المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صرخة للتغيير .. بعيداً عن الجهاد



وسيم أحمد الفلو
23-07-2007, 01:08 PM
( نشرت واشنطن بوست الأحد عدداً من المقالات لكتاب مسلمين من حول العالم تحت عنوان( الإسلام يحتوي الكثير من الدوائر) يحكون فيها تجاربهم الشخصية مع الإسلام وخلاصة ما توصل إليه كل واحد منهم وكيف يمارسون دينهم، ونظرتهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعلاقتها بالمجتمعات الإسلامية، وشارك في الكتابة أكبر أحمد وهو مفكر أمريكي من أصل باكستاني، ومهجة كهف أمريكية من اصل سوري، ومنصور النقيدان من السعودية، ومحسن حامد وهو باكستاني عاش طفولته في أمريكا).

منصور النقيدان – بريدة ( وسط السعودية): الإسلام في حاجة إلى إصلاح عميق، إنه يحتاج لشخص يمتلك شجاعة مارتن لوثر. هذا ماتوصلت إليه بعد رحلة روحية طويلة ومؤلمة. ورغم إن هذا القول لا يحظى بشعبية ،كما أنه طوقني بانتقادات غاضبة في السنوات الماضية، بما في ذلك فتاوى تكفير من علماء دين، لكن أحداث 11 من أيلول وماجاء بعدها حتى اليوم، عززت أقوالي وقناعتي بأن الإسلام يحتاج إلى إصلاح لكي يمضي نحو المستقبل.

معظم المسلمين يتميزون بالجمود والتشبث بالتفسيرات القديمة والحرفية للقرآن، وقد آن الأوان من أجل شرح وتفسير الكثير من الآيات القرآنية بروح إسلامية عصرية، خاصة تلك التي تمس العلاقات بين الإسلام والأديان الأخرى. وآن الأوان لقبول فكرة أن الله يحب المؤمنين من جميع الأديان. إنها اللحظة التي يجب أن نمتلك الشجاعة لنرفض القادة الدينيين الذين يفرضون على المجتمعات المسلمة نظرتهم الصارمة. إنه الوقت لنصل إلى فهمنا الخاص للأحاديث النبوية والدعوة إلى تعاريف جديدة وجريئة للإيمان باعتباره النية الحسنة والخير والسلام.

لم أكن دائما أحمل هذه الأفكار فيما مضى، كنت واحداً من المتطرفين الذين يتشبثون بالتفسير الحرفي للإسلام، وحاولت إكراه الآخرين لتبني نفس رؤيتي المتشددة. لقد كنت جهادياً. ترعرعت في العربية السعودية، وعندما بلغت من العمر السادسة عشرة، بدأت تراودني شكوك حول وجود الله، كنت ألجأ إليه بالدعاء لأن يمنحني القوة للتغلب على تلك الوساوس، ثم عقدت صفقة مع الله: سأتخلى عن كل شيء و أكرس نفسي لك وأعيش الطريقة التي عاش عليها النبي محمد ورفاقه قبل أربعة عشر قرناً، ويكون عليك أن تتكفل بتخليصي من شكوكي. انضممت إلى مجموعة سلفية متشددة، وتخليت عن الحياة الحديثة وعشت في بيت من الطين، بعيداً من أهلي، تركت مدرستي ظناً أن التعليم الحديث فاسد وغير أخلاقي، وانضممت إلى حلقات العلماء الذين يدرسون العلوم الإسلامية بالطريقة التقليديه، تماماً كما كانت تدرس قبل ألف ومئتي سنة، ووجدت نفسي وقد انخرطت في العنف، الشيء الذي أوصلني للسجن. في أوائل التسعينات، شاركت في حرق محل فيديو في الرياض ومركز نسائي في مدينة بريده، لأني كنت أعتقد أنها رموز الخطيئة في مجتمع يمضي نحو الحداثة بخطى متسارعة.

ورغم كل ذلك لم أتخلص من شكوكي. كنت أتساءل هل القرآن حقا كلمة الله؟ لو كان حقاً فهل أنزل على الرسول محمد ، أم هو صنيعته؟ ولكنني لم أشاطر الإفصاح عن هذه الشكوك أحداً، لأن الكشف عن ذلك هو أمر محظور تماماً في المجتمع المسلم. في الوقت الذي بلغت فيه السادسة والعشرين، الكثير من الاضطراب الذي في نفسي قد خف، ووجدت السلام مع الله. ولكن وفي الوقت نفسه، كنت قد بدأت ألاحظ النفاق المتفشي لدى الكثيرين الذين يقدمون أنفسهم كقدوة للمسلمين: القضاة باسم الشريعة الذين يتجاهلون علامات التعذيب البادية على أجساد رفاقي من السجن، معلم القرآن الذي يعتدي على طلابه. ورأيت مسلمين يدعون التقى ويحافظون على الصلوات الخمس يومياً لا يتحرجون عن الكذب وأداء شهادة الزور للإضرار بأشخاص لا ينتمون إلى نفس معتقداتهم المتطرفة.

وفي عام 1999 كنت إماماً في مسجد في الرياض، وكنت قبل ذلك قد عثرت على كتابين كان لهما تأثير عميق في تفكيري، أحدهما كان لمفكر فلسطيني، وكان يناقش الصراع الدائر بين أولئك الذين يتعاملون مع القرآن بشكل عملي ومن يأخذ بالحديث حرفياً كما هو، الثاني كان كتاباً ألفه فيلسوف مغربي عن تكوين العقل العربي. ألهمني ذانك الكتابان في كتابة مقال لصحيفة سعوديه قلت فيه إننا مدينون لأنفسنا بأن نطرح الأسئلة، فالمسلمون لهم الحق في طرح السؤال،وانتقاد القادة الدينيين والأئمة الكبار، ولا يجب إن نأخذ كل ما يخبروننا به على انه من المسلمات، ولاحقاً كتبت بأنه يجب علينا التفكير بطريقة عملية إذا كنا نريد لديننا أن يظل و يزدهر.

المقال قذف بي وسط عاصفة. بعض من يصلون معي في المسجد رفضوا السلام علي،آخرون تجنبوا الصلاة ورائي. تحت هذه الضغوط تركت المسجد. واتجهت إلى الجنوب إلى مدينة أبها، حيث وجدت عملا ككاتب ومحرر لصحيفة أنشئت حديثاً. عدت بعدها إلى الإمامة في مسجد الصحيفة الصغير والكتابة عن أفكاري، بعد أن كتبت مقالات مؤكداً حقنا كمسلمين في مسائلة رجال الدين في تفسيراتهم للقران والحديث وثقافة الدين في مجتمعنا، منعت من الكتابة بسبب ضغوطات وشكاوى من المؤسسة الدينية السعودية.

هجمات 11 أيلول -سبتمبر، أعطت حياة جديدة لما كنت أقوله، عدت من جديد انتقد الطريقة التي يتم فيها تلقين الدين لنا نحن المسلمين، انتقدت فكر القاعدة وتلك الفكرة التي تعتبر أن كل أولئك الذين ليسوا مسلمين سلفيين هم أعداء. شددت على ضرورة التآلف مع الأديان الأخرى أشرت إلى أمثلة من التاريخ الإسلامي. حاولت إعطاء تفسير جديد للآيات التي تدعو إلى العداء بين المسلمين والمسيحيين واليهود. كتبت أنها لا تنطبق علينا اليوم. كنت أطمح إلى ترسيخ فكرة أن الإسلام يدعو إلى المودة بين أصحاب الديانات.

لقد فقدت الكثير من الأصدقاء قبل ذلك بسنتين، وبعد ذلك فقدت من تبقى من أصدقائي الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لإعلان مواقفهم مني، إما معي أو ضدي. فضل بعضهم الابتعاد بصمت، وآخرون اختاروا المواجهة علنا وأصدروا بيانات وردوداً مليئة بالشتائم. مرة أخرى كانت الجريدة تحت ضغط كبير. أصبحت الهدف المفضل للهجوم عليه على الانترنت، حيث كانت كتاباتي مدانة.

