فؤاد طرابلسي
03-11-2010, 10:20 AM
الرئيس فؤاد ضاهر يرمي أوراق الذكريات على طاولة الغضب ويقول لـ"البيان":القضاء اليوم يعيش عصر الانحطاط... ورجالات السياسة هم الذين أفسدوه
مهيرة علاوي
http://www.albayanlebanon.com/upimages/Untitled-1DAHER.gif
رغم الصعوبات الكثيرة التي اعترضته، فما زال يحنّ الى أيام القضاء حيث "هناك" يجد نفسه. ولو عاد به الزمن الى الوراء سنوات، لعاد والتحق بركب القضاء من جديد. ولكن رغم حبِّه للقضاء، فقد كانت وصيتُه الأولى لابنه عدم الانخراط في هذا السلك خوفاً عليه من أن يضعف أمام الإغراءات الكبيرة، وحمايةً له من التهديدات التي يمكن أن تجعل حياته ويومياته مرتبكة ومضطربة. إنه القاضي السابق فؤاد ضاهر الذي أفرغ على صفحات "البيان" حصيلة سبعة وثلاثين عاماً من العمل القضائي...
من هو القاضي فؤاد ضاهر؟
القاضي فؤاد ضاهر من بلدة أميون الكورة هو أب لثلاثة أبناء، يستهل حديثه مع "البيان" قائلاً: "أعشق المحاماة والقانون. كنتُ أصغر رئيس بلدية في لبنان. خريج معهد الحقوق في دمشق في حزيران سنة 1947. انتميتُ لنقابة محامي لبنان الشمالي كمتدرِّج في مكتب شقيقي المرحوم النقيب سامي ضاهر. مارست المحاماة حتى 7 حزيران 1956. عندها استلمتُ وظيفتي كقاضٍ منفرد في بشري، ومن ثم طلبت نقلي الى طرابلس في سنة 1960. وفي بداية العام 1962 انتقلتُ كقاضٍ منفرد في جبيل، وفي العام 1964 عدتُ الى طرابلس كمستشار لدى محكمة استئناف جزاء لبنان الشمالي، وبعد سنتين أصبحتُ مستشاراً لدى محكمة الجنايات في لبنان الشمالي. واعتباراً من مطلع السبعينات كُلِّفتُ برئاسة الاستئناف. وفي سنة 1978 كلفتُ بالرئاسة الأولى لمحكمة استئناف لبنان الشمالي. وفي عام 1987 عُيِّنتُ عضواً في مجلس القضاء الأعلى وبقيت عضواً في المركز المذكور حتى عام .1990. وفي العام 1991 عينتُ رئيساً أول على محكمة استئناف لبنان الشمالي وبقيت في هذا المركز كرئيس أول ورئيس للهيئة الاتهامية حتى أول تموز 1993، سنة انتقالي الى التقاعد. وبعد التقاعد عدتُ وانتسبتُ الى نقابة المحامين في الشمال". أين يجد القاضي ضاهر نفسه: في المحاماة أم في القضاء ؟
"أنا أجد نفسي في العالميْن القضائي والمحاماة، ولكن العمل الحر في هذا البلد التعيس غير ناجع وغير مفيد. ومع الأسف الشديد لأنني كنتُ صادقاً مع الموكلين ولم تكن أكثريتهم صادقة، فقد أوقفتُ كلَّ تعاطٍ مع أي موكل بالمحكمة". وبناء على ذلك ورغم كل الصعوبات التي تشوب القضاء اللبناني، فقد كان العمل في هذا السلك أهون منه في المحاماة، لأني أجد نفسي بيني وبين الملف، أعطيه الوقت الكافي للدرس، وفي المحصلة، أتوصّل إلى نتيجة قانونية غالباً ما أكون راضياً عنها، ولكنني عانيتُ من تدخلات رجال السياسية الذين كانوا يحاربونني في حرماني من أي تشكيلات قضائية، ويعيقون عملية ترقيتي وأدائي لواجبي المهني. وكان هذا بالطبع نتيجة مسيرتي في العمل القضائي، لأنني لم أحابِ أحداً. واعلمي يا بنيّتي أن كلَّ قاضٍ يساير ولا يحكم بضميره يكون مصيره الفشل. رغم أن القضاء مهنة شاقة ويخرج القاضي عادة منها فقيراً، إلا أنه لو عاد بي الزمن الى الوراء لكنتُ فضلت العودة والعمل في القضاء.
