هلّت مواسم الرحمات والخيرات
نفحات رمضانية
الحمد لله الذي هدانا لأقوم السبل، ونسأله أن يمدنا بعزم لا يأخذه فتور ولا ملل، وأن ينفي عن قلوبنا اليأس ويقوي منّا الأمل، والصلاة والسلام على نبينا محمد المؤيد بأجلّ آية وأسطع برهان، والداعي إلى الدين الحق بأقوم حجة وأبلغ بيان، وعلى آله وأصحابه السادة الأمجاد والذين فتحوا بحكمتهم القلوب، وبأسنتهم الوهاد والنجاد. أما بعد:
إن الله جعل المواسم للمؤمنين ليتداركوا ما فات ويتسابقوا في تحصيل الحسنات ويتعرضوا للنفحات ولترفع لهم الدعوات وتكفر عنهم السيئات،
وان شهر رمضان لمن أعظم هذه المواسم واجلها وأكثرها أجرا.
وينبغي للمسلم المؤمن أن يقدر هذه المواسم حق قدرها، يستشعر بقلبه فضيلتها، فرمضان موسم مبارك، أيامه فاضلة، ولياليه مباركه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدومه فيقول :
" إذا كان أول ليله من ليالي رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النار ، فلم يفتح منها باب ، وفتحّت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب ، وينادي منادٍ : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار ، ذلك كل ليله " رواه الترمذي .
اعرف قدر زمانك..." من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه "، وأيضاً "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
شهر يفوق على الشهور بليلة *** من ألف شهر فضلت تفضـيلاً
طوبى لعبد صح فيه صــيامه *** ودعا المهيمن بكرة وأصيــلا
وبليلة قــد قام يختم ورده *** متبتـــلاً لإلهــه تبتــيلا
تأمل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفي بهذا الموسم، ولك فيه أعظم أسوة .
" كان رسول الله أجود الناس " بجميع أنواع الجود : بالمال والبدن والوقت والجاه والعلم والتعليم ، والدلالة على الخير . (كما يقول إبن القيم رحمه الله تعالى)
وماذا عن كنوز رمضان؟
أعظمها، تحقيق العبودية الحقة لله ، فالعبد يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله ، لأن الله أمره بذلك ، وهذا من أعظم الدلائل على الإيمان . " ترك طعامه وشرابه من أجلي "!
وتحقيق التقوى : وأنعم بها من خُلّة وأكرم بها من نعمة ، وما اتقى الله من ترك لنفسه العنان ، لم يلجمها بلجام التقوى ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس له حاجة أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخاري
" ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر "
كم يتدرب الصائم ويتعلم الإخلاص في رمضان، فأنت لا تصوم لأن الناس حولك صائمون، بل صُمْ لأن الله فرض عليك الصيام ، واحتسب الأجر والثواب على ذي الجلال والإكرام .
من أثر الصيام ما يحدثه التخفيف من الطعام والشراب من صفاء الروح وسمو النفس وعلوها ، ولذا قيل للإمام أحمد : " أيخشع القلب والبدن شبعان ؟ قال : ما أظن ذلك . ولكننا نصوم عن الطعام والشراب نهاراً ونتخم المعدة ليلاً فلا نرى خشوعاً، ولا نشعر بروحانية الصيام في نفوسنا .
في الصيام التمرن على ضبط النفس والسيطرة عليها عند النزغات والمثيرات .
وفي الحديث " فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم "
في رمضان يتذكر الصائم الفقراء والمحتاجين الذين لا يجدون طعاماً يسد جوعتهم ويروي عطشهم .
لنقف اليوم ونحن على مشارف هذا الشهر المبارك وقفة مصارحة ومحاسبة . لنتذكر حالنا في رمضان الماضي ، هل كان حالاً مرضياً ، كيف كان حفظنا للصيام ، كيف كان حالنا عند القيام ؟
كم يسعد المرء عندما يرى الجموع المؤمنة تفد على بيوت الله مبكرة تنتظر صلاة التراويح ، كم تسعد العين وهي ترى التنافس على الصفوف الأولى في هذه العبادة ، فأين أنت منهم يا رعاك الله ، ألم تكن الصلاة قرة عين نبيك ؟ فأين هي من قلبك ؟
ها هو شهر رمضان حل ، وها هي مواطن الرحمات قربت ، فكيف سيكون حالك مع القيام ؟
كيف كان حالنا مع القرآن الكريم ، ورمضان هو شهر القرآن ، ....
إذا كان حالنا مع القرآن في رمضان الماضي لا يسر ، فهل نستمر على ذلك ؟
تذكر أن القرآن يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة بمنطوق حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم
" فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه "
ولقد اجتمع لك في رمضان شفيعان كريمان .. القرآن والصيام .
لقد كنا دائماً نحدث أنفسنا بانتهاز فرصة رمضان ، فها هو رمضان قادم ، فما عسانا فاعلون ؟ رمضان يطل علينا هلاله بعد أيام ، فأي رمضان يكون رمضانك هذه المرة ؟
* هل هو رمضان المسوفين الكسالى ؟
* أم هو رمضان المسارعين المجدين ؟
* هل هو رمضان الصيام والقيام الحقيقي ؟
* أم هو رمضان صيام العادة وقيام الكسالى ؟
* هل هو رمضان الحفظ على الجوارح والأركان؟
* أم هو رمضان الضياع ومشاهدة المسلسلات والأفلام ؟ أيها الأحبة ..
ألم يعتصر في قلب كل مؤمن ومؤمنة يجدون شدته في صدورهم ووطأته على نفوسهم .
انه شبح الإعلام .. نعم الإعلام وبالتحديد الوسائل الإعلامية المرئية التي صارت تكثف جهودها وتحشد جنودها وترص صفوفها من أجل شغل الأوقات الفاضلة في هذا الشهر الكريم .
لقد تسابقت تلك القنوات تسابقاً غير شريف وتنافست تنافساً غير كريم لصد الناس عما ينفعهم .
أيعقل يا عقلاء قومي أن يصير هذا الشهر الكريم عند المحرومين شهراً يتضاعف فيه الفسق والعصيان؟
أيعقل أن تتضاعف الجهود من أجل تحويل شهر تتنزل فيه الرحمات إلى شهر الفن والتمثيل والطيش والسفه؟
نعم والله لقد صار .
ماذا أصاب الناس ؟ وما الذي دهاهم ؟
أزهدوا في الثواب والأجر ؟ أرغبوا في هذه المواسم العظيمة بالسيئات والأوزار ؟
ألم يكفهم ما عليه الناس اليوم من ضعف في الإيمان وكسل عن الطاعات حتى راحوا يفسدون على الناس موسمهم الكريم ببث أفلام ساقطة ومسلسلات هابطة وفوازير مفسدة ، وأغان ماجنة ، ألا بعداً للقائمين عليها وسحقاً وتباً لهم وقبحاً .
إنهم يهاجمون أياماً مباركة .
أيها الصالحون .. إنهم يريدون إفساد ليالينا الفاضلة ، يتسابقون في إقامة المسابقات التي لا يفوز فيها إلا القلة النادرة ، فهل نفتح بيوتنا وقلوبنا وقلوب أبنائنا لهم ؟ لقد أبان الله هدف أهل الهوى والشهوات في آياته البينات فقال : { وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً }النساء
أين ذهب بك عقلك أيها الصائم القائم ؟ يوم تضيع هذا الموسم أمام شاشات ساقطة ومشاهد مخزية ، إني سائلك أخي ومشدد عليك في المسالة فلا تجد نفسك عليّ شيء .
ما الذي تجنيه من الجلوس خلف تلك الشاشات ؟
هل تخرج بزيادة الإيمان أم ضعفه ؟ هل تجد من نفسك اندفاعاً لفعل المعروف والتسابق إلى مرضاة الرحمن .
فوقوفاً أيها المباركون في وجه ذلك الشر والشبح القاتل والمفسد الخطير .
إن رمضان أيامه قليلة وساعاته تطوى سريعا، وهو والله أكرم من أن يضيع في مباح فضلاً عن محرم .
تذكر ذهاب الشهر وانصرام أيامه التي لن تعود عليك إلا بعد عام كامل ، كم يموت فيه من إنسان ، فأدعوك من هذا المكان الشريف أن تغلق كل ما يصدك عن ذكر الله ، تفرغ لطاعة ربك ، واجعل رمضان باباً تلج منه إلى الخيرات .
نعم .. أيها الأخوة والأخوات ..
لقد كان رمضان سبباً لهداية كثير من الناس تأثرت نفوسهم بالطاعات وخشعت قلوبهم للآيات ، رمضان فرصة عظيمة لتبديل الأحوال ، رمضان فرصة لمن كان مقصراً في الصلاة أن يحافظ عليها .
رمضان فرصة لمن هجر القرآن أن يعود إلى كتاب ربه .
رمضان فرصة لمن تلبس ببعض المعاصي والمحرمات أن يتركها .
رمضان فرصة لمن كان بينه وبين أحد قطيعة أن يصل من قطع .
رمضان فرصة لمن تكاسل عن بعض النوافل أن يجتهد في فعلها .
أخي ..
إن بقاؤك حتى تدرك رمضان نعمة ، فكيف تقابلها ؟ وإن اتعاظك بقبرك حجة ، فكيف تنصرف عنها ؟
إلام تغر بالأمل الطويـل *** وليس على الإقامة من سبيل
فدع عنك التعلل بالأماني *** فما بعد المشيب سوى الرحيل
أتأمل أن تدوم على الليالي *** وكم أفنين قبلك من خليل
وما زالت بنات الدهر تفني *** من الأيام جيلاً بعد جيل
اللهم بلغنا رمضان وأعنا فيه على الصيام والقيام وتلاوة القرآن........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب "وأقبلت نفحات الجنان" لعادل بن عبد العزيز المحلاوي (بتصرف)
رد: هلّت مواسم الرحمات والخيرات
صلاح سلطان
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خير الخلق وحبيب الحق وعلى آله وصحبه الأبرار الأطهار وعلى من سار على هديهم من المتقين الأخيار إلى يوم العرض على الملك الغفار.. وبعد،
فإذا أردنا بحق أن ننتقل في رمضان وما بعده من الانفعالات والتأثير إلى الإصلاح والتغيير فلا بد من الانتصار على النفس في أهوائها الجامحة لنسعد في حياتنا الزوجية والأسرية ونحقق السلام والوحدة الوطنية والعربية والإسلامية وهذا هو الطريق الطبيعي لننتصر في الميدان لنكون الأمة الراقية الشاهدة على العالم كله ، لنعيد إلى العالم انتصارات بدر وفتح مكة وحنين وتبوك، وحطين وعين جالوت، وهي الخطوات الإصلاحية التي ربى عليها النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بلا تخريب ولا تدمير، أو ظلم وطغيان، بل تعمير وعدل وإحسان، وهذه خطوات الإصلاح والتغيير من خلال مدرسة الصيام التربوية .
الصيام مدرسة التغيير للنفس:
إن مشوار الإصلاح والتغيير يبدأ بالنفس لقوله تعالى :“إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد: 11) والحق أنها هي الأصعب حيث استطاع إنسان القرن الحادي والعشرين أن يملك ما حوله لكنه فقد السيطرة على نفسه، يضغط على زرٍ فتفتح له الأبواب للبيوت والسيارات، أو تفتح على الفضائيات والبلاد والعباد عبر البحار والمحيطات على الإنترنت والتليفونات، لكنه ينهار أمام الشره على الطعام أو السعار على الجنس أو الحماقة في الغضب، أو البذاءة والثرثرة في اللسان، والصيام يعين الفرد على تجاوز هذا الضعف أمام هوى النفسالتي قال عنها ربنا سبحانه “إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي” (يوسف: 53) أو التي قال عنها سفيان الثوري (ما عالجت أمراً أشد علىَّ من نفسى)، وقال عنها الحسن البصري (ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام من نفسك). إن الصيام يعطي كل فردٍ ثقة رهيبة في نفسه أنه بعون الله تعالى قادر على ضبط زمام الهوى، وكبح جماح النفس ليس في الامتناع عن المحرمات من