المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محاضر.. رؤيا / د. سلمان العودة



نور
08-04-2009, 12:51 PM
هو والجدار وجهاً لوجه..

لم يبق معبر يتصل به خارج هذا الإطار سوى التحليق والانعتاق عندما تعرج الروح ويغشاه المنام.
كان يوماً يردد أبيات علي بن الجهم، السجين:

خَرَجنا مِنَ الدُنيا وَنَحنُ مِنَ اَهلِها فَلَسنا *** مِنَ الأَحياءِ فيها وَلا المَوتى
إِذا جاءَنا السَجّانُ يَوماً لِحاجَةٍ *** عَجِبنا وَقُلنا جاءَ هذا مِنَ الدُنيا
وَنَفرَحُ بِالرُؤيا فَجُلَّ حَديثِنا *** إِذا نَحنُ أَصبَحنا الحَديثُ عَنِ الرُؤيا
وهو يتلو في المصحف قصة الفتيين مع يوسف الصديق ورؤياهما..
إنها الروح إذاً تتمرد على القيد وتنطلق إلى العالم الآخر بعيداً عن سطوة المادة وثقلة الجسد.
ذهبت السكرة، وجاءت الفكرة، وجد الجد، وحزب الأمر، والمخاوف تنتعش، وتزعج نومه !
لم تُفتح ملفاته بعد، ولا هو يدري ما أمامه.. منكر ونكير لم يدخلا عالمه، إنما هي مقدمات واستشفاف وتحرّ !
ممّ يخاف ؟ وهل ثمت ما يخشاه ؟
ولم لا ؟
ففي وضع كهذا الذي تعيشه تختلف الموازين، وقد يبدو العمل الذي كان عادياً في رؤيتك، أو غير ذي بال، محتملاً لأكثر من تفسير، أو متصلاً بغيره لتصبح الحلقة منظومة من الأعمال التي يزيد بعضها بعضاً خطورة.
الناس لا يعلمون الغيب، وليس عليك أن تفترض لنفسك حسن الظن في كل ما تعمل، ولكي تقنع الآخرين بسلامة موقفك، أو براءتك، أو محدودية قصدك فهذا يقتضي منك وقتاً أطول، وعليك الانتظار..
وحتى الانتظار قد لا يبدد الشكوك.
لم يكن متوجساً من محاضرة ألقاها، أو درس أعدّه، أو مقال كتبه، فهي أشياء تجري تحت الشمس، ولابد أن يكون أعد للأمر عدته.. وليس يؤذيه أن يسأله سائل : ماذا تقصد بهذا الكلام ؟ ومن المراد بهذا التلميح ؟ وما هي الوثائق التي تمتكلها حيال قضية أثرتها، لأنه كان يتوقع مثل هذا السؤال.. واللسان العربي حمّال أوجه، ومن عادته أن يستعمل ما يسمى " بحافة الهاوية " فهو لا يباشر المحظور ولا يلامسه، لكن يدور حوله.
وحتى الخطأ الصرف على منبرٍ أو في تسجيل موثّق ليس هو المشكلة، فكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون!
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط ؟
نحن نخطئ، حين نتوقع من شباب يعيش في ظل ظروف مضطربة، أو حتى ظروف عادية، ألا يخطئ !
إن هامشاً من الخطأ الصِرف الذي لا يحتمل التأويل.. لهو حق للإنسان على والديه أو أستاذه أو مجتمعه أو سلطته.. فضلاً عن الخطأ الذي يحدث دون تقصد، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " ليس من أراد الحق فأخطأه، كمن أراد الباطل فأصابه "نهج البلاغة.
في ثنايا نفسه وأعماقها موقفان خاصان أو ثلاثة، تمنى أن لو كان بمنجاة منها، ورب "حماسة " عابرة.. تقول لصاحبها : دعني !
