النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1

    افتراضي تسليط الهوى على القلوب و امتحانها بمخالفته

    الحمد لله الذي أرسل رسوله على حين فترة من الرسل , فهدى به إلى أقوم الطرق و أوضح السبل , و افترض على العباد محبته و طاعته و توقيره و القيام بحقوقه , وسدّ إلى الجنة جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه , فلا مطمع في الفوز بجزيل الثواب و النجاة من وبيل العقاب إلا لمن كان خلفه من السالكين , و لا يؤمن عبد حتى يكون أحب إليه من نفسه و ولده و الناس أجمعين , فصلوات الله عليه و على آله و أصحابه و التابعين , و بعد :


    فإن الله جل ثناؤه و تقدست أسماؤه جعل القلوب أوعية , فخيرها أوعاها للخير و الرشاد , و شرها أوعاها للغيّ و الفساد , و سلط عليها الهوى و امتحنها بمخالفته لتنال بمخالفته جنة المأوى , و يستحق من لا يصلح للجنة بمتابعته ناراً تلظى و جعله مُرَكَّبَ النفس الأمارة بالسوء و قُوتها و غذاها , و داء النفس المطمئنة و مخالفته دواها . قال تعالى < فأما من طغى و آثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى * و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى > .


    ثم أوجب سبحانه و تعالى على العبد في هذه المدة القصيرة – التي هي بالإضافة إلى الآخرة كساعة من نهار , أو كبلل ينال الإصبع حين يدخلها في بحر من البحار – عصيان النفس الأمارة بالسوء و مجانبة هواها , و ردعها عن شهواتها التي في نيلها رداها , منعها من الركون إلى لذاتها و مطالبة ما استدعته العيون الطامحة بلحظاتها لتنال نصيبها من كرامته و ثوابه وافراً كاملاً , و تلتذّ آجالاً بأضعاف ما تركته لله عاجلاً .
    و أمرها بالصيام عن محارمه ليكون فطرها عنده يوم لقائه , و أخبرها أن معظم نهار الصيام قد ذهب , و أن عيد اللقاء قد اقترب , فلا يطول عليها الأمد باستبطائه

    كما قيل : فما هي إلا ساعة ثم تنقضي *** و يذهب هذا كله و يزول

    هيأها لأمر عظيم , و أعدها لخطب جسيم , و ادّخر لها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر من النعيم المقيم .
    و اقتضت حكمته البالغة أنها لا تصل إليه إلا من طريق المكاره و النصب , و لا تعبر إليه إلا على جسر من المشقة و التعب , فحجبه بالمكروهات صيانة له عن الأنفس الدنيات المؤثرة للرذائل و السفليات , و شمّرت إليه النفوس العلويات و الهمم العليات , امتطت في السير إليه ظهور العزمات فسارت في ظهورها إلى أشرف الغايات .


    و ركب سرَواو الليل مُرخٍ رواقـه ** على كـل مُغبرِّ القوائم قـائم
    حَدَوا عزمات ضاعت الأرض بينها ** فصار سراهم في ظهور العزائم
    أَرَتْهُم نجوم الليل مـــا يطلبونه ** على عاتق الشعرى و هام النعائم
    فأمّوا حِمىً لا ينبغي لسواهـم ** و مـا أخـذتهم فيه لـومـة لائم


    أجابوا منادي الحبيب لما أذّن لهم حي على الفلاح , و بذلوا نفوسهم في مرضاته بذل المحب بالرضا و السماح , و واصلوا السير إليه بالغدو و الرواح , فحمدوا عند الوصول مسراهم , و إنما يحمد القوم السرى عند الصباح , تعبوا قليلاً فاستراحوا طويلاً , و تركوا حقيراً و اعتاضوا عظيماً , وضعوا اللذة و العاقبة الحميدة في ميزان العقل فظهر لهم التفاوت فَرَأَوْا من أعظم السَّفَه بيع الحياة الطيبة الدائمة في النعيم المقيم بلذة ساعة تذهب شهواتها و تبقى شقواتها .


    هذا و إن من أيام اللذات لو صفت للعبد من أول عمره إلى آخره لكانت كسحابة صيف تتقشع عن قليل , و خيال طيف ما استتم الزيارة حتى آذن بالرحيل , قال الله تعالى < أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون > فالحذر الحذر فإن من سلّم زمام راحلته إلى طبعه و هواه فياعجلة تلفه . حينها لا ينفع ندمه و أسفه .
    فالكيّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني . و السلام
    التعديل الأخير تم بواسطة الزاهر ; 11-11-2009 الساعة 12:36 AM
    قَالَ عليه الصلاة والسلام : إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ
    فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً
    وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً
    [متفق عليه]


    يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
    [الأحقاف | 31]


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •