رد: سجلات المحكمة الشرعية
وانصبت أعمال هؤلاء الرواد وتخصصت في المجال الأثري ، كما نشرت أعمالهم في الحوليات الأثرية التي تصدر عن مديرة الآثار في سورية . فقد بين الأستاذ كامل شحادة في دراسته التي بعنوان ( الجامع الأعلى الكبير في حماة ) أن سجلات المحاكم الشرعية بينت أن القبة والأبواب فيه قد أقيمت في تاريخ عام 936 للهجرة المقابل لعام 1617 للميلاد كما ورد في السجل 19 ص 672ـ 987 كما أثبت في دراسته عن الأحواض والسبل في مدينة حماة باستفادة بساتين حماة من السقاية من قناة سلمية ( وهي فرع من قناة العاشق الممتدة من نبع عين الزرقاء في سلمية إلى أفامية ) ومن ثم وصول هذه القناة إلى بعض مناطق حماة للشرب منها فأورد نصاً لشهادة الأمير عبد الوهاب شيخ الأكراد وغيره يعرف فيه بالحاج يوسف بن أحمد البشير وبستانه السقي المشجر بظاهر حماة بموقع الجروف وأن البستان يشرب من قناة سلمية استحقاقاً لها قبل الفتح وهذا النص موقع بتاريخ شهر ربيع الأول لعام 958هـ 1551 ميلادية كما ورد في السجل الرابع في الصفحة 583 كما أورد نصاً آخر يتضمن شراء بستان الجب والزيتون في أراضي الجروف القبلية بظاهر حماة وهو يشرب من ساقية سلمية وهو للشيخ حسن الكيلاني من البائع محمد حمزة العيسى وشركائه بتاريخ 974هـ 1566 م كما ذكر في السجل الثالث عشر ص758 .
وبلغ من أهمية هذه القناة وتدفق الماء فيها أن أقيمت عليها الطواحين حيث أورد نصاً يتضمن مبيع وشراء أرض تقع للغرب من سلمية تحتوي على طاحونة راكبة على ساقية سلمية التي تمتد ماؤها إلى أرض الجروف وأن الطاحونة تعرف بالفرقانية كائنة بين مرج سلمية ومنفذ الماء ، وكان ذلك بين الأمير حمود وبين حاج محمد وبين قدوة الأمراء نعمة الله مير لواء سلمية يومئذ بثمن قدره عشرون سلطانياً
بحضور الشهود المذكورين . أواخر ربيع الأول سنة 988 للهجرةـ السجل العشرون ص75 .
وفي مجال إثبات وجود بعض الآثار العمرانية والحضارية فقد ورد في سجلات المحاكم الشرعية وجود حوض إينيال بمحلة النصارى وهو يقع حول مقام السيدة العذراء من الجنوب تحت ساباط ممتد من الغرب إلى الشرق وكان ماؤه من ناعورة الجعبرية بعد مرور ساقيتها بجامع الحسنين والبيوت التي تتصل من الغرب . وفي هذا إثبات إلىأن مياه ناعورة الجعبرية تصل إلى حي المدينة لتسقيه وتلك إشارة على وجود نظام مائي يغطي جميع أحياء المدينة وهذه سمة حضارية فائقة .
ومن الآثار المندرسة أيضا التي ورد ذكرها في سجلات المحاكم الشرعية حوض الشهود وحوض أبي العلاء المعري وأنه بباب حمص عند مسجد العلا ( مسجد خانقاه ) وكذلك حوض زقاق الوتارين وموضعه بالطرف الجنوبي من حاضر الصغير وتصل إليه الماء من ناعورة المأمورية .
كما كشفت أهمية الأحياء التي ضعفت أهميتها وتراجع عمرانها فتشير سجلات المحكمة الشرعية إلى أهمية حي باب المغار وعمرانه بالبيوت المعتبرة التي يسكنها علية القوم ،كما يستفاد من النص الذي عرضه الدكتور عبد الرحيم رافق المنشور في مجلة الدراسات التاريخية الصادرة عن جامعة دمشق في العدد 35 و 36 لعام 1990ص126 ، ومفاده أن الأمير خرم عبد الله الزعيم يومئذ في لواء حماة وقف بعض ممتلكاته على ذريته بتاريخ أواخر جمادى عام 993 هـ ،وهي دار بمحلة باب المغار وجميع الحوش والإسطبل ، يحدها من الشرق كنيس لليهود ومن القبلة الفرن الذي بيد الواقف ومن الشمال دار المرحوم درزي التيماري وهي الآن بيد الواقف ، ثم دار أخرى ودكاكين في المحلة نفسها .
ومن الملاحظ أن هذا النص أشار إلى أهمية حي باب المغار ومدى عمرانه ومستوى سكانه ، والأهم من ذلك هي الإشارة إلى وجود كنيس لليهود في هذا الحي ومن المحتمل أن يكون سكنهم قد تجمع حوله وهذا يشير إلى احترام الحرية الدينية وبناء أماكن للعبادة ، فترى الجامع وبقربه كنيسة للنصارى وبالقرب منهما كنيس لليهود ، ومن الجدير بالذكر أن المحاكم الشرعية كانت تنظر في القضايا المختلفة لجميع الأديان كما يلاحظ من السجلات .
ومن الأخبار الطريفة التي وردت في سجلات المحاكم الشرعية هي تحريم شرب القهوة . فقد أورد الأستاذ راضي عقدة في بحثه خانات حماة المنشور في الحوليات الأثرية السورية عام1981 النص التالي ـ لما اتصل بعلم مولانا الحاكم الشرعي بحماة أن بقيسارية ابن إسماعيل جماعة يطبخون القهوة ويجتمعون على شربها ـ سجلات المحاكم الشرعية في حماة عام 970هـ . كما ذكرت هذه السجلات خان رستم باشا الذي بناه في المرابط السيد رستم باشا الصدر الأعظم في سلطة سليمان الأول وقد جاء ذلك في السجلات عام 969 هـ تحت اسم الخان الجديد ودخل في وقف المرحوم رستم باشا ، وكان ناظر الخان عام 970 هـ محمد إبراهيم الشرابي وشيخ طباخيه هو عبد بن عبد العال . (ورستم باشا كان رئيس الوزراء في الدولة العثمانية أيام حكم السلطان سليمان القانوني وقد بنى الخان عام 1566 ميلادية أي في القرن العاشر الهجري علماً بأن دخول العثمانيين إلى سورية كان عام 1516 ميلادية ـ توثيق آثار حماة) .
ثانياً ـ الدراسات في المجال الاجتماعي والاقتصادي والإداري وإثبات الحقوق التاريخية :
أما ما يتعلق بدراسة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والإداري لمدينة حماة فيوجد أربع دراسات اعتمدت على سجلات المحاكم الشرعية . وتعد دراسة الأستاذ عبد الودود برغوث تاريخ حماة الاجتماعي والاقتصادي والإداري أقدم دراسة في هذا المجال ، وقد اعتمدت هذه الدراسة سجل المحاكم الشرعية بحماة لعام 989 هـ 1581 ميلادية ونشرت في الحوليات الأثرية السورية الصادرة عام 1966 ويليها دراسة الدكتور عبد الكريم رافق تحت عنوان مظاهر اقتصادية واجتماعية عن لواء حماة عام 942 ـ 943 هـ 1535 ـ 1536 ميلادية نشرت في مجلة الدراسات التاريخية الصادرة عن جامعة دمشق في العدد 31و32 من عام 1989 تليها دراسة أخرى له اعتمدت على سجلات المحاكم الشرعية في دمشق وحلب وحماة نشرت في مجلة دراسات تاريخية أيضاً في العدد 35و36 عام 1990 م تحت عنوان الفئات الاجتماعية وملكية الأرض في بلاد الشام في الربع الأخير من القرن السادس عشر، وأخيراً دراسة البريفيسور جيمس رايلي الأستاذ في جامعة تورنتو بكندا تحت عنوان ـ حماة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين اعتمدت على سجلات المحاكم الشرعية بحماه في هذه الفترة ، وصدرت عن دار الأمازون للنشر والتوزيع .