أكل الحرام أو الزنا والخنا أو السكر والتدخين أو الظلم والطغيان، بل الامتناع عن الحلال بكلمة الله أكبر عند الفجر، ثم يباح بكلمة الله أكبر عند الغروب، ليستقر في أعماق كل مسلم ومسلمة أنه ما زال إنسانا يحمل الفطرة النقية، والنفس الزكية التي تقدر أن توقف بعض الحلال بأمر الرحمن وبالتالي فهي أبعد عن الحرام والشبهات . إن كبسولة الصيام تعالج في الفرد الروح والخلق والعقل والجسد في آن واحد على النحو التالي :
أ- كبسولة الصيام وعلاج قسوة القلوب وجفاف الروح :
إن التجرد بالصيام لله سر بين العبد وربه، ويعلمه أن يكون باطنه خيرا من ظاهره، وقراءة القرآن وطول الصلاة والقيام ، ومضاعفة الحسنات، فالفريضة فيه بسبعين فريضة والنافلة بأجر الفريضة، والأذكار والدعاء والقنوت في أجواء مهيأة من تقييد مردة الشياطين، ونزول الرحمات، وتجول الملائكة، ووجود المسلم بين إخوانه أو المسلمة بين أخواتها الذين تنبع منهم كل أفعال الخير، هذا كله يجعل الروح تأخذ قسطها الوافي من العلاج الشافي من أمراض قسوة القلوب، وجفاف الروح، وجمود العين عن البكاء، وقصور اليد عن التضرع والدعاء، وخمول اللسان عن الذكر والثناء، ليتحول الفرد شابا وفتاة، رجلا وامرأة، حاكما ومحكوما، صغيرا وكبيرا إلى أشباه الملائكة في نورانية القلب بحب الله، وخشيته في السر والعلن، والتلذذ بذكره في الليل والنهار والأسحار، وهذه مفاتيح طمأنينة القلب وهدوء النفس، وانشراح الصدر لقوله تعالى “الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” (الرعد: 28).
ب- كبسولة الصيام وعلاج دنايا الأخلاق :
إن الشهوات الأربع في كل إنسان هي لعمارة الأرض، واستمرار النسل، وبقاء القيم لكن بشرط الاعتدال في استعمالها، لكن ثوران شهوات البطن والفرج والغضب والكلام كفيلة بتحطيم الإنسان لنفسه وأسرته ومجتمعه وعالمه، والصيام مدرسة تربوية رائعة تضع لجاما اختياريا على هذه الشهوات الأربع في وقت واحد، فالصيام من الفجر إلى المغرب يخرج بالإنسان عن عادات الإسراف في الحلال، أو الولوغ في الحرام مثل التدخين والسكر والإدمان إلى الاعتدال في الطعام والشراب، والتوقف عن الحرام والشبهات كما يكسر من غلو شهوة الجنس التي تهتك الأعراض، وتدمر الأخلاق، وتفشى الرذائل والأمراض، ليكون الصيام وجاء لهذه الشهوات الجامحة، ويرفع الإنسان من خسة الحرام إلى عفة الحلال، كما تنقل الإنسان من ثورة الغضب على النقير والقطمير فيفقد الأصدقاء، ويقطع الأرحام، ويعق الآباء والأمهات، ويوقع الطلاق والشقاق، ليكون بالصيام الحليم الصبور، والهادئ الوقور، فإن استفزه أحدٌ قال إني صائم مرتين، ليوفر غضبه لله تعالى، والغيرة على محارمه ومقدساته، وليس انتقاما للنفس وانتصاراً لشهواته، كما يضبط الصيام لسان كل إنسان صائم للرحمن فيشغله بالذكر والقرآن عن الغيبة والنميمة والكذب والبهتان، فيعرف المسلم بين الناس بطيب الكلام ورفيع المقال، ويكون أهلا لرضى الله والجنة لما رواه مسلم بسنده عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة، أوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، وأصدقوا إذا حدثتم، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيدكم.