خلال ممارستك لمهنة القضاء، هل لمستَ نوعاً من التدخل السياسي في المهنة؟
هنا، في هذا الموضوع، لا بد أن أذكرالمرحوم الرئيس رشيد كرامي. فعندما كنتُ قاضياً منفرداً في طرابلس، وبينما كنتُ أحكم في إحدى القضايا، فإذا برجل يقاطع الجلسة ويخبرني أنه من قبل الرئيس رشيد كرامي، واستمر في ملاحقتي. فأومأتُ إليه لكي يقول لدولة الرئيس إن فؤاد ضاهر قاضٍ نزيه ولا يقبل مسايرة أحد. منذ ذلك الحين، وحتى تاريخ استشهاده، كان الرئيس كرامي يقول لكل منْ يراجعه بشأنٍ ما في القضاء بأنه لن يتدخل، لأن القاضي فؤاد ضاهر يحكم بضميره ولن يظلم أحداً. هل هناك أروع من أن يؤمن رجل السياسة بعدالة القضاء ويتنحّى جانباً ليترك القضاء يقوم بعمله. وإن كان الأمر بحاجة الى قضاة شرفاء يعيدون الثقة بالقضاء، فالقضاء رسالة وليس وظيفة. والرسالة تستوجب منا أن نكون علماء.. أن نكون فلاسفة.. وحكماء. فالقاضي يتحمّل مسؤولية كبرى. فهو يتعامل مع أناس من لحم ودم.
ما هي القضايا التي وقعت بين يديك وما زالت أثارُها راسخة بذهنك؟
أتذكّر قضية كان الإعلام قد انشغل بها تتعلق باتهام سيدة قتلت خادمتها وكان زوجُها من الرجالات المعروفين في البلد وقتها، وكانت الصحف قد اتخذت موقفاً ضده، ونتيجة تدقيقي في الدعوى وفي الأسئلة، اعتقدَ الوكلاء أن القاضي يريد "رأس" المرأة. وبعد تحقيق معمَّق، وعندما خُتِمت المحاكمة وأرجِئت الى يوم معين، وعندما بدأ رئيس المحكمة بالتحضير لإصدار الحكم والذي يتضمن الإعدام، طلبتُ منه التروي وإعادة درس الملف حتى لا يكون متأثراً بالإعلام. فالقاضي يجب أن لا يؤخَذ بالتأثيرات الخارجية، بل يحكم بناءً على المعطيات التي بين يديْه، وبعد دراسة معمَّقة للموضوع صدر الحكم بالبراءة وبالأكثرية ومخالفة الرئيس، ومن هنا تبيّنَ للجميع أنني كنتُ أحاربُ بالداخل للوصول الى الحقيقة، رغم أن واجبي كقاضٍ أثناء المحكمة كان يتمثّل بالتشديد، حتى خُيِّلَ للبعض أنني أطلب للمدّعَى عليها الإعدام. فالتدخلات السياسية ترمي جميعُها إلى جعل القاتل مظلوماً، ألا يلتفت أحد الى الضحية التي أصبحت في القبر؟ فمن يدافع عن حقه ما دام القاتل مظلوماً دائماً.
ما هي الشروط الواجب توفرها في القاضي (على الصعيد الشخصي والأخلاقي والمهني)؟
على القاضي أن يعمل بجد وإخلاص. فلا تبهره المظاهر الفضفاضة والاجتماعات "السيئة" التي لا تليق به كقاضٍ. يجب أن يكون صامداً، لا يتأثر ولا يخاف من التهديدات من أي نوع كانت ومن أي مصدر أتت. أن يكون مجدّاً وعالماً، وعليه أن يستفيد من خبرته. هذه رسالة بل مهمّة شاقة لا يدرك قيمتَها وقدْرَها إلاّ مَنْ عمل فيها. يجب أن يكون حكيماً، طويل البال، "قوي الركَب"، لا يخاف لأنه سيتهدد بالقتل. وفي حال كان يخاف أو يضعف أمام الإغراءات فلْيبتعد عن هذه الرسالة. أنا لا أبرر لأي قاضٍ في الجمهورية اللبنانية محاباته لأيِّ زعيمٍ سياسي أو غيره، لأن العدالة عدالة. لقد مرَّ القضاءُ في لبنان بأطوار عديدة. كنّا نشكو في السابق من بعض القضاة لأن المال قد أغراهم لكنهم كانوا قلة قليلة، ولكننا اليوم نعيش في عصر انحطاط القضاء. وأنا أتوجه الى المسؤولين الكبار في لبنان أن يعملوا قدر المستطاع على تطهير الجسم القضائي. العهود التي مررنا بها كانت سيئة، من هنا ضرورة أن يُخرج المعهد القضائي قضاة جديرين ومؤهّلين لتأدية هذه الرسالة. ومن هنا ضرورة محاسبة من همْ غير أهل بهذه الرسالة. فيسقط القاضي عندما يصبح ذليلاً، ويصبح ذليلاً عندما يرتهن لسواه أو "يحمِّل" ضميره.
