وسيم أحمد الفلو
15-08-2008, 11:13 PM
بقلم: الشيخ نزيه مطرجي
الرجال قَوَّامون على النساء، والقِوامة ولاية يكتنفها الظلم، فالظلم من شِيَم نفوس العباد، ولكن الله تعالى تولّى الإماء بفضله، فأنزل في كتابه الوصايا والتوجيهات، وقضى من الأوامر والتشريعات ما يقيهنّ شرّ المكاره وسوء المظالم، وفرض على البعول أن يعاشروهنّ بالمعروف، ويتعاهدوهنّ بالمحاسن والمكارم، قال الله تعالى: {وعَاشِروهُنَّ بالمَعْروفِ فَإنْ كَرِهْتموهنَّ فَعَسى أِنْ تكْرَهوا شَيْئاً ويَجْعَلَ اللهُ فيهِ خَيْراً كَثيراًً} النساء - 24.
ولقد لقي الأمر الإلهي في صدور الرجال الأتقياء، والأزواج الأوفياء، متَّسعاً رحباً، ومُستَناخاًً سَهْلاً، فهم يسعون أن يتقوا الله في حلائلهم اللاّئي استحلوهنّ بأمر الله، وعاشَروهنّ بطاعة الله، وأنفقوا عليهن براً بهنّ واتقاءً لمعصية الله.
وإن للمرأة في ذمة زوجها حقوقاً كثيرة عليه أن يذكرها ولا يجحدها، وأن يؤدّيها ولا يُهملها. ومن هذه الحقوق الصَّداق، والصَّداق حقّ معلوم يتعيّن للمرأة على كل زوج غنيّ أو فقير أو محروم، فهو من الأمور المعروفة من الدين بالضرورة، لقول الله عزّ وجل: {وآتوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلةً} النساء - 4، وقوله: {فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بهِ مِنْهُنَّ فآتوهُنَّ أُجورَهُنَّ فَريضةً} النساء - 24، فإن جرى عقد زواج ولم يُسَمَّ فيه مَهْر وجب للمرأة مهرُ المِثْل بأمر الشارع بلا منازع!
وقد شُرع المهْر حقاً خالصاً للمرأة ليس لأحد آخر من أقربائها، تملُّكُه إلا في حال الرضا والاختيار، بدليل قول الله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْساً فَكُلوه هَنيئاً مَريئاً} النساء - 4، وذلك تكريماً للمرأة، وتطييباً لخاطرها، ورَفْعاً لشأنها، وتثبيتاً للرابطة الزوجيّة التي نشأت بالاختيار وبُنيت على التأبيد والاستقرار، فإن إخلاء العقد من المهر يسهّل على الرجل التحلّل منه، وإن ما يُنال ببذل، يعزُّ في نظر صاحبه، ويشقّ عليه التفريط فيه، فمشروعيّة المهر أدعى إلى انتظام العِشْرة، ودوام المودّة والرحمة.
وبناءً على منهج الرحمة والمرونة، لم تعيِّن الشريعة حدّاً لقلة المهر ولا لكثرته، لأن الناس يختلفون في الغنى والفاقة، ويتفاوتون في الضّيق والسّعة، ولكل قوم عاداتهم وتقاليدهم, فكان الإطلاق محقّقاً لمصالح العباد أكثر مما يفعله التحديد الذي قد يضيّق على الأزواج الخناق!
ولكنّ للصداق في هذا الزمان صوراً شَوْهاء تُنكرها العين, وأساليبَ خرقاء يأباها العدل...
يُستهلّ الذِّكر بالمغالاة في المهور التي تصوّر العقد كأنما هو صفقة للمكاسب، وتجعل المرأة كأنما هي سلعةٌ للمآرب, وقد ورد في السنّة ما يدلّ على كراهة المغالاة في المهور، لأن الإسلام يحرص على تشجيع الحلال الطيّب، وذلك يتم حين تكون سبيل الزواج مذلّلة، وطريقته ميسَّرة. وقد بيَّن الشرع أن المهر كلما كان قليلاً كان الزواج مباركاً، وأن قلّة المهر من يُمْن المرأة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن أعظم النّكاح بركةً، أيسره مؤونة»، أخرجه أحمد، وقال: «خيرُ الصَّداق أيسرُه» أخرجه أبو داود.
فإذا عمّت ظاهرة التغالي في المهور، وأصبحت سبباً للتباهي والتفاخر، كانت مفسدةً للشباب والفتيات أيّ مفسدة، وصار الذي يُتاح له الزواج باختياره ورضاه، هو الذي أوتيَ بَسْطة في الرزق والجاه. وهذه الظاهرة لها أثر خطير في انتشار العَضْل والعُنوسة، ناهيك عن وقوع المفاسد وتهوين الفواحش والكبائر.