ج- كبسولة الصيام وعلاج جمود العقل :
حقا (إن البطنة تذهب الفطنة) كما أخبرنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، فكثرة الطعام تستوجب ذهاب أكثر الدم من الدماغ إلى البطن لتهضم الفضل من الطعام الزائد، وهنا يسترخى العقل أو ينام، فيحرم الإنسان من حب العلم والتعلم، والفكر والتدبر، والاختراع والإبداع، وما الحضارات الفذة إلا أفكار رائدة من عقل راشدٍ لا هامدٍ، يعمل ولا يكسل، ويفكر ولا يفتر، هكذا العقل هو مناط التكليف كما أن القلب مناط التكريم ولذا روى عن الإمام جعفر الصادق رحمه الله (إن أول ما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: فبعزتي وجلالي بك أعاقب وبك أثيب) وهذا يتوافق مع أكثر من 865 آية في القرآن الكريم تحث على التعلم، وأكثر من 247 آية تحث على النظر والتدبر والتفكر، وأكثر من 50 آية تحث على السؤال والتفقه. إن مدرسة الصيام هي أعظم فسحة للعقل أن ينطلق مع فراغ البطن وخفة الجسد إلى عالم الإبداع ليفكر بعمق في الكتاب المسطور والكون المنظور ثم يقدم من خلال هذه المنظومة الربانية حلاً سديداً، ورأياً فريدا، ونوراً جديدا .
د- كبسولة الصيام وعلاج أمراض الجسد:
إن شهوة الطعام بغير لجام الصيام يجعل الفرد يصاب بأخطر الأمراض ومنها الجلطة وضغط الدم والسكري والسرطان وقرحة المعدة والأمعاء والتهاب القولون والمرارة والمفاصل والحصوات والبروستاتا والنقرس والأملاح والحساسية والحكة والغازات الكريهة كما أن عادات التدخين والشيشة التي ابتلى بها الملايين تحرم هؤلاء من طيب الفم، وصحة الجسم فهي أكبر مسببات السرطان والسل والالتهاب الرئوي والضعف الجنسي كما تؤثر سلباً على الإنتاج والاقتصاد، وشهوة الجنس بغير لجام الصيام تصيب الجسد بالإيدز والسل والسيلان والتقيح في الفروج والأبدان، وشهوة الغضب تؤدي إلى التوتر العصبي، والاعتداء على الغير فتجرح أو تبتر بعض الجسد أو تنتهي بالقتل العمد أو العدوان لكن كبسولة الصيام وقاية وحماية، وعلاج وشفاء من كل هذه الأمراض التي تحول الإنسان إلى العفيف الشريف، القوي الفتي، الهمام النشيط وليس الكسول الرخيّ أو الخسيس الدنيّ ولعل صيام رمضان فرصة لاستعادة الثقة فى أننا نحمل فطرة نقية وعزيمة قوية على ترك عادات الأكل الكثير أو التدخين، فمن صبر اثنتى عشرة ساعة يمكنه بلاشك الصبر بقية الليل إن استحضر في هذا الشهر الكريم ثقته في نفسه، ودعا ربه أن يعينه على نفسه قال تعالى “وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ” (العنكبوت: 69).
وهكذا تصنع مدرسة الصيام المسلم والمسلمة صاحب القلب التقي، والخلق النقي، والعقل الذكي، والجسد الفتي، وهذا لعمري مفتاح كل رقيّ...
رد: هلّت مواسم الرحمات والخيرات
يومك في رمضان
(الدكتور راغب السرجاني)
http://www.iumsonline.org/ar/default...1141&menuID=17
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد فقد بدأ شهر رمضان وبدأ معه سباق الطاعات. وحتى لا يفوتنا هذا الكم الهائل من الحسنات لابد أن نضع لأنفسنا برنامجاً عملياً طموحاً.
نصائح عامة:
- هذا البرنامج مقترح يمكن تعديله حسب ظروف كل شخص.
- اجعل الصلاة دائماً فاصلاً بين كل مرحلتين في البرنامج (صلاة الجماعة).
- لو فات شيء مهم في مرحلة من المراحل حاول قضاؤه في مرحلة أخرى.
- انتبه للفراغات البينية أثناء اليوم بين عمل وآخر مثل وقت المواصلات وانتظار عبادة (الفراغ بين الأذان والإقامة) واقضه فيما ينفع كقراءة القرآن وذكر الله تعالى.
- مشاركة إخوانك وأصدقائك وأهلك في البرنامج للتشجيع وعدم الفتور.
- إصلاح ذات البين.
مراحل البرنامج (10 مراحل):
1- وقت السحر
- صلاة ركعتين خفيفتين أو أكثر (قيام الليل).
- السحور (تسحروا فإن في السحور بركة).
- الاستغفار (مع استحضار مشهد سؤال الله عن الذنوب يوم القيامة).
2- صلاة الفجر
- ترديد الأذان.
- صلاة ركعتى الفجر فى المنزل أو المسجد.
- نية الاعتكاف عند دخول المسجد (لأي مدة و في أي وقت).
- دعاء دخول المسجد (بسم الله والصلاة و السلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي و افتح لى أبواب رحمتك).
- الدعاء بين الأذان و الإقامه لا يرد.
- استحضار القلب في الصلاة و شهود الملائكة و شهود الصلاة و حمد الله على توفيقه.
- أذكار بعد الصلاة.
- حضور مجلس العلم إذا كان هناك مجلس علم.
3- الوقت بعد صلاة الفجر حتى الشروق
- (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) حديث شريف. والذكر يشمل قراءة القرآن - أذكار الصباح - الدعاء حتى بعد الشروق ثلث ساعة ثم صلاة ركعتين أو 4 أو 6 أو 8 ركعات.
4- وقت العمل أو الدراسة
- الإتقان في العمل عبادة ويؤدي إلي جعل الدخل حلالاً صافياً.
- تجنب الإساءة إلي أحد وعدم مقابلة إساءة أحد بإساءة بل بإحسان.
- عدم النظر إلي مدة العمل أو الدراسة على أنها ضياع لفرص الطاعة في رمضان بل استحضار النية في إخلاص العمل.
- الحرص علي الصلوات في جماعة.
5- بعد العمل حتي العصر (القيلولة)
- النوم في هذه الفترة سنة (إذا كانت ليست ضمن وقت العمل) مع استحضار نية النوم للتقوي على العبادة.
6- من العصر إلي المغرب
- صلاة العصر في جماعة (من صلي البردين دخل الجنة)، والبردان هما صلاتي الصبح والعصر.
- بعد صلاة العصر ننظم لقاء يومي للأسرة لتدارس القرآن أو كتاب ديني.
- تلاوة أذكار المساء.
7- من المغرب إلى العشاء
- الإحساس بفرحة الإفطار.
- إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد.
- الدعاء عند الإفطار (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله).
- صلاة المغرب فى جماعة.
- تناول إفطار خفيف (تمر ولبن) و صلاة المغرب ثم تناول الإفطار.
8- صلاة العشاء والقيام
- تخفيف الطعام يساعد على النشاط و التركيز و القدرة على القيام بهما.
- اختيار المسجد الذى تصلى فيه القيام.
- مسجد يختم القرآن كاملاً في أثناء رمضان.
- يفضل أن يكون قريباً من المنزل.
- يفضل أن يكون القارئ حسن الصوت.
- يفضل الذهاب مع الأصدقاء كوسيلة من وسائل الدعوة.
- الذهاب للمسجد بدون أطفال قدر المستطاع لعدم إشغال المصلين عن الصلاة.
- التدبر في كل كلمة يقرؤها الإمام أثناء الصلاة وكذلك الدرس لأنه درس علم.
9- بعد صلاة القيام إلى النوم
- استكمال الورد القرآني.
- القيام بأي عمل مفيد مثل صلة الرحم.
10- النوم
- استحضار نية التقوي على العبادة.
- النوم على الطهارة و على الشق الأيمن و قراءة الأذكار.
- لا داعي لمشاهدة التلفزيون بالمرة.
أيام خاصة:
يوم الجمعة (طوال العام و ليس في رمضان فقط) :
- غسل الجمعة.
- التبكير للصلاة.
- التطيب.
- قراءة سورة الكهف.
- تحري ساعة الإجابة (آخر ساعة قبل صلاة المغرب).
- الإكثار من الصلاة على الرسول (صلى الله عليه و سلم).
- التركيز وتكثيف أداء العبادات.
- قضاء ما فات من أعمال خلال الأسبوع.
- صلة الأرحام وزيارة الأصدقاء.
العشر الأواخر من رمضان:
- كان الرسول (صلى الله عليه و سلم) إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل كله، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر.
- يفضل التفرغ في هذه الفترة قدر المستطاع.
- الاعتكاف.
- صلاة التهجد.
- تحري ليلة القدر (الليالي الوترية من العشر الأواخر من رمضان) وهي هدية من الله لا تقدم إلا لمن اجتهد طوال الشهر.
