روعة
18-02-2007, 03:22 PM
القرضاوي .. حوار عن مشكلات الإعجاز العلمي *
دكتور يوسف القرضاوي
الإعجاز.. والإعجاز العلمي
العلاقة بين القرآن والعلم
الإعجاز العلمي وإشكالاته
الإعجاز العلمي ووظيفته
الإعجاز العلمي للقرآن الكريم أصبح حديثاً شائعاً في السنوات الأخيرة، وتكاثر المشتغلون والكاتبون فيه إلى درجة جعلت بعض المؤتمرات تنادي بضرورة وضع ضوابط له بعد أن انفلت هذا المجال من الضبط العلمي، وأصبح مجالاً هلامياً.
المنتقدون للإعجاز العلمي يرون أن الاشتغال به هو فرار من الإحساس بالفشل العلمي؛ مقارنة مع الغرب المتقدم علمياً، وأن القائلين به فُتنوا بالعلم التجريبي إلى درجة اعتباره حقائق مطلقة مهيمنة على نص القرآن، أما الداعون للفكرة فيرون فيها وسيلة ناجحة لدعوة غير المسلمين ولتثبيت المؤمنين، وعلامة دالة على كون القرآن من عند الله تعالى.
فما هو الموقف المعتدل من الإعجاز العلمي؟ وما العلاقة بين الإعجاز والتفسير العلميين؟ وكيف نفسر الاشتغال بقضية الإعجاز في هذا العصر؟ وما هو نصيب الانتقادات الموجهة للإعجاز العلمي من الصحة؟
أسئلة عديدة تم طرحها على فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فكانت الإجابات كالآتي.
مسألة الإعجاز.. والإعجاز العلمي
* بداية.. فضيلة الشيخ، هنالك ما يسمى التفسير العلمي، وما يسمى الإعجاز العلمي، ماذا نعني بهما؟ وما الفرق بينهما؟
الإعجاز العلمي هو نوع من التفسير العلمي؛ فالتفسير العلمي هو استخدام العلوم الطبيعية والرياضية في تفسير القرآن، وعدم الاكتفاء باستخدام النحو والصرف والبلاغة والعلوم الشرعية واللغوية في التفسير.
وهذا لا مانع منه، ولكن المشكلة في هذه الأشياء هي المبالغة؛ فالغلو في كل شيء يفسده، وإذا بالغنا في استخدام العلوم يصبح القرآن لا يعرفه إلا علماء الطبيعة وعلماء الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات، وأمثالنا لن يفهموا القرآن، وأحيانا ننتهي إلى أن الأمة لم تفهم القرآن، عبر 14 قرناً حين يقول بعضهم: إن هذا هو المعنى المقصود بالقرآن!.
فنحن لسنا ضد التفسير العلمي، وأن نستخدم العلم في إيضاح المعنى؛ لكن بشروط: أولاً: ألا يكون في ذلك تكلف أو افتعال أو اعتساف. ثانيا: أن يكون حديثنا في حدود المفهوم اللغوي للكلمات القرآنية ودلالاتها، وبحيث لا نتهم الأمة فيما مضى بالجهل، وأنها لم تفهم القرآن؛ فالقرآن الكريم كتاب خالد؛ من خصائصه التي تكررت الإبانة والتيسير {وأَنزَلْنَا إلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً}، والنور في حد ذاته منكشف وكاشف، واضح وموضّح، فهو نور ومبين.
هذا عن التفسير، أما الإعجاز العلمي.. فبالرجوع لأصل كلمة الإعجاز نجده هو الأمر الخارق للعادة الذي يتحدى الآخرين أن يأتوا بمثله فلا يستطيعون، والقرآن نفسه كتاب معجز لأنه تحدى العرب أن يأتوا بحديث مثله {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إن كَانُوا صَادِقِينَ}، فعجزوا {بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}، فغُلبوا {بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}، فانقطعوا، وصدق قول الله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ والْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}..
