فؤاد طرابلسي
01-10-2009, 03:38 PM
المربي واصف البارودي
عن جريدة البيان
أحد رواد التربية والتعليم، لا في لبنان وحده، بل في العالم العربي، كان التربوي المفكر الباحث المنظم المؤلف، الذي يتمتع برؤية لتحديث التعليم، وسعى الى بناء نظام تربوي يعين المجتمع على تجاوز مرحلة الإنتداب، والتطلع الى المستقبل مع أولى خطوات لبنان في العهد الإستقلالي، واستمد تصوره من خلفيته العلمية والثقافية التي أكتسبها من بعثاته الى فرنسا، ومطالعاته الغزيرة، وقناعته بحتمية تعديل برامج التعليم في لبنان، وإيمانه بدور التربية القيادي في مسيرة التغيير والتجديد. لقد كان صديقاً للتلميذ في مدرسته، وزميلاً للمعلم في تفتيشه وذلك باتباعه أسلوب النصح والإرشاد، وبلغ من وثوق رؤسائه به، ان أصبحت مقدرات وزارة المعارف بين يديه، فسار بها شوطاً بعيداً، لا يراعي فيها صداقة، ولا تستميله قربى، صاماً أذنيه عن كل ما يتعلق بالسياسة والسياسيين، وسنّ لنفسه سنّة حرص على تطبيقها وهي سلطة الوجدان.
كتب عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في تقديمه كتاب البارودي (الحياة والشباب) ما يلي:
"الحياة والشباب كتاب شارك في تأليفه القلب والعقل جميعاً، بثّ فيه القلب قوة العاطفة ورقة الحس وصدق الشعور، وأشاع فيه القلب صواب الرأي ونفاذ البصيرة وحسن الإستقصاء.. وما أكثر ما في هذا السِّفر النفيس من طرافة تسر العقل وتُمتع القلب وترضي الشعور".
ولد واصف علي البارودي في طرابلس سنة 1897، وينتمي الى أسرة دينية إستقدمها السلطان قلاوون المملوكي من قرية بنها البارود بمصر أثناء بناء الجامع المنصوري الكبير لإقامة الشعائر.
تعلّم مترجمنا في مدارس طرابلس لا سيما السلطانية والفرير، وتلقى علومه العربية والفقهية على حجة الإسلام الشيخ محمد الحسيني، فاتجه الى التعليم وعين معلماً في المدرسة السلطانية إبتداءً من العام 1918 وحتى العام 1929، وكان في غضون هذه السنوات يكثر من المطالعة ويستزيد من العلوم والمعارف في التربية والتعليم، ويكتب المقالات العلمية والأدبية والفنية في مجلة التعليم التي أصدرتها شعبة المعارف في المفوضية الفرنسية، ونظراً لكفاءته وميله الى التعليم، أوفد الى باريس للتخصص، ولقي هناك عناية خاصة، واستفاد فوائد جمة، ورافق الكثيرين من المفتشين التربويين الفرنسيين في دوراتهم وجولاتهم داخل بلدهم، وقد بعثت هذه الدورات فيه روح المراقبة الواعية والتدقيق الصحيح. في سنة 1929 نجح في الحصول على وظيفة معاون مفتش معارف، وعهد إليه إعطاء دروس في دار المعلمين ودار المعلمات، وتقديراً لجهوده كلف بإدارة التفتيش في التعليم الثانوي، وإميناً لدار الكتب الوطنية.
ترك الاستاذ البارودي سلسلة من التقارير والإقتراحات التربوية التنظيمية وعدداً من المؤلفات يتجاوز العشرة، واشترك مع فؤاد افرام البستاني وخليل تقي الدين في كتاب (الأدب العربي في آثار أعلامه) وهو في ثلاثة أجزاء، وكتاب محاضرات في التربية والتعليم، أهداه الى أستاذه ووالد زوجته الشيخ محمد الحسيني وقال: أقدم كلماتي هذه، وهي ثمرة من ثمار تثقيفه، وأثر من آثار دروسه، إعترافاً بماله عليّ من الفضل والمنّة. واختاره مجمع اللغة العربية في القاهرة عضواً فيه.
بعد وفاته في العام 1962 أقيم للبارودي حفل تأبين كبير يليق بشخصيته وعطاءاته تعاقب على الكلام فيه عدد من رجال السياسة والصحافة والأدب والتعليم منهم الرئيسان صائب سلام ورشيد كرامي، النقيب زهير عسيران، الدكتور بطرس ديب، الشاعر سعيد عقل، الدكتور جميل جبر، والأديبة السورية وداد سكاكيني، ومما قالته:
ما كان يبدو إلا على سجيته باسماً، أنيساً، راعياً للمروءة والوفاء، في زمن تقطعت فيه أواصر الصداقة الخالصة. وتابعت السكاكيني، لقد عاش لغيره وأعطى كثيراً، ولم يأخذ إلا القليل، لقد فقدنا في غيابه عنا إنسانية تجلّت معانيها في سيرته وتقواه وإيثاره قيماً ومفاهيم في التربية والأدب، وسيبقى إسم الفقيد مقروناً بكلمة التربية في نهضتنا الحديثة. رحمه الله.