ومن الملاحظ أن دراسة الدكتور عبد الكريم رافق الأولى تناولت السجل الأول من سجلات المحاكم الشرعية في حين أن الدراسة الثانية اعتمدت السجل نفسة الذي اعتمد عليه الأستاذ عبد الودود برغوث ورغم اتفاقهما في مصدر الدراسة إلا أن كلاً منهما تناول جانباً يختلف عن الجانب الذي تناوله الآخر كما سيظهر معنا فيما بعد ، غير أن جيمس رايلي اقتصر في كتابه على سجلات القرن الثامن عشر وما بعده من الفترة العثمانية وكانت معالجة منهجية أوسع مدى وأشمل رؤية. وسنقف فيما يلي وقفة قصيرة على كل دراسة بما يعطي فكرة واضحة عنها :
رد: سجلات المحكمة الشرعية
1 ـ تاريخ حماه الاجتماعي والاقتصادي والإداري للإستاذ عبد الودود برغوث
يعد الأستاذ عبد الودود برغوث من الدارسين الرواد الذين اعتمدوا في دراساتهم على سجلات المحاكم الشرعية ويذكر في مقدمة الدراسة أنه توجد مصادر للتاريخ مهمة وقيمة وصحيحة لم تطلها باستنفار يد الباحثين وهي سجلات المحاكم الشرعية . لقد تصفحت أحدها وبدأت بدراسته فرأيت أكثر مما أملت رأيت فيها كل مالا يجده الباحث في كتب التاريخ ، فللسجلات كمصدر للتاريخ في رأيي الأهمية التالية :
1 ـ إنها مصدر يقيني لا يتطرق إليه الشك
2 ـ إنها تحوي على معلومات قيمة تشمل جوانب الحياة
ثم وصف السجل وعدد قضاياه وعرض نموذجاً عن ذلك وقد اعتمد في دراسته على سجل واحد من السجلات وهو الخاص بعام 989 هـ 1581 ميلادية .ثم تقدم بالشكر إلى الباحث قدري الكيلاني الذي نصحه بالاعتماد على هذه السجلات وبين له أهميتها .
نشرت هذه الدراسة في الحوليات الأثرية الصادرة عن مديرة الآثار والمتاحف في سورية عام 1966 ، وقد وضع مخططاً لبحثه شمل البنود التالية :
1 ـ مخطط مدينة حماة
2 ـ مبانيها العامة
3 ـ البيت الحموي
4 ـ التنظيم الاجتماعي وطبقات الناس
5 ـ الصناعات والمهن
6 ـالتجارة
7 ـ الخاتمة
ومن الملاحظ أن هذه الدراسة اعتمدت اعتماداً كاملاً على سجلات المحاكم الشرعية فكل معلومة تحت بند من بنود الدراسة ترد إلى صفحة معينة وقضية معينة . ومن الواضح أن الدارس قد رصد المعلومات الواردة في السجل وبوبها تحت ما تعود إليه من موضوعا ته غير أنه لم يستدرك أو يعلق على بعض النواقص التي لم يرصدها السجل لأن السجل لا يرصد إلا القضايا التي تحمل إلى المحكمة وينظر فيها ويصدر فيها أحكام كالنظر في خلاف أو تسمية ناظر أو رصد قضية تتعلق بترميم مسجد وغيرها مما يدخل في اختصاصات المحكمة الشرعية وعليه فلم يذكر من الجسور إلا جسر باب النهر وجسر المراكب علماً بان جسر الملك الأفضل (جدده الملك الأفضل في القرن الرابع عشر للميلاد والملك الأفضل هو محمد بن إسماعيل ولقبه ناصر الدين ابن السلطان العالم الملك عماد الدين أبي الفداء) كان موجوداً وكذلك جسر باب الجسر( مجهول بانيه ـ حسب تسجيل آثار حماة ) . وعند الكلام على مخطط مدينة حماه ذكر الأحياء التي تقع داخل السور والأحياء التي تقع خارجه وأشار إلى أن محلة شرشر ومحلة الشيخ علوان لم يعين مكانهما في السجل وكان عليه أن يستدرك ذلك أو يعلق عليه للتوضيح ولاسيما وأننا نقع له فيما أورد في الصفحة 66 من الدراسة أن جامع الشيخ علوان يقع في محلة الشيخ علوان .
وهذا الأمر لم يقع به البريفسور جيمس رايلي فقد اعتمد في دراسته على سجلات المحاكم الشرعية كأساس غير أنه غطى الفجوات التي اعترضته من مصادر خارجية من التواريخ وكتب الرحالة وتقارير القناصل ، مما جعل النسيج المعرفي أكثر تلاحماً وشمولا وتعبيرا عن الواقع .
وكان على الباحث الأستاذ عبد الودود أن يعالج ذلك تحت فقرة خاصة تحت عنوان محدودية السجلات كمصدر تاريخي ، وبذلك يكون أقرب إلى العلمية والمنهجية ، غير أنه كرائد فتح مجال البحث في هذه المنطقة الدراسية وكان رائداً جديراً بالاحترام .
