السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
بسم الله الرحمن الرحيم

مع الدرس الرابع و العشرين : (( من مستلزمات العبودية (2) )) : الخوف من الله .

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد .


أيها الإخوة و الأخوات ... ،هناك لوازم إيمان سلوكية أن تكون مستقيماً ، ملتزماً ، عند الأمر وعند النهي ، أن يراك حيث أمرك ، ويفتقدك حيث نهاك ،

لكن من اللوازم الشعورية أن تشعر بالخوف من الله ، وأن تشعر بالحب له ، وأن تشعر بالتعظيم ،

لذلك ورد في بعض الآثار القدسية : (( أن يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحب عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين لا يأتي إلى أحد بسوء ، أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي ، قال : يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي)) .


كأن شرح الحديث : ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني ، فمن علامة الإيمان أن تشعر بالخوف من الله ، لأن الله عز وجل يقول :

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ

(12)
( سورة البروج )

إذا أخذ أدهش !

وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ

(40)
(سورة البقرة)

وحينما يتقدم المفعول على الفعل فهو صيغة قصر ، أي ارهبوني وحدي ، وإياي فارهبون ، وفي آية ثالثة :

فلا تَخَافُوهُم ْ و َ خَافُون ِ

(سورة آل عمران)

علامة الغافل أنه يخاف مما سوى الله ، و علامة اليقظ المؤمن أنه لا يخشى إلا الله ، وحينما يصف الله المؤمنين فيقول :

إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ
(57)
(سورة المؤمنون)


وفي آية اخرى :

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27)
(سورة الصافات)

قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26)
(سورة الطور)


علامة المؤمن الذي يستحق الجنة أنه خائف في الدنيا ،

فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ
(27)

إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)
(سورة الطور)

وفي آية أخيرة :

فَلا تَخْشَوهُم ْ و َ اخْشَونِى
(سورة البقرة)

ينبغي أن تشعر إذا كنت مؤمناً حقاً أن تخاف من الله ، بل إن رأس الحكمة مخافة الله ،

والإمام الحس البصري يقول : إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة ، وإن المنافق جمع إساءة وأمناً ، سبحان الله !

المستقيم المحسن خائف ، والمسيء المتفلت مطمئن ، لكنها طمأنينة الجهل والغباء والسذاجة ، حينما وصف الله عباده المؤمنين :

و َ الَّذِين َ يُؤْتُون َ مَا ءَاتَواْ وَّ قُلُوبُهُم ْ وَ جِلَة ٌ

آتوا أي أعطوا ، أتوا بمعصية أو بذنب .

أخرج الإمام أحمد في المسند عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ( الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ

قَالَ لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يُخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ )) .

(مسند الإمام أحمد)

علامة المؤمن ، وأنت في طاعتك ، وفي استقامتك ، وأنت تعطي ، وتضحي ، وتلتزم وتنفق ، أنت خائف لعلو مقام الألوهية عندك ، خائف ألا يقبل منك ذلك ،
هذا المعنى قاله النبي عليه الصلاة والسلام ، و الوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظاً منتقاة ، و ليس مترادفة ، ونحن في صدد بيان الفروق الدقيقة بين هذه الألفاظ .

لكن إن شاء الله في القسم الثاني من درسنا هذا .
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .