النتائج 1 إلى 14 من 14
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى (1)
    لقد كان موضوع التأسي برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يزال موضوع نقاش واجتهاد. ومن المعتقد أنه سيظل كذلك، خاصة وأن الانسان يتغير ويتطور وكذلك العصر. وحيث أن الانسان الملتزم إسلامياً ليس له الخيار في موضوع التأسي. فهو أمر رباني: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر..." (الأحزاب 21 ). من هنا لا بد إلا أن يكون موضوع التأسي برسول الله موضوعاً راهناً باستمرار.
    الانسان المسلم ينطلق في حياته الدنيا من ثابتين اثنين، لا خلاف بين أحد من المسلمين عليهما، هما القرآن والسنة. فباستمرار على الانسان المسلم أن يحاكم أعماله تبعاً لما جاء في الكتاب الكريم أولاً وبما جاء عن النبي عليه السلام ثانياً.
    هل يمكن إعتبار التأسي على الصعيد الاجتماعي أو السياسي كما التأسي في أحكام الصلاة والصوم على سبيل المثال؟
    إن بناء المجتمعات هو علم قائم بذاته كما أي من العلوم الأخرى. والمسلم مأمور بإقامة المجتمع الذي يرضي الله ورسوله، المجتمع الذي يحقق مصالح الناس الذين يعيشون في كنفه. والأطرف من ذلك أن الرسول عليه السلام لم يفرد قسماً من حديثه الشريف تحت عنوان كيفية بناء المجتمع الأمثل. فهو قد ترك هذا الأمر إلى اجتهاد الناس، وفي مقدمهم المؤمنين. وكذلك فعل القرآن الكريم.
    ما العمل؟
    العلوم الانسانية، من وجهة نظر إسلامية تقوم على ثلاث قواعد، إحداها ثابتة وهي القرآن والسنة، والثانية هي الانسان. أما الثالثة فهي العصر. الإنسان والعصر يتغيران باستمرار، أما الثابت على الإطلاق فهو القرآن والسنة. من هنا فإن المفاهيم ونظرة الانسان للمجتمع وللعلوم الإنسانية تتبدل باستمرار تبعاً لتغير العصر وتغير الإنسان نفسه.
    هل هذا ينتقص من قيمة الثابت (القرآن والسنة)؟ بالعكس تماماً! إن عظمة القيمة التي يتمتع بها القرآن، وكذلك السنة المشرفة، أنهما صالحان لكل زمان ولكل الأقوام. فالإنسان على مر العصور والأزمان بحاجة إلى القرآن لينير له الطريق وبحاجة للسنة المشرفة لتحدد صحة السلوك على الصعيد الفردي وعلى الصعيد السياسي.
    هل هذا الكلام مبالغ فيه؟ كلا!
    إليكم هذه الدرس العملي ممن كان خلقه القرآن، على ما جاء في حديث أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها في صحيح مسلم: "كان خلقه القرآن" صلى الله عليه وسلم. والمقصود بالخلق هو السلوك.
    كانت الهجرة إلى المدينة (يثرب) الخطوة الأولى لتبدل الدعوة الإسلامية من دعوة تحمل الطابع التبشيري، إلى دعوة تحمل طابعاً آخر، طابع بناء المجتمع الإسلامي. وما يجعلنا نذهب هذا المذهب، أن النبي عليه السلام لم يهاجر إلى المدينة إلا بعد أن بويع من الأوس والخزرج (أهل المدينة) ما يسمى ب"بيعة القتال". حيث أن البيعة الأولى التي بايعها أهل المدينة للرسول عليه السلام، لم يذكر فيها القتال لا من قريب ولا من بعيد (تسمى بيعة النساء). ليس هذا فحسب، بل هناك ما هو أخطر مما تقدم هو أن معيار إيمان المؤمن كان مرتبطاً بقيامه بالهجرة. إليكم هذه الآيات البينات والتي تؤكد ما ذهبنا إليه: "إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض. والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق. والله بما تعملون بصير.(72 الأنفال) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض. إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.(73 ) والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم مغفرة ورزق كريم.(74 ) والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم. وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. إن الله بكل شيء عليم.(75).
    إن تغير معيار إيمان المؤمن يكون تبعاً لتطور المسيرة الإسلامية وما تفرضه من متغيرات. لذلك اعتبر القرآن الكريم معيار ولاية المؤمنين مرتبطة بالهجرة في سبيل الله. لماذا؟ لأن قيام المجتمع الإسلامي في مدينة رسول الله عليه السلام تتطلب تجمع المسلمين في هذا المكان من أرض الله الواسعة. ويحضرني هنا أن الهجرة إلى الحبشة لم تأخذ هذه الأهمية لأنها ارتبطت بحماية بعض المؤمنين ولم يكن لها أهمية على صعيد بناء المجتمع الإسلامي الذي بناه النبي عليه السلام في المدينة المنورة.
    جاء في حديث أركان الإيمان: "الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" أما في العام الأول للهجرة فقد أضاف ربنا تبارك وتعالى ركناً آخر هو الهجرة إلى المدينة.
    2 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى (2)
    بعد وصول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أمر بإقامة مسجد قباء وبإقامة سوق للمسلمين. حيث أن سوق المدينة (يثرب) كان يسيطر عليه اليهود، فهم التجار والمرابون. وآخى بين المهاجرين (سكان مكة وأهلها) والأنصار (أهل المدينة). وبذلك يكون النبي عليه الصلاة والسلام قد أرسى قواعد الراحة النفسية للمسلمين، وخاصة المهاجرين منهم، الذين تخلوا عن كل أملاكهم طاعة لله ورسوله، والتزموا الهجرة. والأنصار، بتقديم يد العون لإخوانهم الذين استضافوهم، يكونون قد خففوا عنهم آلام البعاد عن الوطن والأهل والأموال.
    وكانت الخطوة التي تلت ترتيب بيت المسلمين، كما يقال، اتجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى ترتيب البيت الأوسع، اي الاهتمام بأوضاع المدينة كلها. من هنا نشأت الوثيقة التي وقعت ما بين المسلمين واليهود. هذه الوثيقة التي أرست قواعد الخلاف ما بين المسلمين واليهود بشكل يرضي الله ورسوله. (سيكون لنا وقفات تفصيلية مع هذه الأمور).
    وكذلك استقرت أمور المجتمع الإسلامي نسبياً بحيث أنه أصبح بإمكان الرسول أن ينطلق لنشر الدعوة الإسلامية على نطاق واسع. هذا ولم ينس المهمة الرئيسة التي جعلها على عاتقه، وهي محاربة قريش، رأس الكفر. فبعث بالسرايا وخرج بالغزوات. وكان ينتصر أحياناً وينهزم أحياناً أخرى. ولكن البارز أن الهزائم التي مني بها المسلمون، مثل غزوة أحد على سبيل المثال، لم تؤثر على معنوياتهم المرتفعة بقيادة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
    ثم كان صلح الحديبية، الذي جعل المشركين يعترفون بالكتلة التي يشكلها المسلمون. من يومها حصل المسلمون على شرعية وجودهم من أعدائهم. وكانت هذه الخطوة جبارة بحيث أسماها الله تبارك في علاه فتحاً: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً"(الفتح 1 ). وأصبح المسلمون مرهوبي الجانب. ولم يعودوا خائفين من أن يتخطفهم الناس.
