فؤاد طرابلسي
02-10-2009, 09:56 AM
حسن أفندي الانجا
عن جريدة البيان
71 : العدد
2008-06-25
رجل أمن قوي، حازم صارم، عادل على طريقته، انتصر للمظلوم على الظالم، أشاع الطمأنينة في المدينة، فطارد الاشقياء والعابثين بالأمن. كان ولاؤه عميقاً للخلافة العثمانية، فجاهد الجهاد الحسن في خدمتها، وسال دمه في محاربة الفاسدين والمارقين، وقد اخرجته شدته عن حدود المعقول في تصرفه مع الناس واستخفافه بهم حداً عجيباً، وكانت "جحشة الانجا" عنواناً لادخال الرعب في نفوس المتمردين على القانون والقيم الاخلاقية، ونالت شهرة واسعة في طرابلس والمناطق.
وانجا اسم اسرة اسلامية في طرابلس، ارمني من اصل سرياني، وربما كان في ذلك دليل على اصول الاسرة التركية.
كانت الحياة السياسية في طرابلس، كما في سائر المدن السورية الهامة، خلال الحقبة العثمانية، قائمة على مظاهر الاخلاص للخلافة في استانبول والدعاء للسلطان بطول العمر على المنابر وفي كل المناسبات، وتاريخ طرابلس خلال حكم السلطان عبد الحميد الثاني، قد حوى معلومات وأخباراً واحداثاً كثيرة حول الحاكم والمحكوم، وتحيط به في أكثر الاحيان حالات من اللبس والغموض، وكان ولاة الامر على صلات حسنة مع الناس، الممثل آنئذ بكبار العلماء والاعيان، وبرز في تلك الفترة الشيخ ابو الهدى الصيادي كأحد كبار المقربين الى السلطان، فتوثقت علاقاته بعلماء البلد وفي طليعتهم الشيخ علي العمري صاحب الكرامات المعروفة، واحمد افندي اسماعيل المقدم، وعبد اللطيف باشا الصوفي، وقيصر بك نوفل، وأل كاتسفليس وطربيه، وكان للشيخ الصيادي امين لاسراره هو عبد الغني باشا الانجا الذي توسط لديه لتعيين اخيه حسن افندي الانجا رئيساً لشرطة طرابلس، والفيحاء هذه التي حباها الله الطبيعة الجميلة من سحر وجمال، وامتاز اهلها بالانس ومكارم الاخلاق، جديرة بان يقوم على رأس جهازها الامني، رجل يكفل لسكانها الامن والاطمئنان، فكان حسن الانجا هو ذاك الرجل الذي سهر على حماية الناس من المجرمين والاشرار، وكان لحسن الانجا أتان (حماره) يستخدمها في مهمات امنية، فاذا اقيمت حفلة ما، ارسل حسن افندي اتانه ليسير في مطلع الحفل فيعلم الاشقياء ان المكان محمي من الانجا.
وذاع صيت (جحشة الانجا) في البلاد وملأ الأسماع، ونال حسن افندي الانجا المقام الامني الاول مع الاحترام، ولطالما ونحن صغار كنا نسمع من الكبار حكايات تروى وقصصاً تحكى عن بطولاته، يقدمونها بمثابة درس في الشدة مع الخارجين على القانون.
ومما يحكى في المصادر عن مدى نفوذ حسن افندي، انه جاءه ذات يوم احد العمال شاكياً رب عمله لتمنعه عن اداء حقه، فاشار اليه ان يذهب باتانه المربوطة قرب داره الى مدينه، ويكلفه بالاسراع اليه، فلما شاهد المدين الاتان، خارت قواه ودفع الى العامل حقه في الحال، ورجاه إسقاط شكواه، فعاد العامل الى حسن افندي شاكراً حزمه ومساعدته، وهذه واحدة رواها القاضي يوسف الحكيم في مذكراته، اما السيد محمد نور الدين عارف الميقاتي، فيروي حادثة وقعت مع جده الشيخ علي رشيد الميقاتي خطيب ومؤقت الجامع المنصوري الكبير تدل بوضوح على نوع تفكير الانجا والطرق التي كان يتبعها في معالجة قضايا الناس، والواقعة تتعلق بمشادة حصلت بين الشيخ الميقاتي ورئيس دائرة الكرنتينا في الميناء وهو رجل اجنبي، وقد أسمع الرجل الشيخ كلاماً نابياً منافياً للآداب، وما ان بلغت هذه المشادة مسامع حسن الانجا، حتى ارسل من اغتال الرجل طعناً بالسكين انتقاماً لكرامة احد رجال الدين في المدينة.
لقد عظم حسن افندي الانجا في عيون اهل طرابلس، وقدّروا اخلاصه لواجب وظيفته وحفظه للأمن والقضاء على الاشرار، رغم الهنات والتجاوزات.
اننا بحاجة اليوم الى حسن افندي معاصر يحمي الناس ولو على طريقته.