* نحن نعلم أن ما يسمى بالتفسير العلمي والإعجاز العلمي كلاهما أمر مستحدث، لم يكن سابقًا، فكتب علوم القرآن، والمفسرون القدامى كانوا يتحدثون عن إعجاز القرآن البياني وإعجاز النظم، وغير ذلك. فأين يقع الإعجاز العلمي من ذلك الإعجاز؟
بجانب إعجاز النظم وجد الإعجاز بالإخبار بالغيوب كما في قوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}، وقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ}، وتحقق هذه الأمور إعجاز أيضا. أيضاً العلامة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله نشر في مجلة المسلمون -التي كان يصدرها الداعية الإسلامي الأستاذ سعيد رمضان- نشر عدة مقالات تحت عنوان: (شريعة القرآن دليل على أنه من عند الله)؛ الإعجاز التشريعي.
أيضا العلامة الشيخ محمد رشيد رضا أصدر كتاباً اسمه: "الوحي المحمدي"، ذكر فيه أن القدماء كانوا يتحدون بالبلاغة والبيان والنظم، وأنا أتحدى بالموضوعات التي جاء بها القرآن.
* هل يمكن أن يكون الإعجاز العلمي الذي يتحدث عنه الكثيرون الآن إضافة إلى هذه المناحي من الإعجاز؟
هم يقصدون أن القرآن جاء بأشياء لم يكن يعرفها العرب إطلاقاً، لم تكن في حدود إدراك محمد ومعارفه ولا معارف عصره، وجاءوا بأمثلة، مثلاً من ضمن الأشياء التي ذكرها بعض الإخوة واعترف بها علماء الأجنة مسألة تكوين الجنين، ومراحل تكوين الجنين في بطن أمه، نطفة ثم علقة، ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة، بالضبط كما ذكر القرآن في سورة (المؤمنون): {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}، هذه الأمور ما كان يعرفها الناس بالفعل؛ وهي تفاصيل مراحل تكون الجنين في بطن أمه.
* لكن تظل هذه مجرد (إشارات) علمية في القرآن؛ لأن القرآن الكريم ليس كتاب علم أصلاً!.
أتفق أن القرآن ليس كتاباً متخصصاً في العلم، ودائماً ما أقول للإخوة الذين يهتمون بالإعجاز العلمي.. أنتم تغفلون عن شيء مهم جداً جاء به القرآن أعظم مما تسمونه الإعجاز العلمي؛ القرآن جاء بتكوين للعقلية العلمية، فببساطة يمكن الإشارة إلى تلك الآية التي تحمل إعجازا علميا، إنما الذي يرقى بالأمة ليس ذلك، الذي يرقى بالأمة أن تتكون عندها عقلية علمية تكتشف قوانين الكون وأسراره.
** ببساطة يمكن الإشارة إلى تلك الآية التي تحمل إعجازا علميا، إنما الذي يرقى بالأمة ليس ذلك، الذي يرقى بالأمة أن تتكون عندها عقلية علمية تكتشف قوانين الكون وأسراره.
هي ذاتها العقلية التي ترفض الظن {ومَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إلاَّ ظَناً إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً}، وترفض الهوى {إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ ومَا تَهْوَى الأَنفُسُ}، وترفض التقليد {إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}، {إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ}، وتأمر بالنظر في الكون {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا خَلَقَ اللَّهُ}، وتعتبر التذكير عبادة وفريضة، وتعتمد البرهان {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، البرهان العقلي في العقليات، والبرهان بالمشاهدة في الحسيات، والبرهان النقلي في توثيق النقليات {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ}.
تلك العقلية العلمية التي أنشأت الحضارة الإسلامية، العقلية التي أنشأها القرآن مسبقا ؛ فهو الذي جعل محمد بن أبي بكر الخوارزمي يخترع علم الجبر ويؤلف رسالة في علم المواريث والوصايا، الذي جعل ابن النفيس يكتشف الدورة الدموية، وهو من فقهاء الشافعية، هذا هو الذي ينبغي الاهتمام به أكثر من الإشارات الإعجازية في القرآن.
تلك العقلية العلمية التي أنشأت الحضارة الإسلامية، العقلية التي أنشأها القرآن مسبقا؛ فهو الذي جعل محمد بن أبي بكر الخوارزمي يخترع علم الجبر، ويؤلف رسالة في علم المواريث والوصايا، الذي جعل ابن النفيس يكتشف الدورة الدموية، وهو من فقهاء الشافعية، هذا هو الذي ينبغي الاهتمام به أكثر من الإشارات الإعجازية في القرآن.
العلاقة بين القرآن والعلم
* جوهر فكرة الإعجاز العلمي، هو التسليم "بحقائق علمية"، وتوسعة النص القرآني ليوافقها، وتحكيمها فيه بأن تكون حاكمة عليه لنقول بعد ذلك: إن القرآن وافق العلم الحديث. أيما يهيمن على الآخر: القرآن أم العلم؟ وكيف نتصور العلاقة بين القرآن والعلم؟
لا شك أن القرآن هو الذي يجب أن يهيمن على العلم؛ فالعلم هو عمل بشري متغير، والأمثلة كثيرة: كنا ندرس أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث، الآن قالوا: إن المادة يمكن أن تفنى بل وتستحدث.
كان العلماء قديماً أيام ابن سينا والفارابي وابن رشد -الذين كانوا يعتبرون فلاسفة العالم- كانوا يعتبرون أن العناصر التي يتكون منها العالم أربعة؛ الماء والهواء والتراب والنار، ثم تبين أن هذه ليست عناصر، بل هي مركبات، وأن العناصر زادت على المائة.
الإنسان أصبح يعرف من حقائق الطبيعة وحقائق الكون أكثر مما كان يعرف أرسطو أكبر فيلسوف في تاريخ اليونان في ذلك الوقت، الآن العلم يتغير.. وبعد نظرية النسبية لأينشتاين تغيرت أشياء كثيرة جداً، فالعلم لا يقف عند حد، هذه طبيعة.. ولذلك لا يمكن أن نُحَكّم المحدود في اللامحدود، وأن نُحَكِّم المقيَّد في المطلق.
هذا بالنسبة للفرضيات والنظريات فلا يمكن أن نتخذ نظرية داروين كحقيقة علمية، لكن لا مانع من أن أتخذ الحقائق الثابتة وأنتفع بها في إلقاء الضوء على القرآن.
دكتور يوسف القرضاوي
الإعجاز.. والإعجاز العلمي
العلاقة بين القرآن والعلم
الإعجاز العلمي وإشكالاته
الإعجاز العلمي ووظيفته
الإعجاز العلمي للقرآن الكريم أصبح حديثاً شائعاً في السنوات الأخيرة، وتكاثر المشتغلون والكاتبون فيه إلى درجة جعلت بعض المؤتمرات تنادي بضرورة وضع ضوابط له بعد أن انفلت هذا المجال من الضبط العلمي، وأصبح مجالاً هلامياً.
المنتقدون للإعجاز العلمي يرون أن الاشتغال به هو فرار من الإحساس بالفشل العلمي؛ مقارنة مع الغرب المتقدم علمياً، وأن القائلين به فُتنوا بالعلم التجريبي إلى درجة اعتباره حقائق مطلقة مهيمنة على نص القرآن، أما الداعون للفكرة فيرون فيها وسيلة ناجحة لدعوة غير المسلمين ولتثبيت المؤمنين، وعلامة دالة على كون القرآن من عند الله تعالى.
فما هو الموقف المعتدل من الإعجاز العلمي؟ وما العلاقة بين الإعجاز والتفسير العلميين؟ وكيف نفسر الاشتغال بقضية الإعجاز في هذا العصر؟ وما هو نصيب الانتقادات الموجهة للإعجاز العلمي من الصحة؟
أسئلة عديدة تم طرحها على فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فكانت الإجابات كالآتي.
مسألة الإعجاز.. والإعجاز العلمي
* بداية.. فضيلة الشيخ، هنالك ما يسمى التفسير العلمي، وما يسمى الإعجاز العلمي، ماذا نعني بهما؟ وما الفرق بينهما؟
الإعجاز العلمي هو نوع من التفسير العلمي؛ فالتفسير العلمي هو استخدام العلوم الطبيعية والرياضية في تفسير القرآن، وعدم الاكتفاء باستخدام النحو والصرف والبلاغة والعلوم الشرعية واللغوية في التفسير.
