nana
30-01-2008, 01:41 PM
دراسة مستفيضة للدكتور نبيل فاروق حول موضوع (لعنة الفراعنة)
1 - أوَّل الغيث..
* امتدت الصحراء المصرية على مدى البصر، أمام عينى عالم الآثار البريطانى (هوارد كارتى)، وهو يجفف ذلك العرق الغزير، الذى انهمر على جبهته ووجهه، وهو يقف تحت أشعة الشمس الحارقة، فى تلك البقعة التى قادته إليها أبحاثه ودراساته، للبحث عن مقبرة أحد ملوك الفراعنة القدامى..
كان هذا فى العقد الثانى من القرن العشرين، عندما بلغت حمى البحث عن الآثار ذروتها، وخاصة بعد الكشوف الأثرية المدهشة، التى قام بها الألمانى (هنريش شليمان)، عندما عثر على بقايا (طروادة)، فى عام 1871م، فى منطقة (هيسارليك)، شمال غرب (تركيا)، فى نفس الموقع الذى حدَّده (هوميردس)، فى ملحمته الشهيرة (الإلياذة)، وسير (آرثر إيفانز)، الذى كشف قصر التيه فى (كريت)، عام 1900م، ليثبت أن أسطورة المينوتوروس لم تكن مجرَّد خيال محض..
وكان (هوارد كارتر) يحلم بانضمام اسمه يوماً إلى قائمة هؤلاء الأثريين العباقرة، الذين حفروا أسماءهم فى تاريخ الكشوف، بحروف من ذهب، مما جعله يحتمل الحرارة، والرمال الساخنة، والعرق الذى يلهب عينيه، طوال عدة أشهر طويلة، زاره خلالها ممول حملته اللورد (كارنرفون) مرة واحدة، تركه بعدها للعذاب، وعاد هو إلى قصره البريطانى العريق، ليتباهى بتمويل أكبر حملة للبحث عن الآثار المصرية..
حتى جاء شهر فبراير 1923م..
فى ذلك التوقيت، عثر (هوارد كارتر) على ما كان يبحث عنه طوال الوقت..
مقبرة الملك الصغير (توت عنخ آمون)..
لم يكن (كارتر) أثرياً بسيطاً أو مغموراً، إذ كان يحيا فى (مصر)، منذ عام 1890م؛ للتنقيب عن الآثار، ورسم المناطق الأثرية المعروفة..
ولم يكن هذا أيضاً أوَّل كشوفه؛ إذ كانت له عدة حفائر فى وادى الملوك، موَّلها بعض المغامرين الأمريكيين، وأهلته لإصدار كتابه الشهير (خمس سنوات للكشوف الأثرية فى طيبة)..
وعلى الرغم من هذا، فقد انبهر (كارتر)..
انبهر بما عثر عليه، وبالكنوز التى رآها فى مقبرة (توت غنخ آمون)، وببريق الذهب الذى يلتمع فى كل مكان، حتى أنه أبرق إلى اللورد (كارنرفون)؛ ليحضر على الفور، فى حين انشغل هو برسم كل ما يراه داخل المقبرة..
حتى تلك العبارة، التى جذبت انتباهه واهتمامه طويلاً..
عبارة هيروغليفية غير تقليدية، وجدها محفورة على أحد أبواب المقبرة، تقول : "سيطوى الموت بجناحيه، كل من يقلق الملك"..
أيامها اهتم (كارتر) بالعبارة، وترجمها، وسجلها..
إلا أنه لم يشعر بالخوف منها أبداً..
وبسرعة، انتشر الخبر، وقفزت شهرة (هوارد كارتر) إلى الذروة، فى عالم الباحثين عن الآثار..
وقفز معه بالتالى اسم اللورد (كارنرفون)..
ومع وصول اللورد المغامر، الذى اشتهر باهتماماته المتعددة والمثيرة، راح الصحفيون يتدفقون على المكان كالنمل.
ومع عدسات كاميراتهم، ظهرت صور الجدران، والتوابيت، والتماثيل.. والذهب..
الذى الذى زغلل عيون الجميع، حتى الحكومة المصرية نفسها، التى فوجئت، أو بدا وكأنها فوجئت، بأن القانون يمنح المكتشف دوماً ما يعثر عليه من آثار، مهما بلغت قيمتها..
وفى حالة (كارتر)، كانت (مصر) ستفقد كنوزاً لا حصر لها، وتحفاً أثرية تتجاوز كل ما عرفه العقل، لو تم تطبيق القانون..
لذا، فقد رفضت الحكومة المصرية تطبيق القانون، ورفضت منح (كارتر) أو (كارنرفون) ولو حلية واحدة، مما تم العثور عليه فى المقبرة.. بل لقد أحاطتها بحراسة قوية، واعتبرتها أرضاً مصرية، لها عليها كل السطوة والسيادة..
وبالطبع، لم يستسلم (كارتر) لهذا، وقام بتهريب بضع قطع من آثار مقبرة (توت غنخ آمون) إلى (لندن)، ولكن كل الآثار الثقيلة بقيت..
ومعها تلك العبارة الرهيبة..
"سيطوى الموت بجناحيه كل من يقلق الملك"..
وكان من الممكن أن تبقى العبارة إلى الأبد، مجرد جملة، سجلها كاهن مصرى قديم، من باب المجاملة، أو حتى القناعة الشخصية، على أحد جدران مقبرة أصغر ملوك الفراعنة..
لولا ما حدث بعد هذا بقليل..
فبعد شهرين من هذه الضجة تقريباً، وقبل أن يفقد اللورد (كارنرفون) زهوة انتصاره، أو يبتلع مرارة حرمانه من كل هذا الذهب، جرح الرجل ذقنه جرحاً صغيراً أثناء الحلاقة..
وبسرعة لم يستوعبها أحد، أصيب اللورد البريطانى بحمى غامضة رهيبة، رفعت درجة حرارته إلى حد الهذيان، ودفعته إلى الصراخ والعويل طوال الوقت، وهو يصرخ بأنه فى قلب الجحيم، وبأن ملوك الفراعنة يحيطون به، بعد أن جاءوا للانتقام منه، لأنه فتح مقبرة أصغرهم، ودنسها بتواجده البشرى غير الطاهر..
ولفترة قصيرة جداً، واصل اللورد هذيانه وصراخه، ثم لم يلبث أن أسلم الروح، فى الخامس من أبريل، عام 1923م..
ومع موت اللورد، فى ريعان قوته، استعاد بعض الصحفيين تلك العبارة، المنقوشة على مقبرة الفرعون الصغير، وانطلقوا ينشرون مقالاتهم عنها وحولها، ويربطون بينها وبين موت (كارنرفون)..
وهنا فقط، ظهر ذلك المصطلح الشهير، الذى لم يفارق أسماعنا وأذهاننا، وعقولنا بعدها قط..
مصطلح (لعنة الفراعنة)..
وكما يحدث دوماً، فى كل مرة تنشأ فيها بدعة جديدة، انتشر المصطلح بسرعة مدهشة، وراح الكل يرددونه، ويناقشونه، ويفحصونه، ويمحصونه..
وكما يحدث أيضاً، انقسم المتابعون، بين مؤيد ومعارض للفكرة..
المؤيدون أكَّدوا أن الفراعنة عاشوا عالماً عجيباً غريباً، ترك لنا الكثير من الغوامض والأسرار، التى لم يمكننا كشفها بعد، فليس من المستبعد إذن أن يخلفوا وراءهم لعنة ما، تصيب كل من يدنس قبورهم، حتى ولو كان هذا بحجة تحقيق كشوف أثرية جديدة..
والمعارضون أصروا على أنه لا توجد ركيزة علمية واحدة، يمكن أن تؤيد الفكرة، وأنه من السخافة أن يتردَّد أمر كهذا، لمجرَّد أن ممول حملة (هوارد كارتر) قد لقى مصرعه بحمى غير معروفة..
