أبو حسن
28-05-2009, 09:27 PM
السيد محمد رشيد رضا
بقلم وكيله وابن عمه السيد عبد الرحمن عاصم
ولد السيد محمد رشيد رضا في 27 من جمادى الأولى سنة 1282، وتوفي في 23 من جمادى الأولى سنة 1354.
وتربى تربية عالية، لم تتحكم في نفسه عادة من العادات السيئة المضرة كالتدخين وإدمان شرب القهوة والشاي، وَأَخَذَ أَخْذَ الإمام الغزالي بكتابه الإحياء من أول بدئه بطلب العلم. وراض نفسه عليه، واتخذ له خلوة بالغرفة المشرفة على البحر من جامع جده في قرية القلمون لدرس العلوم، والتعبد بالصلاة بتدبر القرآن الحكيم.
وتصدى من ذلك الحين للوعظ والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، فالسيد رشيد طلب العلم بالإخلاص وتوجيه الإرادة ليكمل به نفسه، ويؤهلها للإصلاح الديني الاجتماعي، فكان من أشجع دعاة الإصلاح وأشدهم جرأة في مواطن الحق على الحكام والعلماء، غير هياب ولا وجن، ولولا أنه كان راسخًا في إيمانه، واثقًا بصحة علمه، ومخلصًا في وعظه وإرشاده لما تجرأ على نقد حكام الدولة العلية في العصر الحميدي والاتحادي، وقد أصابه أذى كثير منهم في والده وأسرته من بعد ما عرضوا عليه أوفى وأحسن ما تصبوا إليه نفوس طلاب الدنيا من رتب ومناصب وغيرها ؛ ليسكت عنهم ويسخر قلمه في خدمتهم.
هذا ولم يتهيب بريطانيا العظمى وطعن في تعسفها في حكم قومه وأهل ملته، وألبهم على مخالفتها بوسائل مختلفة، وحذرهم من مصادقتها لأنها خداعة مكارة وهو مقيم في مصر تحت سلطانها. ومن الأدلة على ذلك خطبته المشهورة أمام المرحوم أبي الثورة العربية الملك حسين في جموع (منى)، سأذكر خبرها، وخطبته في دار وجيه من وجهاء (بيروت) في القاهرة في حفلة جمعت رجال السياسة العربية من أقطارها تحت ستار الترحيب بضباط عراقيين وسوريين قدموا إلى مصر ؛ ليتقابل المجتمعون ويروجوا اتفاق سايكس بيكو على تقسيم بلاد العرب فيما بينهم ؛ ولكن السيد رشيد عارض ذلك معارضة عنيفة حملت مستر كلايتن باشا فيما بعد - وكان كالحاكم بأمره بمصر- على معاتبة السيد رشيد على قوله في الإنجليز، ومما أجابه به السيد: (هل من العدل أن تمنع أمة ضعيفة من الدفاع عن نفسها إذا اعتدت عليها أمة قوية، كفوا عن الهجوم علينا لنكف عن الدفاع عن أنفسنا).
وكم حاول سمو الخديو السابق أن يفرق بين السيد رشيد والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده بالترغيب والترهيب لهذه مرة ولذاك مرة، ولم تنجح محاولاته عندهما، وكان جواب الأستاذ الإمام لبطرس باشا غالي الموفد من الخديو: (أحب أن تعلم ويعلم الخديو أنني أفضل أن أعيش أنا والسيد رشيد ههنا في رمل عين شمس على البقاء في منصب الإفتاء وعضوية مجلس إدارة الأزهر ؛ لأن هذا الرجل متحد معي في العقيدة والفكر والرأي والخلق والعمل)، وأجاب الأستاذ الإمام أيضا فضيلة المرحوم الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر على رسالته من الخديو: (كيف أرضى بإبعاد صاحب المنار وهو ترجمان أفكاري).
ومن كلام السيد رشيد للشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، جوابًا عن رسالته الخديوية: (ولكن لي غرضًا من تعظيم قدر (الشيخ محمد عبده) وتفضيله هو فوق فائدة انتشار المنار بكثير، وهو أن الإصلاح الإسلامي الذي أدعو إليه لا ينهض إلا بزعيم تثق به الأمة، ولا أعرف أحدًا أجدر منه أو يساويه في استحقاق هذه الزعامة)، ولما لم تلن قناة السيد لسمو الخديو، أراد إخراجه من مصر، وبلغ ذلك رياض باشا الشهير، وخاطب السيد في هذا الشأن بقوله: (هل تغير شيئًا من خطة المنار ؟). قال السيد: (حاشا لله، ما كنت لأغير عملي النابع لعقيدتي وخلقي، وكل فضيلة لمصر عندي أنني أستطيع فيها خدمة ملتي وأمتي بما أعتقد أنه الحق النافع، فإذا زالت هذه الحرية منها فلا يحزني الخروج منها وأنا لا أملك فيها شيئاً). قال الباشا للسيد: (كده أريدك).
هذا وقد ألف السيد كتابًا في نقد بعض أكابر علماء الأزهر سماه المنار والأزهر، والمال والرتب والوظائف عند الشيخ أبي الهدى والاتحاديين في الدولة العثمانية وعند الأزهر والخديوي والإنجليز بمصر، وقد حاولوا صرف السيد عن خطته الإصلاحية بشتى طرق الإغراء بالمال والمناصب، وبترهيبه أيضًا بفنون الترهيب، وصبر على أذاهم، ولم يفتن بالمال، ولم يغتر بالرتب، ولم يرهبه الوعيد ؛ لأنه كان مخلصًا في توجهه لخدمة أمته وملته.
ومما عرف من صلابته وإخلاصه لقومه أن الإنجليز لما عرضوا عليه أن يكتب مقالات أسبوعية في صحيفة (الكواكب) التي أنشئت بالقاهرة لخداع العرب اعتذر في كتاب إلى نائب الملك ونجت باشا، جاء فيه:
لو بذلتم لي المال، أو استللتم لساني، أو قطعتم أناملي على أن أقول أو أكتب ما يخالف ديني وكرامة قومي العرب، فإني لا أفعل. وجاء رد بالإعفاء من ذلك التكليف، واعتذر بأنه كان بخطأه كتكليف رئيس تحرير التيمس الكتابة بجريدة هزيلة.
ولما عزم السيد على أداء فريضة الحج في أثناء الثورة العربية دعي إلى قصر عابدين، وقدم إليه رئيس الديون شكري باشا صرة نقود، قائلاً: (بلغ مولاي السلطان عزمكم على السفر إلى الحجاز، وأمرني أن أقدم هذه النقود إليكم). أجاب السيد: (الحج على المستطيع، وقد تهيأت لأدائه بصحبة سيدتي الوالدة والشقيقة). قال الباشا: (خذها ثمن دعاء). أجاب السيد: (الدعاء لا يقوم بثمن، وسأدعو لمولاي السلطان، ولخاصة المسلمين وعامتهم بما يلهمني الله - عز وجل -). قال الباشا: (خذها وتصدق بها، فإن الصدقة في الحجاز بعشرة أضعافها). أجاب السيد: (ذلك صحيح ؛ ولكنى أحتار فيمن أعطي القليل الذي أتصدق به وقصور الملوك والسلاطين مفتحة الأبواب للقصاد والوراد). قال الباشا: (بما أعتذر إلى مولاي السلطان وعطايا الملوك لا ترد). أجاب السيد: (أرجو أن تذكر لمولاي السلطان ما عرفه به الأستاذ الإمام من أني لا أقبل عطاء بدون مقابل).
ولما كان السيد على عرفات تحققت عنده صحة الإشاعة بأن الحجاج سيدعون في (منى) لمبايعة (الشريف) بالخلافة، فذهب إلى مخيم الشريف وذكر له ما بلغه، وذكَّره بوعيد الحديث (إذا بويع خليفتان...)، فقال (الشريف) رحمه الله: (إن تلك المساعي من رغبات أحد أنجاله والأتباع). ولما اجتمع الحجيج في (منى)، وتهيأ العلماء والخطباء والشعراء لتهنئة (الشريف) بالعيد، جاء الشريف عبد الله والشيخ عبد الملك الخطيب باشا إلى السيد، وطلبا منه أن يقول كلمته. وكان (الشريف) يقف في المناسبات في أثناء الخطبة ويقول للسيد: (صدقت). وبعد ذلك حضر إلى السيد من يقول له: (إن الخطبة ينقصها أن تكون مقدمة لدعوة الناس لمبايعة سيد الجميع بالخلافة). ولكن السيد حول الحديث من سياسي إلى أدبي، وأجاب: (أخشى أن يقال لي عندئذ ما قيل لذلك الشاعر الذي وهب الكرى إلى العشاق، وهبت ما لا تملك إلى من لا يقبل).