    ما هو المتغير الذي حصل على الصعيد الإيماني؟
    أصبح المؤمنون الموجودون خارج المدينة المنورة، تحت ولاية المسلمين. الم يمر معنا في المقالة الأولى أن المؤمنين الذين يوجدون خارج المدينة، أي الذين لم يهاجروا هم خارج ولاية المسلمين؟ كان الإسلام بحاجة ماسة إلى من ينصره. أما الآن فقد أصبح قوياً. فليؤمن الناس ويبقوا حيث هم، ويكونون تحت ولاية المسلمين.
    جاء في الكتاب الكريم متحدثاً عن فتح مكة، وعن المؤمنين الموجودين داخل مكة: "هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله. ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم أن تصيبكم منهم معرة بغير علم، ليدخل الله في رحمته من يشاء. لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً.(الفتح 25). { معكوفا = محبوسا؛ تطؤوهم = تهلكوهم؛ معرة = مكروه؛ تزيلوا = تميزوا}.
    لقد أصبح بالإمكان الدفاع عن المسلمين أنى وجدوا. لقد أصبح الإسلام قوياً. لذلك كان لا بد من تغير الحكم. وهذا ما جاء في الكتاب الكريم في الآية التي سبقت.
    3 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى – 3 -
    بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة (يثرب)، واستقر به المقام لعدة أشهر، سارع الكثير من أهل المدينة وما حولها إلى الدخول في دين الله. قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول ، إلى صفر من السنة الداخلة ، حتى بُني له فيها مسجده ومساكنه، واستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، إلا ما كان من خطمة، وواقف، ووائل، وأمية، وتلك أوس الله، وهم حي من الأوس، فإنهم أقاموا على شركهم. ‏ (سيرة ابن هشام الجزء الثالث ص 11). وحيث أن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، لم يهاجر بقصد السياحة إنما لتحقيق مشروع سياسي يبغي منه بناء مجتمع يحقق فيه مصالح الناس في هذه الدنيا، هذا من جهة، ومن جهة ثانية مصالح من اختاروا الإيمان بالرسالة الخاتمة، في الآخرة. وحيث أن هذا المشروع هو بناء للمستقبل، لذلك نرى فيه من المستجدات التي لم يألفها المجتمع العربي في القرن السابع للميلاد. ومن أهم المستجدات التي قام بها النبي هو ذلك الكتاب (الوثيقة السياسية) الذي وادع فيه اليهود من أهل يثرب (المدينة). سوف ننقل نص الكتاب كما جاء في سيرة ابن هشام وفي الروض الأنف للسهيلي. ولكننا لن نعلق على جميع ما جاء في هذه الوثيقة لأن هذه المقالة لا تكفي. من أجل هذا سنعلق على بعض المواد فقط.
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم ‏‏:‏‏
    بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم، بين ‏المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس،
    1 - المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
    2 - وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
    3 - وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
    4 - وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
    5 - وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
    6 - وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
    7 - وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
    8 - وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
    9 - وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
    10 - وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
    قال ابن هشام ‏:‏‏ المُفْرح ‏‏:‏‏ المثقل بالدين والكثير العيال.
    11 - وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه؛
    12 - وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظُلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين؛ وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم؛
    13 - ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن؛
    14 - وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم؛
    15 - وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس؛
    16 - وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم؛
    17 - وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم؛
    18 - وإن كل غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضا؛
    19 - وإن المؤمنين يُبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله؛
    20 - وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه؛
    21 - وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن؛
    22 - وإنه من اعتبط مؤمنا قتلاً عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه؛
    23 - وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر مُحْدثا ولا يُؤويه؛ وأنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ‏ولا عدل؛
    24 - وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم؛
    25 - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين؛
    26 - وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه، وأهل بيته،
    27 - وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف؛
    28 - وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف؛
    29 - وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف؛
    30 - وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف؛
    31 - وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف؛
    32 - وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف؛ إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته؛
    33 - وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم؛
    34 - وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم؛
    35 - وإن موالي ثعلبة كأنفسهم؛
    36 - وإن بطانة يهود كأنفسهم؛
    37 - وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم؛
    38 - وإنه لا ينحجز على نار جرح؛
    39 - وإنه من فتك فبنفسه فتك، وأهل بيته، إلا من ظلم؛
    40 - وإن الله على أبر هذا؛
    41 - وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم؛
    42 - وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة؛
    43 - وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم؛
    44 - وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه؛
    45 - وإن النصر للمظلوم؛
    46 - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين؛
    47 - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة؛
    48 - وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم؛
    49 - وإنه لا تجُار حُرمة إلا بإذن أهلها؛
    50 - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، ‏وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛
    51 - وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره؛
    52 - وإنه لا تجُار قريش ولا من نصرها؛
    53 - وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه؛
    54 - وإنهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهم؛
    55 - وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة. مع البر المحض ‏‏؟‏‏ من أهل هذه الصحيفة ‏‏.‏‏
    قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة ‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وإن البر دون الإثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه ؛ وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره ؛ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم ، وإنه من خرج آمنٌ ، ومن قعد آمن بالمدينة ، إلا من ظلم أو أثم ؛ وإن الله جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏ الروض الأنف الجزء الثالث (ص 233 – 234 )، سيرة ابن هشام الجزء الثالث (ص 12 – 13 ).
    ملاحظة: الترقيم من عندنا.
    نلاحظ أن المواد ال24 الأولى تختص بالمسلمين من المهاجرين والأنصار، أي الوافدين من مكة ومن المقيمين في يثرب. وأما بقية المواد فتختص بعلاقة اليهود بالمسلمين.
    جاء في المادة العاشرة ما يلي "وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل". وهذا من المستجدات، فالعلاقة التي تربط المؤمنين فيما بينهم تتجاوز العلاقات القبلية إلى علاقة أسمى وهي علاقة الأخوة.
    أما في المادة الثانية عشرة فقد تجاوز الأطر القبلية إلى أطر تبغي العدالة من دون النظر إلى المكانة الاجتماعية: " وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظُلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين؛ وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم"؛
    أما في المادة الرابعة عشرة فهو ينفي الفروق الطبقية التي تميز العلاقات القبلية عندما يقول: " وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم"؛ حتى في الأمور التي ترتدي الطابع السياسي لا تخرج الوثيقة عن الطابع الثوري المتقدم على زمان الوثيقة عندما تقول: " وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم"؛ إسرائيل لاتريد أن تفاوض العرب إلا متفرقين، وهم يعملون على ذلك. فسلم عرب القرن الواحد والعشرين هو غير سلم عرب القرن السابع.
