نقد لاذع و عميق و متين لكثير من التوجهات الدعوية الحالية التي تمثلها غالبية عظمى من دعاة و تنظيمات الصحوة ! يطل علينا من خلالها الأستاذ المودودي في فصل مثير إلى أقصى درجة بعنوان ( دعوة الإسلام وغاية المسلم ) من كتاب ( المسلمون و موقفهم من الصراع السياسي في الهند ) . والذي صدر عام 1940 حينما كان سكان الهند المسلمون يشعرون بمرارة الإحتلال البريطاني ولا يجدون السبيل للتخلص منه !!!
أرجو من جميع الإخوة أن يتابعوه بدقة متناهية فإن في بعض ما يثيره من أفكار ما قد لا تجدونه في كتب أخرى بل فيه ما قد يشكل صدمة حقيقية لكثير من مفاهيمنا الإسلامية !
كما و أغتنمها فرصة لأنصح الإخوة أن يطلعوا على الكتب التالية للأستاذ المودودي فإنها بحق منارات هداية و فيها فوائد عظيمة وفرائد نادرة تمس الحاجة إليها: ( منهاج الإنقلاب الإسلامي ) ، ( المصطلحات الأربعة في القرآن ) ، ( الحضارة الإسلامية )
دعوة الإسلام و غاية المسلم
(
إذا كان شخص تنتابه نوبات من التشنج و الهذيان مرة بعد مرة لا يفارقه القلق و الإضطراب و لا في الفترات المتخللة من الصحة، فما هي النتيجة التي يستخرجها العقلاء برؤية حالته هذه؟ هل يعتبرونها مجرد أثر من آثار الضغط الخارجي؟ أم يرون أن هناك فسادا كامنا في داخل نظامه الجسدي؟ وهل يعالجون التشنج بمجرد شد يديه و رجليه، و الهذيان بمجرد كم فمه ، و الحمى بمجرد غرزه في الثلج أم يوجهون كل عنايتهم إلى أن يدركوا الفساد الحقيقي الذي قد نشأ في تركيب نظامه الجسدي و يركزوا كل جهودهم على إزالته ؟ .
أما في ما يتعلق بالحالات الفردية ، فإن كل عاقل لا يسلك في مثل هذه الأحوال إلا الطريق الثاني ، و لكن العجب كل العجب أن العقل الذي يستخرج نتيجة صحيحة برؤية شخص في هذه الحال ، يتخبط خبط عشواء في استنتاج السبب الحقيقي حين يرى الإنسانية كلها مصابة بحالة كهذه ؟ .. إن العالم الإنساني في وقتنا الحاضر مصاب بتوتر شديد و قد انتابته نوبة شديدة من التشنج تزلزلت بها الأرض من أقصاها إلى أقصاها ، و ما هذه النوبة بنوبة أولى من نوعها ، بل هناك نوبات و نوبات من عين هذا النوع تنتابه بصفة مطردة منذ أمد غير يسير ، و لا يعيش مطمئنا هادئ البال ، و لا خلال الفترات التي لا تنتابه فيها هذه النوبات ، و إنما يعيش قلقا مضطربا في كل حين من أحيانه بألم من الآلام. ولكن على رغم أن هذا الوضع مشاهد في الأرض كلها منذ مدة ، فإن أحدا من الناس لا يلتفت فكره إلى أن هناك فسادا أساسيا هو الكامن في أساس التمدن و العمران الإنساني ، ولا نرى أنظار كل عقلاء الأرض و علمائها إلا متوجهة إلى الأمارات الخارجية التي قد برزت على السطح الظاهري لسبب الفساد الداخلي ، ومن هنا فإن كل واحد منهم إنما يضع إصبعه على القرح الذي يراه أبرز من غيره على السطح الظاهري و يقول : شرحوا هذا ، يصلح كل شيء و يزول الفساد برمته . فمنهم من يقول أن الدكتاتورية هي مبعث الشر و مصدر الفساد فاستأصلوا شأفتها. و منهم من يقول أن ليس كل الفساد إلا لسبب الإستعمار فاقضوا عليه قضاء. ومنهم من يقول أن الرأسمالية هي التي قد حولت الأرض إلى جهنم فاقطعوا دابرها. و يا ليت شعري ما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا !
يحسبون الفروع الأصل ، و لا يعلمون أن الأصل هو غير هذه الفروع ، و أنه ما دام متأصلا في الأرض فإن الفروع لا بد أن تظل في نمو و كثرة و لو ظلوا يضيعون الوقت في قطعها إلى يوم القيامة.
وما أصل كل فساد في أي مكان من الأرض إلا شيء واحد هو خضوع الإنسان و استسلامه لسيادة أحد غير الله. إن هذا الخضوع و الإستسلام هو أم الخبائث وهو مصدر الفساد ومنبت الشر ، وهو الأصل الذي به ينبت الشجر الخبيث التي تنتشر فروعه في كل جوانب الأرض و تسقط على رؤوس سكانها ثماره من النكبات و الكوارث فمهما تبذلوا من جهودكم في قطع الفروع و شذبها و تهذيبها مع بقاء هذا الأصل قائما في بطن الأرض ، فإن كل جهودكم لن ترجع عليكم بجدوى سوى أن ينقطع نزول الكوارث من جهة و يبتدأ من جهة أخرى!
ماذا عسى أن يحصل إذا استأصلتم شأفة الدكتاتورية أو الملوكية المطلقة العنان؟ لا شيء سوى أن يتزحزح شخص أو أسرة عن منصب الألوهية و يحتل مكانه أو مكانها مجلس نيابي . ولكن هل تنحل بهذا الطريق مشكلة الإنسانية في واقع الأمر ؟ وهل أن المكان الذي قائمة فيه ألوهية المجلس النيابي هو خال من الظلم و البغي و الفساد في الأرض ؟ )
يتبع إن شاء الله
ملاحظة : المقال مترجم عن اللغة الأردية


رد مع اقتباس
