الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وآله وصحبه، وبعد:
فقد اهتم المؤرخون والباحثون قديماً وحديثاً بالتأريخ لهذه المدينة العظيمة – دمشق - والتعريف برجالاتها، وكتبوا في ذلك الكثير، وتركوا لنا مصنفات شكلت مكتبة كبيرة عامرة فيها أدق التفاصيل من تاريخ هذه المدينة، وتاريخ رجالها، ومعالمها، وحياتها الاجتماعية الثرية النابضة. وقد كان لكل مؤرخ من هؤلاء المؤرخين هدفه ومنهجه؛ فمنهم من أرَّخ لمعالمها العمرانية، ومنهم من أرَّخ لغوطتها، ومنهم من تحدث عن مجتمعها، ومنهم من ترجم لأعلامها، ولكن لم تصدر إلى اليوم دراسة متخصصة شاملة عن تاريخ أسرها، وأثر هذه الأسر في الحياة الدمشقية، ماخلا بعض الدراسات التي صدرت عن تأثير بعض هذه الأسر في الحركة السياسية لهذه البلدة، وبعض الأبحاث والفصول المبثوثة في الكتب العامة، وكان أوسعها ما كتبه المؤرخ الدمشقي الشيخ محمد أديب تقي الدين الحصني المتوفى (1358هـ/1940م) في كتابه "منتخبات التواريخ لمدينة دمشق"، فقد قدّم مادة ثرية ولكنها تحتاج إلى تنقيح، وتهذيب، وإتمام، وترتيب عصري مناسب. الهدف من هذا العمل: وكان الباعث على هذا العمل والهدف منه هو حفظ هذه المعلومات التاريخية التي قدمها المؤرخون السابقون، أو التي جمعتها مشافهة، وترتيبها على هذا الشكل لتكون شاهداً على ماقدم السابقون، وحافزاً لأبناء هذه الأسر الدمشقية العريقة يتعرفون من خلالها على تراث آبائهم وأجدادهم، وعلى ما قدموه من خير وفضل، فينهجوا منهجهم في العلم والتقوى، الجد والعمل ليحصلوا الثمرة التي حصلوها، وليكونوا خير خلف لخير سلف، ولا يقصروا فيضيع مجدهم، ويذهب أثرهم، وتتيه خطاهم. ولا شك أن القدوة الصالحة الناجحة من أهم أسباب النجاح في الحياة، ولذلك ذكر الله في القرآن الكريم قصص السابقين من الأنبياء والصالحين وقال معقباً:
{ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }
[سورة الزمر: 39/18].
منهجي في العمل في هذا الكتاب
وقد كان عملي في هذا الكتاب وفق المنهج التالي:
1- اعتمدت في هذا البحث على كتاب "منتخبات التواريخ لمدينة دمشق" للسيد أديب تقي الدين الحصني مصدراً أساسياً، ونواة لهذا العمل، ولم أهمل منه إلا بعض الأسر التي انقرضت أو زال أثرها في المجتمع الدمشقي، فكل أسرة ذكرها الحصني في كتابه هَذَّبتُ ما ذكره عنها، وأضفت إلى ذلك ما تحصّل لديَّ من معلومات أخرى عن تاريخها ورجالها.
2- أضفتُ إلى ما ذكره الحصني عدداً كبيراً جداً من الأسر الأخرى التي أهملها، والتي كان لها أثر كبير في مجتمع مدينة دمشق، وميَّزتها عن الأسر التي ذكرها بعلامة (*)، وقد زاد عددها على ضعف عدد الأسر التي ذكرها الحصني، واشترطت في الأسر التي أضفتها شرطين أساسين:
الأول: أن يكون مضى على وجودها في مدينة دمشق مئة عامٍ فأكثر، وتعاقب منها في هذه المدينة أكثر من ثلاثة أجيال.
والثاني: أن يكون قد اشتهر من أبنائها عدد ممن تركوا في حياة مدينة دمشق أثراً علمياً، أو عمرانياً، أو اجتماعياً ملحوظاً. ولا شك أنني ربما أهملت عدداً من الأسر التي لم يكن غيرها ممن ذكرتُ أولى بالذكر منها، وذلك لقلة المصادر والمعلومات حول هذه الأسر، وعدم استطاعتي الوصول إليها أو لانعدامها.
3- اعتمدت في عملي هذا على أكثر المراجع التاريخية التي تحدثت عن تاريخ مدينة دمشق خلال الأربعة قرون الماضية، ولكني جعلت الاعتماد الأكبر على سلسلة تاريخ علماء وأعيان دمشق في القرون (11)، و(12)، و(13)، و(14) الهجرية للأستاذين المؤرخين د. محمد مطيع الحافظ، ود. نزار أباظة، وعلى كتاب "أعلام دمشق في القرن (14 هـ)" للمؤرخ د. عبد اللطيف الفرفور، وذلك للمنهجية والموثوقية التي تتميز بها هذه الكتب عن غيرها، فإذا تكررت المعلومة في هذه الكتب، أو تعارضت مع الكتب الأخرى اكتفيت بما في هذه الكتب، وأهملت ما في غيرها.
4- حاولت في أكثر الأسر التي ذكرتها في هذا المعجم الرجوع إلى المهتمين بتاريخ وأنساب هذه الأسر لتصحيح وإتمام ما كتبتُ عنها، فمنهم من لبى مشكوراً، ومنهم تلكَّـأ، ومنهم من وعد ولم يلبي، ومنهم من استصغر العمل، وأهمل الطلب، فأشكر كل من ساهم وشارك في هذا العمل.
5- اعتمدت في ترتيب الأسر على طريقة المعجم، واختصرت كثيراً من المعلومات التي ذكرتها عن أعلام هذه الأسر، وذلك لأني أردت أن يكون هذا العمل فهرساً ومعجماً لهؤلاء الأعلام، ومفتاحاً يدل على المصادر التاريخية التي ذكرت سير هؤلاء الأعلام بشكل مطولٍ، ولو أني لم أختصر هذا الاختصار لبلغ حجم العمل أضعافاً مضاعفة وفقد مقصده الأصل.
6- حاولت ضمن الأسرة الواحدة أن أذكر أبناء الفرع الواحد من هذه الأسرة، والآباء والأبناء، في مواضع قريبة قدر الإمكان، ولم أعتمد الترتيب المعجمي ولا التاريخي في ترتيب أعلام الأسرة الواحدة.
7- صدَّرت الحديث عن كل أسرة بالحديث عن هجرتها إلى مدينة دمشق، وسبب نسبتها، وأبرز سماتها، ثم أثبتُ نسبها- إن وجد- ابتداءً من أشهر رجالها. ولا بد من التنويه إلى أن الانتقادات الإيجابية والسلبية على السواء قد أغنت الكتاب وخدمته، وهكذا خرجت الطبعة الثانية من هذا الكتاب في مجلدين اثنين بعد أن كانت الطبعة الأولى منه في مجلد واحد، والسبب في ذلك يعود إلى أربعة أسباب رئيسة :
السبب الأول: أني لاحظت أن التراجم المختصرة التي كانت سمة الكتاب الغالبة كانت لا تفي بحق كثير من أعلام العلماء الذين ذكرتهم، ولذلك توسعت قليلاً في ذكرت تراجم أكثر العلماء، مع مراعاة أن يبقى التعريف بهؤلاء الأعلام تعريفاً مختصراً.
والسبب الثاني: حاولت تتبع أنساب الأسر التي تنتسب إلى الدوحة النبوية المباركة، واستفدت كثيراً من الكتاب القيم (جامع الدرر البهية لأنساب القرشيين في البلاد الشامية) للسيد الشريف الدكتور كمال الحوت جزاه الله خيراً، الذي جمع فيه عدداً كبيراً من أنساب الأسر الدمشقية الشريفة مستعيناً بما جمعه النسابة الشريف منير الشويكي في مكتبته العامرة بمشجرات الأسر الشريفة. وهنا يجدر التنبيه إلى ملاحظة هامة حول موضوع ثبوت أنساب كثير من الأسر، فإنني من خلال بحثي وعلمي المحدود في موضوع الأنساب وجدت أن مشجرات الأنساب التي بين يدي هذه الأسر الكريمة لا تخلو من بعض السقط والأخطاء والأوهام في عمود النسب، ولكن شهرة انتساب هذه الأسرة أو تلك وتواتر هذه الشهرة بين المؤرخين قديماً تجعلنا نجزم بصحة وصدق انتساب هذه الأسرة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى وإن لم نعثر على عمود للنسب، ومن أكبر الأمثلة على ذلك أسرة الشيخ محمد بدر الدين الحسني المراكشي؛ حيث قطع المؤرخون والنسابون بصحة انتسابها إلى الدوحة النبوية الشريفة، وإن كانوا يفتقرون إلى أسماء الأجداد القدامى التي تربطهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم . بينما نجد أنه بعد غياب منصب نقيب الأشراف في سورية تجرأ عدد من الناس فلفقوا أعمدة مزورة تصلهم بالدوحة النبوية الشريفة . وهنا أحب أن أذكر أن بعض من الأسر التي ذكرت نسبها في هذا الكتاب لا أطمئن إلى صحة هذا النسب ولا صحة الأسماء في عموده، وخاصة منها الأسر التي أعلنت نسبها وشهرته بعد إلغاء منصب نقيب الأشراف في سورية، ولكني ذكرت هذا النسب نقلاً عمن ذكره وبخاصة منهم الأستاذ كمال الحوت رئيس جمعية السادة الأشراف في بيروت، والتزاماً بمبدأ شرعي أصيل هو قول إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه: الناس أمناء على أنسابهم . ولذلك فإن سياق نسب إحدى الأسر في هذا الكتاب ليس إلا على عهدة من ذكره من النسابة والمؤرخين أو من بيده هذه المشجرات والله أعلم .
والسبب الثالث: أنني أضفت التعريف بعدد من الأسر التي لم أعرف بها في الطبعة السابقة حتى بلغ عدد الأسر في الطبعة الثانية (321) أسرة، بينما كان عددها في الطبعة الأولى (265) أسرة، وما زالت بعض الأسر تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتوسع، كما أرجو أن أضم إلى الكتاب في الطبعات القادمة دراسة حول تاريخ وأعلام بعض الأسر الدمشقية الأخرى. والسبب الرابع: أنني أضفت عدداً من تراجم الأعلام الذين فاتني التعريف بهم في الطبعة السابقة. وهكذا فإنني بعد هذا الجهد في البحث والجمع والترتيب أضع هذه الطبعة من هذا الكتاب بين يدي القراء الكرام، راجياً منهم أن ينظروا إليها بعين الناقد المنصف وأن يصححوا الخلل، ويتمموا النقص وفق منهج علمي رائده الإخلاص والبحث عن الحقيقة.
وختاماً أرجو أن أكون قد وفقت في عملي هذا، وقدمت من خلاله الجديد والمفيد، وأن يثيبني الله عليه، ويجعله مبروراً مشكوراً، كما أرجو ممن وجد فيه خطأً أو نقصاً، أن يصوّب الخطأ، ويتمَّ النقص، ويرشـدني إلى الزلل، وبخاصة المعلومات المتعلقة بالأسر التي لم تذكر لإظهار ذلك في الطبعات القادمة، فإن الله جعل الخطأ والنسيان صفة أصيلة لازمة في ابن آدم. وأحب أن أُشير إلى أنه ما ممن عمل تاريخي قديم أو حديث إلا وفيه الكثير من السقطات، وعليه الكثير من الاستدراكات، وذلك لأن التصنيف في التاريخ من أصعب أنواع التصنيف.
ولعلي أعود في مرة أخرى لمراجعة هذا العمل وتوسيعه، والإضافة عليه والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د. محمد شريف الصواف


رد مع اقتباس