وبين هؤلاء وهؤلاء، وقف (هوارد كارتر) نفسه، يعلن فى كل المجتمعات، وكل المحافل العلمية، أنه لم ولن يؤمن أبداً بما يسمونه لعنة الفراعنة؛ لأنه مستكشف قديم، واجه الأمر عشرات المرات، دون أن يصيبه مكروه واحد..
والمدهش أن هذا لم يقنع أحداً، خاصة وأن حالات الوفيات، والموت بأسباب غير معروفة، راحت تنتشر على نحو ملفت للأنظار، بين كل من كانت له علاقة مباشرة، أو غير مباشرة، بكشف مقبرة (توت غنخ آمون)..
وعندما هل عام 1929م، كان عدد من وافتهم المنية منهم، لأسباب غير واضحة، اثنين وعشرين رجلاً..
وفى العام نفسه، وفى جلسة خاصة، أعلنت زوجة (كارنرفون) أنها أيضاً لا تؤمن بلعنة الفراعنة، ولا تصدق أن الموتى يمكنهم قتل الأحياء، بأية وسيلة كانت..
وكان من الممكن أن ينهى تصريحها هذا القضية ويحسمها، لولا تطوّر مفاجئ، لم يكن فى الحسبان أبداً..
فقبل أن يكتمل الأسبوع، أصيبت زوجة كارنرفون) بالحمى الغامضة نفسها، التى أصيب بها زوجها؛ وراحت تهذى وتصرخ ليومين تقريباً، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على فراشها، تاركة خلفها أكبر موجة من الرعب، عرفها التاريخ الحديث، حتى تلك الفترة..
رعب لعنة الفراعنة..
ولفترة طويلة، لم يعد هناك حديث للصحافة ووسائل الإعلام، سوى عن الفراعنة.. ولعنة الفراعنة..
وظهرت فى الأسواق كتب، ودراسات، وروايات، وحتى أفلام سينمائية صامتة، تدور كلها حول لعنة الفراعنة..
ومن بين تلك الكتب، ظهر كتاب يحمل للمهتمين بالأمر مفاجأة مثيرة للغاية..
مفاجأة تقول : إن لعنة الفراعنة لم تبدأ مع فتح مقبرة (توت غنخ آمون)، بل كانت هناك قبل هذا بقرن من الزمان على الأقل..
ولقد ارتبطت فعلياً باثنين من مشاهير العلم..
أو ربما أشهرهم..
على الإطلاق.
دراسة مستفيضة للدكتور نبيل فاروق حول موضوع (لعنة الفراعنة)
1 - أوَّل الغيث..
* امتدت الصحراء المصرية على مدى البصر، أمام عينى عالم الآثار البريطانى (هوارد كارتى)، وهو يجفف ذلك العرق الغزير، الذى انهمر على جبهته ووجهه، وهو يقف تحت أشعة الشمس الحارقة، فى تلك البقعة التى قادته إليها أبحاثه ودراساته، للبحث عن مقبرة أحد ملوك الفراعنة القدامى..
كان هذا فى العقد الثانى من القرن العشرين، عندما بلغت حمى البحث عن الآثار ذروتها، وخاصة بعد الكشوف الأثرية المدهشة، التى قام بها الألمانى (هنريش شليمان)، عندما عثر على بقايا (طروادة)، فى عام 1871م، فى منطقة (هيسارليك)، شمال غرب (تركيا)، فى نفس الموقع الذى حدَّده (هوميردس)، فى ملحمته الشهيرة (الإلياذة)، وسير (آرثر إيفانز)، الذى كشف قصر التيه فى (كريت)، عام 1900م، ليثبت أن أسطورة المينوتوروس لم تكن مجرَّد خيال محض..
وكان (هوارد كارتر) يحلم بانضمام اسمه يوماً إلى قائمة هؤلاء الأثريين العباقرة، الذين حفروا أسماءهم فى تاريخ الكشوف، بحروف من ذهب، مما جعله يحتمل الحرارة، والرمال الساخنة، والعرق الذى يلهب عينيه، طوال عدة أشهر طويلة، زاره خلالها ممول حملته اللورد (كارنرفون) مرة واحدة، تركه بعدها للعذاب، وعاد هو إلى قصره البريطانى العريق، ليتباهى بتمويل أكبر حملة للبحث عن الآثار المصرية..
حتى جاء شهر فبراير 1923م..
فى ذلك التوقيت، عثر (هوارد كارتر) على ما كان يبحث عنه طوال الوقت..
مقبرة الملك الصغير (توت عنخ آمون)..
لم يكن (كارتر) أثرياً بسيطاً أو مغموراً، إذ كان يحيا فى (مصر)، منذ عام 1890م؛ للتنقيب عن الآثار، ورسم المناطق الأثرية المعروفة..
ولم يكن هذا أيضاً أوَّل كشوفه؛ إذ كانت له عدة حفائر فى وادى الملوك، موَّلها بعض المغامرين الأمريكيين، وأهلته لإصدار كتابه الشهير (خمس سنوات للكشوف الأثرية فى طيبة)..
وعلى الرغم من هذا، فقد انبهر (كارتر)..
انبهر بما عثر عليه، وبالكنوز التى رآها فى مقبرة (توت غنخ آمون)، وببريق الذهب الذى يلتمع فى كل مكان، حتى أنه أبرق إلى اللورد (كارنرفون)؛ ليحضر على الفور، فى حين انشغل هو برسم كل ما يراه داخل المقبرة..
حتى تلك العبارة، التى جذبت انتباهه واهتمامه طويلاً..
عبارة هيروغليفية غير تقليدية، وجدها محفورة على أحد أبواب المقبرة، تقول : "سيطوى الموت بجناحيه، كل من يقلق الملك"..
أيامها اهتم (كارتر) بالعبارة، وترجمها، وسجلها..
إلا أنه لم يشعر بالخوف منها أبداً..
وبسرعة، انتشر الخبر، وقفزت شهرة (هوارد كارتر) إلى الذروة، فى عالم الباحثين عن الآثار..
وقفز معه بالتالى اسم اللورد (كارنرفون)..
ومع وصول اللورد المغامر، الذى اشتهر باهتماماته المتعددة والمثيرة، راح الصحفيون يتدفقون على المكان كالنمل.
ومع عدسات كاميراتهم، ظهرت صور الجدران، والتوابيت، والتماثيل.. والذهب..
الذى الذى زغلل عيون الجميع، حتى الحكومة المصرية نفسها، التى فوجئت، أو بدا وكأنها فوجئت، بأن القانون يمنح المكتشف دوماً ما يعثر عليه من آثار، مهما بلغت قيمتها..
وفى حالة (كارتر)، كانت (مصر) ستفقد كنوزاً لا حصر لها، وتحفاً أثرية تتجاوز كل ما عرفه العقل، لو تم تطبيق القانون..
لذا، فقد رفضت الحكومة المصرية تطبيق القانون، ورفضت منح (كارتر) أو (كارنرفون) ولو حلية واحدة، مما تم العثور عليه فى المقبرة.. بل لقد أحاطتها بحراسة قوية، واعتبرتها أرضاً مصرية، لها عليها كل السطوة والسيادة..
وبالطبع، لم يستسلم (كارتر) لهذا، وقام بتهريب بضع قطع من آثار مقبرة (توت غنخ آمون) إلى (لندن)، ولكن كل الآثار الثقيلة بقيت..
ومعها تلك العبارة الرهيبة..
"سيطوى الموت بجناحيه كل من يقلق الملك"..
وكان من الممكن أن تبقى العبارة إلى الأبد، مجرد جملة، سجلها كاهن مصرى قديم، من باب المجاملة، أو حتى القناعة الشخصية، على أحد جدران مقبرة أصغر ملوك الفراعنة..