    أما المادة الواحدة والعشرين فهي ترتدي أهمية خاصة لأنها تحدد وجهة الصراع الذي على المسلمين خوضه في القابل من الأيام. تقول الوثيقة: " وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن"؛ فالعدو كما هو واضح هو قريش، لأن النبي لم يذكر سوى قريش في موضع العداء. ثم يؤكد هذا المعنى في المادة الرابعة والأربعين: " وإنه لا تُجار قريش ولا من نصرها".
    وبعد ذلك يعطي النبي عليه الصلاة والسلام الوثيقة الطابع السياسي الصرف عندما يقول: " وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم"؛ فالرسول عليه السلام هو القائد الديني والسياسي وليس زعيم قبيلة. أي أن العلاقات فيما بين أهل الوثيقة ارتدت طابعاً سياسياً صرفاً لم تتعوده مجتمعات ذلك العصر وخاصة العربية منها.
    ثم تنتقل الوثيقة للكلام عن اليهود. فالنبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم الحرية الكاملة على جميع المستويات. تقول الوثيقة: " وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه، وأهل بيته"، فبعد قراءة الوثيقة نرى أنها قد عددت مختلف بطون اليهود وحلفائهم ومواليهم من سكان المدينة.
    ولكن حيث أن الحرص واجب، وخاصة مع أهل الغدر من اليهود، جاء في الوثيقة: " وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم".
    ثم نرى في الوثيقة كيف تُدَمَّر العلاقات القبلية من خلال هاتان المادتان: " وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه"، " وإن النصر للمظلوم". وعلينا الانتباه أن المرء وحليفه يعتبران شخصاً واحداً في العلاقات القبلية. ثم تؤكد الوثيقة أن النصر للمظلوم كائناً من كان هذا المظلوم، وكائناً من كان الظالم.
    وأخيراً نصل إلى المادة الأهم في هذه الوثيقة والتي تحدد كيفية قيام المعاهدات. تقول الوثيقة: " وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، ‏وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم". إذا أحببنا العودة إلى جميع المعاهدات التي قامت بين العرب (المسلمين!) وإسرائيل، هل أي من هذه المعاهدات كانت تعتبر المسلمين هم المرجع في بت الخلافات التي تحصل ما بين العرب وإسرائيل. إن المعاهدة التي تستجيب للشروط الإسلامية هي تلك التي تحقق مصالح الناس فقط، وليس تلك التي تحقق مصالح إسرائيل ومن ورائها الإدارة الأمريكية.
    المرجع في المعاهدات، كما جاء في وثيقة المدينة هو الله ورسوله. من هو المرجع في المعاهدة ما بين مصر وإسرائيل، أو ما بين الأردن وإسرائيل، أو ما بين جماعة عرفات وإسرائيل في أوسلو. ومن هي المرجعية في المفاوضات التي يخوضها عباس مع إسرائيل؟
    إن أسوأ ما يقترفه بعض فقهاء السلاطين هو تزيينهم للباطل، وإلباسه لباس الحق، كما فعل الذين برروا إتفاق كمب ديفيد. ولا يخرج عن هذا النطاق فقهاء الوسطية الذين برروا لملك الأردن إتفاق وادي عربة. كما أن الفقهاء من أهل السعودية الذين برروا للأمريكان إستخدام الأراضي السعودية للإعتداء على العراق،إبان حرب إحتلال العراق، هم من نفس المعدن.
    قراءة هذه الوثيقة مهمة جداً، والأهم دراستها لأن فيها الكثير من الدروس الذي لا يمكن حصرها في مقالة واحدة. كما وأن دارساً واحداً لا يمكنه الإحاطة بجميع ما تتضمنه.
    4 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى – 4 –
    يقول تبارك وتعالى موجهاً خطابه للمؤمنين: "إن الشيطان لكم عدو، فاتخذوه عدواً".(فاطر 6 ). إن الله تبارك وتعالى يريد من المؤمنين أن يكونوا إيجابيين بمقاتلة العدو، أي أن يبادروا بعداوتهم للشيطان. وحيث أن الشيطان يمكن أن يكون إنساناً، فهذا يعني أن مبادرته بالعداوة ممكنة. أما إذا كان من الجن مثلاً، فنستعيذ بالله منه حيث أنه من عالم الغيب الذي لايمكننا ولوجه.
    بما أن الله أمرنا أن نتخذ الشيطان عدواً فهذا يعني أن الخطوة الأولى هي تحديد هذا العدو. هل أن تحديد العدو هي ممارسة ذاتية أم ممارسة موضوعية. نعتقد أن الجواب على هذا السؤال يتطلب، بل يفرض علينا العودة إلى من "كان قرآناً يمشي على الأرض"، تفرض العودة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. علينا أن نعود إلى سيرة المصطفى حتى نعرف كيف كان يحدد عدو المسلمين وعدوه. فحديثنا نحن لا ينطلق من منطلقات فردية، بل من منطلقات تتعلق بالمجتمع الذي نعيش فيه.
    مكة: كانت مكة حاضرة جزيرة العرب. "المتتبع لتاريخ مكة وجغرافيتها، يجد أنها كانت وادياً غير ذي زرع، لا ماء فيه ولا شجر، تحيط به الجبال الوعرة من كل الإتجاهات. ولم يكن يتصور أن تكون في يوم صالحة للحياة، لكن حكمة الله سبحانه وتعالى تجلت أن يجعلها قبلة الناس حين أمر سيدنا إبراهيم، وإبنه إسماعيل عليهما السلام، بالهجرة إليها، فتحققت المعجزة الخالدة بتفجر عين زمزم فيها، وبناء البيت العتيق (الكعبة) ليصبح مكاناً مقدساً يفد إليه الناس، ركباناً ورجالاً، ليؤدوا فريضة الحج، فأصبحت مكة قبلة العالم ومحط الأفئدة. وقد صور القرآن هذه المراحل في عدة آيات. يقول تعالى: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون". وقوله تعالى: "أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون". وقوله تعالى: "وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير". هذه القدسية والخصوصية جعلت لمكة مكانة إقتصادية مرموقة عبر التاريخ، من خلال القوافل التجارية وأسواقها، ولكن المصادر لم تقف على تاريخ محدد لنشأة الأسواق في مكة. ويبدو أن القبائل التي كانت تحكم مكة قبل قريش(جرهم وخزاعة) لم ترجح موقعا ًآمناً لإقامة الأسواق فيها، مما يؤكد أن أمر الأسواق ظهر في مكة بظهور قبيلة قريش، خاصة في عهد زعيمها التاريخي قصي بن كلاب".
