المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اللحظة الفاصلة / د. سلمان العودة



نور
13-03-2009, 12:47 PM
يتساءل المرء مع نفسه: لماذا يغفل الكثير من المسلمين عن ربط النتائج بالأسباب؟
وكيف يصرفون عقولهم وأنظارهم عن العدد الكبير من الآيات القرآنية التي تقرر هذه الحقيقة على صعيد العمل الدنيويّ, أو الأخرويّ؟
إنك تجد في محكم الوحي: (فَأَتْبَعَ سَبَباً) (الكهف:85) {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا(123) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(124)}(سورة النساء)، وتجد هذا المعنى الشريف الفاضل في ثنايا الآلاف من النصوص التي يعايشها المسلم سماعاً وقراءة -وربما- تفسيراً، لكن يقلّ أن يعايشها واقعاً حياتيّاً مشهوداً.
وقد يتفهمها بعض الناس في جزئيات من الحياة, لكن لا يسمحون لها بالاطراد والتعميم.

والمسلم الساذج يفهم لماذا يستعصي الباب على الفتح إذا عولج بغير مفتاحه؛ لكنه لا يطبق هذه القاعدة السهلة في سائر شؤونه.
تأملتُ في الواقع الشخصي لمسلم مسرف في المعصية، راغب في الخلاص، فوجدته مستسلماً لأهوائه ورغباته، مندفعاً في تحقيقها، وهو يأمل بالتوبة التي تجيء في لحظة حاسمة؛ لتصنع في شخصيته انقلاباً مفاجئاً، فيغمض عينه، ثم يفتحها، فإذا قلبُه قد تغير؛ فأصبح يحب من الطاعات ما كان ثقيلاً عليه، ويكره من المعاصي ما كان إلفاً وإدماناً ولذة أمضى عليها قسطاً طويلاً من العمر... ولينفصل بروحه, ومشاعره, وعقله وجسده عبر تلك اللحظة عن ماضيه...
وقد يطول انتظاره لتلك اللحظة، أو قد لا تأتي أصلاً، حيث لم يفعل لها الأسباب والممهدات.

أما أن يبدأ هو الطريق بخطوة صغيرة, قد تكون استغفاراً صادقاً، أو إرادة ولدت في قلبه وتحتاج إلى محضن ينميها, ويحولها إلى عمل صالح، أو أن يفكر أن عليه أن يكون اليوم خيراً منه أمس، وأن يكون الغد خيراً منه اليوم، فالكثيرون لا يؤمنون بهذا، ولا يصبرون عليه.
أما أن يستشعر أن نفسه ميزان ذو كفتين, يمناها للحسنات, ويسراها للسيئات، وأن الطريق هو السعي الملح المستديم؛ لإضافة رقم جديد لخانة اليمين، وشطب رقم جديد من خانة الشمال حتى تثقل كفة الخير، وتطيش كفة الشر، وكما قال الصديق رضي الله عنه : "وَحَقٌّ لِمِيزَانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلاّ الْحَقُّ أَنْ يَكُونَ ثَقِيلاً". فهذا ما لم يتربَّ عليه الكثيرون، وربما رأوه طريقاً طويلاً، وعملاً مكلفاً، ومشقة لا صبر لهم عليها.
إن النفس البشرية كائن شديد التعقيد، وهذا الإنسان العاصي يحمل في برمجة نفسه سنوات من الخبرة، وذكريات طويلة، وعادات مألوفة وعلاقات، وأشجار الذنوب تكبر مع الوقت، وتنمو وتمتد جذورها, وترتفع أغصانها, ويصعب اقتلاعها، وهمة الإنسان تضعف, وعزيمته تخبو؛ فالانقلاب المفاجئ في لحظة فاصلة- وإن كان ممكناً بالنظر إلى فضل الله ورحمته ولطفه- إلا أنه غير متوقع, بالنظر إلى الأسباب, والنواميس, والسنن.
وحتى مع الإمكان؛ فالجدير بالمكلف هو أن يهيئ نفسه بالمبادرة, والاستعداد, والتأهل {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}( الأعراف:56).
فلِم لا يبدأ المرء بالخطوة الأولى؟ لِيَجِد عون الله، وبين ناظريه الحديث القدسي من رواية أَنَسٍ وأبي هريرة -رضي الله عنهما- عَنِ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: "إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" (رواه البخاري).
لم لا يقوم بالدور الذي قام به الرجل الذي قتل مئة نفس ثم تاب، وذهب إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت في الطريق، فكان ينأى بصدره إلى تلك القرية, التي هاجر إليها؟ والحديث متفق عليه من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
هذه الروح الإيجابية التي لا تحتقر شيئاً تقدر عليه، ولا تؤمن بنظام المفاجآت, والانقلابات السريعة, والتحولات الحادة، هذه الروح هي التي تتفق وقوانين السببية.
وبامتلاكها والإيمان بها يتحول ملايين الأفراد إلى أناس فاعلين منتجين قادرين مع استعانتهم بالله على إصلاح أحوالهم الفردية, سلوكية أخلاقية، أو تعبدية، أو حياتية.
إن انتظار اللحظة الفاصلة- التي تصنع الانقلاب المفاجئ في شخصياتنا- هو حلم الطالب الكسول الذي يكرر الإخفاق, وهو ينتظر مفاجأة أن يتحول إلى مبدع متفوق، وهو حلم الفقير الذي يتوقع من السماء أن تمطر له فضة أو ذهبا، ويرسم خطة توزيع الثروة، بينما لم يجد طريقه إلى عمل يكفيه قوت يومه وليلته، وهو حلم الجهول الذي لا يعلم شيئاً، وهو يتخيل نفسه يوماً وقد غدا فقيه زمانه ونادرة أوانه!
ويجب ألا نخلط هنا بين الآمال الصادقة التي يرجوها المرء, ويثاب عليها، وبين التعلق بالظنون, والأوهام, والانقطاع عن العمل المنتج.
لا بأس بأمل يعززه عمل، والمهم أن تخطو الخطوة الأولى، وأن تصنع الإرادة في نفسك، وأن تكون تطلعاتك موصولة بواقعك بحبل متين، أو حتى بحبل سري.
أما المذموم فهو كما قال ربنا: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}(الأعراف:169).

إن فكرة (اللحظة الفاصلة) تراودنا كثيراً, وربما ظنها قوم نوعاً من الطموح والتطلع, بينما حقيقتها حرق المراحل وإلغاء الأسباب, والهروب الخادع من المجاهدة, والتدرج, والترقي, إلى تمنيات عائمة, هائمة لا تمت إلى الواقع بصلة. وللحديث صلة.
والله أعلم.

نور
01-04-2009, 12:43 PM
اللحظة الفاصلة المنتظرة الموهومة في حياة الفرد ... هي هروب نفسي من مواجهة المسؤولية والعمل على الإنجاز وهي كذلك في حياة الأمم أيضاً.
فالأعمال الناجحة التي شهدها التاريخ أو الواقع هي ثمرة جهد وتخطيط وإصرار وإرادة صادقة تكللت بالنجاح ورآها الناس في صورة مشروع يتحقق أو نظرية تنشر أو محاولة جادة صغرت أم كبرت.
والإخفاقات الكبيرة هي "ثمرة مرّة" عادلة للإهمال، وتغييب دور البشر، وفقدان الإرادة وتحول المسلمين إلى كائنات انتظارية لا تصنع شيئاً وتنتظر كل شيء.
الله قادر على كل شيء وأمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ولكن اقتضت حكمته أن تقوم حياة البشر والكون على النواميس والسنن وأن يبتلي الناس بالأعمال والتكاليف ويعدهم بالعون والتسديد إذا فعلوا ما عليهم.
حتى الأنبياء كانت السنة جارية عليهم.
حين أسري بالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان الحدث ربانياً بحتاً وليس تكليفاً بشرياً؛ ولذلك تمت الرحلة كلها على البراق وهو شيء كانت تركبه الأنبياء يضع حافره عند منتهى طرفه وقد يكون كما يقال اليوم: بسرعة الضوء أو أسرع كما قال سبحانه: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) لكن حين جاء حدث الهجرة كان عملاً بشرياً أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أو أذن له فيه ولذا أعد الراحلة وجهزها واختفى أياماً ثم سار مع الصديق يتعرض للخوف والجوع والعطش والعوارض البشرية ولكنه محفوف بلطف الله وفضله ورحمته.


