نفحات رمضانية
الحمد لله الذي هدانا لأقوم السبل، ونسأله أن يمدنا بعزم لا يأخذه فتور ولا ملل، وأن ينفي عن قلوبنا اليأس ويقوي منّا الأمل، والصلاة والسلام على نبينا محمد المؤيد بأجلّ آية وأسطع برهان، والداعي إلى الدين الحق بأقوم حجة وأبلغ بيان، وعلى آله وأصحابه السادة الأمجاد والذين فتحوا بحكمتهم القلوب، وبأسنتهم الوهاد والنجاد. أما بعد:
إن الله جعل المواسم للمؤمنين ليتداركوا ما فات ويتسابقوا في تحصيل الحسنات ويتعرضوا للنفحات ولترفع لهم الدعوات وتكفر عنهم السيئات،
وان شهر رمضان لمن أعظم هذه المواسم واجلها وأكثرها أجرا.
وينبغي للمسلم المؤمن أن يقدر هذه المواسم حق قدرها، يستشعر بقلبه فضيلتها، فرمضان موسم مبارك، أيامه فاضلة، ولياليه مباركه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدومه فيقول :
" إذا كان أول ليله من ليالي رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النار ، فلم يفتح منها باب ، وفتحّت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب ، وينادي منادٍ : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار ، ذلك كل ليله " رواه الترمذي .
اعرف قدر زمانك..." من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه "، وأيضاً "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
شهر يفوق على الشهور بليلة *** من ألف شهر فضلت تفضـيلاً
طوبى لعبد صح فيه صــيامه *** ودعا المهيمن بكرة وأصيــلا
وبليلة قــد قام يختم ورده *** متبتـــلاً لإلهــه تبتــيلا
تأمل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفي بهذا الموسم، ولك فيه أعظم أسوة .
" كان رسول الله أجود الناس " بجميع أنواع الجود : بالمال والبدن والوقت والجاه والعلم والتعليم ، والدلالة على الخير . (كما يقول إبن القيم رحمه الله تعالى)
وماذا عن كنوز رمضان؟
أعظمها، تحقيق العبودية الحقة لله ، فالعبد يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله ، لأن الله أمره بذلك ، وهذا من أعظم الدلائل على الإيمان . " ترك طعامه وشرابه من أجلي "!
وتحقيق التقوى : وأنعم بها من خُلّة وأكرم بها من نعمة ، وما اتقى الله من ترك لنفسه العنان ، لم يلجمها بلجام التقوى ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس له حاجة أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخاري
" ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر "
كم يتدرب الصائم ويتعلم الإخلاص في رمضان، فأنت لا تصوم لأن الناس حولك صائمون، بل صُمْ لأن الله فرض عليك الصيام ، واحتسب الأجر والثواب على ذي الجلال والإكرام .
من أثر الصيام ما يحدثه التخفيف من الطعام والشراب من صفاء الروح وسمو النفس وعلوها ، ولذا قيل للإمام أحمد : " أيخشع القلب والبدن شبعان ؟ قال : ما أظن ذلك . ولكننا نصوم عن الطعام والشراب نهاراً ونتخم المعدة ليلاً فلا نرى خشوعاً، ولا نشعر بروحانية الصيام في نفوسنا .
في الصيام التمرن على ضبط النفس والسيطرة عليها عند النزغات والمثيرات .
وفي الحديث " فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم "
في رمضان يتذكر الصائم الفقراء والمحتاجين الذين لا يجدون طعاماً يسد جوعتهم ويروي عطشهم .
لنقف اليوم ونحن على مشارف هذا الشهر المبارك وقفة مصارحة ومحاسبة . لنتذكر حالنا في رمضان الماضي ، هل كان حالاً مرضياً ، كيف كان حفظنا للصيام ، كيف كان حالنا عند القيام ؟
كم يسعد المرء عندما يرى الجموع المؤمنة تفد على بيوت الله مبكرة تنتظر صلاة التراويح ، كم تسعد العين وهي ترى التنافس على الصفوف الأولى في هذه العبادة ، فأين أنت منهم يا رعاك الله ، ألم تكن الصلاة قرة عين نبيك ؟ فأين هي من قلبك ؟
ها هو شهر رمضان حل ، وها هي مواطن الرحمات قربت ، فكيف سيكون حالك مع القيام ؟
كيف كان حالنا مع القرآن الكريم ، ورمضان هو شهر القرآن ، ....
إذا كان حالنا مع القرآن في رمضان الماضي لا يسر ، فهل نستمر على ذلك ؟
تذكر أن القرآن يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة بمنطوق حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم
" فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه "
ولقد اجتمع لك في رمضان شفيعان كريمان .. القرآن والصيام .