لولا ما حدث بعد هذا بقليل..
فبعد شهرين من هذه الضجة تقريباً، وقبل أن يفقد اللورد (كارنرفون) زهوة انتصاره، أو يبتلع مرارة حرمانه من كل هذا الذهب، جرح الرجل ذقنه جرحاً صغيراً أثناء الحلاقة..
وبسرعة لم يستوعبها أحد، أصيب اللورد البريطانى بحمى غامضة رهيبة، رفعت درجة حرارته إلى حد الهذيان، ودفعته إلى الصراخ والعويل طوال الوقت، وهو يصرخ بأنه فى قلب الجحيم، وبأن ملوك الفراعنة يحيطون به، بعد أن جاءوا للانتقام منه، لأنه فتح مقبرة أصغرهم، ودنسها بتواجده البشرى غير الطاهر..
ولفترة قصيرة جداً، واصل اللورد هذيانه وصراخه، ثم لم يلبث أن أسلم الروح، فى الخامس من أبريل، عام 1923م..
ومع موت اللورد، فى ريعان قوته، استعاد بعض الصحفيين تلك العبارة، المنقوشة على مقبرة الفرعون الصغير، وانطلقوا ينشرون مقالاتهم عنها وحولها، ويربطون بينها وبين موت (كارنرفون)..
وهنا فقط، ظهر ذلك المصطلح الشهير، الذى لم يفارق أسماعنا وأذهاننا، وعقولنا بعدها قط..
مصطلح (لعنة الفراعنة)..
وكما يحدث دوماً، فى كل مرة تنشأ فيها بدعة جديدة، انتشر المصطلح بسرعة مدهشة، وراح الكل يرددونه، ويناقشونه، ويفحصونه، ويمحصونه..
وكما يحدث أيضاً، انقسم المتابعون، بين مؤيد ومعارض للفكرة..
المؤيدون أكَّدوا أن الفراعنة عاشوا عالماً عجيباً غريباً، ترك لنا الكثير من الغوامض والأسرار، التى لم يمكننا كشفها بعد، فليس من المستبعد إذن أن يخلفوا وراءهم لعنة ما، تصيب كل من يدنس قبورهم، حتى ولو كان هذا بحجة تحقيق كشوف أثرية جديدة..
والمعارضون أصروا على أنه لا توجد ركيزة علمية واحدة، يمكن أن تؤيد الفكرة، وأنه من السخافة أن يتردَّد أمر كهذا، لمجرَّد أن ممول حملة (هوارد كارتر) قد لقى مصرعه بحمى غير معروفة..
وبين هؤلاء وهؤلاء، وقف (هوارد كارتر) نفسه، يعلن فى كل المجتمعات، وكل المحافل العلمية، أنه لم ولن يؤمن أبداً بما يسمونه لعنة الفراعنة؛ لأنه مستكشف قديم، واجه الأمر عشرات المرات، دون أن يصيبه مكروه واحد..
والمدهش أن هذا لم يقنع أحداً، خاصة وأن حالات الوفيات، والموت بأسباب غير معروفة، راحت تنتشر على نحو ملفت للأنظار، بين كل من كانت له علاقة مباشرة، أو غير مباشرة، بكشف مقبرة (توت غنخ آمون)..
وعندما هل عام 1929م، كان عدد من وافتهم المنية منهم، لأسباب غير واضحة، اثنين وعشرين رجلاً..
وفى العام نفسه، وفى جلسة خاصة، أعلنت زوجة (كارنرفون) أنها أيضاً لا تؤمن بلعنة الفراعنة، ولا تصدق أن الموتى يمكنهم قتل الأحياء، بأية وسيلة كانت..
وكان من الممكن أن ينهى تصريحها هذا القضية ويحسمها، لولا تطوّر مفاجئ، لم يكن فى الحسبان أبداً..
فقبل أن يكتمل الأسبوع، أصيبت زوجة كارنرفون) بالحمى الغامضة نفسها، التى أصيب بها زوجها؛ وراحت تهذى وتصرخ ليومين تقريباً، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على فراشها، تاركة خلفها أكبر موجة من الرعب، عرفها التاريخ الحديث، حتى تلك الفترة..
رعب لعنة الفراعنة..
ولفترة طويلة، لم يعد هناك حديث للصحافة ووسائل الإعلام، سوى عن الفراعنة.. ولعنة الفراعنة..
وظهرت فى الأسواق كتب، ودراسات، وروايات، وحتى أفلام سينمائية صامتة، تدور كلها حول لعنة الفراعنة..
ومن بين تلك الكتب، ظهر كتاب يحمل للمهتمين بالأمر مفاجأة مثيرة للغاية..
مفاجأة تقول : إن لعنة الفراعنة لم تبدأ مع فتح مقبرة (توت غنخ آمون)، بل كانت هناك قبل هذا بقرن من الزمان على الأقل..
ولقد ارتبطت فعلياً باثنين من مشاهير العلم..
أو ربما أشهرهم..
على الإطلاق.
4 - وتحدث العلم..
* عبر السنوات الطويلة، التى تردَّد خلالها مصطلح (لعنة الفراعنة)، كانت معظم الكتب والدراسات، الخاصة بها، تقتصر على تسجيل ورصد الحالات، التى ارتبطت بالتنقيب عن آثار فرعونية، والتى لاقت مصيراً غامضاً، وعانت من حمى غامضة مجهولة، تنتهى عادة بالوفاة..
ثم جاء كتاب البروفيسير الألمانى (فيليب فاندبنرج)..
وكتاب (فاندبنرج) يعد موسوعة علمية متكاملة، عن (لعنة الفراعنة)، ومحاولة شديدة الجرأة؛ للبحث عن تفسير علمى لها، من خلال مختلف اتجاهات العلم، بدءاً من الكيمياء، ووصولاً إلى الإشعاعات النووية..
ولقد اهتم (فاندبنرج) كثيراً بتسجيل معظم الحالات، التى أصابتها (لعنة الفراعنة)، من وجهة نظره، ثم توقف طويلاً عند تلك الحمى، التى أصيبت بها معظم الحالات، والتى أدت إلى الهذيان والهلوسة، ثم الموت فيما بعد..
ومن هنا، وضع العالم الألمانى نظريته..
ونظرية (فاندبنرج) تربط لعنة الفراعنة بثلاثة احتمالات علمية، تبدو فى جانب منها منطقية ومعقولة، إلى حد كبير..
الاحتمال الأوَّل هو أن تحوى مقابر الفراعنة، وملوكهم على وجه الخصوص، غازات سامة، أو عقاقير وأتربة بطيئة المفعول، من ابتكار الكهنة، الذين أخفوا دوماً علومهم عن العامة، وإن تركوا لنا دلائلها، من خلال سر التحنيط، الذى حار فيه علماء الكيمياء، حتى يومنا هذا..
ومن وجهة نظر العالم الألمانى، أن الكهنة قد ابتكروا نوعاً من السموم شديدة البطء، أشبه بعقاقير الهلوسة، ومزجوها بأتربة المقابر الخاصة بالملوك، كوسيلة لعقاب كل من تسول له نفسه نبشها أو سرقتها..
وربما كانت تلك العقاقير أكثر تأثيراً فى الماضى، وأسرع مفعولاً، إلا أن خواصها قد تغيرت تماماً، عبر آلاف السنين من التخزين، ولكنها، وفى كل الأحوال، تترك أثرها فى دماء كل من يقتحم المقابر الفرعونية، ويستنشق ترابها، ثم يبدأ تأثيرها بعد عدة سنوات، على شكل حمى، وهذيان، وهلوسة..
