المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يا عاصم أتريد أن تعلمني المداجاة والجبن ؟! - مواقف رشيدية بقلم الشيخ عبدالرحمن عاصم



أبو حسن
28-05-2009, 09:27 PM
السيد محمد رشيد رضا
بقلم وكيله وابن عمه السيد عبد الرحمن عاصم

ولد السيد محمد رشيد رضا في 27 من جمادى الأولى سنة 1282، وتوفي في 23 من جمادى الأولى سنة 1354.

وتربى تربية عالية، لم تتحكم في نفسه عادة من العادات السيئة المضرة كالتدخين وإدمان شرب القهوة والشاي، وَأَخَذَ أَخْذَ الإمام الغزالي بكتابه الإحياء من أول بدئه بطلب العلم. وراض نفسه عليه، واتخذ له خلوة بالغرفة المشرفة على البحر من جامع جده في قرية القلمون لدرس العلوم، والتعبد بالصلاة بتدبر القرآن الحكيم.

وتصدى من ذلك الحين للوعظ والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، فالسيد رشيد طلب العلم بالإخلاص وتوجيه الإرادة ليكمل به نفسه، ويؤهلها للإصلاح الديني الاجتماعي، فكان من أشجع دعاة الإصلاح وأشدهم جرأة في مواطن الحق على الحكام والعلماء، غير هياب ولا وجن، ولولا أنه كان راسخًا في إيمانه، واثقًا بصحة علمه، ومخلصًا في وعظه وإرشاده لما تجرأ على نقد حكام الدولة العلية في العصر الحميدي والاتحادي، وقد أصابه أذى كثير منهم في والده وأسرته من بعد ما عرضوا عليه أوفى وأحسن ما تصبوا إليه نفوس طلاب الدنيا من رتب ومناصب وغيرها ؛ ليسكت عنهم ويسخر قلمه في خدمتهم.

هذا ولم يتهيب بريطانيا العظمى وطعن في تعسفها في حكم قومه وأهل ملته، وألبهم على مخالفتها بوسائل مختلفة، وحذرهم من مصادقتها لأنها خداعة مكارة وهو مقيم في مصر تحت سلطانها. ومن الأدلة على ذلك خطبته المشهورة أمام المرحوم أبي الثورة العربية الملك حسين في جموع (منى)، سأذكر خبرها، وخطبته في دار وجيه من وجهاء (بيروت) في القاهرة في حفلة جمعت رجال السياسة العربية من أقطارها تحت ستار الترحيب بضباط عراقيين وسوريين قدموا إلى مصر ؛ ليتقابل المجتمعون ويروجوا اتفاق سايكس بيكو على تقسيم بلاد العرب فيما بينهم ؛ ولكن السيد رشيد عارض ذلك معارضة عنيفة حملت مستر كلايتن باشا فيما بعد - وكان كالحاكم بأمره بمصر- على معاتبة السيد رشيد على قوله في الإنجليز، ومما أجابه به السيد: (هل من العدل أن تمنع أمة ضعيفة من الدفاع عن نفسها إذا اعتدت عليها أمة قوية، كفوا عن الهجوم علينا لنكف عن الدفاع عن أنفسنا).

وكم حاول سمو الخديو السابق أن يفرق بين السيد رشيد والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده بالترغيب والترهيب لهذه مرة ولذاك مرة، ولم تنجح محاولاته عندهما، وكان جواب الأستاذ الإمام لبطرس باشا غالي الموفد من الخديو: (أحب أن تعلم ويعلم الخديو أنني أفضل أن أعيش أنا والسيد رشيد ههنا في رمل عين شمس على البقاء في منصب الإفتاء وعضوية مجلس إدارة الأزهر ؛ لأن هذا الرجل متحد معي في العقيدة والفكر والرأي والخلق والعمل)، وأجاب الأستاذ الإمام أيضا فضيلة المرحوم الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر على رسالته من الخديو: (كيف أرضى بإبعاد صاحب المنار وهو ترجمان أفكاري).

