فؤاد طرابلسي
02-10-2009, 10:20 AM
الشيخ رفعت الضناوي
عن جريدة البيان
77 : العدد
2008-08-06
كان يسكن رحمه الله في المدينة المملوكية، وكانت الدار من المباني المطلة على الجامع المنصوري الكبير، وباب الدار بجانب المدخل الشرقي للجامع المؤدي الى الرواق والصحن. كانت داره كمنزول طرابلسي ايام زمان، يجتمع فيه الاصحاب والجيران والزوار للتحدث والتشاور بما يخص شؤون وشجون العباد والبلاد.
في الخمسينات من القرن الماضي صحبني والدي رحمه الله الى منزول هذا الشيخ الجليل، وكان مجلسه يضم على ما اذكر الشيخ شفيق البركة والحاج فؤاد البركة رحمهما الله وغيرهما، كان يتحدث عن السنن والشرائع التي أصبح الناس في خلاف معها.
كان يحلو للكثيرين حضور مجلس الشيخ رفعت والاستماع له، لسلاسة اسلوبه، وحسن إلقائه، وما يتناوله من احاديث تدل على سعة معرفته وأدبه وعلمه.
الشيخ رفعت الضناوي عالم فقيه، نصوح سموح، صبور صبوح، عطوف حنّان، خشوع حمّاد، خلوق وضّاء، صلحت سريرته فحمدت سيرته.
ولد الشيخ محمد رفعت الضناوي من اب هو محمود بن امين في طرابلس سنة 1877م، والضناوي اسم عربي منسوب الى منطقة الضنية لعل أجداده قدموا منها، أو كانوا حكامها.
درس شيخنا في كتاتيب تلك الفترة، حيث كان النشء إذ ذاك يتلقى حفظ وتلاوة القرآن الكريم، مع تعلم القراءة والكتابة والحساب وشيء من الفقه والسيرة النبوية الشريفة، ثم انتقل الى المرحلة الثانية من دراسته، حيث لازم نخبة علماء طرابلس كالعلاّمة الشيخ عبد الكريم عويضة وغيره، فبرع في الفقه والفرائض ولغة الضاد، وكان كبار قضاة طرابلس يدعونه للنظر في بعض الدعاوى الشرعية الشائكة، فقد كان محط ثقتهم لوثوقهم بمقدراته العلمية، وقول الحق ولو كان امام سلطان جائر، وعرض عليه منصب القضاء فرفضه لشدة تورعه وترفعه على الدنيا، كما انتخب عدة مرات في المجلس العلمي لاوقاف طرابلس، وعمل مدرّساً في القسم الشرعي لكلية التربية والتعليم، وتولى الدروس الدينية في جامع التوبة.
من طلاب الشيخ رفعت الشيخ رامز الملك أمين الفتوى، والشيخ يحيى عبد الغني المير الذي أصبح فيما بعد من اعلام اللغة العربية، والشيخ المعتصم بالله الزعبي خطيب الجامع المنصوري والشيخان عز الدين ومحمد الرفاعي وغيرهم.
ترك مترجمنا إرثاً علمياً غنياً متمثلاً بتلك المؤلفات التي خلفها وراءه كما يقول الشيخ عصام الرافعي، ونشرها في مجلة التقوى، وكان احد تلامذته، وكلفه عدة مرات بالتدريس نيابة عنه في جامع التوبة.
الشيخ رفعت لغوي منظور وشاعر مجيد، نظم الشعر الديني وأرّخ للاحداث والمناسبات، ومن شعره قصيدة رثى فيها طرابلس إثر نكبتها في فيضان نهر ابي علي، وجاءت بواحد وثلاثين بيتاً أقتطف بعضاً منها:
هي النكبة العظمى أصابت طرابلسا فحل بها ما عمّ أبناءها بؤسا
حوادثُ قد حلّت فوادح خطبها فأذهلَ حقا وقعُها الجنَّ والإنسا
طواحينُ قد خرّت جسورٌ بها هوتْ حوانيتُ قد راحت معالمها طمسا
سيول وانهار جرفن تلالها وتهطال امطار تدفَّقُ لا تُنسى
ألا كل شيء هان إلا أعزَّةً كراما فقدناها وحلوا بها رمسا
هم القومُ قد أودوا قالوا شهادة وحلوا من الجنات طابوا بها نفسا
ألا راحمٌ للناس وهْي كئيبة وأجسامهم تبدو عراةُ فلا تُكسى
وتلك الثكالى واليتامى وأمهمْ يُنكِّس بيتُ العز من فوقها رأسا
فخسفٌ وهدمٌ وانهيارٌ ونكبةٌ وغرقى بلجِّ الماء كان لهم مرسى
الى ان يقول:
الى الله أشكو حالة البأس والضنى فقد عمّ هذا الكْربُ فيحاءنا بؤسا
وسجّل أخي التاريخ وأكتب حوادثا رمى الدهر من فيها وسطّر بها الطِرسا
فإن لسان الحال نادى مؤرخا هي النكبة النكباء وطمست طرابلس
عام 375هـ = 1955 م
توفي الشيخ رفعت الضناوي في عام 1973 عن عمر ناهز الستة والتسعين، وقد رثاه عدد من العلماء ، رحمه الله.
عن جريدة البيان
77 : العدد
2008-08-06
كان يسكن رحمه الله في المدينة المملوكية، وكانت الدار من المباني المطلة على الجامع المنصوري الكبير، وباب الدار بجانب المدخل الشرقي للجامع المؤدي الى الرواق والصحن. كانت داره كمنزول طرابلسي ايام زمان، يجتمع فيه الاصحاب والجيران والزوار للتحدث والتشاور بما يخص شؤون وشجون العباد والبلاد.
في الخمسينات من القرن الماضي صحبني والدي رحمه الله الى منزول هذا الشيخ الجليل، وكان مجلسه يضم على ما اذكر الشيخ شفيق البركة والحاج فؤاد البركة رحمهما الله وغيرهما، كان يتحدث عن السنن والشرائع التي أصبح الناس في خلاف معها.
كان يحلو للكثيرين حضور مجلس الشيخ رفعت والاستماع له، لسلاسة اسلوبه، وحسن إلقائه، وما يتناوله من احاديث تدل على سعة معرفته وأدبه وعلمه.
الشيخ رفعت الضناوي عالم فقيه، نصوح سموح، صبور صبوح، عطوف حنّان، خشوع حمّاد، خلوق وضّاء، صلحت سريرته فحمدت سيرته.
ولد الشيخ محمد رفعت الضناوي من اب هو محمود بن امين في طرابلس سنة 1877م، والضناوي اسم عربي منسوب الى منطقة الضنية لعل أجداده قدموا منها، أو كانوا حكامها.
درس شيخنا في كتاتيب تلك الفترة، حيث كان النشء إذ ذاك يتلقى حفظ وتلاوة القرآن الكريم، مع تعلم القراءة والكتابة والحساب وشيء من الفقه والسيرة النبوية الشريفة، ثم انتقل الى المرحلة الثانية من دراسته، حيث لازم نخبة علماء طرابلس كالعلاّمة الشيخ عبد الكريم عويضة وغيره، فبرع في الفقه والفرائض ولغة الضاد، وكان كبار قضاة طرابلس يدعونه للنظر في بعض الدعاوى الشرعية الشائكة، فقد كان محط ثقتهم لوثوقهم بمقدراته العلمية، وقول الحق ولو كان امام سلطان جائر، وعرض عليه منصب القضاء فرفضه لشدة تورعه وترفعه على الدنيا، كما انتخب عدة مرات في المجلس العلمي لاوقاف طرابلس، وعمل مدرّساً في القسم الشرعي لكلية التربية والتعليم، وتولى الدروس الدينية في جامع التوبة.
من طلاب الشيخ رفعت الشيخ رامز الملك أمين الفتوى، والشيخ يحيى عبد الغني المير الذي أصبح فيما بعد من اعلام اللغة العربية، والشيخ المعتصم بالله الزعبي خطيب الجامع المنصوري والشيخان عز الدين ومحمد الرفاعي وغيرهم.
ترك مترجمنا إرثاً علمياً غنياً متمثلاً بتلك المؤلفات التي خلفها وراءه كما يقول الشيخ عصام الرافعي، ونشرها في مجلة التقوى، وكان احد تلامذته، وكلفه عدة مرات بالتدريس نيابة عنه في جامع التوبة.
الشيخ رفعت لغوي منظور وشاعر مجيد، نظم الشعر الديني وأرّخ للاحداث والمناسبات، ومن شعره قصيدة رثى فيها طرابلس إثر نكبتها في فيضان نهر ابي علي، وجاءت بواحد وثلاثين بيتاً أقتطف بعضاً منها:
هي النكبة العظمى أصابت طرابلسا فحل بها ما عمّ أبناءها بؤسا
حوادثُ قد حلّت فوادح خطبها فأذهلَ حقا وقعُها الجنَّ والإنسا
طواحينُ قد خرّت جسورٌ بها هوتْ حوانيتُ قد راحت معالمها طمسا
سيول وانهار جرفن تلالها وتهطال امطار تدفَّقُ لا تُنسى
ألا كل شيء هان إلا أعزَّةً كراما فقدناها وحلوا بها رمسا
هم القومُ قد أودوا قالوا شهادة وحلوا من الجنات طابوا بها نفسا
ألا راحمٌ للناس وهْي كئيبة وأجسامهم تبدو عراةُ فلا تُكسى
وتلك الثكالى واليتامى وأمهمْ يُنكِّس بيتُ العز من فوقها رأسا
فخسفٌ وهدمٌ وانهيارٌ ونكبةٌ وغرقى بلجِّ الماء كان لهم مرسى
الى ان يقول:
الى الله أشكو حالة البأس والضنى فقد عمّ هذا الكْربُ فيحاءنا بؤسا
وسجّل أخي التاريخ وأكتب حوادثا رمى الدهر من فيها وسطّر بها الطِرسا
فإن لسان الحال نادى مؤرخا هي النكبة النكباء وطمست طرابلس
عام 375هـ = 1955 م
توفي الشيخ رفعت الضناوي في عام 1973 عن عمر ناهز الستة والتسعين، وقد رثاه عدد من العلماء ، رحمه الله.