والاحتمال قد يبدو منطقياً للوهلة الأولى، إلا أن قليل من التفكير فيه، يجعلنا ندرك عقمه تماماً، إذ أن العلم قد قطع شوطاً ضخماً، فى السنوات العشر الأخيرة، وأصبح من السهل تحليل أتربة المقابر، ومعرفة كل ما تحويه، بل إنه هناك مراكز متخصصة لأبحاث التربة، يمكنها تحديد مكونات أية عينة من الأتربة بمنتهى الدقة..
وبمنتهى السرعة أيضاً..
والكشوف الأثرية ما زالت مستمرة، ولم تتوقَّف حتى الآن، ولو أن احتمال السموم بطيئة المفعول هذا وارد، لتوصل إليه العلم الحديث فوراً..
ولكن (فاندبنرج) نشر كتابه فى سبعينات القرن العشرين، وقبل أن يبلغ العلم هذا الحد، أو تظهر أجهزة وبرامج الكمبيوتر، التى قلبت كل الموازين، رأساً على عقب..
ولكن دعونا لا نتوقف طويلاً عن الاحتمال الأوَّل، ولننتقل منه إلى الاحتمال الثانى، والأقرب إلى المنطق..
الفيروسات..
فالبروفيسير الألمانى يفترض أنه كان هناك فيروس قديم، كامن فى أتربة مقابر ملوك الفراعنة..
فيروس ساد فى القرن القديمة، أو استخدمه الكهنة أيضاً، فى فترة ما، أو أنهم قد ورثوه من حضارة سابقة!!..
وذلك الفيروس ينتقل إلى أجساد من يقتحم المقابر، ويسرى فى دمه وأنسجته، ليقضى فيها فترة حضانته، التى تبلغ سنوات وسنوات، وترتبط بالقابلية الشخصية للإصابة، وبقوة مناعة الجسم، التى تختلف من شخص إلى آخر.. وعندما يبدأ ذلك الفيروس المفترض نشاطه، يصاب الإنسان بالحمى، التى تهاجم المخ على الأرجح، مسببة الهذيان والهلوسة..
والاحتمال هذه المرة منطقى وعلمى تماماً، ويمكننا هضمه واستيعابه، إلى حد كبير، وخاصة بعد ظهور فيروس (الإيدز)، الذى يكمن فى الأجساد لسنوات طويلة بالفعل، قبل أن تبدأ أعراضه فى الظهور..
ثم أن فكرة الفيروس هذه تتناسب مع الحمى المخية، والهذيان، والهلوسة، والوفاة أيضاً..
وكذلك تتفق مع عجز الأطباء عن تشخيص المرض، فى عصر لم تكن الأبحاث الطبية قد تطوَّرت إلى الحد الكافى، لكشف مثل هذه الكائنات الدقيقة، واستيعاب طبيعتها وأعراضها..
ولكن تعود بنا الخيوط إلى السؤال الأوَّل..
لماذا لم يعد ذلك الفيروس يظهر، فى الكشوف العلمية والأثرية الحديثة؟! هذا السؤال نتركه للبروفيسير الألمانى، ونتركه لعقولنا، تدرسه، وتناقشه، وتحلله..
ثم تتوصل إلى نتائجه..
أما نحن، فسننتقل إلى الاحتمال الثالث، فى نظرية (فاندبنرج)..
والاحتمال الثالث مدهش، ومثير للحيرة، ولست أدرى حتى كيف وضعه العالم الجليل، ولكن يبدو أن إيمانه بالفراعنة كان يتجاوز كل الحدود..
فذلك الاحتمال، هو أن ترتبط (لعنة الفراعنة) بنشاط إشعاعى ذرى، ظل مختزناً داخل مقابر الملوك لآلاف السنين، لينطلق فى وجه كل من ينبشها..
وربما يتفق الاحتمال مع بعد التأثير، ومع أعراض الحمى والهلوسة والهذيان، والموت فى نهاية المطاف، كما يتفق أيضاً مع عجز الأطباء القدامى عن تشخيص الحالات، وحيرتهم فى مواجهتها، إلا أنها تضعنا أمام احتمال جديد، يبدو أكثر خيالاً من كل ما سبقه..
احتمال أن الفراعنة كانت لديهم معرفة دقيقة بالنشاطات الإشعاعية.. وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق..
حتى لو افترضنا أنهم قد توصلوا إلى تراب اليورانيوم مثلاً، وأن الكهنة قد أدركوا أنه يختلف عن التراب العادى، وأن له تأثيرات فتاكة على كل من يلمسه أو يستنشقه، فسنتساءل بدورها، كيف أمكنهم اتقاء تأثيره عليهم، دون أن تكون عندهم أبحاث، ودراسات، ووسائل مقاومة؟!..
ولو افترضنا أن هذا قد حدث بالمصادفة، ودون وعى منهم، وأن بعض المواد، الداخلة فى مساحيق التحنيط، كانت مواد مشعة فتاكة، فأين ذهبت هذه المواد، ولماذا غاب تأثيرها، واختفت من المقابر، على الرغم من أنها قد بقيت لآلاف السنين؟!..
ثم لماذا تواجدت فى الكشوف القديمة، ولم تتواجد فى الكشوف الحديثة؟! كل هذا ينبغى أن يقودنا إلى نتيجة واحدة لا غير، مع جزيل احترامنا للبروفيسير (فيليب فاندبنرج)، وشهرته، وعلمه الغزير..
يقودنا إلى أنه لا وجود لما يسمى بـ(لعنة الفراعنة)!..
ربما كانت هناك حوادث عديدة، ترتبط بكل من نقب عن الآثار، فى أزمته انخفضت فيها درجة الوعى الصحى، إلا أن هذا لا يعنى وجود لعنة أسطورية، صالحة لخيال الكتاب والسينمائيين، ولكنها غير قادرة على إقناع أى صاحب عقلية علمية أو منطقية..
وهنا، ينبغى أن أضم صوتى لكل الأصوات، التى ترفض، وبشدة، فكرة (لعنة الفراعنة) هذه، والتى تستنكر حتى ترديد المصطلح، أو حتى مناقشة احتمالات صحته..
وأهم ما ينبغى معرفته، فى هذا الشأن، هو أن أكثر من هاجم الفكرة، وحارب لإثبات زيفها وحمقها، هو الشخص الذى ارتبط اسمه بمنشئها، منذ أول مرة ظهر فيها المصطلح..
(هوارد كارتر) شخصياً..
فمع شغف الناس بالحديث عن الأمر وترديده، كتب (كارتر) عدد كبير من المقالات، وألقى مئات المحاضرات، واشترك فى عشرات الندوات، ليهاجم الفكرة، ويؤكد أنها مجموعة من المصادفات السخيفة، بدليل أنه أول من دخل مقبرة (توت غنخ آمون)، أو أول من رصد ما بداخلها، لو شئنا الدقة، ولم تصبه أية أعراض، يمكن أن ترتبط بالمصطلح..
لا ألم، أو حمى، أو هذيان، أو هلوسة..
ولقد عاش (كارتر) حتى عام 1939م، فى صحة جيدة، ودون أن يعانى سوى من الأعراض الطبيعية للتقدم فى العمر، حتى مات ميتة هادئة فى فراشه، وهو يواصل إنكاره واستنكاره لفكرة (لعنة الفراعنة)..
ولكن العجيب والمدهش أن أحداً لم يستمع إليه..
هذا لأن الفكرة، بما تحويه من أسطورية وغيبيات، قد استهوت الناس، فى كل أنحاء العالم، وأصبحت مادة تجارية رابحة، ووسيلة لترويج مئات الكتب، والروايات، والدراسات، وأفلام السينما..
وهكذا أغلقنا جميعاً باب العقل والمنطق، وغرقنا حتى النخاع فى هلاوس وخزعبلات وخرافات، وروايات لا أثل أو أساس لها..
أو ربما نفعل هذا كجزء من لعنة، تلازمنا جميعاً بلا هوادة..