ومن كلام السيد رشيد للشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، جوابًا عن رسالته الخديوية: (ولكن لي غرضًا من تعظيم قدر (الشيخ محمد عبده) وتفضيله هو فوق فائدة انتشار المنار بكثير، وهو أن الإصلاح الإسلامي الذي أدعو إليه لا ينهض إلا بزعيم تثق به الأمة، ولا أعرف أحدًا أجدر منه أو يساويه في استحقاق هذه الزعامة)، ولما لم تلن قناة السيد لسمو الخديو، أراد إخراجه من مصر، وبلغ ذلك رياض باشا الشهير، وخاطب السيد في هذا الشأن بقوله: (هل تغير شيئًا من خطة المنار ؟). قال السيد: (حاشا لله، ما كنت لأغير عملي النابع لعقيدتي وخلقي، وكل فضيلة لمصر عندي أنني أستطيع فيها خدمة ملتي وأمتي بما أعتقد أنه الحق النافع، فإذا زالت هذه الحرية منها فلا يحزني الخروج منها وأنا لا أملك فيها شيئاً). قال الباشا للسيد: (كده أريدك).

هذا وقد ألف السيد كتابًا في نقد بعض أكابر علماء الأزهر سماه المنار والأزهر، والمال والرتب والوظائف عند الشيخ أبي الهدى والاتحاديين في الدولة العثمانية وعند الأزهر والخديوي والإنجليز بمصر، وقد حاولوا صرف السيد عن خطته الإصلاحية بشتى طرق الإغراء بالمال والمناصب، وبترهيبه أيضًا بفنون الترهيب، وصبر على أذاهم، ولم يفتن بالمال، ولم يغتر بالرتب، ولم يرهبه الوعيد ؛ لأنه كان مخلصًا في توجهه لخدمة أمته وملته.

ومما عرف من صلابته وإخلاصه لقومه أن الإنجليز لما عرضوا عليه أن يكتب مقالات أسبوعية في صحيفة (الكواكب) التي أنشئت بالقاهرة لخداع العرب اعتذر في كتاب إلى نائب الملك ونجت باشا، جاء فيه:
لو بذلتم لي المال، أو استللتم لساني، أو قطعتم أناملي على أن أقول أو أكتب ما يخالف ديني وكرامة قومي العرب، فإني لا أفعل. وجاء رد بالإعفاء من ذلك التكليف، واعتذر بأنه كان بخطأه كتكليف رئيس تحرير التيمس الكتابة بجريدة هزيلة.

ولما عزم السيد على أداء فريضة الحج في أثناء الثورة العربية دعي إلى قصر عابدين، وقدم إليه رئيس الديون شكري باشا صرة نقود، قائلاً: (بلغ مولاي السلطان عزمكم على السفر إلى الحجاز، وأمرني أن أقدم هذه النقود إليكم). أجاب السيد: (الحج على المستطيع، وقد تهيأت لأدائه بصحبة سيدتي الوالدة والشقيقة). قال الباشا: (خذها ثمن دعاء). أجاب السيد: (الدعاء لا يقوم بثمن، وسأدعو لمولاي السلطان، ولخاصة المسلمين وعامتهم بما يلهمني الله - عز وجل -). قال الباشا: (خذها وتصدق بها، فإن الصدقة في الحجاز بعشرة أضعافها). أجاب السيد: (ذلك صحيح ؛ ولكنى أحتار فيمن أعطي القليل الذي أتصدق به وقصور الملوك والسلاطين مفتحة الأبواب للقصاد والوراد). قال الباشا: (بما أعتذر إلى مولاي السلطان وعطايا الملوك لا ترد). أجاب السيد: (أرجو أن تذكر لمولاي السلطان ما عرفه به الأستاذ الإمام من أني لا أقبل عطاء بدون مقابل).

ولما كان السيد على عرفات تحققت عنده صحة الإشاعة بأن الحجاج سيدعون في (منى) لمبايعة (الشريف) بالخلافة، فذهب إلى مخيم الشريف وذكر له ما بلغه، وذكَّره بوعيد الحديث (إذا بويع خليفتان...)، فقال (الشريف) رحمه الله: (إن تلك المساعي من رغبات أحد أنجاله والأتباع). ولما اجتمع الحجيج في (منى)، وتهيأ العلماء والخطباء والشعراء لتهنئة (الشريف) بالعيد، جاء الشريف عبد الله والشيخ عبد الملك الخطيب باشا إلى السيد، وطلبا منه أن يقول كلمته. وكان (الشريف) يقف في المناسبات في أثناء الخطبة ويقول للسيد: (صدقت). وبعد ذلك حضر إلى السيد من يقول له: (إن الخطبة ينقصها أن تكون مقدمة لدعوة الناس لمبايعة سيد الجميع بالخلافة). ولكن السيد حول الحديث من سياسي إلى أدبي، وأجاب: (أخشى أن يقال لي عندئذ ما قيل لذلك الشاعر الذي وهب الكرى إلى العشاق، وهبت ما لا تملك إلى من لا يقبل).