بعد رحيلي من أبها كنت قد بدأت في تطوير علاقة مختلفة مع الله. شعرت أنه كان يدفعني نحو نوع آخر من الإيمان، كل ما يهم فيه هو أن نتضرع إلى الله من القلب.واصلت الصلاة، ولكنني بدأت أتجنب الآيات التي تطالب بإضمار العداوة والكراهية لغير المسلمين، بدلاً من ذلك اقتصرت على الآيات التي تشيد برحمة الله وعظمته وسعة علمه. تذكرت حادثة في السيرة النبوية عندما أخبر النبي بدوياً لا يعرف كيف يصلي بأن يتخلي عن الآيات ويقترب إلى الله بتكرار التسبيح والتحميد والتكبير، "لا تهتم بالتفاصيل" هذا ما قاله النبي للبدوي. أحسست بالسلام، لم يعد للشك وجود في قلبي. فقد صمتت تلك الحملان.

وفي كانون الأول / ديسمبر 2002، في مقابلة على شبكة الانترنت، انتقدت القاعدة، وأعلنت إن بعضاً من خطب الجمعة كريهة ومقرفة. وفي غضون أيام، صدرت فتوى على موقع إنترنت لثلاثة مشايخ، وأفتوا بردتي ووجوب قتلي. مرة أخرى، شعرت باليأس من أن يكون ثمة تغيير نحو الأفضل في الطرق التي تتخذها المجتمعات الإسلامية نحو أبنائها، وبعد سنتين في مقابلة لي مع تلفزيون العربية قلت: أظن إن الله يحب جميع الناس المؤمنين من مختلف الأديان، أصدر إثرها عالم دين كبير فتوى بردة قائل هذا الكلام.

بعدها بأيام، ذات مساء، سمعت من الراديو آية النور. رغم أنني أحفظ هذه الآية منذ الخامسة عشرة، كنت وكأنها تطرق سمعي للمرة الأولى. الله نور السموات والأرض! شعرت حينها وكأنني أنا المعني بتلك الآية. أحسست أن الله يخاطبني.كيف يكون الله هو النور ويكون في الوقت نفسه عدواً لإنسان ضعيف هو خلقه؟ الله النور! أيعقل أن يكون سعيداً لرؤية الناس وهم يتعذبون من أجله، وحتى لو كانوا قد اخطأوا الطريق إليه؟ لقد وجدت إسلامي.

أعتقد أن آخرين يمكن أن يجدوا إسلامهم وسلامهم أيضاً. ولكن أولا نحن بحاجة إلى إصلاح على غرار الإصلاح البروتستانتي ضد الكنيسة الكاثوليكية. ومع أن إعجابي العميق بلوثر بدا أحياناً رؤية غير مكتملة النضوج، إلا أن شجاعته وانتفاضته الباسلة كانت ملهمة لي دائماً.

في القرن الرابع عشر كان ابن تيمية الفقيه السلفي المتشدد مرشحاً لأن يكون لوثر الإسلام، لقد كان عالماً مر هو الأخر بأزمة روحية ، وتوصل إلى أن الله الذي نؤمن به سيقوم في لحظة ما بإغلاق أبواب جهنم، وسيسمح لجميع البشر بغض النظر عن دياناتهم ، بالدخول إلى الجنة الخالدة. وخلافا للوثر، فضل ابن تيمية الصمت، ولم يصرح بفكرته الثورية إلا لشريحة صغيرة من طلبته المخلصين.

إن ما يحتاج الإسلام إليه هو شخصية قوية، شخصية تقودنا نحو الإصلاح، إنه يفتقد إلى علماء يستطيعون إقناع المجتمعات الإسلامية بضرورة إعادة تفسير نصوص القرآن بطريقة عصرية وجريئة كي يتسنى لنا العيش مع العالم الأوسع.


* منصور النقيدان كاتب في صحيفة الوقت البحرينية.

ترجمة :منى عبداللطيف خاص بإيلاف

رابط المقال في الواشنطن بوست
http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2007/07/20/AR2007072001808.html

رابط لمجموع المقالات
http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/opinions/outlook/index.html

أبو محمد القلموني
23-07-2007, 04:40 PM
في ما يلي مقالة جيدة تعرف بمنصور النقيدان وتترجم له على طريقة المحللين النفسيين، أنقلها لكم من موقع صيد الفوائد:


منصور النقيدان ... (جولة في ردهات نفسه وضميره) !!
دكتور استفهام


في تلك الليلة الصيفية دعاني أحد الزملاء الى استراحة للقاء سيتحدث فيه منصور النقيدان ، وكان الحضور قرابة العشرين او يزيدون قليلا ، وكنت قبلها لم أجلس مع منصور النقيدان إلا مرة واحدة ، بل ربما قبلها لم أسمع بشي يقال له منصور النقيدان إلا حين جلست مع أحد الشباب الذين شاركوا مع النقيدان في عملية التفجير في المركز النسائي في القصيم ..

لا أخفيكم سراَ أني تعجبت أشد العجب من منصور النقيدان في تلك الليلة التي تحدث فيها ما يزيد عن الساعة والنصف برتابة وقوة عبارة وكأنه يقرأ من ورقة ، وكان يرفع طرفه الى الأعلى وكأنه يستحضر نصوصا يحفظها عن ظهر قلب ، وكانت كلمته تنضح بالثورية الشديدة التي تذكرني بالثوريين العرب الذن يجعلون " الثورة " هدفا بذاته من دون مرجعية دينية واضحة في خطابه ، وكنت في تلك الليلة اتسائل : كيف وصلت هذه الفكرة الثورية الى منصور النقيدان ، وماهي مراجعه فيها وهو يعيش في القصيم الذي يغلب على طلبة العلم فيه الاهتمام بالكتب العلمية المدرسية ، وماهي الغاية التي يريدها النقيدان من هذه الثورية الطافحة في خطابه ، وكان يجلس بجانبه مشاري الذايدي الذي كان كث اللحية ، متحفزا إلى الكلام ، وكأنه محبوس في قفص يحاول التخلص منه ، وكان ثوبه قصير الى درجة ملفته للنظر ، وحين انتهى منصور انقض مشاري بكلام قاس ونبرة تكفيرية حادة ، ومقت للواقع ، يتسلل من عباراته وقد كانت عباراته أوضح في النقمة ، واقل في المستوى الأدبي من كلمات زميله منصور !

جالست منصور النقيدان بعد تلك الجلسة عدة مرات ، وزارني في بيتي مرة واحدة او مرتين – لا أذكر - ، وهو بحق ممتع في مجالسته ، وخاصة حين يطرب للحديث والذكريات ، مع قلق دائم وهم تجده باديا على ملامحه ، قد صنعه في ضميره الوقت الذي أمضاه بين مشكلات أوقع نفسه باتونها ، وكنت أجد في منصور نبرة المتحدي للآخرين ، المحب لأن يكون شيئا مذكورا ، الراكب للموجة الفكرية الحاضرة ، فهو يتوجه الى المسألة المثارة في الساحة الفكرية والدعوية بشغف ليستعرض كل طاقته أمام الشباب الخائضين فيها ، وأذكر ان الموجة في ذلك الوقت هي موجة الخلاف حول قضايا الارجاء ، وموقف الشباب من رأي الشيخ الالباني فيها ، ومخالفة بقية العلماء له ولتلامذته فيها ، وقد انتشر في ذلك الوقت كتاب الشيخ سفر الحوالي مخطوطا " ظاهرة الارجاء في الفكر الاسلامي " وكان منصور النقيدان مهتما بالموضوع ، ومحتدا كذلك فيه الى درجة انه حفظ طبقات المرجئة واقسام الارجاء ، والخلافات الدقيقة بين اقوالهم ، ومناضلا كبيرا في تقرير قضايا الايمان عند أهل السنة ، وكان من " غلوه " في هذا الجانب ما حُكي لي أنه دخل مسجدا في أحد المناطق ، وحين علم بأن الامام يقول بقول الالباني في الايمان من اشتراط الاستحلال في الكفر ، وانه لا يقع إلا في الاعتقاد لم يصل خلفه ، بل خرج من المسجد وبحث عن مسجد آخر ..!!

في اعتقادي أن منصور النقيدان يمثل نمطا لكثير من الشباب الذين عرفتهم ، وخاصة اذا كان الواحد منهم يرى في نفسه قدرات وطاقات لم تقدر من قبل الوسط الذي يعيش فيه ، فهو يرى أنه " نبي ضيعه قومه " ، وكان جزءا من النقمة التي ينقمها على التيار العلمي والدعوي العريض هو الاهمال الذي كان يعانيه ، فهو طلب العلم على الدويش وغيره ، وابتلي وسجن ، وأنكر وقاوم ، ومع ذلك لم يكن له حضوة كبيرة ، حتى أن شباب القصيم لم يكونوا يكنونه بالشيخ كما سمعت من كثير منهم ، كما ادعى هو في برنامج " إضاءات " ، بل كانوا يرونه شابا متحمسا طائشا ، كل يوم له مذهب ، وكل ساعة له طريقه ، فهو ينتقل من صورة سلوكية معينة الى مقابلها بأسرع وقت ، فقد تأتيه وهو جالس في بيت طين ، منعزلا عن الناس ، محرما الدراسة وكارها للخلطة ، وخجولا لا يكاد يرفع طرفه في نظر زائريه ، ويبدو عليه التعبد والخشوع ، ثم تفاجأ في الزيارة الأخرى او في مجلس آخر ، بذلك الشاب الجرئ المعلن لانكار المنكرات الحاث عليها ، الجرئ في نظراته وتعابير وجهه ، ثم يصل الامر معه الى مداه حين يقوم بالتفجير بنفسه ..!

إن الذي يبدو من هذا كله أن منصورا كان يبحث عن موطئ قدم يحقق فيه ذاته ، ويشكل له حضور ، ولعله كان يظن أن الحضور يصنعه في الساحة الغرابة في الطرح ، والجرأة فيه ، بعيدا عن مراعاة الجوانب المهمة التي تحقق الحضور والتأثير ، مثل الاستقامة والاتزان ، والتواضع وترك النزاع والتقليعات التي تنم عن شخصية غير مستقرة لانفسيا ولا فكريا ،ومراعاة ظروف المرحلة وتقدير رموزها من العلماء والدعاة ، ولذلك لم يكن منصورالنقيدان مشروعا ناجحا أبدا للدعوة ، ولعل اصدق عبارة تصدق على وضع منصور ما يفعله بعض المشاغبين في الحارات الذين يقولون ( لعبوني وإلا ابخرّب ) !

لقد كان منصور النقيدان رمزا للشللية العمياء التي تتفق في الليل على فكرة ، ثم تروج لها في الصباح ، ولذا لم يكن حراكه الثقافي ناضجا في أي مرحلة من مراحل حياته ، وهذا ما سبب التعثر في كل مرحلة ، وفتح مرحلة من الصراع مع الخصوم الذي لا يهدأ ، وكان ابرز معالم تلك الشللية " الحدة في حمل الفكرة الى درجة الغلو فيها " و " الوثوقية في المنهج الى درجة القطع واليقين " ، و " الانتقال من الفكرة الى نقيضها " بلا أدنى استشعار للحرج من الآخرين ، و " محاولة الاستقلال " الى درجة المفاصلة ، و " محبة التميز " ولو على أكتاف نقد المعظمين عند الآخرين ، و " الصراحة " في البوح بما يحمل من فكرة حتى لو أدت الى المصادمة والمناكفة مع الخصوم ، وفي كل مرحلة يشعر هؤلاء الشلة أنفسهم بأنهم وجدوا ضالتهم المنشودة ، ووقعوا على طريدتهم الغائبة ، ولا أدري كيف يضمنون الآن سلامة ماهم عليه ، وهو نفس الشعور الذي يكتنفهم في أي مرحلة يمرون بها ..!