بقلم وكيله وابن عمه السيد عبد الرحمن عاصم
ولد السيد محمد رشيد رضا في 27 من جمادى الأولى سنة 1282، وتوفي في 23 من جمادى الأولى سنة 1354.
وتربى تربية عالية، لم تتحكم في نفسه عادة من العادات السيئة المضرة كالتدخين وإدمان شرب القهوة والشاي، وَأَخَذَ أَخْذَ الإمام الغزالي بكتابه الإحياء من أول بدئه بطلب العلم. وراض نفسه عليه، واتخذ له خلوة بالغرفة المشرفة على البحر من جامع جده في قرية القلمون لدرس العلوم، والتعبد بالصلاة بتدبر القرآن الحكيم.
وتصدى من ذلك الحين للوعظ والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، فالسيد رشيد طلب العلم بالإخلاص وتوجيه الإرادة ليكمل به نفسه، ويؤهلها للإصلاح الديني الاجتماعي، فكان من أشجع دعاة الإصلاح وأشدهم جرأة في مواطن الحق على الحكام والعلماء، غير هياب ولا وجن، ولولا أنه كان راسخًا في إيمانه، واثقًا بصحة علمه، ومخلصًا في وعظه وإرشاده لما تجرأ على نقد حكام الدولة العلية في العصر الحميدي والاتحادي، وقد أصابه أذى كثير منهم في والده وأسرته من بعد ما عرضوا عليه أوفى وأحسن ما تصبوا إليه نفوس طلاب الدنيا من رتب ومناصب وغيرها ؛ ليسكت عنهم ويسخر قلمه في خدمتهم.
هذا ولم يتهيب بريطانيا العظمى وطعن في تعسفها في حكم قومه وأهل ملته، وألبهم على مخالفتها بوسائل مختلفة، وحذرهم من مصادقتها لأنها خداعة مكارة وهو مقيم في مصر تحت سلطانها. ومن الأدلة على ذلك خطبته المشهورة أمام المرحوم أبي الثورة العربية الملك حسين في جموع (منى)، سأذكر خبرها، وخطبته في دار وجيه من وجهاء (بيروت) في القاهرة في حفلة جمعت رجال السياسة العربية من أقطارها تحت ستار الترحيب بضباط عراقيين وسوريين قدموا إلى مصر ؛ ليتقابل المجتمعون ويروجوا اتفاق سايكس بيكو على تقسيم بلاد العرب فيما بينهم ؛ ولكن السيد رشيد عارض ذلك معارضة عنيفة حملت مستر كلايتن باشا فيما بعد - وكان كالحاكم بأمره بمصر- على معاتبة السيد رشيد على قوله في الإنجليز، ومما أجابه به السيد: (هل من العدل أن تمنع أمة ضعيفة من الدفاع عن نفسها إذا اعتدت عليها أمة قوية، كفوا عن الهجوم علينا لنكف عن الدفاع عن أنفسنا).
وكم حاول سمو الخديو السابق أن يفرق بين السيد رشيد والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده بالترغيب والترهيب لهذه مرة ولذاك مرة، ولم تنجح محاولاته عندهما، وكان جواب الأستاذ الإمام لبطرس باشا غالي الموفد من الخديو: (أحب أن تعلم ويعلم الخديو أنني أفضل أن أعيش أنا والسيد رشيد ههنا في رمل عين شمس على البقاء في منصب الإفتاء وعضوية مجلس إدارة الأزهر ؛ لأن هذا الرجل متحد معي في العقيدة والفكر والرأي والخلق والعمل)، وأجاب الأستاذ الإمام أيضا فضيلة المرحوم الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر على رسالته من الخديو: (كيف أرضى بإبعاد صاحب المنار وهو ترجمان أفكاري).
ومن كلام السيد رشيد للشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، جوابًا عن رسالته الخديوية: (ولكن لي غرضًا من تعظيم قدر (الشيخ محمد عبده) وتفضيله هو فوق فائدة انتشار المنار بكثير، وهو أن الإصلاح الإسلامي الذي أدعو إليه لا ينهض إلا بزعيم تثق به الأمة، ولا أعرف أحدًا أجدر منه أو يساويه في استحقاق هذه الزعامة)، ولما لم تلن قناة السيد لسمو الخديو، أراد إخراجه من مصر، وبلغ ذلك رياض باشا الشهير، وخاطب السيد في هذا الشأن بقوله: (هل تغير شيئًا من خطة المنار ؟). قال السيد: (حاشا لله، ما كنت لأغير عملي النابع لعقيدتي وخلقي، وكل فضيلة لمصر عندي أنني أستطيع فيها خدمة ملتي وأمتي بما أعتقد أنه الحق النافع، فإذا زالت هذه الحرية منها فلا يحزني الخروج منها وأنا لا أملك فيها شيئاً). قال الباشا للسيد: (كده أريدك).
