أبو حسن
27-12-2008, 08:53 PM
كوكب الانسان بين جناحي فراشة !!!...
روني عبدالنور
هل لفراشة تخفق بجناحيها في البرازيل ان تحدث اعصارا في تكساس؟
سؤال عنون به الأميركي ادوارد نورتون لورنز، عالم الرياضيات والأرصاد الجوية في معهد ماساشوستش للتكنولوجيا، الخطاب الذي ألقاه في الاجتماع التاسع والثلاثين بعد المئة للجمعية الأميركية للتقدم العلمي سنة 1972. الا أن هذا السؤال المثير، على غرابته، لم يشكل سوى العنوان لما سيصبح فيما بعد حقلا علميا تجاوز بمفاهيمه حدود العلوم الرياضية والبيولوجية والفيزيائية ليطال أيضا الانسان وبيئته وعلاقته بمحيطه. انه أثر الفراشة (Butterfly Effect).
التجربة والمفاجأة..
في أحد أيام فصل الشتاء من عام 1961، كان لورنز، الذي عرف بشغفه في الجمع بين علم الأرصاد الجوية والرياضيات، يقوم بعملية اعادة تدقيق في لائحة بيانات حول نموذج رياضي من تصميمه يربط توقع الحالة الجوية بمجموعة مؤلفة من 12 معادلة تفاضلية (Differential Equation) تجسد التغيرات التي تطرأ على درجة الحرارة ونسبة الرطوبة وسرعة الرياح والضغط الجوي.. وذلك من ضمن نشاطه المعتاد في تتبع الأرصاد الجوية. واختصارا منه للوقت، قام، خلال عملية تلقين الحاسوب الرقمي بالبيانات، بادخال كسر يتألف من ثلاثة أرقام مجتزئا بالتالي الأرقام الثلاثة الأخرى التي يمكن للحاسوب استيعابها (506. بدل 506127.). هنا سقطت النتيجة المفاجئة فوق رأس لورنز كالصاعقة. فمع تراكم الأشهر التي عكف (لورنز) على دراستها، وجد أن التباين أخذ في الاتساع حتى انحرف الخط البياني للتحليل بالكامل عن ذلك الذي حصل عليه بادخال الأرقام كاملة قبل تجزئة الكسر المؤلف من ستة أرقام. وظن في البداية أن خللا ما قد أصاب حاسوبه المحدود السرعة والبدائي نسبة للمعايير المعتمدة اليوم، لكن بعد جهد في محاولة الكشف عن الخلل، تبين له أن الحاسوب سليم ولا يعاني من أي عطل فصب تركيزه حينئذ على اكتشاف خطأ ما في عملية ادخال الأرقام الى أن تمكن من وضع اليد على مكمن المشكلة. فقد أدرك أن ما قام به من حذف لجزء من الأرقام، ظنا منه أنها غير ذي أهمية لاختلافها بنسبة %1 عن الأرقام الأصلية، قد أثر جوهريا على نتائج تحليله.
دفعت هذه التجربة بلورنز الى الاعتقاد بأن توقع الأحوال الجوية في مدى يتجاوز الأسبوعين أوالثلاثة ليس سوى وهما وخيالا، كما وجد نفسه على طرفي نقيض مع العديد من العلماء الذين كانوا يعتقدون بعدم قدرة الاضطرابات الصغيرة التي تصيب الحالة الأساسية لنظام ما في التأثير على حالته النهائية. وانطلاقا من هنا، قام لورنز بنشر نتائج تجربته سنة 1963 في رسالة الى أكاديمية العلوم في نيويورك معلنا أن أحد خبراء الرصد الجوي لاحظ أن خفقة واحدة من أجنحة النورس يمكن أن تغير معالم الطقس الى غير رجعة. وهي الدراسة التي شكلت "تحفة فنية لناحية وضوح العرض الذي خلص الى صعوبة توقع الأحوال الجوية" حسب ج. دوين فارمر، الأستاذ في معهد سانتا في (نيو مكسيكو). ومع المحافظة، في أبحاثه اللاحقة، على جوهر الفكرة القائلة بقدرة العوامل الثانوية على تحويل نظام دوري وعادي الى نظام عشوائي النمط، أخذ لورنز بنصيحة أحد زملائه واستبدل النورس بالفراشة كمثال أكثر وقعا وشاعرية.
فما هو "أثر الفراشة" الذي قال عنه ادوارد أوت، أستاذ الفيزياء والهندسة الكهربائية في جامعة ميريلاند، أنه الصورة الأكثر واقعية للنماذج العشوائية؟
للفراشة أثر!
ينظر الى تعبير "أثر الفراشة" على أنه مسطلح تبسيطي لفكرة تقنية أكثر تعقيدا. وتدور هذه الفكرة حول التبعية الدقيقة للحالة الأساسية للأنظمة (Sensitive Dependence on Initial Conditions) في ما يعرف بنظرية الفوضى (Chaos Theory) التي تقوم على مبدأي ارتداد النظام في الاتجاه المعاكس نحو حالته الأساسية أولا والتبعية الدقيقة لهذه الحالة ثانيا. وكان لورنز أحد أبرز من روج لهذه النظرية التي رأى فيها العلماء الثورة الثالثة التي طبعت القرن العشرين بطابعها بعد النسبية ونظرية الكم بحسب كيري ايمانويل من معهد ماساشوستس. وفي الحقيقة لم يكن لورنز أول من تعرف الى الفوضى بمنظار علمي، فقد توصل عالم الفيزياء والرياضيات الفرنسي هنري بوانكاري في نهايات القرن التاسع العشر الى خلاصات صادمة ومخالفة لقوانين نيوتون النظامية حول الحركة والجاذبية، لكن هذه الخلاصات وقعت على أذن صماء طيلة النصف الأول من القرن العشرين الى حين تسليط لورنز الأضواء عليها.
وتفيد النظرية بأن الانحرافات البسيطة التي تطرأ على الحالة الأساسية لنظام ديناميكي معين يمكن أن تحدث تغيرات هائلة على المدى الطويل في السيرة السلوكية لهذا النظام. هذه الانحرافات تظهر في الكثير من الحالات عبر أشكال غامضة وصعبة التفسير في سلوك النظام، لذلك يسعى العلماء الى مقاربتها عن طريق أمثلة حية ومبسطة. ومن هذه الأمثلة أن يتم تغيير وضعية كرة صغيرة فوق تلة مرتفعة الأمر الذي قد يودي بهذه الكرة، بعد أن تبدأ بالتدحرج، كأن تنتهي في قعر واحد من عدة وديان مختلفة في سفح التلة. واذا ما عدنا الى مثال الفراشة وطبقنا عليه نظرية الفوضى، يعلل أنصار النظرية أن جناحي الفراشة قد يتسببان بتبدلات فائقة الصغر في الجو المحيط كسرعة الرياح واتجاهها الى النشاطات المناخية الأخرى والتي قد تفضي في النتيجة الى تبدل مسار اعصار ما، تأخير أو تسريع حدوثه أو ربما، أيضا، منع حدوثه في بقعة جغرافية معينة.
لكن كيف لكل ذلك ان يحدث؟
يشكل تخبط جناحي الفراشة تغيرا بسيطا في الحالة الأساسية للنظام الطقسي، حيث ينتج عن ذلك سلسلة من الأحداث التي بدورها تقود الى تبدل واسع النطاق في مجموع الظواهر الجوية. وقد يتساءل البعض هنا حول قدرة الفراشة، على الرغم من التعقيدات المذهلة في حركة جناحيها والتي يسعى المهندسون الى فهمها من أجل احداث ثورة في عالم الطيران، على التسبب باحداث اعصار.. وهو تساؤل له مبرراته كون الطاقة الحركية للاعصار (Kinetic Energy) تفوق بأضعاف مضاعفة طاقة جناحي الفراشة الحركية. هذا الكلام صحيح اذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الاعصار يستمد طاقته بشكل رئيسي من الشمس بينما تؤثر طاقة الفراشة عشوائيا على بعض التفاصيل الصغيرة في الحالة الجوية، لكن تعميم المثال يساعد على فهم النقطة الأساسية التالية: ان توقع سلوك نظام كبير ما على المدى البعيد هو، واقعيا، في حكم المستحيل لكثرة العوامل الصغيرة المؤثرة فيه -كما في النظام الطقسي- وبالتالي، تتطلب السيطرة على سلوك النظام ادراك جميع العوامل المرتبطة به على اختلافها كبيرة كانت أم صغيرة. وهنا بالتحديد تكمن الصعوبة الحقيقية في عملية التوقع والتي أشار اليها لورنز.
هذا من الناحية النظرية البحتة، أما التصاق هذا المفهوم بمفاصل حياة الانسان وبيئته فتلك حكاية أخرى.
قبل ذلك، لا بد من الاشارة الى ذهاب البشر بمخيلتهم بعيدا في محاكاة "أثر الفراشة" قبل تبلورها ضمن نظرية الفوضى بفترة طويلة. وفيما يلي لمحة موجزة عن نتاج المخيلة الانسانية.
روني عبدالنور
هل لفراشة تخفق بجناحيها في البرازيل ان تحدث اعصارا في تكساس؟
سؤال عنون به الأميركي ادوارد نورتون لورنز، عالم الرياضيات والأرصاد الجوية في معهد ماساشوستش للتكنولوجيا، الخطاب الذي ألقاه في الاجتماع التاسع والثلاثين بعد المئة للجمعية الأميركية للتقدم العلمي سنة 1972. الا أن هذا السؤال المثير، على غرابته، لم يشكل سوى العنوان لما سيصبح فيما بعد حقلا علميا تجاوز بمفاهيمه حدود العلوم الرياضية والبيولوجية والفيزيائية ليطال أيضا الانسان وبيئته وعلاقته بمحيطه. انه أثر الفراشة (Butterfly Effect).
التجربة والمفاجأة..
في أحد أيام فصل الشتاء من عام 1961، كان لورنز، الذي عرف بشغفه في الجمع بين علم الأرصاد الجوية والرياضيات، يقوم بعملية اعادة تدقيق في لائحة بيانات حول نموذج رياضي من تصميمه يربط توقع الحالة الجوية بمجموعة مؤلفة من 12 معادلة تفاضلية (Differential Equation) تجسد التغيرات التي تطرأ على درجة الحرارة ونسبة الرطوبة وسرعة الرياح والضغط الجوي.. وذلك من ضمن نشاطه المعتاد في تتبع الأرصاد الجوية. واختصارا منه للوقت، قام، خلال عملية تلقين الحاسوب الرقمي بالبيانات، بادخال كسر يتألف من ثلاثة أرقام مجتزئا بالتالي الأرقام الثلاثة الأخرى التي يمكن للحاسوب استيعابها (506. بدل 506127.). هنا سقطت النتيجة المفاجئة فوق رأس لورنز كالصاعقة. فمع تراكم الأشهر التي عكف (لورنز) على دراستها، وجد أن التباين أخذ في الاتساع حتى انحرف الخط البياني للتحليل بالكامل عن ذلك الذي حصل عليه بادخال الأرقام كاملة قبل تجزئة الكسر المؤلف من ستة أرقام. وظن في البداية أن خللا ما قد أصاب حاسوبه المحدود السرعة والبدائي نسبة للمعايير المعتمدة اليوم، لكن بعد جهد في محاولة الكشف عن الخلل، تبين له أن الحاسوب سليم ولا يعاني من أي عطل فصب تركيزه حينئذ على اكتشاف خطأ ما في عملية ادخال الأرقام الى أن تمكن من وضع اليد على مكمن المشكلة. فقد أدرك أن ما قام به من حذف لجزء من الأرقام، ظنا منه أنها غير ذي أهمية لاختلافها بنسبة %1 عن الأرقام الأصلية، قد أثر جوهريا على نتائج تحليله.
دفعت هذه التجربة بلورنز الى الاعتقاد بأن توقع الأحوال الجوية في مدى يتجاوز الأسبوعين أوالثلاثة ليس سوى وهما وخيالا، كما وجد نفسه على طرفي نقيض مع العديد من العلماء الذين كانوا يعتقدون بعدم قدرة الاضطرابات الصغيرة التي تصيب الحالة الأساسية لنظام ما في التأثير على حالته النهائية. وانطلاقا من هنا، قام لورنز بنشر نتائج تجربته سنة 1963 في رسالة الى أكاديمية العلوم في نيويورك معلنا أن أحد خبراء الرصد الجوي لاحظ أن خفقة واحدة من أجنحة النورس يمكن أن تغير معالم الطقس الى غير رجعة. وهي الدراسة التي شكلت "تحفة فنية لناحية وضوح العرض الذي خلص الى صعوبة توقع الأحوال الجوية" حسب ج. دوين فارمر، الأستاذ في معهد سانتا في (نيو مكسيكو). ومع المحافظة، في أبحاثه اللاحقة، على جوهر الفكرة القائلة بقدرة العوامل الثانوية على تحويل نظام دوري وعادي الى نظام عشوائي النمط، أخذ لورنز بنصيحة أحد زملائه واستبدل النورس بالفراشة كمثال أكثر وقعا وشاعرية.
فما هو "أثر الفراشة" الذي قال عنه ادوارد أوت، أستاذ الفيزياء والهندسة الكهربائية في جامعة ميريلاند، أنه الصورة الأكثر واقعية للنماذج العشوائية؟
للفراشة أثر!