الشرفاء يعملون ويخطئون، ويتحملون عواقب ما يعملون وما يخطئون، إنهم لا ينطلقون من مكايد يدبرونها، ولا مؤامرات يحيكونها، بل من أحاسيس الحياة والتجديد وأحلام النهوض والإصلاح، وربما افتقرت هذه الأحاسيس والأحلام إلى خبرة القائد أو حنكة المجرب، فحاولت أن تصنع هذه الخبرة مروراً بالعديد من تجارب العمل ومحاولاته.. بخطئها وصوابها.
لم يكن قلقاً مما يقوله عنه الآخرون من شركائه في النزل، بل هو يصدّقهم فيما ينسبونه إليه مما شاركهم فيه أو سبقهم إليه أو أمرهم به، فليس من المروءة والنبل أن يحمّلهم أوزار صحبته ويتخلى عنهم، ولعله أشد منهم ظهراً وأقوى جانباً، فليضف إلى حمله الخاص، ما ناءوا هم به، أو تخففوا عنه من تبعات..، وهكذا كان.
لم يكن قلقاً مما سيتطوع به آخرون احتساباً، فهي فرصة لا تعوّض أن يكون خصم لدود، فيما يقدرون، بوضع كهذا وكما قيل " إذا سقط الجمل كثرت سكاكينه "!
وهو في ذلك المضيق لا يزال يصرّ على عذر المخالف ويتفهّم الدوافع، ويدري أن الصورة المثالية التي نرسمها للناس أحياناً ليست هي الصورة القائمة، إنها الصورة التي يتعيّن علينا أن نحاولها ونترسّم معالمها ونقهر نفوسنا عليها، دون أن تصرفنا عنها الصدمات والكدمات، كم هو رائع وجميل أن تستشعر أن قدرك هو أن تحاول أن تكون جزءاً من أنموذج عملي لفكرة أخلاقية تتحدث عنها وتحلم أن يكون الناس عليها..
" لحى طويلة كلحاكم هي من يقول هذا "!
فليكن.. عدالة المرء ليست في لحيته، وعلى القائل أن يعزز ما يقول بالتوثيق،« لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ».
سِجّل طويل متعرج، يمر بأحداث الخليج، وتوتر النفوس إبان الحرب، وتداعيات الأزمة، ويتخلل الأوضاع الداخلية، والعرائض الإصلاحية، وتصاعد الخطاب، واحتدام المعارضة، ولكنه ينأى عن منزلقين خطرين :
أولهما : العنف، فهو يرفضه ويدينه أياً كان مصدره، ولا يجد له تسويغاً في الشريعة، ولا اعتباراً في المصلحة.
وثانيهما : التطرف والغلو، فهو يحاربه عقيدة وسلوكاًً.
أرشيف سنوات حافلة يتعرض للفحص والتدقيق على ضوء المصابيح الكاشفة والقلق يتزايد، والأصوات التي يسمعها تؤكد أن كل الأطراف حاضرة هنا، فما من خفايا ولا أسرار !!
تعلّم درساً لن ينساه؛ إنه مستعد للتضحية في سبيل مشروع واضح يعرفه الجميع إذا كان مقتنعاً به، لكنه لن يفعل ذلك لصالح قضية خاصة غامضة، حسنٌ أن تضحي من أجل كلمة آمنت بها وقلتها على الملأ، لكن ليس من أجل كلمة هامسةٍ متعجلة ألقيتها في أذن صديق.
التساؤلات تطوّق عقله، واسترجاع الأيام السالفة خطوة خطوة، الجلسات الليلية، الأفكار، المنشورات، التبرعات، العلاقات، الآراء.. لا يكسر هذا الطوق إلا المصحف، الكتاب الوحيد الذي يجده، لكنه يكفي عن الكتب كلها، وكلمة " الله " وهي مفردة واحدة، ولكنها المعجم كله، الجدران المصمتة تسوقه إلى روحانية عالية، وابتهال دائم، واستحضار أخاذ، ودعاء المنقطع المضطر..
وَسارِيَةٍ لَم تَسرِ في الأَرضِ تَبتَغي *** مَحَلّاً وَلَم يَقطَع بِها البيدَ قاطِعُ