عن جريدة البيان
أحد رواد التربية والتعليم، لا في لبنان وحده، بل في العالم العربي، كان التربوي المفكر الباحث المنظم المؤلف، الذي يتمتع برؤية لتحديث التعليم، وسعى الى بناء نظام تربوي يعين المجتمع على تجاوز مرحلة الإنتداب، والتطلع الى المستقبل مع أولى خطوات لبنان في العهد الإستقلالي، واستمد تصوره من خلفيته العلمية والثقافية التي أكتسبها من بعثاته الى فرنسا، ومطالعاته الغزيرة، وقناعته بحتمية تعديل برامج التعليم في لبنان، وإيمانه بدور التربية القيادي في مسيرة التغيير والتجديد. لقد كان صديقاً للتلميذ في مدرسته، وزميلاً للمعلم في تفتيشه وذلك باتباعه أسلوب النصح والإرشاد، وبلغ من وثوق رؤسائه به، ان أصبحت مقدرات وزارة المعارف بين يديه، فسار بها شوطاً بعيداً، لا يراعي فيها صداقة، ولا تستميله قربى، صاماً أذنيه عن كل ما يتعلق بالسياسة والسياسيين، وسنّ لنفسه سنّة حرص على تطبيقها وهي سلطة الوجدان.
كتب عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في تقديمه كتاب البارودي (الحياة والشباب) ما يلي:
"الحياة والشباب كتاب شارك في تأليفه القلب والعقل جميعاً، بثّ فيه القلب قوة العاطفة ورقة الحس وصدق الشعور، وأشاع فيه القلب صواب الرأي ونفاذ البصيرة وحسن الإستقصاء.. وما أكثر ما في هذا السِّفر النفيس من طرافة تسر العقل وتُمتع القلب وترضي الشعور".
ولد واصف علي البارودي في طرابلس سنة 1897، وينتمي الى أسرة دينية إستقدمها السلطان قلاوون المملوكي من قرية بنها البارود بمصر أثناء بناء الجامع المنصوري الكبير لإقامة الشعائر.
تعلّم مترجمنا في مدارس طرابلس لا سيما السلطانية والفرير، وتلقى علومه العربية والفقهية على حجة الإسلام الشيخ محمد الحسيني، فاتجه الى التعليم وعين معلماً في المدرسة السلطانية إبتداءً من العام 1918 وحتى العام 1929، وكان في غضون هذه السنوات يكثر من المطالعة ويستزيد من العلوم والمعارف في التربية والتعليم، ويكتب المقالات العلمية والأدبية والفنية في مجلة التعليم التي أصدرتها شعبة المعارف في المفوضية الفرنسية، ونظراً لكفاءته وميله الى التعليم، أوفد الى باريس للتخصص، ولقي هناك عناية خاصة، واستفاد فوائد جمة، ورافق الكثيرين من المفتشين التربويين الفرنسيين في دوراتهم وجولاتهم داخل بلدهم، وقد بعثت هذه الدورات فيه روح المراقبة الواعية والتدقيق الصحيح. في سنة 1929 نجح في الحصول على وظيفة معاون مفتش معارف، وعهد إليه إعطاء دروس في دار المعلمين ودار المعلمات، وتقديراً لجهوده كلف بإدارة التفتيش في التعليم الثانوي، وإميناً لدار الكتب الوطنية.
ترك الاستاذ البارودي سلسلة من التقارير والإقتراحات التربوية التنظيمية وعدداً من المؤلفات يتجاوز العشرة، واشترك مع فؤاد افرام البستاني وخليل تقي الدين في كتاب (الأدب العربي في آثار أعلامه) وهو في ثلاثة أجزاء، وكتاب محاضرات في التربية والتعليم، أهداه الى أستاذه ووالد زوجته الشيخ محمد الحسيني وقال: أقدم كلماتي هذه، وهي ثمرة من ثمار تثقيفه، وأثر من آثار دروسه، إعترافاً بماله عليّ من الفضل والمنّة. واختاره مجمع اللغة العربية في القاهرة عضواً فيه.
بعد وفاته في العام 1962 أقيم للبارودي حفل تأبين كبير يليق بشخصيته وعطاءاته تعاقب على الكلام فيه عدد من رجال السياسة والصحافة والأدب والتعليم منهم الرئيسان صائب سلام ورشيد كرامي، النقيب زهير عسيران، الدكتور بطرس ديب، الشاعر سعيد عقل، الدكتور جميل جبر، والأديبة السورية وداد سكاكيني، ومما قالته:
ما كان يبدو إلا على سجيته باسماً، أنيساً، راعياً للمروءة والوفاء، في زمن تقطعت فيه أواصر الصداقة الخالصة. وتابعت السكاكيني، لقد عاش لغيره وأعطى كثيراً، ولم يأخذ إلا القليل، لقد فقدنا في غيابه عنا إنسانية تجلّت معانيها في سيرته وتقواه وإيثاره قيماً ومفاهيم في التربية والأدب، وسيبقى إسم الفقيد مقروناً بكلمة التربية في نهضتنا الحديثة. رحمه الله.