ينظر الى تعبير "أثر الفراشة" على أنه مسطلح تبسيطي لفكرة تقنية أكثر تعقيدا. وتدور هذه الفكرة حول التبعية الدقيقة للحالة الأساسية للأنظمة (Sensitive Dependence on Initial Conditions) في ما يعرف بنظرية الفوضى (Chaos Theory) التي تقوم على مبدأي ارتداد النظام في الاتجاه المعاكس نحو حالته الأساسية أولا والتبعية الدقيقة لهذه الحالة ثانيا. وكان لورنز أحد أبرز من روج لهذه النظرية التي رأى فيها العلماء الثورة الثالثة التي طبعت القرن العشرين بطابعها بعد النسبية ونظرية الكم بحسب كيري ايمانويل من معهد ماساشوستس. وفي الحقيقة لم يكن لورنز أول من تعرف الى الفوضى بمنظار علمي، فقد توصل عالم الفيزياء والرياضيات الفرنسي هنري بوانكاري في نهايات القرن التاسع العشر الى خلاصات صادمة ومخالفة لقوانين نيوتون النظامية حول الحركة والجاذبية، لكن هذه الخلاصات وقعت على أذن صماء طيلة النصف الأول من القرن العشرين الى حين تسليط لورنز الأضواء عليها.
وتفيد النظرية بأن الانحرافات البسيطة التي تطرأ على الحالة الأساسية لنظام ديناميكي معين يمكن أن تحدث تغيرات هائلة على المدى الطويل في السيرة السلوكية لهذا النظام. هذه الانحرافات تظهر في الكثير من الحالات عبر أشكال غامضة وصعبة التفسير في سلوك النظام، لذلك يسعى العلماء الى مقاربتها عن طريق أمثلة حية ومبسطة. ومن هذه الأمثلة أن يتم تغيير وضعية كرة صغيرة فوق تلة مرتفعة الأمر الذي قد يودي بهذه الكرة، بعد أن تبدأ بالتدحرج، كأن تنتهي في قعر واحد من عدة وديان مختلفة في سفح التلة. واذا ما عدنا الى مثال الفراشة وطبقنا عليه نظرية الفوضى، يعلل أنصار النظرية أن جناحي الفراشة قد يتسببان بتبدلات فائقة الصغر في الجو المحيط كسرعة الرياح واتجاهها الى النشاطات المناخية الأخرى والتي قد تفضي في النتيجة الى تبدل مسار اعصار ما، تأخير أو تسريع حدوثه أو ربما، أيضا، منع حدوثه في بقعة جغرافية معينة.
لكن كيف لكل ذلك ان يحدث؟
يشكل تخبط جناحي الفراشة تغيرا بسيطا في الحالة الأساسية للنظام الطقسي، حيث ينتج عن ذلك سلسلة من الأحداث التي بدورها تقود الى تبدل واسع النطاق في مجموع الظواهر الجوية. وقد يتساءل البعض هنا حول قدرة الفراشة، على الرغم من التعقيدات المذهلة في حركة جناحيها والتي يسعى المهندسون الى فهمها من أجل احداث ثورة في عالم الطيران، على التسبب باحداث اعصار.. وهو تساؤل له مبرراته كون الطاقة الحركية للاعصار (Kinetic Energy) تفوق بأضعاف مضاعفة طاقة جناحي الفراشة الحركية. هذا الكلام صحيح اذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الاعصار يستمد طاقته بشكل رئيسي من الشمس بينما تؤثر طاقة الفراشة عشوائيا على بعض التفاصيل الصغيرة في الحالة الجوية، لكن تعميم المثال يساعد على فهم النقطة الأساسية التالية: ان توقع سلوك نظام كبير ما على المدى البعيد هو، واقعيا، في حكم المستحيل لكثرة العوامل الصغيرة المؤثرة فيه -كما في النظام الطقسي- وبالتالي، تتطلب السيطرة على سلوك النظام ادراك جميع العوامل المرتبطة به على اختلافها كبيرة كانت أم صغيرة. وهنا بالتحديد تكمن الصعوبة الحقيقية في عملية التوقع والتي أشار اليها لورنز.
هذا من الناحية النظرية البحتة، أما التصاق هذا المفهوم بمفاصل حياة الانسان وبيئته فتلك حكاية أخرى.
قبل ذلك، لا بد من الاشارة الى ذهاب البشر بمخيلتهم بعيدا في محاكاة "أثر الفراشة" قبل تبلورها ضمن نظرية الفوضى بفترة طويلة. وفيما يلي لمحة موجزة عن نتاج المخيلة الانسانية.