لعنة الفراعنة.
تمت بحمد الله
منقول.
1 - أوَّل الغيث..
* امتدت الصحراء المصرية على مدى البصر، أمام عينى عالم الآثار البريطانى (هوارد كارتى)، وهو يجفف ذلك العرق الغزير، الذى انهمر على جبهته ووجهه، وهو يقف تحت أشعة الشمس الحارقة، فى تلك البقعة التى قادته إليها أبحاثه ودراساته، للبحث عن مقبرة أحد ملوك الفراعنة القدامى..
كان هذا فى العقد الثانى من القرن العشرين، عندما بلغت حمى البحث عن الآثار ذروتها، وخاصة بعد الكشوف الأثرية المدهشة، التى قام بها الألمانى (هنريش شليمان)، عندما عثر على بقايا (طروادة)، فى عام 1871م، فى منطقة (هيسارليك)، شمال غرب (تركيا)، فى نفس الموقع الذى حدَّده (هوميردس)، فى ملحمته الشهيرة (الإلياذة)، وسير (آرثر إيفانز)، الذى كشف قصر التيه فى (كريت)، عام 1900م، ليثبت أن أسطورة المينوتوروس لم تكن مجرَّد خيال محض..
وكان (هوارد كارتر) يحلم بانضمام اسمه يوماً إلى قائمة هؤلاء الأثريين العباقرة، الذين حفروا أسماءهم فى تاريخ الكشوف، بحروف من ذهب، مما جعله يحتمل الحرارة، والرمال الساخنة، والعرق الذى يلهب عينيه، طوال عدة أشهر طويلة، زاره خلالها ممول حملته اللورد (كارنرفون) مرة واحدة، تركه بعدها للعذاب، وعاد هو إلى قصره البريطانى العريق، ليتباهى بتمويل أكبر حملة للبحث عن الآثار المصرية..
حتى جاء شهر فبراير 1923م..
فى ذلك التوقيت، عثر (هوارد كارتر) على ما كان يبحث عنه طوال الوقت..
مقبرة الملك الصغير (توت عنخ آمون)..
لم يكن (كارتر) أثرياً بسيطاً أو مغموراً، إذ كان يحيا فى (مصر)، منذ عام 1890م؛ للتنقيب عن الآثار، ورسم المناطق الأثرية المعروفة..
ولم يكن هذا أيضاً أوَّل كشوفه؛ إذ كانت له عدة حفائر فى وادى الملوك، موَّلها بعض المغامرين الأمريكيين، وأهلته لإصدار كتابه الشهير (خمس سنوات للكشوف الأثرية فى طيبة)..
وعلى الرغم من هذا، فقد انبهر (كارتر)..
انبهر بما عثر عليه، وبالكنوز التى رآها فى مقبرة (توت غنخ آمون)، وببريق الذهب الذى يلتمع فى كل مكان، حتى أنه أبرق إلى اللورد (كارنرفون)؛ ليحضر على الفور، فى حين انشغل هو برسم كل ما يراه داخل المقبرة..
حتى تلك العبارة، التى جذبت انتباهه واهتمامه طويلاً..
عبارة هيروغليفية غير تقليدية، وجدها محفورة على أحد أبواب المقبرة، تقول : "سيطوى الموت بجناحيه، كل من يقلق الملك"..
أيامها اهتم (كارتر) بالعبارة، وترجمها، وسجلها..
إلا أنه لم يشعر بالخوف منها أبداً..
وبسرعة، انتشر الخبر، وقفزت شهرة (هوارد كارتر) إلى الذروة، فى عالم الباحثين عن الآثار..
وقفز معه بالتالى اسم اللورد (كارنرفون)..
ومع وصول اللورد المغامر، الذى اشتهر باهتماماته المتعددة والمثيرة، راح الصحفيون يتدفقون على المكان كالنمل.
ومع عدسات كاميراتهم، ظهرت صور الجدران، والتوابيت، والتماثيل.. والذهب..
الذى الذى زغلل عيون الجميع، حتى الحكومة المصرية نفسها، التى فوجئت، أو بدا وكأنها فوجئت، بأن القانون يمنح المكتشف دوماً ما يعثر عليه من آثار، مهما بلغت قيمتها..
وفى حالة (كارتر)، كانت (مصر) ستفقد كنوزاً لا حصر لها، وتحفاً أثرية تتجاوز كل ما عرفه العقل، لو تم تطبيق القانون..
لذا، فقد رفضت الحكومة المصرية تطبيق القانون، ورفضت منح (كارتر) أو (كارنرفون) ولو حلية واحدة، مما تم العثور عليه فى المقبرة.. بل لقد أحاطتها بحراسة قوية، واعتبرتها أرضاً مصرية، لها عليها كل السطوة والسيادة..
وبالطبع، لم يستسلم (كارتر) لهذا، وقام بتهريب بضع قطع من آثار مقبرة (توت غنخ آمون) إلى (لندن)، ولكن كل الآثار الثقيلة بقيت..
ومعها تلك العبارة الرهيبة..
"سيطوى الموت بجناحيه كل من يقلق الملك"..
وكان من الممكن أن تبقى العبارة إلى الأبد، مجرد جملة، سجلها كاهن مصرى قديم، من باب المجاملة، أو حتى القناعة الشخصية، على أحد جدران مقبرة أصغر ملوك الفراعنة..
لولا ما حدث بعد هذا بقليل..
فبعد شهرين من هذه الضجة تقريباً، وقبل أن يفقد اللورد (كارنرفون) زهوة انتصاره، أو يبتلع مرارة حرمانه من كل هذا الذهب، جرح الرجل ذقنه جرحاً صغيراً أثناء الحلاقة..
وبسرعة لم يستوعبها أحد، أصيب اللورد البريطانى بحمى غامضة رهيبة، رفعت درجة حرارته إلى حد الهذيان، ودفعته إلى الصراخ والعويل طوال الوقت، وهو يصرخ بأنه فى قلب الجحيم، وبأن ملوك الفراعنة يحيطون به، بعد أن جاءوا للانتقام منه، لأنه فتح مقبرة أصغرهم، ودنسها بتواجده البشرى غير الطاهر..
ولفترة قصيرة جداً، واصل اللورد هذيانه وصراخه، ثم لم يلبث أن أسلم الروح، فى الخامس من أبريل، عام 1923م..
ومع موت اللورد، فى ريعان قوته، استعاد بعض الصحفيين تلك العبارة، المنقوشة على مقبرة الفرعون الصغير، وانطلقوا ينشرون مقالاتهم عنها وحولها، ويربطون بينها وبين موت (كارنرفون)..
وهنا فقط، ظهر ذلك المصطلح الشهير، الذى لم يفارق أسماعنا وأذهاننا، وعقولنا بعدها قط..
مصطلح (لعنة الفراعنة)..
وكما يحدث دوماً، فى كل مرة تنشأ فيها بدعة جديدة، انتشر المصطلح بسرعة مدهشة، وراح الكل يرددونه، ويناقشونه، ويفحصونه، ويمحصونه..
وكما يحدث أيضاً، انقسم المتابعون، بين مؤيد ومعارض للفكرة..
المؤيدون أكَّدوا أن الفراعنة عاشوا عالماً عجيباً غريباً، ترك لنا الكثير من الغوامض والأسرار، التى لم يمكننا كشفها بعد، فليس من المستبعد إذن أن يخلفوا وراءهم لعنة ما، تصيب كل من يدنس قبورهم، حتى ولو كان هذا بحجة تحقيق كشوف أثرية جديدة..
والمعارضون أصروا على أنه لا توجد ركيزة علمية واحدة، يمكن أن تؤيد الفكرة، وأنه من السخافة أن يتردَّد أمر كهذا، لمجرَّد أن ممول حملة (هوارد كارتر) قد لقى مصرعه بحمى غير معروفة..
