الزكية صافيًا يكاد يضيء ولو لم تمسسه
نار ، فلما زار إنكلترا ورأى ما فيها من الجد والكد ، مسته نار الغيرة ، فاشتعل نورًا
على نور ، واعتزم من ذلك الحين على إنشاء مدرسة جامعة في وطنه تشابه إحدى
المدرستين الكبيرتين في إنكلترا ( كلية كامبردج ) أو ( كلية أكسفورد ) فرجع إلى
وطنه بلسان خاطب وسعي دائب ، يذكر ويحذر وينذر ويبشر ، فقابله قومه
بالسخرية والاستخفاف ، وكثر في شأنه اللغط والإرجاف ، سنة الله في المصلحين
مع المفسدين ، وفي المحقين بين الواهمين ، وفي العالمين لدى الجاهلين ، وفي
الأنبياء والمرسلين مع الأمم الكافرين ، ولكن الرجل لم يثنِ عزيمته عن الإيضاح
والإيجاف ما قوبل به من الاستخفاف ، ولم يبالِ بعدم المساعدة والمؤازرة ، فبدأ
بالعمل على نفقة نفسه ، فحمل ذلك بعض عشيرته الأقربين وأصحابه الصادقين ، على
أن يساعدوه ويعضدوه ، فانتشر رأيه رويدًا رويدًا ، كما هو الشأن في كل
مشروع مفيد ، وكان هو المبدأ لهذه النهضة الحاضرة في الهند ، والمفيض لروح
التربية والتعليم على جثمان مسلمي تلك الممالك .
أسس مدرسته الشهيرة ( دار العلوم الشرقية الكبرى ) في مدينة ( عليكره ) من
أنحاء الهند الشمالية الغربية في سنة 1289 هـ 1872 م ، وفي سِنِيها الأولى لم
يرد إليها إلا قليل من الطلبة ، ولم يكن فيها إلا بعض الأساتذة الوطنيين ، ولم يأتِ
عليها بضع سنين حتى تحولت إلى مدرسة كلية جامعة ، وتلامذتها اليوم يكادون
يبلغون بضع مئين ، وأحضر لها بعض الأساتذة والمعلمين من الأوروبيين ، وقد
تخرج منها شبان بارعون في جميع الفنون ، وهم موضوع فخر البلاد الهندية ،
وموضع أملها ورجائها في تعميم التربية الفاضلة والتعليم الصحيح مع الاستغناء عن
الأجانب .
مات السيد أحمد خان من نحو ثلاثة أشهر ، فكان لمصابه رنَّة أسف في تلك
الديار ، وطيَّر البرق نعيه إلى سائر الأقطار ، ولقد أبَّنه بعض الفضلاء عند جدثه ،
فقال كلمة جليلة نقلتها الجرائد وحفظها التاريخ ، كلمة كانت أبلغ نعت للفقيد ،
وأحسن تعريف له وهي قوله مشيرا إلى القبر : ( هذا قبر أمتنا ) ولعمري إن ذلك
المفرد العَلَم هو الذي يصح أن يقال فيه ( يا مفردًا هو في أثوابه أمم ) لأن من أوجد
الأمة وأحياها كان هو إياها . عظُم قدر الرجل في نفوس قومه بعد فقده ، ولا يزال
يعظم وينمو بنمو تعاليمه وانتشارها ، ولا يعرف أقدار الرجال العظام في حياتهم إلا
الأمم العالمة الراقية أعلى مراقي التمدن ، كذا أفادنا التاريخ القديم والحديث . اتفق
مسلمو الهند العارفون بقدر الرجل الذين قدروا الروح الذي أفاضه على الأمة بخطبه
وسعيه حق قدره - على إنشاء مدرسة جامعة مشابهة لمدرسته تسمى باسمه ، وتكون
تذكارًا لحياته الطيبة واعترافًا بفضله ، وتألفت جمعية لتنفيذ المشروع سميت :
(جمعية أحباء المرحوم السيد أحمد خان ) وقد بعث كاتب سر الجمعية ( السكرتير )
رقيمًا إلى جميع أعيان المسلمين وفضلائهم الدين يعرفون فضل الفقيد يدعوهم فيه
إلى مد ساعد المساعدة للجمعية ، افتتحه بالثناء الأوفى على فقيد الملة والوطن ،
مصرحًا فيه بمعنى قول الشاعر :
هيهات أن يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل
ثم قال : ( ولكننا لا نرتاب في أن الحركة الفكرية والنهضة العلمية ، اللتين
أوجدهما المرحوم السيد أحمد خان لا يعتريهما سكون ولا سقوط ما لم يفاجئنا الدهر
بحادث غير منتظر ، ومن أعظم واجباتنا وأقدسها أن نعمل بكل ما في إمكاننا لإتمام
مشروعاته الجليلة ، والسير على منهاجه في أعماله ) .
ثم ذكر أن أول من اقترح هذا العمل المفيد هو السيد قطب أحمد خان ، وأن
مليون روبية ( مائة ألف جنيه ) تكفي لإنجازه ، واستنهض همم الشبان الأذكياء
لتأليف اللجان في جميع المدائن والقرى للحض على الاكتتاب ، وخصص بالذكر
الشبان الذين تخرجوا من مدرسة ( عليكره ) وحتم على جميع الجرائد الإسلامية
موالاة الكتابة في الموضوع والتحضيض على الاكتتاب ، وأوجب على رئيس
الجمعية وكبار أعضائها المؤسسين التجوال في البلاد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ،
وصرح بأن على الجمعية أن تقبل قليل التبرع وكثيره ، مع الشكر والامتنان ،
ليتمكن مجموع الأمة من الاشتراك في هذا المشروع الشريف . ولقد لبى الهنديون
النداء بكل رغبة وحمية ، فانبرت جرائدهم للكتابة ، وفصحاؤهم للخطابة ، وعامتهم
وخاصتهم للإجابة ، انتهازًا للفرصة ، واغتنامًا للنهزة ، فعسى أن يقتدي بهم
المصريون وسائر العثمانيين ، فيلتفتوا إلى هذا الأمر الذي هو كل أمر وهو
( التربية والتعليم ) والله يهدي من شاء إلى صراط مستقيم .
__________
(1/389)