    "ازدادت مكانة مكة عندما قامت على أمرها قبيلة قريش، التي اشتهرت بتنظيماتها الإدارية وحنكة رجالها. وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن تاريخ مكة الحقيقي يبدأ منذ تولي قصي بن كلاب القرشي أمر مكة، في منتصف القرن الخامس الميلادي تقريباً. فقد قام قصي بعدة أعمال جعلت مكة مركزاً إقتصادياً مرموقاً. والمعروف أن مكة في عهد قريش أقامت علاقات متنوعة مع البلدان المجاورة لها كالطائف ويثرب، ومع بعض القبائل التي كانت تقطن على الطريق، لتحمي تجارتها، فحدث لها ما ارادت وازدهرت أسواقها".
    "جاء ذكر قريش صريحاً في القرآن والسنة. فلا غرابة أن يصف القرآن قبيلة قريش وتجارتها في سورة قريش: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف". وقد أشارت المصادر والدراسات إلى مصطلح الإيلاف، وتجارة قريش، ورحلة الشتاء والصيف، وبينت دور قادتهم في بناء أحلاف ومعاهدات مع قبائل ودول كبرى، لإبرام صفقات تجارية، كالروم والفرس واليمن والحبشة. فأصبحت مكة بسبب إتفاقية الإيلاف موقعاً متميزاً على طريق التجارة العالمية آنذاك، مما ساهم في ازدهار أسواق مكة وتجارتها".
    "وردت في كتب السنة عدة أحاديث في قبيلة قريش وفضلها ومكانتها، وهذا الأمر حددت له العديد من مصادر الحديث أبواباً وفصولاً".
    "بعد حملة أبرهة الحبشي لهدم الكعبة المعظمة، والمؤرخة بعام الفيل (570 – 571 ) والواردة في سورة الفيل: "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول". زاد صيت القرشيين الذين لم يتصدوا لهذه الحملة متيقنين أن للبيت رباً يحميه، فحدث ما تيقنوه، وباءت الحملة بالفشل، مما زاد في مكانة مكة دينياً وارتفعت مكانة قريش، فاشتهروا بأنهم أهل الله، وولاة الكعبة، وجيران الحرم".
    "يمثل القرن السادس الميلادي بعداً إقتصادياً جيداً لقريش، حين أمسكت مكة بزمام التجارة في بلاد العرب، فطريق التجارة الذي يمر بها أصبح أكثر أمناً بعد إتفاقية الإيلاف، وأصبحت مكة في منآى عن الصراع الدولي القائم آنذاك بين الفرس والروم، وخاصة حين أخذت قريش مواقف حيادية اتجاه الأطراف".
    "أشارت الدراسات إلى أن مكة أصبحت بعلاقاتها الخارجية وأحلافها مع المجاورين لها آنذاك، مركزاً تجارياً تعج أسواقها بالخيرات القادمة من الشام والحبشة وبلاد فارس. وظهرت منها شخصيات قرشية عظيمة، وأسر ثرية قبيل الإسلام في أسواق مكة، ، كعبد الله بن جدعان التيمي، والوليد بن المغيرة المخزومي، وأبي سفيان الأموي. كما كان للنساء نشاط ملحوظ كالسيدة خديجة بنت خويلد، التي كانت تمارس التجارة في سوق مكة، وكانت معها أختها هالة، فكانتا تبيعان الأدم. ومثلهما هند بنت عتبة التي كانت من النساء الشهيرات بمكة في عمل التجارة بالأسواق، وكانت تصحب زوجها أبا سفيان، في رحلاته للتجارة".
    "صارت أسواق مكة قبل الإسلام وكالات مهمة للروم والأحباش، حيث ظهرت تنظيمات تجارية وتعاملات حسابية، وعملات ونقود، ومكاييل، استخدمت في تلك الأسواق، وقد أكد ذلك العديد من المصادر، خاصة الأجنبية".
    "أشارت المصادر إلى أسواق العرب الموسمية القائمة في الجاهلية وطبيعتها، وما يهمنا منها أسواق مكة. فقد ذكر الأزرقي، وغيره من المؤرخين، عدة روايات عن مواسم العرب وأيامهم وتجمعاتهم بمكة وما حولها، ومفادها: إنه إذا كان موسم الحج، خرج الناس من عدة قبائل يوم هلال ذي القعدة، إلى سوق عكاظ، كل له مكانه، ورايته منصوبة، يضبط كل قبيلة أشرافها وقادتها، ويتم بينهم البيع والشراء مدة عشرين يوماً. ثم يمضون إلى سوق مجنة فيقيمون بها عشراً، أسواقهم قائمة، وإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى سوق ذي المجاز بعرفة، أقاموا بها ثماني ليال أسواقهم قائمة. وكان يحضر هذه الأسواق التجار ومن يريد التجارة. وكان العرب لا يتبايعون في يوم عرفة، ولما جاء الإسلام أحل الله لهم ذلك. قال تعالى: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم". وفي قراءة أبي بن كعب "في موسم الحج"، يعني: منى وعرفة وعكاظ ومجنة وذي المجاز، فهذه مواسم الحج. وقد وضع البخاري في صحيحه باب "الأسواق التي كانت في الجاهلية فيتبايع بها الناس في الإسلام". المصدر (http://www.kunoooz.com/vb374/showthread.php?p=180900)
    ومن الجدير ذكره أن العرب كانوا يتناشدون الشعر في الأسواق ويتبادلون الأسرى ويدعو كل منهم إلى مايؤمن به.
    ما تقدم يبين أن مكة كانت قبلة العرب الأولى في جميع ما يتعاطى به العرب آنذاك. المكانة الدينية، المكانة الإقتصادية، هذا ومن دون أن ننسى الهالة التاريخية التي تحملها قريش لوجود الكعبة فيها وخدمتها المجانية للحجيج من دون أي بدل.
    مكانة مكة وقريش يعرفها النبي عليه السلام. فهو يعلم أن قريش هيي العقدة في جميع جزيرة العرب. من هنا فضرب هذه العقدة تجعل جميع العقد تتحلل من دون لأي ولاتعب. لذلك،بعد ان استقر بالنبي عليه السلام المقام بالمدينة (يثرب)، باشر ببعث السرايا لملاحقة قريش بتجارتها، وخاصة تلك التي تذهب إلى الشام. ونحن نعلم أن عصب الاقتصاد المكي (القرشي) هو التجارة. فعندما تصبح طريق القوافل غير آمنة فهذا يعني تهديد للإقتصاد المكي، وليس للإقتصاد فقط، إنما لمجمل الدور التي تلعبه هذه القبيلة القائدة لجزيرة العرب.
    هذا ما جعل النبي يحدد أن قريش هي العدو. ومن ينتصر على هذا العدو يسود على جزيرة العرب بمجملها. وقد كان تحديد الرسول صلوات الله وسلامه عليه للعدو صحيح على الإطلاق لأنه بعد فتح مكة، أي الإنتصار على قريش كان عام الوفود. العام الذي دخل فيه العرب إلى دين الله أفواجاً، من غير بعوث ولا إغارات.