وبين هؤلاء وهؤلاء، وقف (هوارد كارتر) نفسه، يعلن فى كل المجتمعات، وكل المحافل العلمية، أنه لم ولن يؤمن أبداً بما يسمونه لعنة الفراعنة؛ لأنه مستكشف قديم، واجه الأمر عشرات المرات، دون أن يصيبه مكروه واحد..
والمدهش أن هذا لم يقنع أحداً، خاصة وأن حالات الوفيات، والموت بأسباب غير معروفة، راحت تنتشر على نحو ملفت للأنظار، بين كل من كانت له علاقة مباشرة، أو غير مباشرة، بكشف مقبرة (توت غنخ آمون)..
وعندما هل عام 1929م، كان عدد من وافتهم المنية منهم، لأسباب غير واضحة، اثنين وعشرين رجلاً..
وفى العام نفسه، وفى جلسة خاصة، أعلنت زوجة (كارنرفون) أنها أيضاً لا تؤمن بلعنة الفراعنة، ولا تصدق أن الموتى يمكنهم قتل الأحياء، بأية وسيلة كانت..
وكان من الممكن أن ينهى تصريحها هذا القضية ويحسمها، لولا تطوّر مفاجئ، لم يكن فى الحسبان أبداً..
فقبل أن يكتمل الأسبوع، أصيبت زوجة كارنرفون) بالحمى الغامضة نفسها، التى أصيب بها زوجها؛ وراحت تهذى وتصرخ ليومين تقريباً، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على فراشها، تاركة خلفها أكبر موجة من الرعب، عرفها التاريخ الحديث، حتى تلك الفترة..
رعب لعنة الفراعنة..
ولفترة طويلة، لم يعد هناك حديث للصحافة ووسائل الإعلام، سوى عن الفراعنة.. ولعنة الفراعنة..
وظهرت فى الأسواق كتب، ودراسات، وروايات، وحتى أفلام سينمائية صامتة، تدور كلها حول لعنة الفراعنة..
ومن بين تلك الكتب، ظهر كتاب يحمل للمهتمين بالأمر مفاجأة مثيرة للغاية..
مفاجأة تقول : إن لعنة الفراعنة لم تبدأ مع فتح مقبرة (توت غنخ آمون)، بل كانت هناك قبل هذا بقرن من الزمان على الأقل..
ولقد ارتبطت فعلياً باثنين من مشاهير العلم..
أو ربما أشهرهم..
على الإطلاق.
دراسة مستفيضة للدكتور نبيل فاروق حول موضوع (لعنة الفراعنة)
1 - أوَّل الغيث..
* امتدت الصحراء المصرية على مدى البصر، أمام عينى عالم الآثار البريطانى (هوارد كارتى)، وهو يجفف ذلك العرق الغزير، الذى انهمر على جبهته ووجهه، وهو يقف تحت أشعة الشمس الحارقة، فى تلك البقعة التى قادته إليها أبحاثه ودراساته، للبحث عن مقبرة أحد ملوك الفراعنة القدامى..
كان هذا فى العقد الثانى من القرن العشرين، عندما بلغت حمى البحث عن الآثار ذروتها، وخاصة بعد الكشوف الأثرية المدهشة، التى قام بها الألمانى (هنريش شليمان)، عندما عثر على بقايا (طروادة)، فى عام 1871م، فى منطقة (هيسارليك)، شمال غرب (تركيا)، فى نفس الموقع الذى حدَّده (هوميردس)، فى ملحمته الشهيرة (الإلياذة)، وسير (آرثر إيفانز)، الذى كشف قصر التيه فى (كريت)، عام 1900م، ليثبت أن أسطورة المينوتوروس لم تكن مجرَّد خيال محض..
وكان (هوارد كارتر) يحلم بانضمام اسمه يوماً إلى قائمة هؤلاء الأثريين العباقرة، الذين حفروا أسماءهم فى تاريخ الكشوف، بحروف من ذهب، مما جعله يحتمل الحرارة، والرمال الساخنة، والعرق الذى يلهب عينيه، طوال عدة أشهر طويلة، زاره خلالها ممول حملته اللورد (كارنرفون) مرة واحدة، تركه بعدها للعذاب، وعاد هو إلى قصره البريطانى العريق، ليتباهى بتمويل أكبر حملة للبحث عن الآثار المصرية..
حتى جاء شهر فبراير 1923م..
فى ذلك التوقيت، عثر (هوارد كارتر) على ما كان يبحث عنه طوال الوقت..
مقبرة الملك الصغير (توت عنخ آمون)..
لم يكن (كارتر) أثرياً بسيطاً أو مغموراً، إذ كان يحيا فى (مصر)، منذ عام 1890م؛ للتنقيب عن الآثار، ورسم المناطق الأثرية المعروفة..
ولم يكن هذا أيضاً أوَّل كشوفه؛ إذ كانت له عدة حفائر فى وادى الملوك، موَّلها بعض المغامرين الأمريكيين، وأهلته لإصدار كتابه الشهير (خمس سنوات للكشوف الأثرية فى طيبة)..
وعلى الرغم من هذا، فقد انبهر (كارتر)..
انبهر بما عثر عليه، وبالكنوز التى رآها فى مقبرة (توت غنخ آمون)، وببريق الذهب الذى يلتمع فى كل مكان، حتى أنه أبرق إلى اللورد (كارنرفون)؛ ليحضر على الفور، فى حين انشغل هو برسم كل ما يراه داخل المقبرة..
حتى تلك العبارة، التى جذبت انتباهه واهتمامه طويلاً..
عبارة هيروغليفية غير تقليدية، وجدها محفورة على أحد أبواب المقبرة، تقول : "سيطوى الموت بجناحيه، كل من يقلق الملك"..
أيامها اهتم (كارتر) بالعبارة، وترجمها، وسجلها..
إلا أنه لم يشعر بالخوف منها أبداً..
وبسرعة، انتشر الخبر، وقفزت شهرة (هوارد كارتر) إلى الذروة، فى عالم الباحثين عن الآثار..
وقفز معه بالتالى اسم اللورد (كارنرفون)..
ومع وصول اللورد المغامر، الذى اشتهر باهتماماته المتعددة والمثيرة، راح الصحفيون يتدفقون على المكان كالنمل.
ومع عدسات كاميراتهم، ظهرت صور الجدران، والتوابيت، والتماثيل.. والذهب..
الذى الذى زغلل عيون الجميع، حتى الحكومة المصرية نفسها، التى فوجئت، أو بدا وكأنها فوجئت، بأن القانون يمنح المكتشف دوماً ما يعثر عليه من آثار، مهما بلغت قيمتها..
وفى حالة (كارتر)، كانت (مصر) ستفقد كنوزاً لا حصر لها، وتحفاً أثرية تتجاوز كل ما عرفه العقل، لو تم تطبيق القانون..
لذا، فقد رفضت الحكومة المصرية تطبيق القانون، ورفضت منح (كارتر) أو (كارنرفون) ولو حلية واحدة، مما تم العثور عليه فى المقبرة.. بل لقد أحاطتها بحراسة قوية، واعتبرتها أرضاً مصرية، لها عليها كل السطوة والسيادة..
وبالطبع، لم يستسلم (كارتر) لهذا، وقام بتهريب بضع قطع من آثار مقبرة (توت غنخ آمون) إلى (لندن)، ولكن كل الآثار الثقيلة بقيت..
ومعها تلك العبارة الرهيبة..
"سيطوى الموت بجناحيه كل من يقلق الملك"..
وكان من الممكن أن تبقى العبارة إلى الأبد، مجرد جملة، سجلها كاهن مصرى قديم، من باب المجاملة، أو حتى القناعة الشخصية، على أحد جدران مقبرة أصغر ملوك الفراعنة..
