المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طفّار بعلبك: إذا أنا مخطي عَ الإعدام بس حقّي بدّي إسحبو من عيونُن



محمد أحمد الفلو
28-04-2010, 02:12 PM
براهيم الأمين
لن يكون بمقدور أحد نصْب حواجز للصوت. الجرد العاصي على كل شيء من حوله، يحمل نفسه مع جعفر وناصر الدين إلى قلب المدينة. إلى الأحياء التي عرفوها زواراً وغرباء. لم يشعرا يوماً بأن الأمكنة تشبههما. لا الناس ولا أشكالهم ولا أصواتهم. «لا أحسدهم على شيء، ولا أريد لهم أن يواجهوا ما نواجهه نحن، لكنني لن أتحمّل أن يركبوا هم الـx5 بينما أتوقّف أنا مراراً لدفش سيارة ولدت قبلي بسنوات. لا أريد عجقة السير الخاصة بهم، ولا أصوات الناس تتكاذب».
ليس في حكاية «الثائرين» جديد على أهل التعب، كما على أهل الظلم. آباء وأمهات نزحوا قبل عقود هرباً من جوع وقهر في جرود بعلبك. ليست أحزمة البؤس مفتوحة لكل الفقراء. والمكان الضيّق الذي استضافهم في الرويسات على حافة قرى السياحة في المتن، لم يكن يتّسع لهم كفاية. كان عليهم رسم خريطة توصل البيوت بعضها ببعض. كان لجعفر أن يخرج من غرفة نومه إلى مطبخ ناصر الدين من دون الحاجة إلى باب المنزل. وفي دقائق قليلة، يمكنه عبور المخيّم إلى خارجه سيراً على الأسطح المتراصة بعضها على أكتاف بعض. وكل الحكايات مسموعة من أُذن إلى أُذن. والقهر رافقهم بكل طقوسه. الجرائم والقهر والتعب نفسه. حتى الحظ السيّئ يتدافع للجلوس بينهم. شقيق جعفر يصغره سنةً. الباص لم يوصله إلى المدرسة. دهسه وقتله على باب المنزل. بعدها حمل الأهل حزنهم وابنهم القتيل إلى الجرد نفسه. فالحرب الطبقية ترافق الموت أيضاً: «مين قال كل اللي بيموت بيندفن ببيروت». لكن الهروب كان له سببه الإضافي كي لا تكرّ سبحة الموت على أهل القتيل. والعودة لاحقاً إلى المدينة تصبح مثل قصاص مفروض على الأولاد، كما على الأهل، لأن العمل ممكن بحدّه الأدنى في هذا المخيّم التعيس. والعودة إلى المدرسة ومن ثم إلى الجامعة تفرض الابتعاد عن الجرد، والعودة إلى المدينة.
«صوتنا المرتفع ضد المدينة ليس بقصد الانتماء إليها». لا يقف الشابان في حالة نشوة إن اتّهما بنقل ريفهما إلى أسفل المباني الشاهقة في بيروت. ويحلمان فقط بالعودة إلى الجرد للعيش هناك. «إلى حيث يمكنك الاستغناء عن كل شيء. لا حاجة حتى إلى الطعام لمواصلة العيش». تطول نحو أبواب الضاحية قبل ركوب الباص 4 نحو جامعة لفظتهما قبل اكتمال عمرهما التربوي. ثم يخرج أحدهما بحثاً عن عمل يصعب العثور عليه. يشعر دون أن يقول له أحد بأن لهجته البعلبكية تمنع عليه الدوام في شركة مالية. لقد اشترى البدلة. استدان ثمنها، لكنه لم يلبسها «خليها بلكي بكرا بنتزوج فيها».