عن جريدة البيان
71 : العدد
2008-06-25
رجل أمن قوي، حازم صارم، عادل على طريقته، انتصر للمظلوم على الظالم، أشاع الطمأنينة في المدينة، فطارد الاشقياء والعابثين بالأمن. كان ولاؤه عميقاً للخلافة العثمانية، فجاهد الجهاد الحسن في خدمتها، وسال دمه في محاربة الفاسدين والمارقين، وقد اخرجته شدته عن حدود المعقول في تصرفه مع الناس واستخفافه بهم حداً عجيباً، وكانت "جحشة الانجا" عنواناً لادخال الرعب في نفوس المتمردين على القانون والقيم الاخلاقية، ونالت شهرة واسعة في طرابلس والمناطق.
وانجا اسم اسرة اسلامية في طرابلس، ارمني من اصل سرياني، وربما كان في ذلك دليل على اصول الاسرة التركية.
كانت الحياة السياسية في طرابلس، كما في سائر المدن السورية الهامة، خلال الحقبة العثمانية، قائمة على مظاهر الاخلاص للخلافة في استانبول والدعاء للسلطان بطول العمر على المنابر وفي كل المناسبات، وتاريخ طرابلس خلال حكم السلطان عبد الحميد الثاني، قد حوى معلومات وأخباراً واحداثاً كثيرة حول الحاكم والمحكوم، وتحيط به في أكثر الاحيان حالات من اللبس والغموض، وكان ولاة الامر على صلات حسنة مع الناس، الممثل آنئذ بكبار العلماء والاعيان، وبرز في تلك الفترة الشيخ ابو الهدى الصيادي كأحد كبار المقربين الى السلطان، فتوثقت علاقاته بعلماء البلد وفي طليعتهم الشيخ علي العمري صاحب الكرامات المعروفة، واحمد افندي اسماعيل المقدم، وعبد اللطيف باشا الصوفي، وقيصر بك نوفل، وأل كاتسفليس وطربيه، وكان للشيخ الصيادي امين لاسراره هو عبد الغني باشا الانجا الذي توسط لديه لتعيين اخيه حسن افندي الانجا رئيساً لشرطة طرابلس، والفيحاء هذه التي حباها الله الطبيعة الجميلة من سحر وجمال، وامتاز اهلها بالانس ومكارم الاخلاق، جديرة بان يقوم على رأس جهازها الامني، رجل يكفل لسكانها الامن والاطمئنان، فكان حسن الانجا هو ذاك الرجل الذي سهر على حماية الناس من المجرمين والاشرار، وكان لحسن الانجا أتان (حماره) يستخدمها في مهمات امنية، فاذا اقيمت حفلة ما، ارسل حسن افندي اتانه ليسير في مطلع الحفل فيعلم الاشقياء ان المكان محمي من الانجا.
وذاع صيت (جحشة الانجا) في البلاد وملأ الأسماع، ونال حسن افندي الانجا المقام الامني الاول مع الاحترام، ولطالما ونحن صغار كنا نسمع من الكبار حكايات تروى وقصصاً تحكى عن بطولاته، يقدمونها بمثابة درس في الشدة مع الخارجين على القانون.
ومما يحكى في المصادر عن مدى نفوذ حسن افندي، انه جاءه ذات يوم احد العمال شاكياً رب عمله لتمنعه عن اداء حقه، فاشار اليه ان يذهب باتانه المربوطة قرب داره الى مدينه، ويكلفه بالاسراع اليه، فلما شاهد المدين الاتان، خارت قواه ودفع الى العامل حقه في الحال، ورجاه إسقاط شكواه، فعاد العامل الى حسن افندي شاكراً حزمه ومساعدته، وهذه واحدة رواها القاضي يوسف الحكيم في مذكراته، اما السيد محمد نور الدين عارف الميقاتي، فيروي حادثة وقعت مع جده الشيخ علي رشيد الميقاتي خطيب ومؤقت الجامع المنصوري الكبير تدل بوضوح على نوع تفكير الانجا والطرق التي كان يتبعها في معالجة قضايا الناس، والواقعة تتعلق بمشادة حصلت بين الشيخ الميقاتي ورئيس دائرة الكرنتينا في الميناء وهو رجل اجنبي، وقد أسمع الرجل الشيخ كلاماً نابياً منافياً للآداب، وما ان بلغت هذه المشادة مسامع حسن الانجا، حتى ارسل من اغتال الرجل طعناً بالسكين انتقاماً لكرامة احد رجال الدين في المدينة.
لقد عظم حسن افندي الانجا في عيون اهل طرابلس، وقدّروا اخلاصه لواجب وظيفته وحفظه للأمن والقضاء على الاشرار، رغم الهنات والتجاوزات.
اننا بحاجة اليوم الى حسن افندي معاصر يحمي الناس ولو على طريقته.