لولا ما حدث بعد هذا بقليل..
فبعد شهرين من هذه الضجة تقريباً، وقبل أن يفقد اللورد (كارنرفون) زهوة انتصاره، أو يبتلع مرارة حرمانه من كل هذا الذهب، جرح الرجل ذقنه جرحاً صغيراً أثناء الحلاقة..
وبسرعة لم يستوعبها أحد، أصيب اللورد البريطانى بحمى غامضة رهيبة، رفعت درجة حرارته إلى حد الهذيان، ودفعته إلى الصراخ والعويل طوال الوقت، وهو يصرخ بأنه فى قلب الجحيم، وبأن ملوك الفراعنة يحيطون به، بعد أن جاءوا للانتقام منه، لأنه فتح مقبرة أصغرهم، ودنسها بتواجده البشرى غير الطاهر..
ولفترة قصيرة جداً، واصل اللورد هذيانه وصراخه، ثم لم يلبث أن أسلم الروح، فى الخامس من أبريل، عام 1923م..
ومع موت اللورد، فى ريعان قوته، استعاد بعض الصحفيين تلك العبارة، المنقوشة على مقبرة الفرعون الصغير، وانطلقوا ينشرون مقالاتهم عنها وحولها، ويربطون بينها وبين موت (كارنرفون)..
وهنا فقط، ظهر ذلك المصطلح الشهير، الذى لم يفارق أسماعنا وأذهاننا، وعقولنا بعدها قط..
مصطلح (لعنة الفراعنة)..
وكما يحدث دوماً، فى كل مرة تنشأ فيها بدعة جديدة، انتشر المصطلح بسرعة مدهشة، وراح الكل يرددونه، ويناقشونه، ويفحصونه، ويمحصونه..
وكما يحدث أيضاً، انقسم المتابعون، بين مؤيد ومعارض للفكرة..
المؤيدون أكَّدوا أن الفراعنة عاشوا عالماً عجيباً غريباً، ترك لنا الكثير من الغوامض والأسرار، التى لم يمكننا كشفها بعد، فليس من المستبعد إذن أن يخلفوا وراءهم لعنة ما، تصيب كل من يدنس قبورهم، حتى ولو كان هذا بحجة تحقيق كشوف أثرية جديدة..
والمعارضون أصروا على أنه لا توجد ركيزة علمية واحدة، يمكن أن تؤيد الفكرة، وأنه من السخافة أن يتردَّد أمر كهذا، لمجرَّد أن ممول حملة (هوارد كارتر) قد لقى مصرعه بحمى غير معروفة..
وبين هؤلاء وهؤلاء، وقف (هوارد كارتر) نفسه، يعلن فى كل المجتمعات، وكل المحافل العلمية، أنه لم ولن يؤمن أبداً بما يسمونه لعنة الفراعنة؛ لأنه مستكشف قديم، واجه الأمر عشرات المرات، دون أن يصيبه مكروه واحد..
والمدهش أن هذا لم يقنع أحداً، خاصة وأن حالات الوفيات، والموت بأسباب غير معروفة، راحت تنتشر على نحو ملفت للأنظار، بين كل من كانت له علاقة مباشرة، أو غير مباشرة، بكشف مقبرة (توت غنخ آمون)..
وعندما هل عام 1929م، كان عدد من وافتهم المنية منهم، لأسباب غير واضحة، اثنين وعشرين رجلاً..
وفى العام نفسه، وفى جلسة خاصة، أعلنت زوجة (كارنرفون) أنها أيضاً لا تؤمن بلعنة الفراعنة، ولا تصدق أن الموتى يمكنهم قتل الأحياء، بأية وسيلة كانت..
وكان من الممكن أن ينهى تصريحها هذا القضية ويحسمها، لولا تطوّر مفاجئ، لم يكن فى الحسبان أبداً..
فقبل أن يكتمل الأسبوع، أصيبت زوجة كارنرفون) بالحمى الغامضة نفسها، التى أصيب بها زوجها؛ وراحت تهذى وتصرخ ليومين تقريباً، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على فراشها، تاركة خلفها أكبر موجة من الرعب، عرفها التاريخ الحديث، حتى تلك الفترة..
رعب لعنة الفراعنة..
ولفترة طويلة، لم يعد هناك حديث للصحافة ووسائل الإعلام، سوى عن الفراعنة.. ولعنة الفراعنة..
وظهرت فى الأسواق كتب، ودراسات، وروايات، وحتى أفلام سينمائية صامتة، تدور كلها حول لعنة الفراعنة..
ومن بين تلك الكتب، ظهر كتاب يحمل للمهتمين بالأمر مفاجأة مثيرة للغاية..
مفاجأة تقول : إن لعنة الفراعنة لم تبدأ مع فتح مقبرة (توت غنخ آمون)، بل كانت هناك قبل هذا بقرن من الزمان على الأقل..
ولقد ارتبطت فعلياً باثنين من مشاهير العلم..
أو ربما أشهرهم..
على الإطلاق.
4 - وتحدث العلم..
* عبر السنوات الطويلة، التى تردَّد خلالها مصطلح (لعنة الفراعنة)، كانت معظم الكتب والدراسات، الخاصة بها، تقتصر على تسجيل ورصد الحالات، التى ارتبطت بالتنقيب عن آثار فرعونية، والتى لاقت مصيراً غامضاً، وعانت من حمى غامضة مجهولة، تنتهى عادة بالوفاة..
ثم جاء كتاب البروفيسير الألمانى (فيليب فاندبنرج)..
وكتاب (فاندبنرج) يعد موسوعة علمية متكاملة، عن (لعنة الفراعنة)، ومحاولة شديدة الجرأة؛ للبحث عن تفسير علمى لها، من خلال مختلف اتجاهات العلم، بدءاً من الكيمياء، ووصولاً إلى الإشعاعات النووية..
ولقد اهتم (فاندبنرج) كثيراً بتسجيل معظم الحالات، التى أصابتها (لعنة الفراعنة)، من وجهة نظره، ثم توقف طويلاً عند تلك الحمى، التى أصيبت بها معظم الحالات، والتى أدت إلى الهذيان والهلوسة، ثم الموت فيما بعد..
ومن هنا، وضع العالم الألمانى نظريته..
ونظرية (فاندبنرج) تربط لعنة الفراعنة بثلاثة احتمالات علمية، تبدو فى جانب منها منطقية ومعقولة، إلى حد كبير..
الاحتمال الأوَّل هو أن تحوى مقابر الفراعنة، وملوكهم على وجه الخصوص، غازات سامة، أو عقاقير وأتربة بطيئة المفعول، من ابتكار الكهنة، الذين أخفوا دوماً علومهم عن العامة، وإن تركوا لنا دلائلها، من خلال سر التحنيط، الذى حار فيه علماء الكيمياء، حتى يومنا هذا..
ومن وجهة نظر العالم الألمانى، أن الكهنة قد ابتكروا نوعاً من السموم شديدة البطء، أشبه بعقاقير الهلوسة، ومزجوها بأتربة المقابر الخاصة بالملوك، كوسيلة لعقاب كل من تسول له نفسه نبشها أو سرقتها..
وربما كانت تلك العقاقير أكثر تأثيراً فى الماضى، وأسرع مفعولاً، إلا أن خواصها قد تغيرت تماماً، عبر آلاف السنين من التخزين، ولكنها، وفى كل الأحوال، تترك أثرها فى دماء كل من يقتحم المقابر الفرعونية، ويستنشق ترابها، ثم يبدأ تأثيرها بعد عدة سنوات، على شكل حمى، وهذيان، وهلوسة..