ومن الجدير بالذكر أنه ورد تحت عنوان التنظيم الاجتماعي وطبقات الناس أن المجتمع الحموي في عام 989هـ يتميز بوجود طبقتين ـ طبقة الحكام والقضاة والمسئولين عن مؤسسات الأمة وطبقة الأمة التي ضمت الطوائف ، منها طوائف الحرف والصناعات وطوائف الأسواق حسب المحلة وأخرى حسب الجنسية أو الدين ، وللأشراف طائفة خاصة بهم ، هي طائفة الأشراف ولها نقيب خاص يدعى نقيب الأشراف . وقد ذكر السجل عدداً كبيراً من المهن لكل منها طائفة ، وكانت هناك مراتب للعاملين في الحرفة الواحدة ، فهناك شيخ الحرفة أو الكار يساعده جاويشان ينتخبان من أهل الحرفة جميعاً . وكان أول درجات الحرفة المبتدئ أو الأجير ثم الصانع الذي أتقن صنعته ثم معلم الصنعة وفوق هؤلاء جميعاً شيخ الكار أو الصنعة . وللكارات أو الصنائع كلها رئيس يدعى شيخ مشايخ الحرف يعاونه نقيب وللترقي من رتبة المبتدى إلى رتبة الصانع أو المعلم مراسم وطقوس خاصة تقام في احتفالات عامة يحضرها سائر أبناء الحرفة الواحدة .
ومن الجدير بالذكر أن لغير العرب كالتركمان والأكراد والسودان والهنود أزقة خاصة ولازال زقاق السودان معروف حتى الآن وهو يقع بالمرابط ، ومن الطوائف غير المسلمة توجد طائفتان هما طائفة النصارى وطائفة اليهود وكان بعض اليهود يسكنون في زقاق الكنيسة وبعضهم في باب المغار.
رد: سجلات المحكمة الشرعية
ـ مظاهر اقتصادية واجتماعية في لواء حماه
قام بهذه الدراسة الدكتور عبد الكريم رافق ونشرها في مجلة دراسات تاريخية التابعة لجامعة دمشق عام 1989 وهذه الدراسة تقوم كلياً على سجل واحد من سجلات المحكمة الشرعية في حماه ويضم هذا السجل القضايا التي عرضت على المحكمة بين 18 جمادى الأولى عام 942هـ وغرة ربيع الأول عام 943هـ عام 1535و1536 ميلادية ويحتوي هذا السجل على1090 قضية ويعد من أقدم سجلات المحاكم الشرعية باستثناء القدس .
وتتناول هذه الدراسة نوعين من ا لقضايا الواقعة في فترة مبكرة من الحكم العثماني في بلاد الشام بالرغم من أن هذه الفترة تشكل مرحلة انتقال مبكرة بين إدارة مملوكية وأخرى عثمانية ، وتصف هذه القضايا أنظمة وأنماطاً عربية إسلامية كانت في الاقتصاد والمجتمع .
ويتعلق النوع الأول من القضايا بالجانب الاقتصادي الذي يدور حول الدين وبيع السلم وما يرتبط بهما من كفالات للحال والأشخاص فالدين منتشر بين السكان ويقدم على سبيل القرض الحسن أو تحت اسم الدين الشرعي ويكون بين سكان مدينة حماه بعضهم ببعض وبينهم وبين سكان الريف المحيط في حماه وكذلك بينهم وبين سكان البادية .ويتعرض للأسعار وأنواع المنتجات المتعامل بها ,. ويتعلق النوع الآخر بالجانب الاجتماعي فيتناول عقود الزواج والطلاق وحالة الآمن ووضع الجريمة ، واستطاع أن يقدر عدد سكان حماه في هذه الفترة من خلال عقود الزواج والطلاق بحوالي26000أو 27000 ويشمل هذا الرقم المدينة والريف المحيط بها في ذلك الزمن وبالرغم من أن هذه الطريقة هي طريقة علمية لكنها تقريبية وتفترض أن تكون جميع الوقائع مسجلة في المحكمة الشرعية ،ولكن في الواقع فان نسبة من الوقائع لاتتم عن طريق المحاكم الشرعية ففي الواقع توجد كثير من العقود التي تتم عن طريق الشيخ وفي تقديري أنها تشكل نسبة كبيرة قد تتجاوز نسبة تزيد عن 25% فهذا النوع من العقود ظل شائعاً حتى الخمسينات من القرن العشرين وكثيراماشاهدت الشيخ في جامع الشيخ علوان يقوم بإجراء مثل هذه العقود وأنا صغيرأي أنها كانت ظاهرة موجودة وبنسب كبيرة في القديم نظراً لبساطة الحياة وسيادة الأعراف والتقاليد وعليه فعدد السكان حسب توقعي كان يزيد على 33000 نسمة حسب أقل تقدير .
وتقع دراسة الدكتور عبد الكريم رافق الثانية تحت عنوان الفئات الاجتماعية وملكية الأرض في بلاد الشام في الربع الأخير من القرن السادس عشر ونشرت هذه الدراسة في مجلة دراسات تاريخية التابعة لجامعة دمشق العدد 35و36 عام 1990 ومن الملاحظ أن هذا البحث شمل بلاد الشام وتناول سجلات دمشق وحلب وحماة وحددت فترة البحث في الربع الخير من القرن السادس عشر لسببين أولهما توافر سجلات المحاكم الشرعية في كل من المدن المذكورة في هذه الفترة ، وحدوث متغيرات خاصة في هذه الفترة ، إيماناً بان هذه الوثائق تعنى بالبنى الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن على ضوئها تفسير التاريخ بشكل معمق وعقلاني ويتألف البحث من مقدمة وجانب اقتصادي وآخر اجتماعي عالج في الأول موضوع الملكية والإقطاع والعلاقات الزراعية وبين أن أراضي الدولة شغلت الحد الأكبر من اهتمام الدولة العثمانية ، كما تطرق إلى الملكية الخاصة والوقف . وشكلت أراضي الدولة المعروفة بالأراضي الأميرية القسم الكبر من الأراضي الزراعية خارج المدن ، وكان استثمارها إما عن طريق الالتزام أو الإقطاع ، وأراضي الإقطاع على ثلاثة أنواع الخاصة وهي من خصوصيات السلطان والزعامة والتيمار
وهي تعطي للأشخاص الذين يجهزون عدداً معينا من الجند مقابل دخلهم من هذا الإقطاع وتسترد هذه الإقطاعيات عند الوفاة أو في ظروف خاصة .
شغلت قضايا الإقطاع بالأنواع الثلاثة حيزا كبيراً من سجلات المحاكم الشرعية وهذا الأمر يدل على علو شان القضاء والتزام المتخاصمين بأحكام الشريعة . وتناول البحث في الجانب الآخر الفئات الاجتماعية وأحوال السوق العقارية وعرض بعض الجداول المتعلقة بصفقات البيع والشراء لدى مختلف الطبقات والطوائف ويلاحظ في جدول المشترين أن أعلى نسبة في الشراء تعود لمعلمي الحرف يليهم الأعيان والأعيان هم الذين يحملون في الوثائق ألقاب فخر الأماثل دون أن تقترن بلقب عسكري أو بلقب شيخ أو سيد ( للأشراف ) وتزيد مشاركة الأشراف على الشيوخ بأكثر من الضعف وتضعف لدى العسكريين وتبين من الجدول أن الأراضي الزراعية فاقت بعقودها وأثمانها عقود وشراء العقارات مجتمعة بكثرة الطلب عليها من العناصر القادرةعلى استثمارها في زمن خفضت فيه العملة وارتفعت أسعار المنتجات الزراعية.ومن الملاحظ أن نسبة النساء في قائمة المشتريات كبائعات كانت مرتفعة
ويبين أن الملكية الخاصة للأراضي الزراعية لم توجد إلا بعد أن صدر قانون التنظيمات العثماني وقامت الدولة ببيع أراضيها للمشترين بالمزاد العلني.
رد: سجلات المحكمة الشرعية
ـ حماة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل العشرين لجيمس رايلي
يعد كتاب حماة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين من الكتب التي تتسم بالفرادة والقيمة الفائقة . وقد ألفه الدكتور جيمس رايلي رئيس قسم الشرق الأوسط الحديث في جامعة تورنتو بكندا وصدر عام 2002 باللغة الإنكليزية وتقوم بتوزيعه دار الأمازون للنشر والتوزيع اعتمد فيه المؤلف على سجلات المحاكم الشرعية في رصد الأحداث والوقائع المختلفة خلال فترة زمنية معينة لينسج دراسة اجتماعية واقتصادية عن مدينة حماة .
وقد استطاع المؤلف أن يقدم صورة دقيقة واضحة عن قرنين ونيف أيام كانت البلاد العربية تخضع للحكم العثماني عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية وألقى الضوء على مجريات الأحداث كما عالج العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين سكان المدينة بعضهم مع بعض من جهة وبين المدينة والبادية والريف من جهة أخرى . وبين علاقة حماة بالمدن الأخرى مثل دمشق وحلب وطرابلس ومركز السلطنة باستانبول واتصالها بالعالم العربي وإيران وأوربا فالقطن والصوف يصدران إلى أوربا وأمريكا والفواكه المجففة إلى استنبول والحبوب إلى دمشق والخارج وكانت مدينة طرابلس الميناء الحيوي الذي تصدر وتستورد عن طريقه البضائع وكان فيها جاليات تجارية يتسوقون البضائع ويرسلونها إلى أوربا . ووضح استراتيجية موقع حماة الجغرافي كمنطقة عبور ودورها في قافلة الحج وتزويدها بما تحتاج إليه القافلة من مؤن و جمال ومنتجات وألقى الضوء على حرفها و صناعتها النسيجية والحريرية .ومن ينظر إليها من خلال هذه التعاملات يتصور على أنها مملكة مستقلة لها كيانها المتميز,
وكان للمناحي الاجتماعية حظ وافر فقد حلل لأوضاع الاجتماعية وبحث في الروابط بين السكان وأدوارهم ولاسيما دور العوائل البارزة ( الدينية ) والنخب ( العسكرية ) في البناء الاقتصادي والاجتماعي ووقوف العوائل البارزة أمام السلطات العثمانية ودفاعهم عن المظلومين وتخفيض الضرائب ودفع ابتزاز الموظفين وجورهم وأشار إلى اضطرا بات حدثت في هذه الفترة في حوران و في حماة. وقد أظهر إعجابه بظاهرة إنسانية سامية إنمازت بها المجتمعات المسلمة في سورية وخاصة في حماه فحين يعتق العبد يعطى اسم العائلة التي كان يخدم فيها ، كما أبرز دور الأوقاف في أعمال البر والإحسان وحفظ الثروات ، وتكلم عن أوضاع السكان ونموهم واستيطانهم وهجرتهم وزيادتهم من خلا ل وضعهم المتقلب نتيجة للظروف المحيطة بهم وخاصة أثناء الحكم المصري وبين أن الأراضي الزراعية كانت ملكاً للدولة وأن قانون التنظيمات العثمانية هو الذي سمح ببيع الأراضي للمواطنين كما أشار إلى التطور الذي حدث في المدينة وأشاد بموقف الصابوني كمتنور ظهر في بداية القرن العشرين وأشار إلى امتداد المدينة وظهور بعض الأحياء الجديدة واظهر عدة تقديرات للسكان حسب ما أوردها الرحالة والقناصل الأجانب ، كما أشار إلى تعداد سكان حماة حسب ما أورده الصابوني اعتماد على آخر تعداد عثماني جرى عام 1905 .
وبما أن المؤلف اعتمد في بعض الجوانب على مصادر خارجية لتغطية بعض الثغرات التي لم تغطها سجلات المحاكم فقد وقع في بعض الملابسات التي تعود إلى المراجع التي اعتمد عليها . والأهم من ذلك فقد أورد أن جسر باب الجسر قد بني في زمن الأتراك في حين أن الصابوني مؤرخ حماه ذكر وجوده أثناء زيارة الرحالة ابن جبير إلى حماة الذي كتب رحلته عام 582 هجرية أي قبل دخول العثمانيين بأكثر من 300سنة .
ومما لاشك فيه أن هذا الكتاب أضاء جوانب كانت خافية وبين وقائع على غاية من الأهمية بسبب صلتها وامتدادها إلى الوقت الحاضر . ومن المهم أن ننظر إلى هذا الكتاب على ضوء ما قدمته لنا سجلات المحكمة الشرعية التي كانت مصدراً هاماً ودقيقاً وموثقاً .
وحسب رأي المؤلف فإن هذه الدراسة تمثل النمط السائد في المدن السورية أوفي بلاد الشام مع ذكر بعض المفارقات التي تتعلق بالمرأة وميراثها ودورها الاقتصادي .
