وتعاونوا على البر والتقوى
قال الله تعالى في كتابه العزيز {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب } . .
لاحظوا أيها الأحبة أن الله عز وجل أمرنا في هذه الآية بثلاثة أوامر ثم توعد بالعقاب الشديد للمخالفين لهذه الأوامر وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية ما أمرنا به.
لقد كانت حمية الجاهلية مستحكمة، والنعرات العصبية مستشرية. كان التعاون على الإثم والعدوان أقرب وأرجح من التعاون على البر والتقوى؛ وكان الحلف على النصرة، في الباطل قبل الحق. وذلك طبيعي في بيئة لا ترتبط بالله؛ ولا تستمد تقاليدها ولا أخلاقها من منهج الله وميزان الله . . يمثل ذلك كله ذلك المبدأ الجاهلي المشهور : « انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً » . . وهو المبدأ الذي يعبر عنه الشاعر الجاهلي في صورة أخرى ، وهو يقول :
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت ، وإن ترشد غزية أرشد!
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
فجاءت الإسلام بالمنهج الرباني، ليروض نفوس العرب على الانقياد للمشاعر الأخوية القوية، والاعتياد على السلوك النبوي الكريم . . وكانت أبعد ما تكون عن هذا المستوى وعن هذا الاتجاه . . جاء ليربط القلوب بالله؛ وليربط موازين القيم والأخلاق بميزان الله . جاء ليخرج العرب - ويخرج البشرية كلها - من النعرات العصبية ، وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية والعائلية والعشائرية في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء . .
جاء الإسلام . . جاء المنهج الرباني للتربية . . جاء ليقول للذين آمنوا { وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . واتقوا الله ، إن الله شديد العقاب } . .
جاء ليلغي حمية الجاهلية { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}
جاء ليقول "ما بال دعوى الجاهلية ؟ دعوها فإنها منتنة"
جاء ليقول:" أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية " روى البخاري أن أبا ذر وبلالا الحبشي ( رضي الله عنهما ) تغاضبا وتسابا وفي ثورة الغضب قال أبو ذر لبلال : يا ابن السوداء فشكاه بلال إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لأبي ذر : أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية "
جاء ليقرر أن فساد ذات البين هي الحالقة، فعن أبي الدرداء قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):" ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا بلى قال صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة" ويروى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:" هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ".
والمواقف المشرفة في الإصلاح كثيرة كثيرة من أهمها تنازل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه وقد أثنى على هذا الموقف حبيبنا (صلى الله عليه وسلم) كما جاء من حديث أبي بكرة قال : رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول : " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين "
جاء الإسلام ليقرر نصرة الظالم بنفس اللفظ ولكن بطريقة أخرى، وتصور آخر.. فعن أنس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " . فقال رجل : يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما ؟ قال : " تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه " . متفق عليه
جاء الإسلام ليحدّ من البغي وليأخذ على يد البغاة {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
جاء التعاون على البر والتقوى صورة مشرقة في جبين الدهر وعلى جميع الصعد، وإليكم - أيها الأحبة - هذه الإشارات:
فعلى الصعيد الزوجي
الأصل التعاون على البر والتقوى {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
والإصلاح هو {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}
وعلى الصعيد العائلي
عن أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيؤون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي . فقال: " لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك " . رواه مسلم
حلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا فأنزل الله تعالى {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يعني أبا بكر أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله يعني مسطحا إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكر بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا وعاد له بما كان يصنع .
وعلى صعيد الجيران
{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ }
قوله: { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } أي: لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم. فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القُرُبات أولى وأولى.
عن جابر قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):" إذا طبخ أحدكم قدرا فليكثر مرقها ثم ليناول جاره منها" .
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):" لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبة على جداره"
عن أبي شريح الكعبي رضي الله عنه قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):" والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل يا رسول الله لقد خاب وخسر من هذا قال من لا يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه قال شره".
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يشكو جاره قال اطرح متاعك على طريق فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال يا رسول الله لقيت من الناس قال وما لقيت منهم قال يلعنونني قال قد لعنك الله قبل الناس فقال إني لا أعود فجاء الذي شكاه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال ارفع متاعك فقد كفيت
وعلى الصعيد العام نعمل فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه
إذا العبء الثقيل توزّعته أكف القوم خفّ على الرقاب
هذا التعاون يوصل إلى التكامل كما بيّن الحبيب (صلى الله عليه وسلم) بقوله: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر البدن بالسهر والحمى".
كونوا جميعا يا بني إذا اعترى خطب ولا تتفرقوا أفرادا
تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحادا
ونحن اليوم نستطيع أن نقرأ العمل الجماعي على هذا الأساس فمنا من برع في العمل الخدماتي وآخر في العمل الطبي وثالث في دورات القرآن ورابع في تعليم الناس وخامس ركز على العمل الكشفي والتربية والأخلاق وبمجموعنا نحقق المجتمع الفاضل بإذن الله تعالى، ويكون الاختلاف اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد
وما المرء إلا بإخوانه كما يقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة ولا خير في الساعد الأجذم
وعلى صعيد بلدتنا الطيبة وهذا بيت القصيد
كنا نتمنى أن يكون لدينا لائحة توافقية واحدة ممثلة من جميع الأطياف تتحمل بمجموعها المسؤوليات والتبعات يدلو فيها كل بدلوه حسب طاقاته وقدراته وإمكانياته فهذا بخبراته وعلاقاته الخارجية وذاك بشهاداته واختصاصاته..
ولكن!!!!!! ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
المهم بعد غد سيرشح أهلنا الأكارم من سيستلم زمام بلدتنا الطيبة، وفي كل المرشحين الخير والبركة وبكل روح أخوية سنعبر جميعا عن حريتنا في اختيار من نريد طالما أن الجميع قد رفعوا الشعارات والبرامج التي تصب في مصلحة البلدة وأبنائها وطالما أن الجميع يتمتعون بالمواصفات المطلوبة فهذا يعني أننا ومن باب التعاون على البر والتقوى سنعتبر يوم الاثنين يوما جديدا مباركا يعمل فيه الجميع من موقعه للصالح العام من وصل بصلاحياته ومن لم يصل بوضع نفسه في الخدمة ومن صوت لهذا أو ذاك يجب أن يكون عونا للبلدية أيضا.
وما ضرنا إن لم يك العرب وحدة وقد وحدتنا في الجهاد المقاصد
فأصابع كف المرء في العد خمسة ولكنها في مقبض السيف واحد
لنتعاون على إكمال مسيرة الإنماء والاعمار.. لنتعاون على نشر الأخلاق الفاضلة والحد من الرذائل.. لنتعاون على قضية الموقوفين.. لنتعاون على تجميل البلدة .. وتنظيم العمل الإداري .. وتقديم الخدمات الصحية والتربوية عملا لا قولا
وحذار من التعاون على الإثم والعدوان وترك المجال لتغلغل الأحقاد والضغائن في القلوب التي تنعكس على الأفراد والأسر فحل بنا عذاب الله لا قدر الله


رد مع اقتباس
