إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ً عبده ورسولهـ نشهد أنّه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا كل منحرف متكبّر وهالك.
ورضي الله عن آل بيته الأطهار الأبرار، وأصحابه الأخيار، الغرّ المحجلين، وعلى من سار على نهجه وشريعته، واقتفى أثره واستنّ بسنّته إلى يوم الدين.

أما بعد، ..


أخي الكريم .. ما أحببتت أن تنسحب !! .. ولكن نقاشك غير منهجي ولا موضوعي .. مع ذلك سأرد عليك ردا ً بسيطاً فأقول،
أن من السذاجة بمنطق أن نأخذ الحدث بذاته ونستدل به، ولكن أتسائل فأقول هل من عالم سلفي أو فكر ٍ سلفي أو حتى تنظيم سلفي تبنى هؤلاء ؟؟!! ..


أخي الكريم، سجَّل القرآن لنا واحداً من الأعذار التي قدمتها قريش تسويغاً لرفضها دعوة الإسلام ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : " إن نتبع الهدى معك نُتخطَّف من أرضنا "

أي إنهم يخشون إن أسلموا أن يفقدوا الأمن ( الغذائي ، والأمان ) الذي كانوا يتمتعون به حال كفرهم . فردَّ القرآن عليهم عذرهم بقوله : " أوَ لم نُمكن لهم حرماً آمناً يُجبى إليه ثمراتُ كلِّ شيءٍ ، رزقاً من لدنَّا ؟ ! ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون " ( القصص : 57 ) .

أي أن الله الذي مكَّن لكم هذه الإمكانيات حال كفركم ، سيمكنها لكم حال إيمانكم .

هذا هو المعنى المباشر من الآية ، فما الذي تريد الآيةُ قوله في عمقها ؟

... تريد أن تقول : يا أهل مكة لا تخافوا من المجاورين ، فإن مكة تصلح لإعلان الإيمان فيها .

... وتريد أن تقول : إن البلد الذي لا يمتلك مقومات دولة لا يصح إعلانها فيه .

... وتريد أن تقول : إن الأمن الغذائي والأمان ضرورتان للقرار المستقل .

... وتريد أن تقول : من أعلن عن قيام دولة في هكذا بلد حكم على بلده والناس أجمعين بالهلاك والفناء .

فماذا عن إعلان قيام الإمارة الإسلامية في أكناف بيت المقدس ، وبدايتها من رفح ؟!

أخي، ..

لننس حماس قليلاً ، كم تبلغ مساحة رفح ؟ وما هي مقومات رفح؟ الجواب باختصار : لا مقومات ! وإذن أعلن المخلصون وفقط ، المتلهفون لرؤية حكم الله مطبقاً في الأرض وفقط ، عن إقامة إمارة إسلامية ! فما هو السيناريو المتوقع :

ستضع دولة اليهود سفينة صغيرة ، ممكن سفينة صيد بجندي واحد ، لا حاجة لبارجة ، تغلق بها الأبيض المتوسط على الدولة الإسلامية الوليدة . وسيغلق جندي جديد معبر رفح الجنوبي ، وبما أن خان يونس ليست موافقة على الإعلان فسيغلق الشمال ، أما بالنسبة للشرق فهناك الخط الأخضر ـ خط الهدنة ـ . وفيما يتعلق بالجو فسيرسل باراك طائرة واحدة لتدك مركز الخلافة على من فيه . سيموت 120000 مواطناً ـ هذا العدد هو رعايا الدولة الوليدة ـ وسيضيق 55 كم بأهله، وهذا الرقم هو مساحة الدولة الوليدة ـ !

والنتيجة : إعلان الإمارة إعلان يطلب الموت ، إعلان ينادي على كل عدو : يا أعداء الله نريد الشهادة ، فقد مللنا الانتظار !

رفح ! إمارة إسلامية ؟! أتساءل والأسى يكاد يخنقني ، والقهر يفتت أحشائي ، اعتماداً على ماذا ؟! وأعرف فقد يجيبني مؤمن لم أبلغ يقينه : على الله . فأقول : ونعم بالله . فهل لي أن أسأل بكل براءة ودون مقررات سابقة : فلماذا لم يعلن الرسول صلى الله عليه وسلم الدولة في مكة ، ويعلن شِعْب بني هاشم ـ مثلاً ، فقد يُعلنها من التنعيم ، أو من بيت أم هانئ ، فبيتها يساوي رفح بحسابات النسبة والتناسب ! ـ إمارة مستقلة عن باقي مكة ؟!!

قد يسأل أحدهم: من الذي ورطهم ؟

لم يورطهم أحد . الورطة جاءتهم من داخلهم ، ورطهم ذلك العقل الثنائي الذي لا ثالث عنده ، ورطتهم أدبيات العقل السلفي التي تؤسس لهذه الثنائية .

ورطهم العقل الساذج الذي اعتمد ـ من ضمن ما اعتمد ـ على أكثر من رؤيا ، قرار يتعلق به مصير الأمة ، وتجري من أجله الدماء المعصومة ، يعتمد على رؤيا ! وإذا صح الخبر ـ وأرجو ألا يصح ـ أن إحدى عمليات الجماعة نفذت على ظهور الخيل ، وبالطبع قتلوا ـ رحمهم الله ـ على الحدود البعيدة للمعسكر ! إذا صح هذا الخبر فأظن أننا بعيدون عن التمكين .

والذي يستمع للدكتور عبد اللطيف يدرك كم كان يراهن على حلمه ، وكم كان موقناً بتأويله له ، قال الدكتور :" وإذا اقتربت حماس من المسجد فإن هلاكها اقترب "

بل إنه كان متأكداً من أن إسماعيل هنية سيأتيه ، وقد أكد على ذلك : " أنا لن أذهب إليه ، هو سيأتيني " !

نعم إنهم ليسوا مرتزقة ، إلا لهذا العقل المسلم الذي تشكل منذ قرون الانتكاس ، والذي نظن أحياناً أنه صُـفي من الخزعبلات والدروشة ، ومن الفكر الميت ، والفكر القاتل ، فإذا بالوقائع تخيب ظنوننا . لقد كان الدكتور واثقاً إلى درجة أنه تحدث في خطبته عن تقسيم الفيء ! أليس من السابق لأوانه الحديث عن الفيء يا دكتور ؟!

وتحدث الدكتور بكل يقين عن أنهم أعلنوا عن الإمارة الجديدة :" بعد أن أخذنا بأسباب العز والتمكين " ! فأين هي أسباب العز والتمكين ؟! وما هو توصيفها وما هي حدودها في هذا العصر؟ لا جرم لم تستطع هذه الأسباب أن تقف أمام قوات حكومة مقالة!! حكومة محاصرة أصلاً !! !!

وللعقل أن يحكم ..