يا شريداً ملأ الدنيا اسمه
وغدا لحناً على كل الشفاه
وغدت سيرته أنشودة
يتلقاها رواة عن رواه
ليت شعري هل درى من طاردوا...؟
عابدو اللات وأتباع مناه
هل درى من طاردته أمة
هبل معبودها شاهت وشاه
طاردت في الغار من بوأها
سؤدداً لم يبلغ النجم مداه
طاردت في البيد من شاد لها
دينه في الأرض جاهاً أي جاه
سؤدداً عالي الذرى ما شاده
قيصر يوماً ولا كسرى بناه


حدث بشري تطلب تخطيطاً لسنوات, ولقاءات مع الأنصار, وتهيئة مكان الهجرة, وترتيب إجراءات الخروج, حتى كان علي رضي الله عنه في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يرد الودائع إلى أهلها, وكان أبو بكر يخاف على النبي -صلى الله عليه وسلم- فيسير مرة أمامه يخاف الرصد, ومرة خلفه يخاف الطلب, ومرة عن يمينه وأخرى عن شماله, وحين بلغ به الخوف على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "لا تحزن إن الله معنا".
إن الفشل لا يتطلب شيئاً أكثر من عدم التخطيط وضياع الهدف وفقدان الخارطة ... تماماً كما يفعل المسلمون اليوم, حكومات وجماعات وشعوباً, وتحقيق الإصلاح المنشود لن يكون بلحظة أو ومضة, أو مفاجأة غير محسوبة ولا متوقعة, وإنما بجهد طويل وعناء ونصب ومحاولات دؤوبة وسواعد متضافرة.
نعم, هناك لحظة فاصلة تتمثل في صنع الإرادة في النفس: (إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما), فإرادة الإصلاح ضمانة لتحقيق التوفيق, لكن هذه الإرادة تنبعث من الإنسان ذاته, وهي أيضاً ليست سوى شرارة الانطلاق ليتحرك قطار العمل الجاد, ولو كان صامتاً, ليعلن عن نفسه يوماً ما في لحظة قد يظنها قوم لحظة فاصلة, وإنما هي على الحقيقة احتفال بهيج بميلاد عمل ما.
ليس المقصود من هذا إضعاف رجاء المسلم في ربه, كلا, بل تقوية إحساس المسلم بمسؤوليته, ويا لها من مصيبة حين يكون المسلمون غارقين بالتزويقات اللفظية والأهازيج البيانية عن تفهم الحقائق وترسيخها وتحويلها إلى برامج للتفكير وقنوات للعمل!
إن الإنجازات الكبرى وما دونها قد تبدو لحظة فاصلة عند من لم يتابع حركتها في الأرحام منذ أن كانت بذرة ثم تسلسلت في التكون والانتقال إلى أن صرخت صرخة الميلاد, لتأخذ بَعدُ خطاً آخر, وإلا فالحقيقية أنها خضعت لهذه السنة, واستثنى ربنا في كتابه ما قال: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ...), وهي فرع عن الأصل الإنساني, ولذا يخلق بالمتطلعين إلى التغيير والإصلاح, والمقهورين من التخلف والتراجع والانحطاط الذي نحياه أن يتدارسوا الخطوات الأولى, ويحددوا مسؤولية الفرد الواحد منا ... هب أن القوى النافذة في الأمة (كالحكومات مثلاً) غير راغبة في الإصلاح فما الحل؟ هل سننتظر حلاًّ من السماء؟ أم سنشرع بجهودنا الممكنة في تحريك العجلة ودفعها مستشعرين أن هذا واجبنا, وليس أن نغير الكون ولا أن نحرق المراحل ولا أن نتجاوز السنة, فليس متوقعاً من أمة ألفت الذل والهوان والقعود أن تتحول دون جهد وعناء وتربية إلى أمة راقية منتجة مسؤولة.
وليس جديراً بنا أن نحتقر الجهد الممكن؛ لأنه لا يحدث انقلاباً في واقع الأمة ونزهد فيه لنبقى عاطلين أو متحدثين فقط في انتظار حل سماوي! نعم أنا أؤمن أن انتظار الفرج عبادة, وإن لم يصح فيه حديث, لكني لا أفهم أن انتظار الفرج يعني أن نضع يداً على يد, ورجلاً على رجل, بل ننتظر الفرج ونسعى في تحصيل أسبابه, وحين وعد الله نبيه محمداً صل الله عليه وسلم باليسر بعد العسر قال: (فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب).

الزاهر
01-04-2009, 01:53 PM
لفتة ماتعة نافعة ... بارك الله بكم أن أوصلتموها لنا !!!
كذلك شكرا على مقال لحظة تفكر ..

Barbie
02-04-2009, 10:45 PM
بارك الله بك أخت نور , جزاك الله خيرا ً على هذا النقل المفيد .