أخي أبا نوح: أمّا قولك بأنّ حماس صادرت وفعلت وغير ذلك، فأنا لم أنْكر أنّ ثمة خلافات كانَت قائمة بين هذه المجموعة، وبين حماس، فقد كانت هناك خلافات، وكانت حماس منذ نشأتها حريصة على الحوار والنقاش حتى لا تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، ومصادرة بعض ما تملكه هذه الجماعة لا يسْتلْزم أنْ تحمل السلاح بهذه الطريقة.

وقولك بأنّ الكتاب مؤلفه مجهول، فهذا ليس بجديد، لأنّ هذه الكُتب في العادة ينشرها مؤلف باسم مستعار، وليس باسمه العادي، لكنّ الكٍتاب وزّع في شوارع غزّة ومساجدها، واللذين وزّعوه معروفون بأشخاصهم وانتمائهم، وليسوا من كوكب آخر، فقضية انحراف هذه الفئة بموضوع التكْفير أمْر معروف واضح، وإنْ لم تقْتنِع به أنت.

كما أنّ المعروف أيْضاً -وإنْ أنْكرته- أنّ الذي بدأ بإطلاق النار في مسجد ابن تيمية ليس حماس، إنّما بدأت المعركة بعد أنْ قُتِل مسؤول القسام في المنطقة على باب المسجد، وهو يُقْنِع بعض الموجودين فيه على الخروج منه، وحماس كانت حريصة كلّ الحرص على عدم الدخول في هكذا معركة، فهناك صلة صحبة وقرابة كبيرة جدّاً بين بعض شباب هذه الجماعة والإخوة في حماس، بل إنّ مسؤولها العسكري أخ لمسؤول في حماس، لكنّ الأمور انفلتت بإطْلاق النار بهذه الطريقة البشعة.

أمّأ قولك بأنّ من لم يُقْتل فهو إمّا مسجون وإما ملاحق، فيوحي بأنّ جميع من في المسجد قتلوا أو ما زالوا مسجونين، مع العلم أنّ القتلى من هذه الفريق كان أقلّ من القتلى بحماس، بسبب استخدامهم المتفجرات والعبوات الناسفة، وابتدائهم بإطلاق الرصاص.

على كلّ حال، من قُتِل منهم أعْلنت حماس قيادة وعلماء (وليس أفراد فقط) على المنابر، وفي الإعلام، بأنّ ما حصَل فِتْنة بين المسلمين، وأنّ القاتِل والمقتول من المسلمين الذي يحتسبون أنْ يكونوا شهداء عند ربّهم، لأنّ ما فعلوه اجتهاد أخطأوا فيه، هذا ما صرّحت به حماس حكومة ونواباً وعلماء، ومنعوا الناس من تناول هذه الفئة لما يؤدّيه ذلك من تأجيج الفتَن، وأوجبوا الترحّم على قتلى الفريقين، فنحن لا نقول إلاّ رحم الله من قُتِل في هذه الفِتْنة، وتجاوز عن سئاتهم ورفع درجاتهم، ونطهر ألسنتنا من فتنة طهّر الله منها سيوفنا.

أمّا سائر الذين اعتقلوا من هذه الفئة، فقد أودِع السّْجْن، ولم يكُن التحقيق معهم تحقيقاً أمْنيّاً بمعناه الأمْني، بل كان العمل الدؤوب على مناقشتهم وإقناعٍهم، وقد تولّى هذا الأمر عدد من المشايخ، وجرت محاورات ومناقشات بين هؤلاء وبين المشايخ، وخرَج منهم كثير بعْد اقْتناعِه، ولم تنْظر الحكومة إلى أنّ هؤلاء قاتلوا الشرطة وقتلوا منها أو قتلت منهم نهائيّاً، ولذلك فإنّ أكثر الذي دخلوا السّجن لم يلبثوا فيه إلاّ أيام معدودة، لأنّ العمل معهم مباشرة كان بالحوار والمناقشة والإقناع.

أما أنْ يكون بعض من فيها ما زال مطْلوباً فليس ببعيد، وهذا طبيعي، إذْ أنت تعلم أنّ كثيراً من الجماعات قد تُخْترق، وحماس نفسها كشفت عدّة اختراقات في صفوفها. ومن المعلوم أيْضاً أنّ لدى حماس قرائن وأدلة واعترافات عديدة من تائبين منهم وغيرهم، أنّ هذه المجموعة كانت مسؤولة عن بعض عمليات التفجير والقتل، ومحاولات الاغتيال التي طالت بعض الأماكن والأشخاص، سواء اقْتَنَعْتَ بذلك أم لم تقْتنِع، كما أنّ ارْتباط بعضهم بعلاقات مشبوهة مع جماعة فتْح يسْتلْزم التحقيق، لمعرفة الأسباب الحقيقة التي دعَت إلى القيام بمثل هذه الأعمال، وهل كانت مجرّد فكرة وقناعة لدى القائمين بها، أمْ أنّ هناك اخْتراقاً على مستوى معيّن من قيادتها وأفرادها، تتلقّى الأوامر من جهات خارجية من غير أن يشعر بها أكْثر المنتمين لهذه الجماعة. وهذا لا يعيب حماس ولا الجماعة نفسها، ويجب أنْ تُكشف الحقائق عند الفريقين حتى تُسْتأصل بذور الفِتنة من أساسها.

فلا توهِم بكلامك هذا أنّ حماس ليس لها عمل في غزّة إلاّ محاربة الإسلام والمسلمين، والعمالة للشرق والغرب، بكلام مُسْتفِزّ لا يكاد يقْنِع عقْلاً، فحرَكة تقدّم أبناءها قادة وأفراداً شهداء في سبيل الله من المعيب أنْ توصَم بمِثْل هذه الأوصاف، ولو كانت حماس تبغي الجاه والسلطة لوجدت العالم كلّه يعْترف بها، ويدْعمها على أن تتنازَل عن ثلاث كلمات، لكنّك لا تكاد تجد في أبناء نواب هذه الحركة ووزرائها وقيادييها في غزّة التي تتكلّم عنها إلاّ شهيدأ أو ابن شهيد. وحكومة رئيس وزرائها، وابنيه الذين تبلغ أعمارهما 16 و17 سنة يحفظون كتاب الله تعالى من المعيب جدّاً أن تتحدّث عنها بمثل ذلك.

نعم أخي: لك الحقّ أنْ تنْتقد موقفاً أو تصرّفاً، ولك الحق أنّ تناقش وتستفسر وتردّ، فما منا من يؤمن بعصمة حماس عن الخطأ، وحماس نفسها تخطئ وتعترف بخطئها، وتحاول أنْ تسدّد قدر المستطاع، وكفى المرء والجماعة نُبْلاً أن تعدّ أخطاؤها ومعايبها، لكنْ أنْ تلقي التّهم جُزافاً، وتتحدّث بلهْجة توحي بأنّ ما عِنْدك من المعلومات يقيني لا شكّ فيه، وما عنْد الآخرين مكْذوب مُنْتحل، فهذا ما لا يبنغي أن تقَع فيه.

وفي الختام أوصي نفسي أوّلاً، وأوصيك ثانياً، وأوصي سائر الإخوة ثالثاً بأنْ يتّقوا الله تعالى في أنفسهم وإخوانهم، وليحفظوا ألْسِنتهم أنْ تلغ في الحرام، وليحفظوا أيديهم أنْ تكْتُب ما يكون عليهم وبالاً يوم الدّيْن، ولنَتْرك الحديث في حدَث ليس بين أيدينا من الحقائق ما يُجرّئنا على القول فيه.