يكثر الحديث عن ضرورة الفصل بين السلطات، كيف يصار الى تحقيق هذا المطلب؟ وما هي العوائق التي تحول دون تنفيذه؟
ما يحصل أن رجال السياسة هم الذين يفسدون القضاء بتدخلاتهم، فالقاضي يجب أن يكون مؤهلاً للقيام بواجبه، ويجب أن تتوفر استقلالية لمجلس القضاء الأعلى حتى يكون القاضي حراً في القيام بعمله وغير مرتهن لأي جهة خوفاً من نقله أو استبعاده. ويجب أن تكون كل مسائل التشكيلات القضائية بيد مجلس القضاء الأعلى. والحقيقة أن هناك ضغوضات كثيرة من جانب السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، فالقاضي يبقى رهين تلك التدخلات، وإلا قد يُحرَم من مركزه ويتم استبعادُه. ومع الأسف الشديد فإنهم يتحدثون عن قضاء نزيه عادل، وهم بأنفسهم رجالات السياسة الذين أفسدوا القضاء.
نسمع كثيراً عن فساد في الجسم القضائي. ما هي برأيك الأسباب الحقيقية وراء هذا الفساد؟
لا أبررعلى الإطلاق أن يقبل القاضي الرشوى تحت ذريعة ضآلة الراتب الذي يتقاضاه. فالقاضي يعرف راتبه قبل التشكيل. فهو بإمكانه رفض الانتساب الى الوظيفة منذ البداية. على القاضي، كما سبق وذكرت، أن يكون قوياً ولا ينهار أمام شتى أنواع المغريات (مادية - مهنية) وكذلك أمام التهديدات وتدخلات السلطة السياسية.
مهيرة علاوي
http://www.albayanlebanon.com/upimages/Untitled-1DAHER.gif
رغم الصعوبات الكثيرة التي اعترضته، فما زال يحنّ الى أيام القضاء حيث "هناك" يجد نفسه. ولو عاد به الزمن الى الوراء سنوات، لعاد والتحق بركب القضاء من جديد. ولكن رغم حبِّه للقضاء، فقد كانت وصيتُه الأولى لابنه عدم الانخراط في هذا السلك خوفاً عليه من أن يضعف أمام الإغراءات الكبيرة، وحمايةً له من التهديدات التي يمكن أن تجعل حياته ويومياته مرتبكة ومضطربة. إنه القاضي السابق فؤاد ضاهر الذي أفرغ على صفحات "البيان" حصيلة سبعة وثلاثين عاماً من العمل القضائي...