لقد كنا دائماً نحدث أنفسنا بانتهاز فرصة رمضان ، فها هو رمضان قادم ، فما عسانا فاعلون ؟ رمضان يطل علينا هلاله بعد أيام ، فأي رمضان يكون رمضانك هذه المرة ؟
* هل هو رمضان المسوفين الكسالى ؟
* أم هو رمضان المسارعين المجدين ؟
* هل هو رمضان الصيام والقيام الحقيقي ؟
* أم هو رمضان صيام العادة وقيام الكسالى ؟
* هل هو رمضان الحفظ على الجوارح والأركان؟
* أم هو رمضان الضياع ومشاهدة المسلسلات والأفلام ؟ أيها الأحبة ..
ألم يعتصر في قلب كل مؤمن ومؤمنة يجدون شدته في صدورهم ووطأته على نفوسهم .
انه شبح الإعلام .. نعم الإعلام وبالتحديد الوسائل الإعلامية المرئية التي صارت تكثف جهودها وتحشد جنودها وترص صفوفها من أجل شغل الأوقات الفاضلة في هذا الشهر الكريم .
لقد تسابقت تلك القنوات تسابقاً غير شريف وتنافست تنافساً غير كريم لصد الناس عما ينفعهم .
أيعقل يا عقلاء قومي أن يصير هذا الشهر الكريم عند المحرومين شهراً يتضاعف فيه الفسق والعصيان؟
أيعقل أن تتضاعف الجهود من أجل تحويل شهر تتنزل فيه الرحمات إلى شهر الفن والتمثيل والطيش والسفه؟
نعم والله لقد صار .
ماذا أصاب الناس ؟ وما الذي دهاهم ؟
أزهدوا في الثواب والأجر ؟ أرغبوا في هذه المواسم العظيمة بالسيئات والأوزار ؟
ألم يكفهم ما عليه الناس اليوم من ضعف في الإيمان وكسل عن الطاعات حتى راحوا يفسدون على الناس موسمهم الكريم ببث أفلام ساقطة ومسلسلات هابطة وفوازير مفسدة ، وأغان ماجنة ، ألا بعداً للقائمين عليها وسحقاً وتباً لهم وقبحاً .
إنهم يهاجمون أياماً مباركة .
أيها الصالحون .. إنهم يريدون إفساد ليالينا الفاضلة ، يتسابقون في إقامة المسابقات التي لا يفوز فيها إلا القلة النادرة ، فهل نفتح بيوتنا وقلوبنا وقلوب أبنائنا لهم ؟ لقد أبان الله هدف أهل الهوى والشهوات في آياته البينات فقال : { وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً }النساء
أين ذهب بك عقلك أيها الصائم القائم ؟ يوم تضيع هذا الموسم أمام شاشات ساقطة ومشاهد مخزية ، إني سائلك أخي ومشدد عليك في المسالة فلا تجد نفسك عليّ شيء .
ما الذي تجنيه من الجلوس خلف تلك الشاشات ؟
هل تخرج بزيادة الإيمان أم ضعفه ؟ هل تجد من نفسك اندفاعاً لفعل المعروف والتسابق إلى مرضاة الرحمن .
فوقوفاً أيها المباركون في وجه ذلك الشر والشبح القاتل والمفسد الخطير .
إن رمضان أيامه قليلة وساعاته تطوى سريعا، وهو والله أكرم من أن يضيع في مباح فضلاً عن محرم .
تذكر ذهاب الشهر وانصرام أيامه التي لن تعود عليك إلا بعد عام كامل ، كم يموت فيه من إنسان ، فأدعوك من هذا المكان الشريف أن تغلق كل ما يصدك عن ذكر الله ، تفرغ لطاعة ربك ، واجعل رمضان باباً تلج منه إلى الخيرات .
نعم .. أيها الأخوة والأخوات ..
لقد كان رمضان سبباً لهداية كثير من الناس تأثرت نفوسهم بالطاعات وخشعت قلوبهم للآيات ، رمضان فرصة عظيمة لتبديل الأحوال ، رمضان فرصة لمن كان مقصراً في الصلاة أن يحافظ عليها .
رمضان فرصة لمن هجر القرآن أن يعود إلى كتاب ربه .
رمضان فرصة لمن تلبس ببعض المعاصي والمحرمات أن يتركها .
رمضان فرصة لمن كان بينه وبين أحد قطيعة أن يصل من قطع .
رمضان فرصة لمن تكاسل عن بعض النوافل أن يجتهد في فعلها .
أخي ..
إن بقاؤك حتى تدرك رمضان نعمة ، فكيف تقابلها ؟ وإن اتعاظك بقبرك حجة ، فكيف تنصرف عنها ؟
إلام تغر بالأمل الطويـل *** وليس على الإقامة من سبيل
فدع عنك التعلل بالأماني *** فما بعد المشيب سوى الرحيل
أتأمل أن تدوم على الليالي *** وكم أفنين قبلك من خليل
وما زالت بنات الدهر تفني *** من الأيام جيلاً بعد جيل
اللهم بلغنا رمضان وأعنا فيه على الصيام والقيام وتلاوة القرآن........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب "وأقبلت نفحات الجنان" لعادل بن عبد العزيز المحلاوي (بتصرف)


رد مع اقتباس