والاحتمال قد يبدو منطقياً للوهلة الأولى، إلا أن قليل من التفكير فيه، يجعلنا ندرك عقمه تماماً، إذ أن العلم قد قطع شوطاً ضخماً، فى السنوات العشر الأخيرة، وأصبح من السهل تحليل أتربة المقابر، ومعرفة كل ما تحويه، بل إنه هناك مراكز متخصصة لأبحاث التربة، يمكنها تحديد مكونات أية عينة من الأتربة بمنتهى الدقة..
وبمنتهى السرعة أيضاً..
والكشوف الأثرية ما زالت مستمرة، ولم تتوقَّف حتى الآن، ولو أن احتمال السموم بطيئة المفعول هذا وارد، لتوصل إليه العلم الحديث فوراً..
ولكن (فاندبنرج) نشر كتابه فى سبعينات القرن العشرين، وقبل أن يبلغ العلم هذا الحد، أو تظهر أجهزة وبرامج الكمبيوتر، التى قلبت كل الموازين، رأساً على عقب..
ولكن دعونا لا نتوقف طويلاً عن الاحتمال الأوَّل، ولننتقل منه إلى الاحتمال الثانى، والأقرب إلى المنطق..
الفيروسات..
فالبروفيسير الألمانى يفترض أنه كان هناك فيروس قديم، كامن فى أتربة مقابر ملوك الفراعنة..
فيروس ساد فى القرن القديمة، أو استخدمه الكهنة أيضاً، فى فترة ما، أو أنهم قد ورثوه من حضارة سابقة!!..
وذلك الفيروس ينتقل إلى أجساد من يقتحم المقابر، ويسرى فى دمه وأنسجته، ليقضى فيها فترة حضانته، التى تبلغ سنوات وسنوات، وترتبط بالقابلية الشخصية للإصابة، وبقوة مناعة الجسم، التى تختلف من شخص إلى آخر.. وعندما يبدأ ذلك الفيروس المفترض نشاطه، يصاب الإنسان بالحمى، التى تهاجم المخ على الأرجح، مسببة الهذيان والهلوسة..
والاحتمال هذه المرة منطقى وعلمى تماماً، ويمكننا هضمه واستيعابه، إلى حد كبير، وخاصة بعد ظهور فيروس (الإيدز)، الذى يكمن فى الأجساد لسنوات طويلة بالفعل، قبل أن تبدأ أعراضه فى الظهور..
ثم أن فكرة الفيروس هذه تتناسب مع الحمى المخية، والهذيان، والهلوسة، والوفاة أيضاً..
وكذلك تتفق مع عجز الأطباء عن تشخيص المرض، فى عصر لم تكن الأبحاث الطبية قد تطوَّرت إلى الحد الكافى، لكشف مثل هذه الكائنات الدقيقة، واستيعاب طبيعتها وأعراضها..
ولكن تعود بنا الخيوط إلى السؤال الأوَّل..
لماذا لم يعد ذلك الفيروس يظهر، فى الكشوف العلمية والأثرية الحديثة؟! هذا السؤال نتركه للبروفيسير الألمانى، ونتركه لعقولنا، تدرسه، وتناقشه، وتحلله..
ثم تتوصل إلى نتائجه..
أما نحن، فسننتقل إلى الاحتمال الثالث، فى نظرية (فاندبنرج)..
والاحتمال الثالث مدهش، ومثير للحيرة، ولست أدرى حتى كيف وضعه العالم الجليل، ولكن يبدو أن إيمانه بالفراعنة كان يتجاوز كل الحدود..
فذلك الاحتمال، هو أن ترتبط (لعنة الفراعنة) بنشاط إشعاعى ذرى، ظل مختزناً داخل مقابر الملوك لآلاف السنين، لينطلق فى وجه كل من ينبشها..
وربما يتفق الاحتمال مع بعد التأثير، ومع أعراض الحمى والهلوسة والهذيان، والموت فى نهاية المطاف، كما يتفق أيضاً مع عجز الأطباء القدامى عن تشخيص الحالات، وحيرتهم فى مواجهتها، إلا أنها تضعنا أمام احتمال جديد، يبدو أكثر خيالاً من كل ما سبقه..
احتمال أن الفراعنة كانت لديهم معرفة دقيقة بالنشاطات الإشعاعية.. وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق..
حتى لو افترضنا أنهم قد توصلوا إلى تراب اليورانيوم مثلاً، وأن الكهنة قد أدركوا أنه يختلف عن التراب العادى، وأن له تأثيرات فتاكة على كل من يلمسه أو يستنشقه، فسنتساءل بدورها، كيف أمكنهم اتقاء تأثيره عليهم، دون أن تكون عندهم أبحاث، ودراسات، ووسائل مقاومة؟!..
ولو افترضنا أن هذا قد حدث بالمصادفة، ودون وعى منهم، وأن بعض المواد، الداخلة فى مساحيق التحنيط، كانت مواد مشعة فتاكة، فأين ذهبت هذه المواد، ولماذا غاب تأثيرها، واختفت من المقابر، على الرغم من أنها قد بقيت لآلاف السنين؟!..
ثم لماذا تواجدت فى الكشوف القديمة، ولم تتواجد فى الكشوف الحديثة؟! كل هذا ينبغى أن يقودنا إلى نتيجة واحدة لا غير، مع جزيل احترامنا للبروفيسير (فيليب فاندبنرج)، وشهرته، وعلمه الغزير..
يقودنا إلى أنه لا وجود لما يسمى بـ(لعنة الفراعنة)!..
ربما كانت هناك حوادث عديدة، ترتبط بكل من نقب عن الآثار، فى أزمته انخفضت فيها درجة الوعى الصحى، إلا أن هذا لا يعنى وجود لعنة أسطورية، صالحة لخيال الكتاب والسينمائيين، ولكنها غير قادرة على إقناع أى صاحب عقلية علمية أو منطقية..
وهنا، ينبغى أن أضم صوتى لكل الأصوات، التى ترفض، وبشدة، فكرة (لعنة الفراعنة) هذه، والتى تستنكر حتى ترديد المصطلح، أو حتى مناقشة احتمالات صحته..
وأهم ما ينبغى معرفته، فى هذا الشأن، هو أن أكثر من هاجم الفكرة، وحارب لإثبات زيفها وحمقها، هو الشخص الذى ارتبط اسمه بمنشئها، منذ أول مرة ظهر فيها المصطلح..
(هوارد كارتر) شخصياً..
فمع شغف الناس بالحديث عن الأمر وترديده، كتب (كارتر) عدد كبير من المقالات، وألقى مئات المحاضرات، واشترك فى عشرات الندوات، ليهاجم الفكرة، ويؤكد أنها مجموعة من المصادفات السخيفة، بدليل أنه أول من دخل مقبرة (توت غنخ آمون)، أو أول من رصد ما بداخلها، لو شئنا الدقة، ولم تصبه أية أعراض، يمكن أن ترتبط بالمصطلح..
لا ألم، أو حمى، أو هذيان، أو هلوسة..
ولقد عاش (كارتر) حتى عام 1939م، فى صحة جيدة، ودون أن يعانى سوى من الأعراض الطبيعية للتقدم فى العمر، حتى مات ميتة هادئة فى فراشه، وهو يواصل إنكاره واستنكاره لفكرة (لعنة الفراعنة)..
ولكن العجيب والمدهش أن أحداً لم يستمع إليه..
هذا لأن الفكرة، بما تحويه من أسطورية وغيبيات، قد استهوت الناس، فى كل أنحاء العالم، وأصبحت مادة تجارية رابحة، ووسيلة لترويج مئات الكتب، والروايات، والدراسات، وأفلام السينما..
وهكذا أغلقنا جميعاً باب العقل والمنطق، وغرقنا حتى النخاع فى هلاوس وخزعبلات وخرافات، وروايات لا أثل أو أساس لها..
أو ربما نفعل هذا كجزء من لعنة، تلازمنا جميعاً بلا هوادة..
لعنة الفراعنة.
تمت بحمد الله
منقول.