من هو القاضي فؤاد ضاهر؟
القاضي فؤاد ضاهر من بلدة أميون الكورة هو أب لثلاثة أبناء، يستهل حديثه مع "البيان" قائلاً: "أعشق المحاماة والقانون. كنتُ أصغر رئيس بلدية في لبنان. خريج معهد الحقوق في دمشق في حزيران سنة 1947. انتميتُ لنقابة محامي لبنان الشمالي كمتدرِّج في مكتب شقيقي المرحوم النقيب سامي ضاهر. مارست المحاماة حتى 7 حزيران 1956. عندها استلمتُ وظيفتي كقاضٍ منفرد في بشري، ومن ثم طلبت نقلي الى طرابلس في سنة 1960. وفي بداية العام 1962 انتقلتُ كقاضٍ منفرد في جبيل، وفي العام 1964 عدتُ الى طرابلس كمستشار لدى محكمة استئناف جزاء لبنان الشمالي، وبعد سنتين أصبحتُ مستشاراً لدى محكمة الجنايات في لبنان الشمالي. واعتباراً من مطلع السبعينات كُلِّفتُ برئاسة الاستئناف. وفي سنة 1978 كلفتُ بالرئاسة الأولى لمحكمة استئناف لبنان الشمالي. وفي عام 1987 عُيِّنتُ عضواً في مجلس القضاء الأعلى وبقيت عضواً في المركز المذكور حتى عام .1990. وفي العام 1991 عينتُ رئيساً أول على محكمة استئناف لبنان الشمالي وبقيت في هذا المركز كرئيس أول ورئيس للهيئة الاتهامية حتى أول تموز 1993، سنة انتقالي الى التقاعد. وبعد التقاعد عدتُ وانتسبتُ الى نقابة المحامين في الشمال". أين يجد القاضي ضاهر نفسه: في المحاماة أم في القضاء ؟
"أنا أجد نفسي في العالميْن القضائي والمحاماة، ولكن العمل الحر في هذا البلد التعيس غير ناجع وغير مفيد. ومع الأسف الشديد لأنني كنتُ صادقاً مع الموكلين ولم تكن أكثريتهم صادقة، فقد أوقفتُ كلَّ تعاطٍ مع أي موكل بالمحكمة". وبناء على ذلك ورغم كل الصعوبات التي تشوب القضاء اللبناني، فقد كان العمل في هذا السلك أهون منه في المحاماة، لأني أجد نفسي بيني وبين الملف، أعطيه الوقت الكافي للدرس، وفي المحصلة، أتوصّل إلى نتيجة قانونية غالباً ما أكون راضياً عنها، ولكنني عانيتُ من تدخلات رجال السياسية الذين كانوا يحاربونني في حرماني من أي تشكيلات قضائية، ويعيقون عملية ترقيتي وأدائي لواجبي المهني. وكان هذا بالطبع نتيجة مسيرتي في العمل القضائي، لأنني لم أحابِ أحداً. واعلمي يا بنيّتي أن كلَّ قاضٍ يساير ولا يحكم بضميره يكون مصيره الفشل. رغم أن القضاء مهنة شاقة ويخرج القاضي عادة منها فقيراً، إلا أنه لو عاد بي الزمن الى الوراء لكنتُ فضلت العودة والعمل في القضاء.
خلال ممارستك لمهنة القضاء، هل لمستَ نوعاً من التدخل السياسي في المهنة؟
هنا، في هذا الموضوع، لا بد أن أذكرالمرحوم الرئيس رشيد كرامي. فعندما كنتُ قاضياً منفرداً في طرابلس، وبينما كنتُ أحكم في إحدى القضايا، فإذا برجل يقاطع الجلسة ويخبرني أنه من قبل الرئيس رشيد كرامي، واستمر في ملاحقتي. فأومأتُ إليه لكي يقول لدولة الرئيس إن فؤاد ضاهر قاضٍ نزيه ولا يقبل مسايرة أحد. منذ ذلك الحين، وحتى تاريخ استشهاده، كان الرئيس كرامي يقول لكل منْ يراجعه بشأنٍ ما في القضاء بأنه لن يتدخل، لأن القاضي فؤاد ضاهر يحكم بضميره ولن يظلم أحداً. هل هناك أروع من أن يؤمن رجل السياسة بعدالة القضاء ويتنحّى جانباً ليترك القضاء يقوم بعمله. وإن كان الأمر بحاجة الى قضاة شرفاء يعيدون الثقة بالقضاء، فالقضاء رسالة وليس وظيفة. والرسالة تستوجب منا أن نكون علماء.. أن نكون فلاسفة.. وحكماء. فالقاضي يتحمّل مسؤولية كبرى. فهو يتعامل مع أناس من لحم ودم.
ما هي القضايا التي وقعت بين يديك وما زالت أثارُها راسخة بذهنك؟
أتذكّر قضية كان الإعلام قد انشغل بها تتعلق باتهام سيدة قتلت خادمتها وكان زوجُها من الرجالات المعروفين في البلد وقتها، وكانت الصحف قد اتخذت موقفاً ضده، ونتيجة تدقيقي في الدعوى وفي الأسئلة، اعتقدَ الوكلاء أن القاضي يريد "رأس" المرأة. وبعد تحقيق معمَّق، وعندما خُتِمت المحاكمة وأرجِئت الى يوم معين، وعندما بدأ رئيس المحكمة بالتحضير لإصدار الحكم والذي يتضمن الإعدام، طلبتُ منه التروي وإعادة درس الملف حتى لا يكون متأثراً بالإعلام. فالقاضي يجب أن لا يؤخَذ بالتأثيرات الخارجية، بل يحكم بناءً على المعطيات التي بين يديْه، وبعد دراسة معمَّقة للموضوع صدر الحكم بالبراءة وبالأكثرية ومخالفة الرئيس، ومن هنا تبيّنَ للجميع أنني كنتُ أحاربُ بالداخل للوصول الى الحقيقة، رغم أن واجبي كقاضٍ أثناء المحكمة كان يتمثّل بالتشديد، حتى خُيِّلَ للبعض أنني أطلب للمدّعَى عليها الإعدام. فالتدخلات السياسية ترمي جميعُها إلى جعل القاتل مظلوماً، ألا يلتفت أحد الى الضحية التي أصبحت في القبر؟ فمن يدافع عن حقه ما دام القاتل مظلوماً دائماً.