لعل منصور النقيدان مثل كثير من الشباب الذي تضرب عليهم صورة نمطية سيئة ، وينتشر عنهم سلوكا مرفوضا من الكثير ، ثم يستحيل بعد ذلك ان تتغير تلك الصورة في ذلك الوسط ، مما يدفع الشاب الى البحث عن بيئة لا تعرف خلفياته، ولا ماضيه وافعاله ، فهو يتنفس الصعداء حين يجلس في مجلس يعرفه لأول مرة ، فهو يخرج كل قدارته وطاقاته التي لا يراها اولئك شيئا يذكر ، ويحس بارتياح شديد للبيئة الجديدة ، وهذا ما حصل فعلا لمنصور حين ترك القصيم قافلا الى الرياض وغيرها في تنقلات كثيرة ، ولكنه سرعان ما ينكشف أمره من خلال الملاحقين له ، المعارضين لطريقته ، مما جعل منصور النقيدان يجد ان التيار كله يحتاج الى مواجهة وغسل وحرب لا هوادة فيها ، وهذا لا يأتي إلا من خلال " التحيز " الى تيار مقابل يشكل خصومة فكرية ونفسية ، وهذا بالضبط ما وجده منصور النقيدان في التيار " الليبرالي " الذي يعد خصما تقليديا للتوجه الاسلامي ، ولذلك كانت بداية منصور النقيدان هو في النكاية بأعظم رمز عند التيار وهو إمام أهل السنة " أحمد بن حنبل " الذي طالته اول مقالة سطرها منصور النقيدان ، ولذا لم يجد منصور النقيدان للبداية في هذا المشروع إلا مقالا سرقه الجابري من فهمي جدعان ، فسرقه هو من ذلك السارق ، حيث جعل الامام أحمد مستبدا ظالما ومتعاظما في مقابل المسكين الضعيف ابن أبي دؤاد الذي كان يسومه ابن حنبل سوء العذاب ، ففجأة فاذا الجلاد المعتدي مجلودا ، واذا المجلود الكسير ظالما جبارا ، فكانت فكرته اقرب الى العبثية واستفزاز المقابل أكثر من كونها دراسة واعية لشخصية كالامام أحمد الذي كان النقيدان يتغنى بذكره في مجالسه ، وكان أشد المعجبين به ، بل كان الامام أحمد وموقفه من فتنة خلق القران افتتاحية يفتتح فيها النقيدان خطاباته النضالية ، ورمزا للصمود والاباء والعزيمة ، وفجأة انقلب عليه .. ونصر خصمه اللدود ابن ابي دؤواد عليه !

في اعتقادي ان هذا المقال الأول الذي سطره النقيدان يصلح لأن يكون " تيرمومتر " لفكر النقيدان ، ومقياسا لمدى البعد النفسي الحاضر في كل ما قاله وفعله النقيدان في ايامه التي تلت ذلك المقال ، وخاصة ان النقيدان يحمل مخزونا من الافكار التي يمكن ان يجيّر أي طرف من قوليها فيما يريد ، ويعرف مداخل المسائل ومخارجها التي من خلالها يستطيع النكاية بخصومه ، ولذلك يستطيع ان يجلس في مجلس ليقرر فيه ان صلاة الجماعة فرض عين اذا كان في المجلس من يراها فرض كفاية ساردا نصوص القول الأشد ، ثم يستطيع كذلك ان ينتقل الى مجلس آخر بعد عشر دقائق ليقرر أنها سنة مؤكدة ، مستحضرا قول المقابل ، وتأويلات وتخريجات الفقهاء ، بل ويستطيع ان يأتي بشبهات كل فرقة على أهل السنة والتي في يوم من الايام كان يستحضرها للرد عليها ، والدفاع عن الكتاب والسنة ، ولعل مقاله في الدعوة الى نشر فكر " الإرجاء " خير شاهد على هذا ، فهو كان يرفض الصلاة خلف سني قال بقول فيه شوبة ارجاء ، ثم هو بعد سنة او أكثر يدعو الناس الى ان يشيعوا في نواديهم فكرة الارجاء التي تسلخ العمل عن الايان ، وكأن مسائل العلم اصبحت عنده مسرحا ينتقي منه ما يريد في سبيل النكاية بتيار يعاديه ، ويفرغ حنقه النفسي عليه من خلال لعبة التأويل في الاقوال ، او ضرب أدله الفرقاء بعضها ببعض ، وهذا ما رأيته بارزا في حلقة النقيدان في برنامج " إضاءات " حيث ظهر في الحلقة براعة النقيدان في " التأويل " في الأقوال التي يظهر في بشاعة القول الملفوظ ، وتخريجاته الباطنة التي لو صادف طالب علم يناقشه فيها لوجد له الف باب يخرج منه ، تماما كما يفعل الجربوع للعارفين بحال الجرابيع وطريقة هروبها من الاصطياد !