4 ـ موسوعة يافا الجميلة للمحامي الأردني حسن البواب
تشكل سجلات المحاكم الشرعية في المدن الفلسطينية كالقدس ويافا وغيرها من المدن مصدراً مهماً وموثقاً من مصادر إثبات حقوق الفلسطينيين لايمكن دفعه ولارده ولا المجادلة فيه فهو سجل يرصد جميع المظاهر العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والسكانية في حقبة تاريخية معينة يعود أواخرها إلى أوائل القرن العشرين .
تمكن الباحث المحامي حسن البواب في عام 1994 من العثور على مصدر عن جغرافية يافا القديمة التي كانت قائمة بين الأسوار ويتمثل هذا المصدر بسجلات المحكمة الشرعية لمدينة يافا،وكذلك سجلات الطابو العثماني وهي سجلات محفوظة في أشرطة ميكرو فيلم في مركز الوثائق والمحفوظات في الجامعة الأردنية بعمان ، وقد مكنت هذه الوثائق من الإطلاع على معلومات في غاية الأهمية عن مكونات البلدة القديمة والتي كانت من حيث الحجم والدور لاتقل أهمية عن جاراتها وتوأمها البلدة القديمة القدس الشريف ، وقد بين معد الموسوعة أن معظم المعلومات التي جمعها عن المدينة كان مصدرها سجلات المحاكم الشرعية في القرن التاسع عشر تذكر أوضاع القضاء الشرعي ونقابة الأشراف وأسماء النقباء وفيما يتعلق بالحياة العامة وأوردا سماء أهم رجال المدينة وذكر شعرائها وأحزابها وذكر مظاهرها العمرانية والزراعية والاقتصادية أشار إلى العشائر المحيطة بها ، ثم ذكر السواقي والنواعير وأحجار الطحين والدباغات والقصور.وعليه فقد رصدت هذه السجلات صورة صادق عن السكان وملكيتهم ونشاطهم الاقتصادي والاجتماعي تثبت حقوقهم قبل أن يغير معالمها الاستيطان المغتصب .وقد أوردت سجلات المحاكم الشرعية في بيت المقدس إحصاء عن اليهود فبلغ عددهم 115 نسمة كما ورد في السجل رقم 55 ص207 علماً بان عدد السكان العرب بلغ عام 1670 تحو 46000ألفاً في بيت المقدس حسبما أورد السائح التركي شيلي الذي زار القدس عا1670 ( أحمد الشقيري معارك العرب 19 كانون الأول عام 2004) أي أن العرب بعشرات الألوف واليهود بالعشرات
كانت هذه جولة في أهمية الوثائق العربية في العصر العثماني وبيان دور وثائق المحكمة الشرعية في كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والعمراني والسياسي والإثني وما قام عليها من دراسات مهمة أضاءت كثيراً من الجوانب التي كانت خافية تستخدم كوسيلة من وسائل إثبات الحق العربي في فلسطين .
حماة في 22/2/2006 الدكتور مصطفى العلواني
المراجع والمصادر
1ـ جيمس رايلي ـ حماه في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين ـ دار الأمازون للنشر والتوزيع ـ عام 2002 ـ اللغة الأنكليزية .
2 ـ د رافق عبد الكريم ـ الفئات الاجتماعية وملكية الأراضي في بلاد الشام ـ مجلة دراسات تاريخية ـ جامعة دمشق العدد 35و36 ـ عام 1989 .
3 ـ د.رافق عبد الكريم ـ دراسات تاريخية ـ مظاهر اقتصادية واجتماعية في لواء حماة ـ مجلة دراسات تاريخية ـ جامعة دمشق ـ العدد 21و22 ت عام 1990
4 ـ عبد الودود برغوث ـ تاريخ حماة الاجتماعي والاقتصادي والإداري ـ الحوليات الأثرية ـ مديرية الآثار والمتاحف في سورية ـ عام 1966
5 ـ كامل شحادة ـ الجامع الأعلى الكبير ـ الحوليات الأثرية ـ مديرية الآثار والمتاحف في سورية ـ عام مستلة ب
6 ـ عقدة راضي ـ خانات حماه ـ الحوليات الأثرية ـ مديرية الآثار والمتاحف في سورية عام 1981
إنتـــــــهـــــــــــــــــــــــى