لحظات هي هذه الحياة التي نعيشها... ومواقف هي التي نُدركها...
سُويعات هي التي نقضيها...
ودقائق هي التي نرجوها!!!
خيّروني...
فإمّا أن أراها... وإمّا أن تودّعني في لحظةٍ باردة...
فماذا اخترت؟!
آثرت نفسها على نفسي... وتذكرت ماضيها... وأيّ ماضٍ كان؟!!!
هل أتحدّث عن طيبة قلبها؟! أم هل أتحدّث عن عزّة نفسها؟!
هل أتحدّث عن نخوتها وشهامتها؟! أم هل أتحدّث عن كرامتها وكبريائها؟!
تقف كلماتي حائرة !!! عاجزة عن وصفها !!!
فالانسان... هذا الكائن الروحيّ العاطفيّ... هو مرآة لواقعه!
لا يستطيع أنْ يُخفي ما الزمن مُبديه!
لا يُمكنه أن يصطنع الفرح في لحظة الحزن... ولا أن يهدأ في لحظة الغضب!!!
إلا أنها كانت تخفي عني الكثير! خشية أن تغرقني في همّها..
ولمّا كانت تعلم أنّ همّي من همّها, وألمي من أمها, وحزني من حزنها...
فهل هذا هو وقت العتاب؟! أم هو وقت الفراق والوداع؟!
غرسَتْ في قلبي السعادة في خضمّ الأحزان..
نزعَتْ عنّي لباس الأوهام والآلام..
سكنَتْ نجوايْ في حضنها الدافىء....
واعتراني الأمل كلما نظرت إليها...
ولكنْ!
كانت الظروف أقوى من إرادتها... وأقسى وأمرّ عليها... فلم تهنأ حتى في أيامها الأخيرة!
إلا أنها لم تشأ الذهاب إلا وقد ختمت مشوارها الطويل بكلماتٍ أضاءت في نفسي شموعاً لا تنطفىء!
كيف لا... وهي قد اختارت أن تكون معي في لحظاتها الأخيرة... وكذلك اخترت أنا البقاء إلى جنبها لأنها أهمّ من العالم كله بنظري!
لم تشأ أن تودّعني إلا وقد ذكرتني بكل لحظةٍ قضيناها سوياً..
لقد أعادت فتح سجلات الماضي الذي كنت أعيش على رماده...
غير أن كلامها لم يحمل في طيّاته أيّ عتاب... مسامحة الدّهر... منيبةً إلى ربّها الوهّاب... راجيةً رحمة العزيز التوّاب...
فإليها أقدّم اعتذاري وشكري..
وبين أيديكم أضع وصيتها وحزني..
إذا المرء لا يرعاك الا تكلفا
فدعه و لا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة
وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه
ولا كل من صافيته لك قد صفا
اذا لم يكن صفو الوداد طبيعة
فلا خير في ودٍ يجىء تكلفا
ولا خير في خل يخون خليله
ويلقاه من بعد المودة بالجفا
وينكر عيشاً قد تقادم عهده
ويظهر سرا كان بالأمس قد خفا
سلام علي الدنيا اذا لم يكن بها
صديق صدوق صادق الوعد منصفا
وأنتم؟!!
إذا علمتم باقتراب رحيل أعزّ انسان ... اختار أن يكون إلى جنبكم في لحظاته الأخيرة...
يضع بين أيديكم وصيّته المثيرة..
فهل تؤثرونه على أنفسكم وعلى العالم كله؟! أم تتخلون عنه؟!
وإذا علمتم بأنكم تستطيعون أن تؤمنوا السعادة لمريض من أقاسي الأرض...
فهل تخاطرون بأنفسكم في سبيل سعادة هذا المريض؟؟!!!
" وعلمتني الحياة أنّي إنْ عشت لنفسي ... أعشْ حقيراً هزيلا "


رد مع اقتباس