أليس عجيبا فعلا ان اسمع النقيدان قبل انتقاله الى وضعه الحالي بأشهر قليلة وهو إمام مسجد يحتد على شيخ مشهور ويقول حين عرض عليه قول له : " هذه زندقة " ، ثم بعد ذلك بقليل يركب موجة معادية لا للمتطرفين الارهابيين من التيار ، بل لكل التيار بأطيافه المختلفة ، ومدارسه المتباينه ، فهل للسرعة في الانتقال دلالة ومعنى ؟؟

إن الاجابة التي استطيع ان اقولها في مثل هذه الظاهرة هي في الفرق بين حمل " الاسلام " قناعة راسخة وديانه لله تعالى ، تجعل الانسان يحمل قيمه اختيارا ويقينا حتى لو اصابه فتور او انحراف في بعض القول والعمل ، وبين من كان الجو الاسلامي والدعوي هو جو وجد فيه بلا اختيار ، او هو جو يحقق فيه الانسان ذاته ، او يسعى الى تحقيق ذاته ويجد رغبة ولذة في هذا ، من محبة الشهرة والصدارة والرياسة ، وهذا يظهر في كثرة الجدل والمناظرة ومحبة الانتصار وكسر الخصوم ، وخلق المعارك ، وحساب الارباح والخسائر فيها بدقة ، فاذا ما أحس بأنه ينازع في هذه اللذة ، أو يناكف عليها ،او احس بانطفاء جذوة الحضور والصدارة أو ان حظ نفسه قد زال ، بحث مباشرة عن جو آخر يحقق له ما يريد، بغض النظر إن كان جوا إسلاميا او غير اسلامي ، وهذا أمر يتسلل الى النفوس بلا وعي ولا شعور ، ويحتاج الى محاسبة النفس ، والنظر في الطريق ، ومراجعة الاخلاص في القول والعمل ، فاذا لم يوفق الانسان الى هذا ، كانت اللذة والرغبة والعاجلة هي المقدمة على كل شي ، حتى لو كان ذلك في الالحاد ، او الانحراف الفكري والسلوكي ... فنسأل الله الثبات !

إنني لم أكتب عن النقيدان ، ولم أكن أحب ان اكتب عنه إلا من أجل ان نجعل منه صورة تعرض طلبا لمراجعة الانفس ، والاتعاظ من حال من ارتكس بعد ان كان مهتديا ، ولا أقول هذا لأني اخالف النقيدان في بعض المسائل المحتملة للخلاف والاجتهاد ، ولكني اقول هذا لأني رأيت في النقيدان غلوا في حمل الفكرة المناهضة للديانة والاستقامة ، وهو طريق خطير على جيل الامة وشبابها ... عصمنا الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن !

http://saaid.net/mktarat/almani/46.htm

وسيم أحمد الفلو
24-07-2007, 10:47 AM
لا أتوقع أخي أبو محمد أن تأتي الواشنطن بوست برجال ربانيين، ولكن يجب علينا الإستماع إلى وجهة النظر الأخرى.

باسم الحج
24-07-2007, 01:27 PM
الصراحة يا اخوة أنا قرأت مشاركاتكم ولكن لم أفهم المغزى من عرض هكذا اراء,أرجو التوضيح,أخوكم......:(