    لمن يريد الإستزادة في هذا المجال فليرجع إلى السرايا والغزوات التي قام بها النبي أو ارسلها فسوف يجد أن مجملها كان ضد قريش. والقليل القليل منها كانت لتأديب من يتطاول على المسلمين أو يتآمر مع العدو أي مع قريش عليهم. وهنا علينا أن نتذكر أن الوثقة التي درسناها في المقالة السابقة، كانت هذه الوثيقة تحرم على أصحابها أن تتعامل مع قريش أو تؤزرها.
    وننهي فنقول أن أمريكا التي تسيطر على عصب الحياة في أيامنا هذه، أي على الإقتصاد، كما وأنها حاملة الطائرات المتجولة في هذا العالم هي العدو، لأن انهيارها يعني إنهيار جميع مفاصل الإستغلال والإستبداد والإستعباد في العالم.
    أما في منطقتنا العربية، فإسرائيل هي وكيلة أمريكا، هي التي احتلت فلسطين وطردت أهلها، وهي التي تمنع أي تطور للعرب لأنها تعتدي عليهم باستمرار، كما أنها تمنع الوحدة بين العرب لوجودها بين القسم الأسيوي والإفريقي للوطن العربي. لكل ما تقدم نقول أن العدو المباشر لأمتنا هي إسرائيل، ولا تتقدم هذه الأمة إلا إذا تمكنت من القضاء على إسرائيل. من هنا ضرورة التوجه الكلي من قبل العرب والمسلمين إلى حل القضية الفلسطينية بالقضاء على الإستعمار الإستيطاني الإسرائيلي. هذا لا يعني صداقتنا للأمريكان، بالطبع لا! إذا نحن لم نحاربهم فسوف يحاربوننا. إنهم بحاجة إلى خيراتنا. فعداوتنا لإسرائيل هي عداوة للأمريكان في الآن نفسه.
    6 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المسطفى - 5 –
    أمر الحديبية: الصلح بين النبي عليه الصلاة والسلام ومشركي قريش.
    قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة شهر رمضان وشوالا، وخرج في ذي القعدة معتمرا، لا يريد حربا‏.‏ واستعمل على المدينة نميلة بن عبدالله الليثي. واستنفر العربَ ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له‏.‏ وكان الناس سبعمائة رجل ، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر‏.‏
    قال الزهري: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي - قال ابن هشام: ويقال بُسْر – فقال: يا رسول الله ، هذه قريش، قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدَّموها إلى كُراع الغَميم.
    قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة.
    ثم قال: من رجل يخرج بنا عن طريق غير طريقهم التي هم بها ‏؟‏
    قال ابن شهاب: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمش، في طريق ‏(‏ تخرجه ‏)‏ على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة؛ قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا سلك، في ثنية المرار بركت ناقته.
    فقالت الناس: خلأت الناقة، قال: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها.
    فقال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي، في رجال من خزاعة، فكلموه وسألوه: ما الذي جاء به ‏؟‏
    فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً، وإنما جاء زائراً البيت، ومعظماً لحرمته، ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، إن محمداً لم يأت لقتال، وإنما جاء زائراً هذا البيت، فاتهموهم وجبهوهم وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالاً، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبداً، ولا تحدث بذلك عنا العرب.
    قال الزهري: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئاً كان بمكة.
    قال: ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً قال: هذا رجل غادر؛ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً مما قال لبديل وأصحابه؛ فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رآى الهدي يسيل عله من عرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك.
    قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر: أن الحليس غضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم.
    أيصد عن بيت الله من جاء معظماً له! والذي نفس الحليس بيده، لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. قال: فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
    قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له يقال له الثعلب، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس: أن قريشاً كانوا بعثوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين رجلاً، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً، فأخذوا أخذاً، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل.
    ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنه إنما جاء زائراً لهذا البيت، ومعظماً لحرمته.
    قال ابن إسحاق: فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به؛ فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف؛ فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل.
    قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة.
    فكانت بيعه الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وكان جابر بن عبدالله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر.
    فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا الجد بن قيس، أخو بني سلمة، فكان جابر بن عبدالله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته. قد ضبأ إليها، يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل.
    قال ابن هشام: وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له، عن ابن أبي مليكة عن ابن أبي عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى.
    قال ابن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو، أخا بني عامر بن لؤي، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا له:‏ ائت محمداً فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامة هذا، فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً.
    فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح.
    فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، وألسنا بالمسلمين ‏؟‏ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين ‏؟‏ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ‏؟‏ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله؛ قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.
    ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله ‏؟‏ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين ‏؟‏ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين ‏؟‏ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ‏؟‏ قال: أنا عبدالله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني ‏!‏
    قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم؛ قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أكتب باسمك اللهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، فكتبها ‏.‏
    ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو؛ قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك؛ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
    قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطرباً في الحل، وكان يصلي في الحرم، فلما فرغ من الصلح قدم إلى هدية فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، وكان الذي حلقه، فيما بلغني، في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي؛ فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون.
    ملاحظة: ما تقدم منقول عن إبن هشام.
    يقدم لنا السياق السابق أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما سار باتجاه مكة، لم يكن يريد القتال، كما أنه لم يبيت الصلح. ولكنه حمل السلاح. لأن الثقة بالعدو ليست من شيم العقال. كما وأنه إذا افترضنا أنه لم يكن يستبعد الصلح فإن السلام معركة كما الحرب والقتال، يستدعي حشد جميع ما لدى المرء أو المجموعة من أسباب القوة. ولنأخذ على ذلك ثلاثة أمثلة حية:


    كما أن عرفات، سلف عباس، لم يرد أن يستفيد من دروس المقاومة الإسلامية في لبنان لا في 1996 ولا في 2000 . علماً أن العالم بأجمعه راى الجيش الإسرائيلي المهزوم ينسحب، يجر أذيال الخيبة وتلاحقه جماهير الجنوبيين من غير سلاح. رغم كل هذا، تخلى عرفات عن انتفاضة الأقصى وراح يفاوض العدو للحصول على ما يسمى بالسلطة الفلسطينية، القاعدة المادية للتخلي عن فلسطين.

    من أجل ذلك حمل النبي عليه السلام السلاح وساق الهدي واتجه إلى مكة معتمراً. كما أنه لم يفته أن يعلن على الملأ أنه ذاهب من أجل العمرة. هذا الإعلام هو بقصد إعلام قريش بالتحديد أنه لم يأت من أجل القتال، أما السلاح فهو لاتقاء غدر العدو.
    خلال الطريق علم النبي عليه السلام أن قريشاً قد جهزت سرية لقتاله. لم يعد، إنما حرص على تغيير طريقه حتى لا يلتقي بالعدو، فهو لم يجهز نفسه للقتال.
    وصل الحديبية، وعسكر الناس هناك وجهز الرسول نفسه لمفاوضة العدو لذلك رأيناه يقول: "لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها".