- إخراج زكاة المال وهي فرض.
- عدم الانشغال بتجهيزات العيد (يتم التجهيز لها قبل رمضان أو على الأقل قبل العشر).
ليلة العيد:
- الاتصال بكل الأهل والأصحاب والجيران والمعارف وتهنئتهم بالعيد بالدعاء (تقبل الله منا ومنكم).
- إدخال السرور على الأطفال: الملابس والعيدية.
- التوسعة على الأسرة في الطعام والشراب والمتعة.
- إدخال السرور على الفقراء.
ماذا بعد رمضان؟
- رمضان هو برنامج تدريبي للتدريب على العبادة الصحيحة طوال العام.
- مقياس تقبل الطاعة فى رمضان تكملتها بعد رمضان وزيادتها وتحقق التقوى في رمضان وبعد رمضان.
- صيام 6 أيام من شوال
رد: هلّت مواسم الرحمات والخيرات
صديقي رمضان
(الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله)
بيروت/ موقع الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين
صديق عزيز, لقيته وأنا طفل في دمشق، ثم افتقدته وأنا شاب أزرع الأرض وأضرب في بلاد الله، ففرحت بلقائه وأحببته، وألمت لفقده وازداد حنيني إليه، فأين أنت يا صديقي رمضان؟
كنت أرقب قدومه، وأحسب له الأيام والليالي على مقدار ما يحسن طفل من الحساب، فإذا جاء فرحت به وضحكت له روحي؛ لأني كنت أرى الدنيا تضحك له وتفرح بقدومه.
كنت أبصره في المدرسة، فالمدرسة في رمضان مسجد، وفيها تلاوة وذكر، وأهلوها أحبة، ما فيهم مدرس يقسو على طلاب، وطلاب يكرهون المدرس؛ لأن رمضان وصل النفوس بالله, أشرق عليها من لدنه النور فذاقت حلاوة الإيمان، ومن ذاق حلاوة الإيمان، لم يعرف البغض ولا الشر ولا العدوان.
كنت أراه في الأسواق، فالأسواق تعرض بضاعة رمضان وتفيض عليها روح رمضان، فتمحو الغش من نفوس أهلها محوًا، ويملؤها خوف الله ورجاؤه، وتقف ألسنتهم عن الكذب؛ لأنها عمرت بذكر الله واستغفاره، وهانت عليهم الدنيا حين أرادوا الله والدار الآخرة، فغدا الناس آمنين أن يغشهم تاجر، أو يخدعهم في مال أو متاع، ويمضي النهار كله على ذلك، فإذا كان الأصيل ودنا الغروب تجلى رمضان على الأسواق بوجهه فهشت له وجوه الناس، وهتفت باسمه ألسن الباعة، فلا تسمع إلا أمثال قولهم: "الصايم في البيت بركة"، "الله وليك يا صايم"، "الله وليك ومحمد نبيك"، ثم لا ترى إلا مسرعًا إلى داره حاملاً طبق الفول "المدمس"، أو "المسبحة" أو سلال الفاكهة أو قطع "الجرادق"، ثم لا تبصر إلا مراقبًا المنارة في دمشق ذات الثمانين منارة, أو منتظرًا المدفع، فإذا سمع أذان المؤذن أو طلقة المدفع دخل داره، والأطفال يجتمعون في كل رحبة في دمشق ليسمعوها فيصيحوا: أذن.. أذن.. أذن.. ثم يطيروا إلى منازلهم كالظباء النافرة.
وكنت أبصر رمضان يؤلف بين القلوب المتباينة، ويجلو الأخوة الإسلامية رابطة (المسلم أخو المسلم)، فتبدو في أكمل صورها فيتقابل الناس عند الغروب تقابل الأصدقاء على غير معرفة متقدمة، فيتساءلون ويتحدثون ثم يتبادلون التمر والزبيب ويقدمون الفطور لمن أدركه المغرب على الطريق فلم يجد ما يفطر عليه، تمرة أو حبة من زبيب، هينة في ذاتها، تافهة في ثمنها، ولكنها تنشئ صداقة وتدل على عاطفة، وتشير إلى معنى كبير.