هذا وقد ألف السيد كتابًا في نقد بعض أكابر علماء الأزهر سماه المنار والأزهر، والمال والرتب والوظائف عند الشيخ أبي الهدى والاتحاديين في الدولة العثمانية وعند الأزهر والخديوي والإنجليز بمصر، وقد حاولوا صرف السيد عن خطته الإصلاحية بشتى طرق الإغراء بالمال والمناصب، وبترهيبه أيضًا بفنون الترهيب، وصبر على أذاهم، ولم يفتن بالمال، ولم يغتر بالرتب، ولم يرهبه الوعيد ؛ لأنه كان مخلصًا في توجهه لخدمة أمته وملته.
ومما عرف من صلابته وإخلاصه لقومه أن الإنجليز لما عرضوا عليه أن يكتب مقالات أسبوعية في صحيفة (الكواكب) التي أنشئت بالقاهرة لخداع العرب اعتذر في كتاب إلى نائب الملك ونجت باشا، جاء فيه:
لو بذلتم لي المال، أو استللتم لساني، أو قطعتم أناملي على أن أقول أو أكتب ما يخالف ديني وكرامة قومي العرب، فإني لا أفعل. وجاء رد بالإعفاء من ذلك التكليف، واعتذر بأنه كان بخطأه كتكليف رئيس تحرير التيمس الكتابة بجريدة هزيلة.
ولما عزم السيد على أداء فريضة الحج في أثناء الثورة العربية دعي إلى قصر عابدين، وقدم إليه رئيس الديون شكري باشا صرة نقود، قائلاً: (بلغ مولاي السلطان عزمكم على السفر إلى الحجاز، وأمرني أن أقدم هذه النقود إليكم). أجاب السيد: (الحج على المستطيع، وقد تهيأت لأدائه بصحبة سيدتي الوالدة والشقيقة). قال الباشا: (خذها ثمن دعاء). أجاب السيد: (الدعاء لا يقوم بثمن، وسأدعو لمولاي السلطان، ولخاصة المسلمين وعامتهم بما يلهمني الله - عز وجل -). قال الباشا: (خذها وتصدق بها، فإن الصدقة في الحجاز بعشرة أضعافها). أجاب السيد: (ذلك صحيح ؛ ولكنى أحتار فيمن أعطي القليل الذي أتصدق به وقصور الملوك والسلاطين مفتحة الأبواب للقصاد والوراد). قال الباشا: (بما أعتذر إلى مولاي السلطان وعطايا الملوك لا ترد). أجاب السيد: (أرجو أن تذكر لمولاي السلطان ما عرفه به الأستاذ الإمام من أني لا أقبل عطاء بدون مقابل).
ولما كان السيد على عرفات تحققت عنده صحة الإشاعة بأن الحجاج سيدعون في (منى) لمبايعة (الشريف) بالخلافة، فذهب إلى مخيم الشريف وذكر له ما بلغه، وذكَّره بوعيد الحديث (إذا بويع خليفتان...)، فقال (الشريف) رحمه الله: (إن تلك المساعي من رغبات أحد أنجاله والأتباع). ولما اجتمع الحجيج في (منى)، وتهيأ العلماء والخطباء والشعراء لتهنئة (الشريف) بالعيد، جاء الشريف عبد الله والشيخ عبد الملك الخطيب باشا إلى السيد، وطلبا منه أن يقول كلمته. وكان (الشريف) يقف في المناسبات في أثناء الخطبة ويقول للسيد: (صدقت). وبعد ذلك حضر إلى السيد من يقول له: (إن الخطبة ينقصها أن تكون مقدمة لدعوة الناس لمبايعة سيد الجميع بالخلافة). ولكن السيد حول الحديث من سياسي إلى أدبي، وأجاب: (أخشى أن يقال لي عندئذ ما قيل لذلك الشاعر الذي وهب الكرى إلى العشاق، وهبت ما لا تملك إلى من لا يقبل).