ما هي الشروط الواجب توفرها في القاضي (على الصعيد الشخصي والأخلاقي والمهني)؟
على القاضي أن يعمل بجد وإخلاص. فلا تبهره المظاهر الفضفاضة والاجتماعات "السيئة" التي لا تليق به كقاضٍ. يجب أن يكون صامداً، لا يتأثر ولا يخاف من التهديدات من أي نوع كانت ومن أي مصدر أتت. أن يكون مجدّاً وعالماً، وعليه أن يستفيد من خبرته. هذه رسالة بل مهمّة شاقة لا يدرك قيمتَها وقدْرَها إلاّ مَنْ عمل فيها. يجب أن يكون حكيماً، طويل البال، "قوي الركَب"، لا يخاف لأنه سيتهدد بالقتل. وفي حال كان يخاف أو يضعف أمام الإغراءات فلْيبتعد عن هذه الرسالة. أنا لا أبرر لأي قاضٍ في الجمهورية اللبنانية محاباته لأيِّ زعيمٍ سياسي أو غيره، لأن العدالة عدالة. لقد مرَّ القضاءُ في لبنان بأطوار عديدة. كنّا نشكو في السابق من بعض القضاة لأن المال قد أغراهم لكنهم كانوا قلة قليلة، ولكننا اليوم نعيش في عصر انحطاط القضاء. وأنا أتوجه الى المسؤولين الكبار في لبنان أن يعملوا قدر المستطاع على تطهير الجسم القضائي. العهود التي مررنا بها كانت سيئة، من هنا ضرورة أن يُخرج المعهد القضائي قضاة جديرين ومؤهّلين لتأدية هذه الرسالة. ومن هنا ضرورة محاسبة من همْ غير أهل بهذه الرسالة. فيسقط القاضي عندما يصبح ذليلاً، ويصبح ذليلاً عندما يرتهن لسواه أو "يحمِّل" ضميره.
يكثر الحديث عن ضرورة الفصل بين السلطات، كيف يصار الى تحقيق هذا المطلب؟ وما هي العوائق التي تحول دون تنفيذه؟
ما يحصل أن رجال السياسة هم الذين يفسدون القضاء بتدخلاتهم، فالقاضي يجب أن يكون مؤهلاً للقيام بواجبه، ويجب أن تتوفر استقلالية لمجلس القضاء الأعلى حتى يكون القاضي حراً في القيام بعمله وغير مرتهن لأي جهة خوفاً من نقله أو استبعاده. ويجب أن تكون كل مسائل التشكيلات القضائية بيد مجلس القضاء الأعلى. والحقيقة أن هناك ضغوضات كثيرة من جانب السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، فالقاضي يبقى رهين تلك التدخلات، وإلا قد يُحرَم من مركزه ويتم استبعادُه. ومع الأسف الشديد فإنهم يتحدثون عن قضاء نزيه عادل، وهم بأنفسهم رجالات السياسة الذين أفسدوا القضاء.
نسمع كثيراً عن فساد في الجسم القضائي. ما هي برأيك الأسباب الحقيقية وراء هذا الفساد؟
لا أبررعلى الإطلاق أن يقبل القاضي الرشوى تحت ذريعة ضآلة الراتب الذي يتقاضاه. فالقاضي يعرف راتبه قبل التشكيل. فهو بإمكانه رفض الانتساب الى الوظيفة منذ البداية. على القاضي، كما سبق وذكرت، أن يكون قوياً ولا ينهار أمام شتى أنواع المغريات (مادية - مهنية) وكذلك أمام التهديدات وتدخلات السلطة السياسية.