أبو حسن
29-05-2009, 10:26 AM
وسأقص على القارئ الكريم نبذًا أخرى من رسائل السيد إلى بعض ملوك العرب ؛ ليقف منها على مقدار صراحته في الحق، وإخلاصه في النصح، غير مداج ولا مراء، فمن ذلك قوله في كتاب إلى جلالة الملك عبد العزيز: (ولا أزال كذلك أجاهد معكم ما دمتم تجاهدون في سبيل الله وإعزاز دينه)، وفي آخر (وموضع العبرة أن الله - تعالى - قد استخلفكم في الأرض التي فضلها على كل أرض لينظر كيف تعلمون). ومن كتاب آخر (وقد عاهدناكم على أن نؤيدكم ونخدمكم في إقامة السنة، وهدم البدع، وإحياء الإسلام على منهاج السلف في أمور الدين ومستحدثات الفنون العصرية في أمور الحرب والعمران).

ومن أحسن ما كتب السيد الإمام إلى إمامي الجزيرة العربية صراحة وإخلاصًا في النصيحة، لما وقع الشقاق بين الحكومتين اليمنية والسعودية، قال - رحمه الله ورضي عنه -: (مهما يكن عليه أمر الحدود بين اليمن السعيدة و المملكة السعودية من حق سياسي أو جغرافي، فلا قيمة له تجاه الاتفاق والتحالف بين المملكتين، فكل منهما واسع الأطراف قابل لأضعاف ما هو عليه من العمران، فلا يعذر أحد منكما بتعريضه للخراب لأجل توسيع حدوده بحق أو باطل). ثم قال يخاطب كلا من الإمامين: (إن جزيرة العرب هي تراث محمد رسول الله وخاتم النبيين للإسلام والمسلمين لا لعبد العزيز السعودي ولا ليحيى حميد الدين، فاختلافكما وتعاديكما يضيع الإسلام، ولئن ضاع في جزيرة العرب فلن تقوم له قائمة في غيرها، فيجب أن تتذكرا هذه التبعة، وتتقيا الله، وتحرصا على حسن الخاتمة). وقد كان للإخلاص بهذه النصيحة وللوفد الذي أرسله السيد رشيد إلى الإمامين أثر طيب لديهما، وكان مولاي السيد يطلعني على رسائله تربية لي وتعليمًا، ولعلي أجد فيها حرفًا ناقصًا أو زائدًا لأصلحه، وإذا وجدت فيها ما يستحق المراجعة فإنه - رحمه الله - كان يسمعها ويمضيها إذا أقرها، وإن أنس لا أنسى أني وجدت شدة في خطاب منه إلى جلالة الملك عبد العزيز، وراجعته فيها، فغضب وقال لي: (يا عاصم أتريد أن تعلمني المداجاة والجبن ؟! اقفل المكتوب وأرسله إلى البريد، واعلم أن مزيتي عند الملك إخلاصي، وصراحتي في النصيحة، ومزيته عندي أنه يقبل النصيحة).

والسيد الإمام ما كان ليترك فرصة تفوته بدون تذكير طيب نافع، ومن ذلك ما جاء في كتاب منه إلى المرحوم الملك غازي (... معتصمين بحبل الهداية الإسلامية التي اشتدت إليها في هذا العصر حاجة شعوب المدنية كلها ؛ إذ هددت الأفكار المادية دولها بالانحلال والإباحة الإلحادية حضارتها بالزوال، ولم يبق لها منقذ إلا الهداية الروحية والجامعة بين المصالح الدينية والمدنية)، وقال: (فإن تحرص على هداية دينك القويم، ولغة قومك، وحضارة أمتك، وشرف بيتك، وتضم إليها الفنون العصرية المرقية للزراعة والصناعة والتجارة والنظم المالية والقوى العسكرية تكن - إن شاء الله - من الملوك المجددين، الجامعين بين سيادة الدنيا وسعادة الدين).

كان - رحمه الله - مضيافًا مواسيًا بماله القليل أهل الحاج من الأسر المستورة، مساعدًا العاملين في سبيل أمته وقومه ؛ فكم ساهم في نفقات الوفود والجمعيات والمؤتمرات العربية السياسية، ولولا الأزمة المالية التي أصابته مؤخرًا لكان رزقه كفافًا كافيًا لنفقاته ؛ ولكن توفي - رحمه الله - وعليه أكثر من ألفي جنيه مصري، خلافًا لما كان يحسب كثير من الناس. نعم، خلف مؤلفاته ومطبوعاته وهي أكثر من دينه، بل هي ثروة علمية إصلاحية عظيمة، تركها السيد الإمام ذكرًا وشرفًا له ولقومه وأمته.

كان السيد مشغول البال دائمًا بأمته، يفرح بما ينفعها، ويحزن لما يضرها، وكانت السيدة والدته تسأله إذا رأته مكتئبًا: (هل أحد من مسلمي الصين يشتكي من شيء ؟)، تريد أنه يكتئب إذا أصاب مكروه أحدًا من إخوته في الدين مهما بعدت داره، ولو في الصين.

كان هم السيد المستولي على شعوره إصلاح شأن العرب والمسلمين بالتأليف والتعليم، وقد كتب في التفسير والفتاوى وسائر ضروب الإصلاح ما لم يسبق إليه في المقدار والفائدة، وكان - رحمه الله - يقول لي: (أخشى أن يحاسبني الله - عز وجل - على عمري فيما أنفقته وأكون مقصرًا فيما وجب علي بيانه من أسرار الشريعة وحكمها)، وكان يأمرني أن أغنيه بقدر الإمكان عن مقابلة الزائرين ؛ ليبقى منصرفًا إلى التأليف، وقد فرح فرحًا عظيمًا حين أتم أنفس كتبه تأليفًا وطبعًا، أعني به كتاب (الوحي المحمدي).

وأنشأ منذ ثلاثين سنة مدرسة دار الدعوة والإرشاد عملاً برأي الأستاذ الإمام في تعليم طائفة من مختلفي الأقطار العلوم الدينية مصفاة من الآراء والأهواء، وكذلك العلوم الأخرى القديمة والحديثة بقدر ما يكفي لتثقيفهم وإعدادهم للدعوة والإرشاد { وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } (التوبة: 122). وقد نجح في ذلك جماعة من الطلاب وفي مقدمتهم السيد أمين الحسيني، الذي انتهت إليه الزعامة الدينية والسياسة في فلسطين، والشيخ يوسف ياسين أمير سر جلالة ملك المملكة العربية السعودية، والشيخ عبد الرزاق المليح آبادي صاحب المؤلفات والصحافي المشهور في الهند، وقد سجن مع مولانا أبي الكلام الزعيم الهندي الكبير لمشاركته إياه في جهاده، والشيخ محمد بسيوني عمران في جاوة ومواقفه مشهورة بالتعليم والإرشاد، والشيخ محمد عبد الرازق حمزة والأستاذ عبد السميع البطل وهما من خيرة العلماء المصريين في الأخلاق والوعظ والتعليم، تلك نبذ من كلام السيد في رسائله الخاصة والعامة، وطائفة من أخباره تدل على نفس ذكية همها الإصلاح بإخلاص ؛ ولذا كان عزيزًا كريمًا، لم تدنسه الأطماع، ولم تمله الأهواء، ولا يخاف إلا من الله - عز وجل.

كان السيد رشيد مدرسة في كل وقت من أوقاته في الدار وخارج الدار، وقد أقمت معه في داره ستًّا وعشرين سنة تلميذًا وأمينًا لسره، وقلما يخلو مجلس من الجد، أتم الثانية والسبعين من عمره المبارك وهمته همة الشباب، وقلما يضيع وقتًا من أوقاته بدون عمل أو تفكير مهيء للعمل الطيب. كان السيد رشد رضا يستيقظ مبكرًا قبل الفجر، ويتوضأ ويتنقل بالصلاة ويتلو القرآن، ثم يؤذن أذان الفجر من شرفة الدار ويوقف أهله للصلاة، وكان يغلبه البكاء حينما يجهر بالقرآن، ثم إن كان عنده ما تدعو الضرورة لإنجازه من كتابته انصرف إليه، أو يخرج للرياضة مشيًا على الأقدام، يسير بقوة ونشاط ويعود إلى الدار بعد طلوع الشمس، فإن كان صائمًا أخذ بعمله الكتابي، ويتقيل غالبًا وينام مبكرًا، وهو على كثرة تفكيره وكثرة سمنه فإن نومه كان خفيفًا، وقلما يصيبه الأرق.

بلغ مران السيد على التأليف والتصحيح أن يكتب في أثناء محادثته مع الناس ولا تقطع المحادثة عند سلسلة فكره، وقد زاره مرة هندي من المتعلمين في جامعة كمبردج، وقدم إليه عشرة أسئلة مكتوبة، وسأله عن موعد العودة إلى دار المنار لأخذ الجواب عنها، فقال له السيد: (أذكر أسئلتك سؤالاً سؤالاً)، وكان العالم الهندي يذكر السؤال والسيد يجيبه، حتى أتى على آخرها والسيد لم يترك عمله تركًا. كان السيد لا يراجع ما يكتب في التفسير إلا من بعد أن يكتب فهمه في الآية حذرًا من تأثير أقوال المفسرين في نفسه. وكان يكتب أصول المنار في أثناء أسفاره إلى الشام والآستانة والهند والجزيرة العربية وأوروبة من تفسير وغيره، ويرسلها إلى المطبعة في مصر، وليس لديه مرجع من الكتب غالبًا إلا (المفردات) في غريب القرآن للراغب، وإذا أتاه الله فهمًا في القرآن لم يسبق إليه أو لم يطلع عليه إلا بعد كتابته من عنده، فإنه يتحدث به إلى إخوانه حامدًا شاكرًا، وقد يقصه على أهل بيته مغتبطًا مسرورًا.

كان السيد يدرك من أسرار السياسة وغوامضها ما يقصر عنه كثيرون من المشتغلين بها، وآراؤه المنشورة في عهد السلطان عبد الحميد والاتحاديين وفي أيام غيرهم مؤيدة لذلك، وقد تحمل الأذى في سبيل نصحه إياهم، وطعن فيه رجال من إخوانه، ثم تبين لهم بعد سنين أن رأيه هو الصواب، وكتبوا منتقدين الذين كانوا يدافعون عنهم، فالسيد لغلبة الصدق والإخلاص والصراحة عليه كان يصلح أن يستشار في السياسة.

إن انصراف السيد كل الانصراف إلى التفكير والعمل فيما ينفع الناس صرفه عن استيفاء أساليب المجاملة في التحية والتسليم عند المتحببين المتشوقين، فالذين لا يقدرون حياة الاختصاصيين الدائبين على التفكير فيما انصرفوا إليه كانوا يرمون السيد بما هو براء منه، ولو أن السيد جرى على سننهم واتبع أهواءهم لما وفق أن يخرج للناس تلك المؤلفات الممتازة بما انفرد به من التحقيق والتحرير، وقد غبطه عليها أناس، وحسده آخرون، وجمعوا جموعهم مرات لنقدها، وكان السيد يقول حينما يبلغه اجتماع العلماء لنقد المنار: (أرجو أن يكون هذا تسخيرًا من الله – عز وجل - لتمر به المنار مما عسى أن يكون فيه من أخطاء، فإن أصاب النقاد نشرت لهم نقدهم، وشكرت لهم صنيعهم).

وللسيد قاعدة دعا إليها وجرى عليها، وهي: أن نتعاون على ما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه، وكان يسميها قاعدة المنار الذهبية.

هذا ما وفقت لتسطيره ونشره من سيرة السيد الإمام بمناسبة مرور أربعة أعوام على وفاته - رحمه الله ورضي عنه - ؛ لعلها تشحذ أذهان الخاملين، وتنبه أفكار الغافلين، وتهدي إلى الإخلاص أولئك العاملين، وما التوفيق إلا بالله رب العالمين.

عبد الله
30-05-2009, 01:51 PM
قرأت عن رحلة الشيخ محمد رشيد رضا الرحلة الأوروبية وهي منشورة في مجلة المنار وقد ذكر الشيخ أن سبب الرحلة أنه شخصيا قد دعا الى مؤتمر للأحزاب السورية ليقام في مدينة جنيف السويسرية للمطالبة بحرية واستقلالية سوريا
واللافت أيضا أن الشيخ كان من مؤسسي حزب الإتحاد السوري وهو شخصيا كان نائب رئيس الحزب .

أبو حسن
30-05-2009, 07:48 PM
قرأت عن رحلة الشيخ محمد رشيد رضا الرحلة الأوروبية وهي منشورة في مجلة المنار وقد ذكر الشيخ أن سبب الرحلة أنه شخصيا قد دعا الى مؤتمر للأحزاب السورية ليقام في مدينة جنيف السويسرية للمطالبة بحرية واستقلالية سوريا
واللافت أيضا أن الشيخ كان من مؤسسي حزب الإتحاد السوري وهو شخصيا كان نائب رئيس الحزب .

أخي عبدالله،

لا أعرف مدى اطلاعك على رحلة الشيخ الموسومة بـ"الرحلة الأوروبية"، وأنا شخصيا غير مطلع على تفاصيلها، وإنما على خطوطها العريضة، لكن ينبغي التنبيه هنا إلى أمر مهم، وهو أن هذه الأحداث (الرحلة الأوروبية، مؤتمر جنيف وحزب الإتحاد السوري) كلها حدثت بعد زوال الخلافة العثمانية ووقوع الأراضي السورية تحت الإحتلال البريطاني والفرنسي.

فالإستقلال الذي كان يطالب به الشيخ حينها هو الإستقلال عن الإحتلال الأجنبي للبلاد السورية.

وقد بين الشيخ رحمه الله في المنار الهدف من تأسيس الحزب حيث قال:

أول حزب ألف بمصر (حزب الاتحاد السوري) وكان أعضاؤه المؤسسون من المسلمين والنصارى والدروز، وأساس برنامجه الاستقلال التام الناجز، والمراد بالناجز: الحال، ويقابله الاستقلال المستقبل الذي يتوقف على مساعدة أجنبية، ترشح الشعب له وتقوده إليه، إن كانت تريد ذلك، وإنما فسرناه لأن بعض الناس لم يفهم المراد منه، حتى قالت إحدى الجرائد السورية: إن المراد بالناجز: التام، فحسبته تأكيدًا للتام، والمراد بالتام: ما يشمل السياسي والاقتصادي والقضائي، وإن كان مؤجلاً.

أُلف الحزب أولاً من فريقي الاستقلاليين والاحتلاليين، وكانت المواد الأولى التي وضعت له مشتملةً على الجمع بين النقيضين: الاستقلال والاحتلال، فكان كل فريق يقوي المادة الموافقة لمشربه، ويدعى الاحتلالي أنه استقلالي، وأنه إنما طلب مساعدةً مؤقتةً للضرورة.


وكل يدعي وصلاً بليلى * وليلى لا تقر لهم بذاكا

فاشتغلا بالجدال والنضال عدة أشهر، كان الفلج فيها للاستقلاليين، وكان الاحتلاليون يتسللون منه لواذًا، وينفصلون مثنى وأفذاذًا، وتقرر البرنامج المؤلف من أربع عشرة مادة بالإجماع في بعضها، وأكثر الآراء في بعض، ورضي كاتب هذه السطور بأن يكون من مؤسسي هذا الحزب المخالف لمذهبه السياسي في الجامعة العربية من وجوب اتحاد جزيرة العرب بالولايات العربية العثمانية؛ للحرص على تعاون المسلمين مع النصارى على طلب الاستقلال التام الناجز لسورية بعد أن أطال الدعوة إلى مذهبه، فلم يستجب له من فضلاء النصارى بمصر إلا أفراد قليلون؛ ولأن التعاون على استقلال بعض الأقطار العربية لا ينافي السعي لاستقلال سائرها من طريق آخر، كما صرح به في بعض أيمان الجامعة العربية، وأنا أصرح هنا بأنني لم أكن موافقًا على كل مواد البرنامج، بل منها ما أسفر النضال فيه بيني وبين بعض الأعضاء عن فوزي بموافقة الأكثرين من الأعضاء لي، ثم برجوع بعضهم إلى رأي المخالفين لي إرضاءً لهم؛ لئلا يخرجوا من الحزب، ولكنهم خرجوا بعد ذلك، على أن كل قانون وكل نظام يشترك في وضعه كثيرون يتقرر بعض مواده بالاتفاق، وبعضها برأي الأكثرين.

كما نشر الشيخ رحمه الله في المنار نص الدعوة التي وجهها حزب الإتحاد السوري لعقد مؤتمر جنيف والتي تبين الغاية من عقده، ونصها:

دعوة الحزب إلى عقد مؤتمر سوري:

إن لجنة حزب الاتحاد السوري المركزية بمصر واثقة أنكم كنتم وما زلتم مواظبين على مبادئكم القويمة الوطنية، ومساعيكم الشريفة إلى أن تكلل بالنجاح، ويتحرر الوطن المحبوب، ويصبح كما يريد أبناؤه الأحرار العاملون وطنًا حرًّا مستقلاً، زاهرًا برجاله، ناهضًا بهممهم، سائرًا كل يوم إلى الأمام، بفضل ما يبذله الأحرار العاملون في سبيله مِن التضحيات العديدة، والمساعي الجليلة.

