أخي أنس،
لقد سألت عن مسألة دقيقة ومتشعبة، لذا سأكتفي برد سريع، ذلك أن الكثير من المراجع المعينة على الموضوع غير متوفرة بين يدي، على أن أعود لاحقا إن شاء الله بعد قراءة ردود بقية الأخوة...
أما الحديث، فقد ضعفه الكثير من الأئمة المتقدمين والمتأخرين
فقد أخرجه الترمذي بلفظ: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة" ثم قال عقبه: (حديث غريب من هذا الوجه)، وهو تضعيف منه للحديث.
وقد قال النووي في شرحه على حديث "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق...":
(وأما حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة" فضعيف والله أعلم)
وضعف سنده لا يعني عدم صحة معناه؛ قال عنه ابن حزم في الإحكام: (وإن لم يصح لفظه ولا سنده فمعناه صحيح)
وقد ضعفه من المتأخرين الشيخ عبدالله السعد والشيخ سليمان العلوان، غير أن الألباني رحمه الله حسّنه بمجموع طرقه
أما الأمة، فمنهم من قال هو مجموع المسلمين، ومنهم من خصه بالأئمة المجتهدين، ومنهم من قال هم الصحابة... وهذا التعريف يختلف باختلاف المسألة محل النزاع...
وإجماع الأمة بلا مخالف حجة، قال الإمام الشافعي في "الأم":
(وَالْعِلْمُ مِنْ وَجْهَيْنِ : اتباع أَوْ اسْتِنْبَاطٌ .
والاتباع اتباع كِتَابٍ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسُنَّةٍ, فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَقَوْلِ عَامَّةٍ مَنْ سَلَفَنَا لَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ, فَقِيَاسٍ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ, فَقِيَاسٍ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنْ لَمْ يَكُنْ, فَقِيَاسٍ عَلَى قَوْلِ عَامَّةٍ مِنْ سَلَفٍ لَا مُخَالِفَ لَه , وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ إلَّا بِالْقِيَاسِ)
وعليك أن تنتبه إلى الفرق بين الإجماع وبين قول الجمهور... فاتفاق الجمهور على مسألة، يعني أن هناك أقلية خالفتهم، وهذا لا يُعدّ إجماعا ولا حجة...
قال أبو حامد الغزالي في المستصفى:
(مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعُ مِنْ الْأَكْثَرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ)
ثم قال:
(وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعِصْمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْأُمَّةِ بِكُلِّيَّتِهَا)
هذا وللعلماء في الإجماع اصطلاحات تختلف عن التعريف الأصولي الآنف له، فلا ينبغي حمل قول من احتج منهم بالإجماع بأنه يقصد التعريف الأصولي، أي عدم وجود مخالف...
أما ما يتعلق به الإجماع، فهو التحليل والتحريم، أي الأمور الشرعية، قال الشافعي في الرسالة:
(قال [أي محاور الشافعي]: فما معنى أمر النبي بلزوم جماعتهم؟ ..
قلتُ [أي الشافعي]: لا معنى له إلا واحد، فلم يكن لِلُزُوم جماعتهم معنًى إلا ما عليهم جماعتُهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم, ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمِرَ بلزومها, وإنما تكون الغفلة في الفُرقة, فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافةً غفلة عن معنى كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا قياسٍ)
أما مقولة (اجتماع الأمة على الخطأ خير من تفرقهم على الصواب)، فأترك التعقيب عليها لوقت لاحق...


رد مع اقتباس