وهذا لا مانع منه، ولكن المشكلة في هذه الأشياء هي المبالغة؛ فالغلو في كل شيء يفسده، وإذا بالغنا في استخدام العلوم يصبح القرآن لا يعرفه إلا علماء الطبيعة وعلماء الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات، وأمثالنا لن يفهموا القرآن، وأحيانا ننتهي إلى أن الأمة لم تفهم القرآن، عبر 14 قرناً حين يقول بعضهم: إن هذا هو المعنى المقصود بالقرآن!.
فنحن لسنا ضد التفسير العلمي، وأن نستخدم العلم في إيضاح المعنى؛ لكن بشروط: أولاً: ألا يكون في ذلك تكلف أو افتعال أو اعتساف. ثانيا: أن يكون حديثنا في حدود المفهوم اللغوي للكلمات القرآنية ودلالاتها، وبحيث لا نتهم الأمة فيما مضى بالجهل، وأنها لم تفهم القرآن؛ فالقرآن الكريم كتاب خالد؛ من خصائصه التي تكررت الإبانة والتيسير {وأَنزَلْنَا إلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً}، والنور في حد ذاته منكشف وكاشف، واضح وموضّح، فهو نور ومبين.
هذا عن التفسير، أما الإعجاز العلمي.. فبالرجوع لأصل كلمة الإعجاز نجده هو الأمر الخارق للعادة الذي يتحدى الآخرين أن يأتوا بمثله فلا يستطيعون، والقرآن نفسه كتاب معجز لأنه تحدى العرب أن يأتوا بحديث مثله {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إن كَانُوا صَادِقِينَ}، فعجزوا {بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}، فغُلبوا {بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}، فانقطعوا، وصدق قول الله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ والْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}..
* نحن نعلم أن ما يسمى بالتفسير العلمي والإعجاز العلمي كلاهما أمر مستحدث، لم يكن سابقًا، فكتب علوم القرآن، والمفسرون القدامى كانوا يتحدثون عن إعجاز القرآن البياني وإعجاز النظم، وغير ذلك. فأين يقع الإعجاز العلمي من ذلك الإعجاز؟
بجانب إعجاز النظم وجد الإعجاز بالإخبار بالغيوب كما في قوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}، وقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ}، وتحقق هذه الأمور إعجاز أيضا. أيضاً العلامة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله نشر في مجلة المسلمون -التي كان يصدرها الداعية الإسلامي الأستاذ سعيد رمضان- نشر عدة مقالات تحت عنوان: (شريعة القرآن دليل على أنه من عند الله)؛ الإعجاز التشريعي.
أيضا العلامة الشيخ محمد رشيد رضا أصدر كتاباً اسمه: "الوحي المحمدي"، ذكر فيه أن القدماء كانوا يتحدون بالبلاغة والبيان والنظم، وأنا أتحدى بالموضوعات التي جاء بها القرآن.
* هل يمكن أن يكون الإعجاز العلمي الذي يتحدث عنه الكثيرون الآن إضافة إلى هذه المناحي من الإعجاز؟
هم يقصدون أن القرآن جاء بأشياء لم يكن يعرفها العرب إطلاقاً، لم تكن في حدود إدراك محمد ومعارفه ولا معارف عصره، وجاءوا بأمثلة، مثلاً من ضمن الأشياء التي ذكرها بعض الإخوة واعترف بها علماء الأجنة مسألة تكوين الجنين، ومراحل تكوين الجنين في بطن أمه، نطفة ثم علقة، ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة، بالضبط كما ذكر القرآن في سورة (المؤمنون): {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}، هذه الأمور ما كان يعرفها الناس بالفعل؛ وهي تفاصيل مراحل تكون الجنين في بطن أمه.
* لكن تظل هذه مجرد (إشارات) علمية في القرآن؛ لأن القرآن الكريم ليس كتاب علم أصلاً!.