سَرَت حَيثُ لَم تَسر الرِكابَ وَلم تُنَخ *** لِوِردٍ وَلَم يَقصُر لَهَا القَيدَ مانِعُ
تَمُرُّ وَراءَ اللَيلِ وَاللَيلُ ضارِبٌ *** بِجُثمانِهِ فيهِ سَميرٌ وَهاجِعُ
إِذا وَرَدَت لَم يَردُدِ اللَهُ وِفدَها *** عَلى أَهلِها وَاللَهُ راءٍ وَسامِعُ
تَفَتَّحُ أَبوابُ السَمَواتِ دونَها *** إِذا قَرَعَ الأَبوابَ مِنهُنَّ قارِعُ

وَإِنّي لَأَرجو اللَهَ حَتّى كَأَنَّني *** أَرى بِجَميلِ الظَنِّ ما اللَهُ صانِعُ
يجد نفسه بين خيارين؛ إما أن يمسك القلم ويبوح، فيساعد الناس على العودة إلى أهليهم، ويرى أشعة الشمس، ويستمتع بالكتاب، ويبدأ في مطالعة الجريدة، ويطمئن على الأهل والأم والزوج والصبيان، وإما الصمت.. فهو الحرمان !
بعد عشرين يوماً يجد نفسه مرتاحاً لأن يتحدث.. فيتحدث.. والرؤيا كانت تساعده، مع الندرة من الناس.. !
يرى نفسه في مكتبه القديم، وثمة كيابل ثلاثة تحت الأرض تحترق وتحرق معها شيئاً من (الفرشة) تأولها على مسائل كان يخشاها، وهكذا كان.
لقد بدا له بعدُ أن ثمت قلقاً ساوره على وثائق وأوراق ومراسلات لم يكن في محله، فهي ليست أكثر من عمل قانوني في بلاد الله كلها، وإن كان ثمت من يحظرها أو يستريب في أمرها، لكن انكشاف الأوراق كلها دون استثناء منح الرقيب طمأنينة، ووضع حداً لظنونه وتوقعاته، وهكذا كان أقصى ما يخشاه المرء هو بداية الانفراج.. صاحبنا كان يردد:


لا تدبّر لك أمراً *** فأولو التدبير هلكى
سلّم الأمر تجدنا *** نحن أولى بك منكا !

ما كان يكرهه كان تأسيساً قسرياً لمرحلة جديدة أنضج وأكثر شفافية وأبعد تأثيراً، اختار العمل في رابعة النهار وتحت أشعة الشمس معرضاً عما سوى ذلك، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، والرؤى لغريب معزول كانت تعويضاً جميلاً عن حشد الأخبار والشائعات والتقولات التي كان الناس يفيضون فيها دون أن يصل شيء منها إلى مسمعه..

مئة وخمس وثلاثون شمساً طلعت وغابت عليه في محطته الأولى، ذات الأمتار الثلاثة طولاً، والمترين عرضاً دون أن يراها في أفقها شارقة أو غاربة، كان يسمع صوتاً شجياً لجاره الذي يصيح من وراء الباب :

وليلة سجن بت أرقب فجرها *** وماذا عسى يغني صباح سجين ؟!
أبيت أراعي البرق من خلف كوةٍ *** تجدد آمالاً ذوت لرهين..

الملفات طويت أو كادت، والقلق لا يزال، وعامة الأصوات خفتت، لقد ذهب جل الناس إذاً إلى بيوتهم (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ) "التوبة: من الآية106".


أراك جميلاً في فعالك كلها *** ويحسن منك الرضا والتَّعتُّبُ
وأيان تلقي بي فلطفك غامر.. *** وفضلك في الحالين ورد ومشرب