السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
بسم الله الرحمان الرحيم
لازلنا في موضوع الموت ، والموت أشد الأحداث واقعيةً في المستقبل ، ما من حدث في المستقبل أشد لصوقاً بالإنسان وأشد واقعيةً من الموت ، والتفكير في هذا الحدث الخطير تفكير جاد ، واقعي ، مهم جداً ، لنرى لماذا وجه النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه الكرام ؟ للإكثار من ذكر الموت ؟
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ "
أكثروا ليس الأمر منصباً على هاذم اللذات ، بل على الإكثار من ذكر هاذم اللذات ، وهذا الحديث صحيح والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وصيغة هذا الحديث مصدرةٌ بفعل أمر أكثروا .
وفي حديث آخر :
" أكثروا ذكر هادم اللذات ، فإنه ما ذكره أحد في ضيق العيش إلا وسعه عليه ، ولا في سعة إلا ضيقه عليه "
إن كنت غافلاً مع السعة ذكرك الموت بمغادرة الدنيا ، وإن كنت في ضيق مع القلة ذكرك الموت في الآخرة ، فتنسى ما أنت فيه ، الذي أتمناه على أخوتنا الكرام أن يفهموا أن الدين ليس كما يفهم كثير من الناس صومٌ وصلاة وحجٌ وزكاة ، بل والفهم السليم : أن الدين نهج تفصيلي ، لا أبالغ أنّ فيه عشرين أو ثلاثين ألف بند فهذه بنود الدين ، الذي يكثر من ذكر الموت إنسان يطبق سنة النبي ، يطبق منهج الله عز وجل ، والموت يأتي فجأةً ، بغتةً .
السعة مع الغفلة علاجها التفكر بالموت ، والضيق مع اليأس علاجه التفكر بالموت ، فبالسعة يذكرك وفي الضيق يذكرك ، في السعة ينقذك من غفلتك وفي الضيق ينقذك من غفلتك .
إذا طالب لم يذكر الامتحان في أثناء العام الدراسي فقد أخطأ أما إذا ذكر الامتحان وقد وزعت الأوراق وقرع الجرس ووزعت الأسئلة فالمراقب والامتحان صار أمراً مصيرياً ، نجاح أو رسوب ، النجاح يعني نال رضى من حوله ونال بعض الميزات ، هذا الطالب الذي نال الدرجة الأولى على القطر سئل مرة بمَ نلت هذه الدرجة ؟ قال : لأن لحظة الامتحان لم تغادر ذهني ولا ساعة طوال العام الدراسي ،
والمؤمن الصادق المتفوق مغادرة الدنيا لا تغادر ذهنه إطلاقاً فهو يعمل بدأب وليس فقط يعمل بل حتى إذا قامت الساعة يعمل ويستمر في عمله :
" عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ "
يعمل ويؤسس عملاً ويدرس وينال شاهدات ، و يتوظف ويشتري بيتاً ، ويتزوج ويسكن كل هذا لا علاقة له بالموت ، الموت يحميك أن تخطئ ، يمنعك من أن تعصي الله عز وجل ، يمنعك من أن تأخذ ما ليس لك ، الموت يمنعك أن تقف في طريق الإيمان ، الموت سور ودافع ، يدفعك إلى الله وسور يقيك الزلل والانحراف .
" عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ قَالَ : أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا قَالَ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأكْيَاسُ " .
قد يكون مشتركاً في رحلة فيكتب كل حاجاته لكيلا ينسى شيئاً ثم يضع هذه الحاجات في المحفظة
عندئذٍ يمضي رحلة موفقةً ناعمةً ، والاستعداد من علامات العقلاء ، وأخطر حدث عند الناس الموت أما أن يسكن في بيت فهذا مهم وكذلك أن ، يعمر بيتاً ، وأن يزوج أولاده ، ولكن أخطر حدث على الإطلاق المغادرة ، " الموت" و ما أدخله في حساباته ، فلذلك النبي الكريم عندما سئل " ... فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأكْيَاسُ "
أولئك الأكياس أن تكثر ذكر الموت وأن تكثر من الاستعداد له ، بالتوبة وبالوصية و بالعمل الصالح ، بإنفاق المال ، بالدعوة إلى الله ، بالنهي عن المنكر الأمر بالمعروف ، بخدمة الخلق ، بالإكثار من العبادة ، نوافل العبادات طلب العلم ، قراءة القرآن ، أعقل الإنسان في مقياس النبي عليه الصلاة والسلام ، من أكثر ذكر الموت وأكثر الاستعداد له .
" عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ " .
نفعنا الله و إياكم في الدنيا و الآخرة , و أماتنا على فطرة الإسلام و شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا ً صلى الله عليه و سلم رسول الله .
يتبع إن شاء الله تعالى ...


رد مع اقتباس