وبعد: فقد رأت لجنة حزب الاتحاد السوري التي كانت - وما زالت - تجاهد بجميع الطرق المشروعة للحصول على استقلال البلاد التام الذي هو أمنية كل سوري أَبِيّ النفس - أن تتآزر جميع الأحزاب والجمعيات السورية التي تعمل لغاية الاستقلال التام، ووحدة البلاد سواء في سورية نفسها، أو في المهاجر البعيدة المتفرقة، وتتفاهم فيما بينها على أسس المبادئ والمساعي معًا، وترفع صوتها في وقت واحدٍ للعالم المتمدن بأسره بجميع الطرق المشروعة، طالبة الحصول على حقها الوطني الطبيعي المؤيد بكثير من العهود والوعود من أقطاب السياسة في العالم المتمدن كله.

ولما كان مجلس عصبة الأمم سيجتمع قريبًا، وينظر في شروط الوصاية المفروضة على سورية، وغيرها من البلاد المنفصلة عن تركيا - فقد قررت لجنة حزب الاتحاد السوري أن تدعو الجمعيات، والأحزاب السورية إلى عقد مؤتمر سوري عام في (جنيف) - مركز عصبة الأمم - في 10 حزيران (يونيو) المقبل؛ لتبرهن بكل ما لديها من الوثائق، والحجج، والأدلة على ما لسورية من الحق بالحرية، والاستقلال، وتتوصل بالوسائل المشروعة لدى مجلس عصبة الأمم - لسماع رأي البلاد قبل إبرام الحكم عليها، فلجنة حزب الاتحاد السوري تدعوكم، وتدعو سائر الجمعيات السورية للاشتراك في هذا المؤتمر، وترجو منكم إشعارها بأسماء مندوبيكم، وبميعاد سفرهم، وبما ترغبون الاشتراك فيه مِن نفقات المؤتمر العامة، وتفضلوا بقبول فائق الاحترام، والسلام.

وهنا ينبغي التنبيه إلى مسألة، لعلها مقصودة من سؤالكم، وإن لم تكن مقصودة، فالتنبيه عليها لا يخلو من فائدة؛ وهي أن انخراط الشيخ في أحزاب وطنية استقلالية حينها لا يعني أن الشيخ كان يقدم تنازلات على حساب دينه كما يفعل بعض السياسيين الإسلاميين في زمننا، وفي ما سأنقله عن الشيخ برهان جلي لهذا، حيث يقول الشيخ في إحدى مقالاته:

فأول ما أنكره ويوافقني على إنكاره كل مسلم يعرف دينه ويغار عليه؛ أن هذا البرلمان المصري لا يجوز أن يعطى من حق التشريع ما ينسخ شيئًا من شرع الله الثابت بنص الكتاب أو السنة الصحيحة؛ التي جرى عليها عمل سلف الأمة أو بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، وأعني ليس للقانون الأساسي أن يعطى هذا الحق؛ وهو يعترف بأن دين الحكومة الرسمي هو الإسلام.

ثم يستطرد الشيخ في نفس المقال ويقول:

... كنا ألفنا لجنة في حزب الاتحاد السوري؛ لتضع مشروع قانون أساسي لسورية، واخترنا لرياستها إسكندر بك عمون المحامي الشهير؛ لأنه أعلم الأعضاء بالحقوق والقوانين، فقال: أنا لا أقبل رياسة لجنة كهذه وفيها السيد رشيد؛ وهو أعلمنا بالشريعة الإسلامية التي يجب علينا الاستمداد منها في هذا القانون؛ لأن أكثر أهالي البلاد من المسلمين.

عبد الله
31-05-2009, 09:19 AM
بارك الله بك أخ أبو حسن أنا فعلا كنت أقصد مسألة انخراط الشيخ في أحزاب وكنت أريد الإشارة أنه من الطبيعي أن لا تعجب المدرسة السلفية به على الأقل لهذه الناحية .
ليس عندي اطلاع جيد انما الآن أصبح عندي فضول للإطلاع على مؤلفات الشيخ محمد رشيد رضا وكتاباته