المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النار على غزّة تنفي خَبَث الران على الأمة!



وسيم أحمد الفلو
03-01-2009, 01:55 PM
الامان الدعوي - بقلم: الشيخ د. محمد خير فرج

رغم كل معاني الأسى التي يعجز القلم عن نظمها، لم يشأ عقلي أن يتفاعل مع أبشع جريمة إنسانية عرفها التاريخ ونحن نرمق أهلنا في غزة وهم يذبحون كالخراف، لأن كبرى مرجعياتنا السياسية في عالمنا العربي تحمِّل ذنب جريمة العصر الصهيونية لحماس، ولأن الإعلام غسل عقولنا من كل بذور المواجهة لأي عدو محتل. لكن قلبي نزف لشدة خفقانه على فلذات أكبادنا، وعروقي انفجرت في جسدي لتدفق الدم منها خوفاً على براءة الأطفال وطهر النساء، وعيناي شخصت لأن المقل عجزت عن حبس العبرات التي انسكبت على جثث القيم المصونة في شرعة حقوق الإنسان، فباتت تنهشها الكلاب الشاردة وفق الوصاية والحماية الأمريكية. لكن نبض الشارع العربي والإسلامي والإنساني يدفعنا لنفهم المعاني الآتية:

1- التلاوم سمة المتخاذلين والمنافقين: رغم وحشية الأسلوب في القضاء على كل معالم الحياة في غزة، يلقي عدد من المسؤولين ومدّعي الفكر والمعرفة اللوم على قادة حماس بفعل ضرب الكيان الصهيوني - المغتصب لهوية فلسطين - بصواريخ بدائية، ولذا فهي عبثية، لأنها تعبث بقدر مقامهم عند أسيادهم. ولو أن المقاومة لم تقصف الصواريخ المحلية الصنع لما دمّر الصهاينة غزة ولما سقط هذا العدد من القتلى الشهداء. ولو أن حماس والفصائل المقاومة لظلم الاحتلال عزفت عن منطق المواجهة وأطاعت عرابي عملية ومنهج السلام لما قُتل خيرة رجالها ونسائها.

ولكثرة ما كذبوا علينا في لغة السلام، فقد غطى الران قلوبنا، حتى صدّق العامة والخاصة حرص الصهاينة على العيش معنا بأمان، لكن نار حقدهم هيأت لنا المناخ المناسب لنرفع غطاء الران عن قلوب العباد، ولنخفف المعاناة النفسية عن أصحاب الحق، فنقول: إن الله قد أثبت هذه الصورة التي نعيشها اليوم في القرآن الكريم، بقوله تعالى: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتلوا.. قُل فادرءوا عن أنفُسكم الموتَ إن كنتم صادقين. ولا تَحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عندَ ربهم يُرزقون}، ظناً منهم أن الجهاد مع المسلمين يسبب الموت، لكن الحذر لا ينفع من القدر، بل المقتول يقتل بأجله، ولذا قال: {فادرأوا عن أنفسكم الموتَ إن كنتم صادقين}، أي قل لهم إن صدقتم فادفعوا الموت عن أنفسكم، ونقول لكل الحكام ولسلطة الضفة بالذات: ادرأوا عن أهليكم ومواطنيكم الموت بمنأى عن المواجهة إن صدقتم بحقيقة الموقف تجاه مشروع مقاومة المحتل، فلن تستطيعوا منع الموت لأن ما علم الله وأخبر به كائن لا محالة.

2- تكثير السواد في التظاهرات جهاد ودفاع عن المظلوم: إن مواجهة الأعداء متعددة الأساليب والوسائل، وإن أخطر وأعظم دفع للعدوان خارج أرض المعركة هو تكوين الرأي العام الرافض للظلم مهما كان موقع صاحبه قريباً كمصر الحبيبة أو بعيداً كأمريكا العدوة بإدارتها المتصهينة. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: رأيت يوم القادسية عبد الله بن أم مكتوم الأعمى وعليه دِرْع يجر اطرافها، وبيده راية سوداء، فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى، ولكني أكثِّر سواد المسلمين بنفسي». ولذا قال السُّدي وابن جريج وغيرهما: إن السواد إذا كثر حصل دفع العدو وقمعه، وإن لم يتم القتال.

3- ثقافة القتل الدموية عند اليهود ليست جديدة: كم يشعر الصهيوني ببهجة عندما يسمع أن المسلمين نسوا تاريخه الدموي، ولكم نرفع مستوى شره القتل عنده عندما يرى أن الإدانة لحماس هي من أبناء جلدتها؛ فبدل أن يتوجه النقد لمفتعل الحصار نوجهه لمن يسعى لفك الحصار، وبدل أن نحاسب القاتل نجلد المقتول وأهله وأطفاله، فالمشكلة ليست بالمقاوم وانتمائه الفكري أو السياسي، بل بالمشروع الذي يحمل، ومن ثوابته أن الكيان الإسرائيلي لا شرعية له، لذا يجب تصفية من يؤمن بذلك، فقتلوا الرئيس ياسر عرفات، وقتلوا شيخ الشهداء أحمد ياسين، وقتلوا أسد فلسطين عبد العزيز الرنتيسي، واليوم يقتلون أمل العزة والكرامة في غزة. لكن من قبل هؤلاء جميعهم وغيرهم كثير، عملوا على قتل النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعدما فشلوا بصرف الناس عنه عبر الإساءة إليه بشخصه وعرضه وأمانته، وقبل ذلك كانت مهنتهم ودينهم قتل الأنبياء أو الرضا عن قتلهم، لقوله تعالى: {لقد سمعَ اللهُ قولَ الذين قالوا إنّ اللهَ فقير ونحن أغنياء سنكتُبُ ما قالوا وقتلَهُم الأنبياءَ بغير حقّ ونقول ذوقوا عذاب الحريق}.

فلا الحصار، ولا العدوان، ولا القتل.. يحزننا ويبكينا ويهز وجداننا، بل غياب روح قادة الأمة العربية والإسلامية عن تحمل المسؤولية الجادة تجاه وقف كل أنواع الإرهاب عن فلسطين في يومي الميلاد ورأس السنة الهجرية، وهل سنقول لأجيال الأمة القادمة إن الاتحاد الأوروبي تداعى لعقد قمة أوروبية لوقف المحرقة الصهيونية على أهل غزة، فكانوا أرأف بأطفالنا من ولاة أمورنا!

إن مواقف الشارع العربي والإسلامي صادقة مع حقوق أهلنا في فلسطين، فَنُكِت في قلب الأمة نكتة بيضاء أزالت عنه ران الوهن والضعف والتفكك والجهل بالحقوق، وبعثت فينا أمل الحياة بعزة وكرامة رغم نار الظلم وران تخاذل الأنظمة عن غزة هاشم، وهذا النبض يدعونا لارتشاف البسمة رغم صرخات الأطفال الباكية ودموع النساء الدامية وأنّات المرضى المؤلمة.