    وبدأت المفاوضات، وأصر النبي على مطلبه بضرورة الطواف بالبيت العتيق. من أجل ذلك بعثت قريش بعدة مفاوضين. والملاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف صفة المفاوضين. (ألسنا مأمورين بمعرفة عدونا). لذلك رأيناه يسوق الهدي أمام الحليس، زعيم الأحابيش (جيش مكة) لأنه معروف عنه أنه من المتألهين أي المتمسكين بدينهم.
    وكانت نتيجة المفاوضات إتفاقاً. هذا الإتفاق ينص على هدنة مدتها عشر سنين، ومن ضمن شروطها أن العمرة تتم في السنة القابلة.
    لم يتخل النبي عليه السلام عن أي شيء، حتى أن عداوته لقريش سوف تستمر، لأنهم لم يدخلوا في الإسلام. ولا زالت قريش زعيمة الكفر فلها السيطرة الإقتصادية والهيمنة الدينية والثقافية والأدبية. فالإنتصار على قريش يعني القضاء على جميع العلاقات الشركية القائمة في الجزيرة العربية. ألم نقل أن هذا ما جعل النبي عليه السلام يحدد أن العدو هو قريش؟
    وحيث أن قريشاً هي العدو، لذلك لم نر المسلمين قد عقدوا صلحاً إلا مع قريش. فالصلح يكون بين الأعداء وليس بين الأصدقاء. لذلك أيضاً، لم يقاتل النبي عليه الصلاة والسلام إلا من اعتدى عليه من المشركين وكان يحرص على موادعتهم إلا مشركي قريش كان يحرص على الإنتصار عليهم.
    إسرائيل احتلت أرضنا ونحرص على موادعتها ومصالحتها! أين نحن من رسول الله؟
    سلبيات صلح الحيبية!


    ننهي فنقول أن الإيجابية الكبرى لصلح الحديبية أنه للمرة الأولى تعترف قريش بأن للمسلمين كيان مستقل عن جميع القبائل، وأن هذا الكيان ليس قبيلة كسائر القبائل. إنما كيان له خاصية أن صفوفه تتسع لجميع الناس وجميع القبائل.
    أما الأهم من جميع ما تقدم فهو أن الله تبارك في علاه قد أنزل على رسوله الكريم عقب إتفاق الحديبية: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً".(الفتح 1 ).
    1 – في فييتنام عندما اضطرت الادارة الأمريكية للتفاوض مع الفييتناميين، لم يقف القتال ، إنما كان أعنف، لأن معركة السلام تتطلب ضغطاً أكبر ومضاعفاً عن المعركة القتالية العنيفة. وحيث أن هذا التكتيك هو الصحيح رأينا أن الإنتصار كان من نصيب الشعب الفييتنامي. 2 – المفاوضات التي تجري الآن بين سلطة محمود عباس (الرئيس المنتهية ولايته للسلطة الفلسطينية) وبين الكيان الصهيوني. فعباس هذا يثق بعدو الشعب الفلسطيني، أعني المفاوض الصهيوني. لذلك حرص عباس وفياض، رئيس حكومته، على ملاحقة المقاومين في الضفة الغربية، إلى أي فصيل انتموا. والشعب الفلسطيني لا يملك من أسباب القوة سوى المقاومة باللحم الحي. لذلك نرى أن العدو الصهيوني يتعامل مع عباس باستخفاف وبعدم احترام. فالعدو يعلن عن وقف الاستيطان مع أنه لم يوقف الاستيطان لأنه يعرف أنه ليس لدى عباس إلا الإذعان لأنه تخلى عن أسباب قوته. من هنا فإن هذه المفاوضات سوف تنتهي بإذعان المفاوض الفلسطيني لجميع شروط العدو. 3 – المقاومة الإسلامية في لبنان انتصرت على العدو في مفاوضات ال1996 لأنها لم تتخل عن أسباب قوتها عندما تم التفاوض مع العدو. فهي كانت تكيل له الضربات إبان المفاوضات. وقد كان الإتفاق يومها يمنع العدو من الإعتداء على المدنيين اللبنانيين وللمقاومة الحق بالإستمرار بكيل الضربات لعسكر الصهاينة. والجميع يعرف الذل الذي أصاب الصهاينة عندما كانو ينسحبون من بيروت وهم يتوجهون للشعب اللبناني راجينه عدم إطلاق النار عليهم لأنهم في طريقهم للإنسحاب. 1 – تنص إحدى المواد على أنه إذا جاء أحد الناس إلى النبي مؤمناً من غير إذن وليه، فعليه إعادته للمشركين. هذه هي السلبية الوحيدة التي تُحُدِث عنها. ولكن "رب ضارة نافعة" هذه المادة هي التي أنتجت "حرب العصابات" التي سوف نتحدث عنها في حلقة لاحقة. 2 – تنص إحدى المواد أنه إذا ترك أحد رسول الله وذهب إلى المشركين فلا يحق للمسلمين أن يطالبوا به. طبعاً لأن المسلمين لا يريدون بين صفوفهم إلا المؤمنين حقاً. إذن هذه ليست سلبية. 8 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى - 6 –
    محمد بن عبد الله ما قبل البعثة
    سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه.
    قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني ثور بن يزيد ، عن بعض أهل العلم ، ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي: "أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له:‏‏‏ يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؟‏‏‏ قال:‏‏‏ نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، ثم أخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه:‏‏‏ زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال:‏‏‏ زنه بمائة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال‏‏‏:‏‏‏ زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، فقال:‏‏‏ دعه عنك، فوالله لو وزنه بأمته لوزنها.‏‏‏
    وكأني برسول الله عليه السلام يخبرنا بأن الله تبارك وتعالى كان يعده من أجل أن يكون نبي هذه الأمة. ليس هذا فحسب، حتى عندما كان طفلاً يلعب مع الأطفال: ان الله تبارك وتعالى يميزه عن باقي الأطفال. "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته، أنه قال:‏‏‏ "لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره فجعله على رقبته، يحمل عليه الحجارة؛ فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال‏‏‏:‏‏‏ شد عليك إزارك؛ قال:‏‏‏ فأخذته وشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي‏‏‏".‏‏‏ ‏‏
    وهكذا، أصبح هذا الطفل يجد نفسه مميزاً عن باقي الأطفال فهو لا يحق له أن يلهو كما يلهون إلا بشروط معينة. هذا إذا قرناه بما كان يحيط جزيرة العرب من حديث قرب خروج نبي، نجد أن حساب الاحتمالات سوف يملأ كل حي ومنزل ومجلس.
    إذا تحدثنا عما حصل مع أهل الكتاب يزيد يقيننا أن الطفل الذي يدعى محمداً سوف يكون نبي الأمة. إليكم حديث بحيرى الراهب مع أبي طالب عم النبي وكفيله: سافر محمد مع عمه إلى بصرى الشام فراى بحيرى الراهب ما يلفت الانتباه في القافلة التي كان من بين أفرادها محمد. فدعاهم إلى وليمة ليتثبت مما ظن أنه راى: "فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم، لحداثة سنه، في رحال القوم تحت الشجرة؛ فلما نظر بحيرى في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال:‏‏‏ يا معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي؛ قالوا له‏‏‏:‏‏‏ يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سناً، فتخلف في رحالهم؛ فقال‏‏‏:‏‏‏ لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.‏‏‏ قال:‏‏‏ فقال رجل من قريش مع القوم‏‏‏:‏‏‏ واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبدالله بن عبدالمطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم‏‏‏.‏‏‏

    فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، فقال له:‏‏‏ يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه؛ وإنما قال له بحيرى ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما‏‏‏.‏‏‏ فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:‏‏‏ لا تسألني باللات والعزى شيئاً، فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما؛ فقال له بحيرى‏‏‏:‏‏‏ فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه؛ فقال له‏‏‏:‏‏‏ سلني عما بدا لك‏‏‏.‏‏‏

    فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره؛ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده.‏‏‏
    قال ابن هشام‏‏‏:‏‏‏ وكان مثل أثر المحجم‏‏‏.‏‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏‏ فلما فرغ، أقبل على عمه أبي طالب، فقال له:‏‏‏ ما هذا الغلام منك؟‏‏‏ قال:‏‏‏ ابني.‏‏‏ قال له بحيرى:‏‏‏ ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا؛ قال‏‏‏:‏‏‏ فإنه ابن أخي؛ قال:‏‏‏ فما فعل أبوه؟‏‏‏ قال‏‏‏:‏‏‏ مات وأمه حبلى به؛ قال:‏‏‏ صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده.‏‏‏
    من الملفت للإنتباه أن محمداً قبل البعثة، كان يهتم بجميع شؤون مجتمعه. فعندما كان طفلاً كان يفعل كما يفعل الأطفال مع بعض الخصوصية. ولكن عندما شب عن الطوق فقد كان يشهد جميع المشاهد. فهو كان حاضراً في حرب الفجار: وإنما سمي يوم الفجار بما استحل هذان الحيان، كنانة وقيس عيلان، فيه من المحارم بينهم‏‏‏.‏‏‏ قال ابن إسحاق:‏‏‏ هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة‏‏‏.‏‏‏ وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم‏‏‏.‏‏‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏‏ كنت أُنَبِّل على أعمامي:‏‏‏ أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها‏‏‏.‏‏‏
    وشهد حلف الفضول: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول.
    قال ابن إسحاق‏‏‏:‏‏‏ فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبدالله بن عوف الزهري يقول‏‏‏:‏‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏‏ لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت‏‏‏.‏‏‏
    ونضيف هذه القصة حتى نعلم مدى أهمية هذا الحلف في بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام:
    الحسين يهدد الوليد بالدعوة إلى إحياء الحلف
    قال ابن إسحاق‏‏‏:‏‏‏ وحدثني يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهادي الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه‏‏‏:‏‏‏
    أنه كان بين الحسين بن على بن أبي طالب رضي الله عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - والوليد يومئذ أمير على المدينة أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة.‏‏‏ فكان الوليد تحامل على الحسين رضي الله عنه في حقه لسلطانه، فقال له الحسين‏‏‏:‏‏‏ أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لأدعون بحلف الفضول.‏‏‏
    قال‏‏‏:‏‏‏ فقال عبدالله بن الزبير، وهو عند الوليد حين قال الحسين رضي الله عنه ما قال‏‏‏:‏‏‏ وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا‏‏‏ً.‏‏‏
    قال:‏‏‏ فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك.‏‏‏ فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي‏‏‏.‏‏‏
    وكان محمد عليه الصلاة والسلام يحضر الأسواق، عكاظ ومجنة وغيرها. فهو قد سمع قس بن ساعدة الإيادي عندما كان في السوق.
    وكان يعرف الأحناف الذين كرهوا عبادة الأصنام ومنهم ورقة بن نوفل وقس بن ساعدة وعبيد الله بن جحش وغيرهم. كما وأنه كان يعرف اليهود وغدرهم ويعرف النصارى أيضاً. وأهم مما تقدم أنه كان يعرف رموزهم ويعرف أيضاً من ينتمي إليهم. فهو كان يعرف أن ميسرة غلام خديجة كان نصرانياً.
    بكلمة واحدة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف مجمل العلاقات القائمة في الجزيرة العربية ويعرف أقوامها ودياناتهم ويعرف الذين يعرفون القراءة والكتابة. فهو كان يعلم أن خديجة كانت تعرف القراءة والكتابة، وكان يعرف أن ورقة بن نوفل كان قساً نصرانياً يقرأ في كتاب النصارى... كان يعرف الكثير ويعيش كل تفاصيل الحياة العربية بالشكل الذي يريده. وعندما يتعب من الحياة في التفاصيل يذهب إلى الغار حتى يتفرج على المجتمع الجاهلي من خارجه. فالدراسة المتأنية تستدعي النظر من داخل ومن خارج. كما وتستدعي النظر من قريب ومن بعيد. وكان يقوم بالرياضة الأهم وهي التفكر في آلاء الله والتفكر في خلق السماوات والأرض.
    فما بال قوم يريدون ان يغيروا المجتمع بما يرضي الله ورسوله ويعيشون بعيداً عنه لا يعرفون المشاكل التي يعانيها ولا يعرفون الطريق إلى حلها. أهكذا يكون التأسي برسول الله عليه الصلاة والسلام؟
    14 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى – 7 –
    حرب العصابات أو حرب الغوار
    مع انطلاقة الثورة الفلسطينية أو المقاومة الفلسطينية سنة 1965 وبعد ازدياد نشاطها بعد هزيمة 1967 نشطت في اللغة العربية الترجمات لجميع ما كُتب عن حرب العصابات أو حرب الغوار، على اختلاف التسميات. أما المهتمون، أي مؤيدو المقاومة فكانوا يعرفون عن ظهر قلب جميع تلاوين هذا النوع من الحروب. فجميعهم كانوا يعرفون تفاصيل الحرب التي خاضها الشعب الفييتنامي ضد الاستعمار الفرنسي وبعدها ضد الامبرياليين الأمريكان. حتى أن رموز هذه الحرب باتت معروفة عن ظهر قلب، من هو شي منه إلى الجنرال جياب. وكانوا يعرفون المسيرة الكبرى للصينيين في الأربعينات من القرن الماضي ويعرفون ماو تسي تونغ وشو إن لاي وغيرهم. أما غيفارا، رفيق كاسترو في كوبا فكان نجماً، معبود الجماهير. حتى الجيش الأحمر الياباني أو الألماني ...الخ كانوا معروفين لدى كافة الناس الذين أعطوا تأييدهم للمقاومة الفلسطينية.