وإن تعجَبْ فعَجَبٌ فعلُ العائِل المستكبر الذي لا يجد ما يزيد عن قوت يومه، حين تدفعه المباهاة، ومحاكاة أصحاب الثروات، فيكتب على نفسه مهراً باهظاً، لو عاش العمر لا يجمع نصيفه، فلا يُنصفه سوء حظه، فيقع الفراق، ولا يسعفه الإملاق، فيسقط في وَهدة النَّدامة، ويقع في قبضة العدالة!
وفي مقابل ذلك تقع مُحْدثة البَخْس في المهور، عند الثَّريّ والميسور، وبخاصة حين يكون الأمر تلبية لنقيصة الشَّحيح، أو تعبيراً عن الاستهانة بالطَّرف الضعيف. ولا يحلّ لمن أنعم الله عليه أن يقيس على ما ورد، من مهر بخسٍ دراهمَ معدودةٍ، أو حِليةٍ من معادن زهيدة، فتلك مهور لها مناسبتها المحدودة, فالنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن مهره بَخْساً كما يُظَنُّ، فقد قال يوماً عمر بن الخطاب في خطبته: ما أَصْدَقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قطّ امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقيّة من الفضّة. أما الذي قدّم خاتماً من حديد فكان أفقر الناس في المدينة، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «هل عندك من شيء تُصْدقها إيّاه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا!... قال فالتمس شيئاً! فقال: ما أجد شيئاً! فقال: «التمس ولو خاتماً من حديد»! (ورد في الصحيحين). فخاتم الحديد إذاً لمن قُوته الخبز اليابس والقديد، والدّراهم المعدودة لمن يداه إلى أهل الإحسان ممدودة!
وإن تعجب فعَجبٌ فِعْلُ الأشحّاء من أهل الثّراء، الذين يملكون من المال القناطير، ويستخْفون بالإمساك وراء برَكة أيسر الصَّداق، ويقدّمون مهوراً زهيدة توزَن بالملاليم، مُضيِّعين معاني المودّة والتكريم لمن يُنشَّأ في الحِلْية وهو في الخِصام غيرُ مبين!
ونضرب صَفحاً عن التوسّع في مُحدثة الذين يدوِّنون المعجَّل من المهر ويدّعون أنه واصل فلا يصل منه شيء، وهذا خداع وتدليس! وعن التوسّع في أطماع أهل الفتاة الذين يستملكون المهر خالصاً لأنفسهم، ولا يَذَرون لكريمتهم حصة يلمع بَريقها، ويَدَعونها تغصُّ بِريقها، وهذا ظلم بئيس!
فليس في الإسلام غُلُوٌّ، وليس في الإسلام بَخْس، إنما الفوز والنّجاة بالعدل في العبادة والطاعات.
الرجال قَوَّامون على النساء، والقِوامة ولاية يكتنفها الظلم، فالظلم من شِيَم نفوس العباد، ولكن الله تعالى تولّى الإماء بفضله، فأنزل في كتابه الوصايا والتوجيهات، وقضى من الأوامر والتشريعات ما يقيهنّ شرّ المكاره وسوء المظالم، وفرض على البعول أن يعاشروهنّ بالمعروف، ويتعاهدوهنّ بالمحاسن والمكارم، قال الله تعالى: {وعَاشِروهُنَّ بالمَعْروفِ فَإنْ كَرِهْتموهنَّ فَعَسى أِنْ تكْرَهوا شَيْئاً ويَجْعَلَ اللهُ فيهِ خَيْراً كَثيراًً} النساء - 24.
ولقد لقي الأمر الإلهي في صدور الرجال الأتقياء، والأزواج الأوفياء، متَّسعاً رحباً، ومُستَناخاًً سَهْلاً، فهم يسعون أن يتقوا الله في حلائلهم اللاّئي استحلوهنّ بأمر الله، وعاشَروهنّ بطاعة الله، وأنفقوا عليهن براً بهنّ واتقاءً لمعصية الله.
وإن للمرأة في ذمة زوجها حقوقاً كثيرة عليه أن يذكرها ولا يجحدها، وأن يؤدّيها ولا يُهملها. ومن هذه الحقوق الصَّداق، والصَّداق حقّ معلوم يتعيّن للمرأة على كل زوج غنيّ أو فقير أو محروم، فهو من الأمور المعروفة من الدين بالضرورة، لقول الله عزّ وجل: {وآتوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلةً} النساء - 4، وقوله: {فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بهِ مِنْهُنَّ فآتوهُنَّ أُجورَهُنَّ فَريضةً} النساء - 24، فإن جرى عقد زواج ولم يُسَمَّ فيه مَهْر وجب للمرأة مهرُ المِثْل بأمر الشارع بلا منازع!
وقد شُرع المهْر حقاً خالصاً للمرأة ليس لأحد آخر من أقربائها، تملُّكُه إلا في حال الرضا والاختيار، بدليل قول الله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْساً فَكُلوه هَنيئاً مَريئاً} النساء - 4، وذلك تكريماً للمرأة، وتطييباً لخاطرها، ورَفْعاً لشأنها، وتثبيتاً للرابطة الزوجيّة التي نشأت بالاختيار وبُنيت على التأبيد والاستقرار، فإن إخلاء العقد من المهر يسهّل على الرجل التحلّل منه، وإن ما يُنال ببذل، يعزُّ في نظر صاحبه، ويشقّ عليه التفريط فيه، فمشروعيّة المهر أدعى إلى انتظام العِشْرة، ودوام المودّة والرحمة.
