فؤاد طرابلسي
02-10-2009, 10:05 AM
الدكتور أكمل خربوطلي
عن جريدة البيان
74 : العدد
2008-07-16
قالت العرب: من أحبَّ طبَّ، أي تأني وتلّطف ووصف الطبيب في اللغة، بالحاذق الماهر، ويقال هو طبٌّ بهذا الامر اي عالم به، وسُميّ بالسحر تفاؤلا بالبُرء، وقيل عن الطبيب الناجح الحكيم، والحكمة هي العدل والعلم ووضع الشيء في موضعه، وصواب الامر وسداده، والحكمة هي علم الحقائق المعبّر عنها بمعرفة ما لها وما عليها المشار اليه بقوله تعالى: ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
والدكتور اكمل خربوطلي هو من يحمل هذه الصفات، كان ذات بصيرة مدركة، وفِراسة نافذة، يستدل بظواهر الأمور على بواطنها وخفاياها، كالاستدلال بشكل الانسان ولونه وحركاته على خلقه، وهو طبيب تفكير وتقليد بمعنى انه يتكئ على علم من سبقه وفقاً للمفاهيم والقواعد العلمية، ويملك زمام الذاكرة والعاطفة، وكان العقل عنده الامام الفرد الذي يرشد الى الحقيقة، واسلوبه في التعامل مع المرضى اسلوب سلس بعيد عن التعقيد، وكلامه يلج النفس والقلب راحة وطمأنينة، فلا تتوتر له اعصاب سامعه، ولا يختلج له فؤاد.
كان الدكتور أكمل محباً للعربية شغوفاً بها، فقرأ القرآن الكريم، وتفقه بالدين، وأجاد في شعر المناسبات وتركيب التواريخ بموجب حساب الجمّل (الارقام الشعرية) وقد يعود هذا الى والده والى مجالسته ومحاورته الدائمة مع قريبه العلامّة صاحب المكتبة المتنقلة الشيخ عبد الكريم عويضة.
ولد الدكتور أكمل خير الدين بن مصطفى الخربوطلي في طرابلس سنة 1910 ونشأ في بيت مشهود له بالدين والعلم، وأسرة الخربوطلي هي ممن هاجر الى لبنان ايام الحكم العثماني، منسوب الى خربوت، وهو حصن بيزنطي قديم في تركيا بمدينة الازغ، وقد فخّم الطرابلسيون التاء فأصبحت خربوطلي، "ولي" اداة النسبة في اللغة التركية للمكان.
تلقى أكمل خربوطلي علومه الابتدائية في مدارس طرابلس، ونال الشهادة الثانوية من مدرسة الفرير، ثم التحق بكلية الطب بجامعة القديس يوسف في بيروت، وتخرج كطبيبٍ عامٍ سنة 1939، وعمل اثناء الحرب العالمية فترة من الزمن، سافر بعدها الى الولايات المتحدة الامريكية لمتابعة تخصصه ومُنح البورد الاميركي سنة 1952، ثم سافر الى فرنسا وتخصص في الطب الداخلي لا سيما في الغدد والسكري والقلب، وبعد عودته الى طرابلس راح يستقبل المرضى في عيادته، ويزورهم في البيوت، وأدرك اهل طرابلس ما يتمتع به هذا الطبيب من كفاءة واخلاق وعفة، حيث بلغت ثقة الناس به، وما خصّه الله من نفس ذكية وقلب يخفق بالايمان، ان المتشددين من المسلمين أباحوا له معالجة نسائهم، في وقت كانت هذه تعد من المحرمات.
لقد طاف الدكتور أكمل في انحاء المعمورة ومراكز العلم، واتقن العربية والفرنسية والانكليزية وألّم بالتركية، واجتمع بالاطباء الكبار، وناقشهم فأخذوا منه، ونقل عنهم ما قد يصلح ان يكون نمطاً عالياً من أنماط الطب والمعالجة.
سافر الى بريطانيا عدة مرات برفقة بعض مرضاه، واجتمع مع طبيب القلب الشهير مجدي يعقوب ود . روس باركر، واختلف معهم في تشخيص بعض الحالات، وعندما اتت النتائج المخبرية كانت لصالح الدكتور أكمل، ومن إنجازاته التي تذكر ابتكاره تطوير لآلة القلب.
ولئن كان من رجالات طرابلس من شاركوه علم الطب وحفظ الشعر على كثرة وافرة، فقلّ من شاركه حسن التشخيص وإبلاء المريض، لذلك كان مجلسه مجلس علم وادب ودين، فيفوق المجتمعين بفلاح المعالجة وحسن الإلقاء ورقة الشعر. وليس من شك في ان صلة قوية كانت تصل بين اهل طرابلس والدكتور أكمل حين نذكر علمه ورعة وتقواه، ومساعدته للفقراء والمساكين بالسر في أكثر الاحيان حتى يكتمل الاجر له عند ربه.
توفي الدكتور اكمل الخربوطلي في 5/3/2005، بعدما ارتقى في حياته سلالم المعارف الطبية والعلمية والادبية، تاركاً إرثاً عظيماً.
عن جريدة البيان
74 : العدد
2008-07-16
قالت العرب: من أحبَّ طبَّ، أي تأني وتلّطف ووصف الطبيب في اللغة، بالحاذق الماهر، ويقال هو طبٌّ بهذا الامر اي عالم به، وسُميّ بالسحر تفاؤلا بالبُرء، وقيل عن الطبيب الناجح الحكيم، والحكمة هي العدل والعلم ووضع الشيء في موضعه، وصواب الامر وسداده، والحكمة هي علم الحقائق المعبّر عنها بمعرفة ما لها وما عليها المشار اليه بقوله تعالى: ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
والدكتور اكمل خربوطلي هو من يحمل هذه الصفات، كان ذات بصيرة مدركة، وفِراسة نافذة، يستدل بظواهر الأمور على بواطنها وخفاياها، كالاستدلال بشكل الانسان ولونه وحركاته على خلقه، وهو طبيب تفكير وتقليد بمعنى انه يتكئ على علم من سبقه وفقاً للمفاهيم والقواعد العلمية، ويملك زمام الذاكرة والعاطفة، وكان العقل عنده الامام الفرد الذي يرشد الى الحقيقة، واسلوبه في التعامل مع المرضى اسلوب سلس بعيد عن التعقيد، وكلامه يلج النفس والقلب راحة وطمأنينة، فلا تتوتر له اعصاب سامعه، ولا يختلج له فؤاد.
كان الدكتور أكمل محباً للعربية شغوفاً بها، فقرأ القرآن الكريم، وتفقه بالدين، وأجاد في شعر المناسبات وتركيب التواريخ بموجب حساب الجمّل (الارقام الشعرية) وقد يعود هذا الى والده والى مجالسته ومحاورته الدائمة مع قريبه العلامّة صاحب المكتبة المتنقلة الشيخ عبد الكريم عويضة.
ولد الدكتور أكمل خير الدين بن مصطفى الخربوطلي في طرابلس سنة 1910 ونشأ في بيت مشهود له بالدين والعلم، وأسرة الخربوطلي هي ممن هاجر الى لبنان ايام الحكم العثماني، منسوب الى خربوت، وهو حصن بيزنطي قديم في تركيا بمدينة الازغ، وقد فخّم الطرابلسيون التاء فأصبحت خربوطلي، "ولي" اداة النسبة في اللغة التركية للمكان.
تلقى أكمل خربوطلي علومه الابتدائية في مدارس طرابلس، ونال الشهادة الثانوية من مدرسة الفرير، ثم التحق بكلية الطب بجامعة القديس يوسف في بيروت، وتخرج كطبيبٍ عامٍ سنة 1939، وعمل اثناء الحرب العالمية فترة من الزمن، سافر بعدها الى الولايات المتحدة الامريكية لمتابعة تخصصه ومُنح البورد الاميركي سنة 1952، ثم سافر الى فرنسا وتخصص في الطب الداخلي لا سيما في الغدد والسكري والقلب، وبعد عودته الى طرابلس راح يستقبل المرضى في عيادته، ويزورهم في البيوت، وأدرك اهل طرابلس ما يتمتع به هذا الطبيب من كفاءة واخلاق وعفة، حيث بلغت ثقة الناس به، وما خصّه الله من نفس ذكية وقلب يخفق بالايمان، ان المتشددين من المسلمين أباحوا له معالجة نسائهم، في وقت كانت هذه تعد من المحرمات.
لقد طاف الدكتور أكمل في انحاء المعمورة ومراكز العلم، واتقن العربية والفرنسية والانكليزية وألّم بالتركية، واجتمع بالاطباء الكبار، وناقشهم فأخذوا منه، ونقل عنهم ما قد يصلح ان يكون نمطاً عالياً من أنماط الطب والمعالجة.
سافر الى بريطانيا عدة مرات برفقة بعض مرضاه، واجتمع مع طبيب القلب الشهير مجدي يعقوب ود . روس باركر، واختلف معهم في تشخيص بعض الحالات، وعندما اتت النتائج المخبرية كانت لصالح الدكتور أكمل، ومن إنجازاته التي تذكر ابتكاره تطوير لآلة القلب.
ولئن كان من رجالات طرابلس من شاركوه علم الطب وحفظ الشعر على كثرة وافرة، فقلّ من شاركه حسن التشخيص وإبلاء المريض، لذلك كان مجلسه مجلس علم وادب ودين، فيفوق المجتمعين بفلاح المعالجة وحسن الإلقاء ورقة الشعر. وليس من شك في ان صلة قوية كانت تصل بين اهل طرابلس والدكتور أكمل حين نذكر علمه ورعة وتقواه، ومساعدته للفقراء والمساكين بالسر في أكثر الاحيان حتى يكتمل الاجر له عند ربه.
توفي الدكتور اكمل الخربوطلي في 5/3/2005، بعدما ارتقى في حياته سلالم المعارف الطبية والعلمية والادبية، تاركاً إرثاً عظيماً.