وكنت أنظر إلى رمضان وقد سكن الدنيا ساعة الإفطار، وأراح أهلها من التكالب على الدنيا والازدحام على الشهوات، وضم الرجل إلى أهله، وجمع الأسرة على أحلى مائدة وأجمل مجلس وأنفع مدرسة. فواشوقاه إلى موائد رمضان وأنا الغريب الوحيد في مطعم لا أجد فيه صائمًا، ولا أسمع فيه أذانًا، ولا أرى فيه ظلاًّ لرمضان.
فإذا انتهت ساعة الإفطار، بدأ رمضان يظهر في جلاله وجماله وعظمته المهولة في المسجد الأموي أجلّ مساجد الأرض اليوم وأجملها وأعظمها، وكنت أذهب إلى المسجد بعد المغرب وأنا طفل فأراه عامرًا بالناس، ممتلئًا بحلق العلم كما كان عامرًا بهم ممتلئًا بها النهار بطوله، فأجول فيه مع صديقي سعيد الأفغاني خلال الحلقات نستمع ما يقوله المدرسون والوعاظ، وأشهد ثرياته وأضواءه وجماعاته، ومن صنع الله لهذا المسجد أن صلاة الجماعة لا تنقطع فيه خمس دقائق من الظهر إلى العشاء الآخرة في أيام السنة كلها، وقد بقي ذلك إلى اليوم على ضعف الدين في النفوس وفساد الزمان.. ولا أنسى تلك الثريا الضخمة ولم تكن قد مدت إليها الكهرباء، فكانت توقد مصابيحها وهي أكثر من ألف بالزيت واحدً بعد واحد يشعلها الحسكيون (الحسكي خادم الأموي)، وهم يطوفون بها على سلالم قصيرة من الخشب، فيكون لذلك المشهد أثر في النفس واضح، ثم يكون العشاء وتقوم من بعده التراويح ولها في الأموي منظر ما رأيت أجل منه ولا أعظم إلا صلاة المغرب حول الكعبة في مسجد الله الحرام، فإن ذلك يفوق الوصف، ولا يعرف قدره إلا بالعيان.
وليس يقل من يصلي التراويح في الأموي عن خمسة آلاف أصلاً، وقد يبلغون في الليالي الأواخر الخمسة عشر والعشرين ألفًا، وهو عدد يكاد يشك فيه من لم يكن عارفًا بحقيقته ولكنه الواقع، يعرف ذلك الدماشقة ومن رأى الأموي من غيرهم. وحدّث عن الليالي الأواخر (في دمشق) ولا حرج، وبالغ ولا تخش كذبًا، فإن الحقيقة توشك أن تسبقك مبالغة، تلك هي ليالي الوداع يجلس فيها الناس صفوفًا حول السدة بعد التراويح، ويقوم المؤذنون والمنشدون فينشدون الأشعار في وداع رمضان بأشجى نغمة وأحزنها، ثم يردد الناس كلهم: "يا شهرنا ودعتنا عليك السلام! يا شهرنا هذا عليك السلام"، ويتزلزل المسجد من البكاء حزنًا على رمضان.
وسَحَر رمضان.. إنه السِّحر الحلال.. إنه جنة النفس ونعيمها في هذه الدنيا، وإني لأقنع من جنات الفردوس أن تكون مثل سحر رمضان، فأين ذهب رمضان؟ وأنى لي بأن تعود أيامي التي وصفت لأعود إليه؟
ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى *** والعيش بعد أولئك الأيام
إني لا أشتهي شيئًا إلا أن أعود طفلاً صغيرًا لأستمتع بجو المسجد في رمضان، وأنشق هواءه، وأتذوق نعيمه. لم أعد أجد هذا النعيم، وما تغيرت أنا، أفتغيرت الدنيا؟
إني لأتلفت أفتش في غربتي عن رمضان فلا ألقاه لا في المسجد ولا في السوق ولا في المدرسة، فهل مات رمضان؟
إذن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد فقدت أنس قلبي يوم فقدت أمي، وأضعت راحة روحي يوم افتقدت رمضان، فعلى قلبي وأمي ورمضان وروحي رحمة الله وسلامه!
المصدر: موقع المجلة العربية، نقلاً عن مجلة الرسالة - رمضان سنة 1358هـ