وبناءً على منهج الرحمة والمرونة، لم تعيِّن الشريعة حدّاً لقلة المهر ولا لكثرته، لأن الناس يختلفون في الغنى والفاقة، ويتفاوتون في الضّيق والسّعة، ولكل قوم عاداتهم وتقاليدهم, فكان الإطلاق محقّقاً لمصالح العباد أكثر مما يفعله التحديد الذي قد يضيّق على الأزواج الخناق!
ولكنّ للصداق في هذا الزمان صوراً شَوْهاء تُنكرها العين, وأساليبَ خرقاء يأباها العدل...
يُستهلّ الذِّكر بالمغالاة في المهور التي تصوّر العقد كأنما هو صفقة للمكاسب، وتجعل المرأة كأنما هي سلعةٌ للمآرب, وقد ورد في السنّة ما يدلّ على كراهة المغالاة في المهور، لأن الإسلام يحرص على تشجيع الحلال الطيّب، وذلك يتم حين تكون سبيل الزواج مذلّلة، وطريقته ميسَّرة. وقد بيَّن الشرع أن المهر كلما كان قليلاً كان الزواج مباركاً، وأن قلّة المهر من يُمْن المرأة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن أعظم النّكاح بركةً، أيسره مؤونة»، أخرجه أحمد، وقال: «خيرُ الصَّداق أيسرُه» أخرجه أبو داود.
فإذا عمّت ظاهرة التغالي في المهور، وأصبحت سبباً للتباهي والتفاخر، كانت مفسدةً للشباب والفتيات أيّ مفسدة، وصار الذي يُتاح له الزواج باختياره ورضاه، هو الذي أوتيَ بَسْطة في الرزق والجاه. وهذه الظاهرة لها أثر خطير في انتشار العَضْل والعُنوسة، ناهيك عن وقوع المفاسد وتهوين الفواحش والكبائر.
وإن تعجَبْ فعَجَبٌ فعلُ العائِل المستكبر الذي لا يجد ما يزيد عن قوت يومه، حين تدفعه المباهاة، ومحاكاة أصحاب الثروات، فيكتب على نفسه مهراً باهظاً، لو عاش العمر لا يجمع نصيفه، فلا يُنصفه سوء حظه، فيقع الفراق، ولا يسعفه الإملاق، فيسقط في وَهدة النَّدامة، ويقع في قبضة العدالة!
وفي مقابل ذلك تقع مُحْدثة البَخْس في المهور، عند الثَّريّ والميسور، وبخاصة حين يكون الأمر تلبية لنقيصة الشَّحيح، أو تعبيراً عن الاستهانة بالطَّرف الضعيف. ولا يحلّ لمن أنعم الله عليه أن يقيس على ما ورد، من مهر بخسٍ دراهمَ معدودةٍ، أو حِليةٍ من معادن زهيدة، فتلك مهور لها مناسبتها المحدودة, فالنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن مهره بَخْساً كما يُظَنُّ، فقد قال يوماً عمر بن الخطاب في خطبته: ما أَصْدَقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قطّ امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقيّة من الفضّة. أما الذي قدّم خاتماً من حديد فكان أفقر الناس في المدينة، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «هل عندك من شيء تُصْدقها إيّاه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا!... قال فالتمس شيئاً! فقال: ما أجد شيئاً! فقال: «التمس ولو خاتماً من حديد»! (ورد في الصحيحين). فخاتم الحديد إذاً لمن قُوته الخبز اليابس والقديد، والدّراهم المعدودة لمن يداه إلى أهل الإحسان ممدودة!
وإن تعجب فعَجبٌ فِعْلُ الأشحّاء من أهل الثّراء، الذين يملكون من المال القناطير، ويستخْفون بالإمساك وراء برَكة أيسر الصَّداق، ويقدّمون مهوراً زهيدة توزَن بالملاليم، مُضيِّعين معاني المودّة والتكريم لمن يُنشَّأ في الحِلْية وهو في الخِصام غيرُ مبين!
ونضرب صَفحاً عن التوسّع في مُحدثة الذين يدوِّنون المعجَّل من المهر ويدّعون أنه واصل فلا يصل منه شيء، وهذا خداع وتدليس! وعن التوسّع في أطماع أهل الفتاة الذين يستملكون المهر خالصاً لأنفسهم، ولا يَذَرون لكريمتهم حصة يلمع بَريقها، ويَدَعونها تغصُّ بِريقها، وهذا ظلم بئيس!
فليس في الإسلام غُلُوٌّ، وليس في الإسلام بَخْس، إنما الفوز والنّجاة بالعدل في العبادة والطاعات.