باكراً تعرّف جعفر وناصر الدين على صورتهما في عيون الآخرين. تلك الصورة التي شيطنتهما كبيرين وصغيرين. لم تبقِ في داخلهما مكاناً لمدينة صارت بالنسبة إليهما «مملكة الوحوش». وحكاية الرفض تعرّفا إليها باكراً أيضاً. جمعا بطرق ملتوية أرشيف زياد الرحباني وحفظاه. كبرا وتعرّفا على أشياء من هذا النوع. لم تكن الموسيقى مدخلاً خاصاً. ليس في المنزل من يهتم أصلاً لأمر الموسيقى. وليس في اليد حيلة للحصول على آلة استماع جيدة للموسيقى، ولا لتحقيق حلم بتعلّم البيانو أو أي آلة أخرى. كانت العلاقة مع فرقة «كتيبة 5» الخارجة من وجع المخيّمات، مدخلهما إلى عالم الراب. تعرّفا على أسماء من العالم. وجدا ما كان سهلاً في رأسيهما، من أن القهر له شكل واحد في كل الأمكنة، في كل العالم. وكل مقاومة للظلم هي نفسها في كل مكان: «كل مقاتل كل مقاوم كل فقير... طافر». حكاية القهر معروفة لكنّ الدعوة إلى مقاومتها تتجاوز الخطب وصراخ المتعبين
طافر، اسم يرمز إلى ما يعني لهؤلاء ذروة التصدي لظلم الدولة. ليس لدى جعفر وناصر الدين التباس في تحديد هوية الخصم. هي الدولة، المسؤولة عن قهر يتوالد في بطون أمهاتهم منذ زمن بعيد. يميّزان بين ما يقولان إنه غضب على الدولة وعتب على الآخرين من الشركاء في الدولة نفسها. ليس لديهما أيّ حاجة إلى تبرير ما يقوم به الطفار، الذين ابتعدوا مضطرّين للهروب من أحضان زوجاتهم وحرارة أطفالهم إلى برد الجرد وقساوته. وأكثر ما يغيظهما أن الدولة تتفاخر بقهر الناس هناك. «يأتون بأولاد عكار المقهورين مثلنا ليرمونا بالرصاص».
«راب الهرمل» له مفعول أقوى من حشيشة الجرد هناك. إدمانه يشبه القهر الذي جعل جعفر وناصر الدين يصرخان بوجه من يجدان فيه مركز الظلم. ذلك الوسط التجاري أو «الوسخ التجاري»، كما سمّياه، لأن فيه كل شيء قبيح: «كل ما ولد نام هون جوعان/ في قبر بينحفر فوق». والعلاقة بالمدينة ومن يتحكم بها وبالعباد في كل الدولة قاسية إلى حدود البغض «إختن/ إخت رزقتن وعيشتن/ عشرتن/ جربن/ قرفن/ حسدن/ هودي لازم نقتلن ونتركن بالعفن». ودعوتهم إلى الثورة على هؤلاء ليس فيها مزاح أو مكابرة، بل فيها دعوة واضحة إلى التحرك: «زياد الرحباني وصف لنا الواقع، لكنه لم يقل لنا كيف نغيّره، وطموحي ليس مواصلة الصراخ على القتلة والمجرمين، بل حمل البندقية وإطلاق النار على من أشتمهم في أغنيتي»، يقول جعفر الذي لا يهتم لأي رد فعل من أي جهة على ما جاء في ألبومه. وهو مثلما يعد نفسه بمقاومة أي مطاردة له، يواصل مع ناصر الدين الصراخ في وجه الناس تحريضاً: «محاضر الضرايب خزقهن/ وقّفوك وقِّفُن/ نبّشوك فجّرُن/ واللي بيشدّ على إيدك إيدو اقطشها».
ألطف ما في الأمر، أن جعفر وناصر الدين، في لحظة صفاء خاصة، تمنّيا أن يكون السيد حسن (نصر الله) أوّل من يسمع ألبومهما، «يمكن ما بيحبّ يسمع أغاني، بس لازم يسمع هالشي».

أمين أحمد الحاج محمد
28-04-2010, 03:29 PM
قولك فشلان بيعرف يكتب متل هالغناني...!!!!

مصطفى معتوق
29-04-2010, 12:49 PM
ههههههههههههههههههه

طرق التعبير تختلف مع اختلاف البيئة والثقافة

وطريقة الشباب للتعبير طريفة لكنها منسجمة مع الواقع الجردي