أتفق أن القرآن ليس كتاباً متخصصاً في العلم، ودائماً ما أقول للإخوة الذين يهتمون بالإعجاز العلمي.. أنتم تغفلون عن شيء مهم جداً جاء به القرآن أعظم مما تسمونه الإعجاز العلمي؛ القرآن جاء بتكوين للعقلية العلمية، فببساطة يمكن الإشارة إلى تلك الآية التي تحمل إعجازا علميا، إنما الذي يرقى بالأمة ليس ذلك، الذي يرقى بالأمة أن تتكون عندها عقلية علمية تكتشف قوانين الكون وأسراره.
** ببساطة يمكن الإشارة إلى تلك الآية التي تحمل إعجازا علميا، إنما الذي يرقى بالأمة ليس ذلك، الذي يرقى بالأمة أن تتكون عندها عقلية علمية تكتشف قوانين الكون وأسراره.
هي ذاتها العقلية التي ترفض الظن {ومَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إلاَّ ظَناً إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً}، وترفض الهوى {إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ ومَا تَهْوَى الأَنفُسُ}، وترفض التقليد {إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}، {إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ}، وتأمر بالنظر في الكون {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا خَلَقَ اللَّهُ}، وتعتبر التذكير عبادة وفريضة، وتعتمد البرهان {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، البرهان العقلي في العقليات، والبرهان بالمشاهدة في الحسيات، والبرهان النقلي في توثيق النقليات {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ}.
تلك العقلية العلمية التي أنشأت الحضارة الإسلامية، العقلية التي أنشأها القرآن مسبقا ؛ فهو الذي جعل محمد بن أبي بكر الخوارزمي يخترع علم الجبر ويؤلف رسالة في علم المواريث والوصايا، الذي جعل ابن النفيس يكتشف الدورة الدموية، وهو من فقهاء الشافعية، هذا هو الذي ينبغي الاهتمام به أكثر من الإشارات الإعجازية في القرآن.
تلك العقلية العلمية التي أنشأت الحضارة الإسلامية، العقلية التي أنشأها القرآن مسبقا؛ فهو الذي جعل محمد بن أبي بكر الخوارزمي يخترع علم الجبر، ويؤلف رسالة في علم المواريث والوصايا، الذي جعل ابن النفيس يكتشف الدورة الدموية، وهو من فقهاء الشافعية، هذا هو الذي ينبغي الاهتمام به أكثر من الإشارات الإعجازية في القرآن.
العلاقة بين القرآن والعلم
* جوهر فكرة الإعجاز العلمي، هو التسليم "بحقائق علمية"، وتوسعة النص القرآني ليوافقها، وتحكيمها فيه بأن تكون حاكمة عليه لنقول بعد ذلك: إن القرآن وافق العلم الحديث. أيما يهيمن على الآخر: القرآن أم العلم؟ وكيف نتصور العلاقة بين القرآن والعلم؟
لا شك أن القرآن هو الذي يجب أن يهيمن على العلم؛ فالعلم هو عمل بشري متغير، والأمثلة كثيرة: كنا ندرس أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث، الآن قالوا: إن المادة يمكن أن تفنى بل وتستحدث.
كان العلماء قديماً أيام ابن سينا والفارابي وابن رشد -الذين كانوا يعتبرون فلاسفة العالم- كانوا يعتبرون أن العناصر التي يتكون منها العالم أربعة؛ الماء والهواء والتراب والنار، ثم تبين أن هذه ليست عناصر، بل هي مركبات، وأن العناصر زادت على المائة.
الإنسان أصبح يعرف من حقائق الطبيعة وحقائق الكون أكثر مما كان يعرف أرسطو أكبر فيلسوف في تاريخ اليونان في ذلك الوقت، الآن العلم يتغير.. وبعد نظرية النسبية لأينشتاين تغيرت أشياء كثيرة جداً، فالعلم لا يقف عند حد، هذه طبيعة.. ولذلك لا يمكن أن نُحَكّم المحدود في اللامحدود، وأن نُحَكِّم المقيَّد في المطلق.
هذا بالنسبة للفرضيات والنظريات فلا يمكن أن نتخذ نظرية داروين كحقيقة علمية، لكن لا مانع من أن أتخذ الحقائق الثابتة وأنتفع بها في إلقاء الضوء على القرآن.