    أما في هذه المعمعة، فقد كان المظلوم الوحيد هو "أبو بصير" لأنه سبق جميع من تحدثنا عنهم في حرب العصابات. ليس هذا فحسب، بل حقق انتصاراً باهراً على أعدائه. أي أن التجربة التي قام بها أبو بصير، رضي الله عنه، كانت أسبق على الوجود، تاريخياً من جميع التجارب التي حفظناها وحفظنا أسماء رموزها. أما المثل اللامع من أبناء أمتنا فلا نعرفه ولا نعرف تجربته الرائدة!
    من هو أبو بصير هذا؟
    إنه إسم من أسماء المستضعفين الكثر الذين أُعجبوا بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، تلك الدعوة التي تحث الناس على عبادة الله الواحد من دون جميع المستكبرين. ولكن حظه العاثر (ربما)، جعله يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام عقب صلح الحديبية. وحيث أن هذا الصلح كان ينص في إحدى تفاصيله أنه من جاء إلى محمد مؤمناً من غير إذن وليه، على محمد إعادته إلى قريش. فعندما أشهر أبو بصير إسلامه أمام النبي عليه السلام، كان عليه إعادته إلى قريش. لأن الإسلام يأمر بحفظ العهد.
    قال ابن إسحاق‏:‏ فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية، وكان ممن حبس بمكة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثا رجلاً من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الأزهر والأخنس‏.‏
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، فانطلق إلى قومك؛ قال:‏ يا رسول الله، أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟‏ قال‏:‏ يا أبا بصير انطلق فإن الله تعالى سيجعل ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً‏.‏
    علينا أن نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لأبي بصير في المرة الأولى: "فانطلق إلى قومك" ولكنه، أي النبي عليه السلام، بعد أن حاجه أبو بصير، قال له: " يا أبا بصير انطلق فإن الله تعالى سيجعل ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً"‏.‏ أي أن أبا بصير لم يعد مجبراً على العودة إلى قومه، ولكنه مجبر على ترك المدينة، أي أنه لم يعد تحت سلطة النبي عليه السلام. من هنا لم يعد بإمكان قريش أن تحاجج النبي عليه السلام بأبي بصير.
    وكان ذهاب أبي بصير فاتحة لتجربة رائدة في حرب المسلمين مع أعدائهم من قريش ومن نصرها من المشركين واليهود.
    فكان أول ما فعله أبو بصير أن قتل حارسه الذي كان مكلفاً بنقله إلى مكة، فاستولى على سلاحه وتركه إلى رفيقه الآخر وذهب حيث رآى أن يعسكر.
    قال ابن إسحاق ‏:‏ فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبي بصير صاحبهم العامري، أسند ظهره إلى الكعبة، ثم قال:‏ والله لا أؤخر ظهري عن الكعبة حتى يودي هذا الرجل؛ فقال أبو سفيان بن حرب:‏ والله إن هذا لهو السفه، والله لا يودي ‏(‏ ثلاثاً ‏)‏ ‏.‏
    ولما بلغ محمداً عليه الصلاة والسلام ما فعل أبو بصير قال قولته الشهيرة: "ويل أمه محش (مسعر) حرب لو كان معه رجال ‏!‏".
    يقول ابن هشام: "ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص، من ناحية ذي المروة، على ساحل البحر، بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير:‏ ‏"‏ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال ‏!‏ ‏"‏ ، فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص، فاجتمع إليه منهم قريب من سبعين رجلاً، وكانوا قد ضيقوا على قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، لا تمر بهم عير إلا اقتطعوها، حتى كتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأل بأرحامها إلا آواهم، فلا حاجة لهم بهم، فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموا عليه المدينة ‏.‏
    هذه قصة أبي بصير الذي أجبر قريشاً بكل جبروتها أن تتنازل عن حقها في إيواء أولادها للنبي صلى الله عليه وسلم. لقد أبدع أسلوباً في قتال المشركين لم يسبقه أحد إليه من المجاهدين في سبيل العدالة التي يؤمنها دين الله تبارك وتعالى على أحسن أوجهها.
    16 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى – 8 –
    الإغتيال السياسي
    لقد تنبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى حساسية موضوع الإغتيال السياسي وخطورته، لذلك لم يسمح به طوال سني جهاده المباركة إلا مرتين فقط، وبظروف خاصة جداً. ولحسن الحظ أن من وقع عليهما الإغتيال كانا يهوديين.
    كان كعب بن الأشرف من ألد أعداء النبي الكريم. وكان يعيش حياته بأمن وسلام، رغم عداوته المعلنة للمسلمين وللنبي عليه الصلاة والسلام. ولكن اعتداده بنفسه لما يتمتع به من قوة ومن جاه ومن أصل جعله يتجاوز ما نسميه اليوم بالخطوط الحمر. ومع أن القبيلة التي ينتمي إليها تتحمل أخطاء كل من ينتمي إليها، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تجاوز هذا الواقع ولم يتجه إلى معاقبة القبيلة التي ينتمي إليها. إلا أنه وافق على معاقبته بمفرده.
    قال ابن إسحاق:‏‏ وكان من حديث كعب بن الأشرف:‏‏ أنه لما أصيب أصحاب بدر، وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وعبدالله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين، بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عز وجل عليه، وقتل من قتل من المشركين، كما حدثني عبدالله بن المغيث بن أبي بردة الظفري، وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، كل قد حدثني بعض حديثه، قالوا‏‏:‏‏ قال كعب بن الأشرف، وكان رجلاً من طيىء، ثم أحد بني نبهان، وكانت أمه من بني النضير، هذان حين بلغه الخبر‏‏:‏‏ أحق هذا‏‏؟‏‏ أترون محمدا قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان - يعني زيدا وعبدالله بن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم، لبطن الأرض خير من ظهرها‏‏.‏‏‏
    يقول ابن هشام: فلما تيقن عدو الله الخبر، خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قريش، الذين أصيبوا ببدر.
    يضيف ابن هشام: ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم‏‏.‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ كما حدثني عبدالله بن المغيث بن أبي بردة، من لي بابن الأشرف؟‏‏ فقال له محمد بن مسلمة، أخو بني عبدالأشهل، أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله؛ قال‏‏:‏‏ فافعل إن قدرت على ذلك‏‏.‏‏
    فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه، فقال له‏‏:‏‏ لم تركت الطعام والشراب؟‏‏ فقال:‏‏ يا رسول الله قلت لك قولاً لا أدري هل أفين لك به أم لا‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ إنما عليك الجهد، فقال:‏‏ يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول:‏‏ قال‏‏:‏‏ قولوا ما بدا لكم،
    فأنتم في حل من ذلك.‏‏ فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وسلكان ابن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة أحد بني عبدالأشهل، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش، أحد بني عبدالأشهل، والحارث بن أوس بن معاذ، أحد بني عبدالأشهل، وأبو عبس بن جبر، أحد بني حارثة.‏‏
    ثم قدموا إلى عدو الله كعب بن الأشرف، قبل أن يأتوه، سلكان ابن سلامة، أبا نائلة، فجاءه، فتحدث معه ساعة، وتناشدوا شعراً، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال:‏‏ ويحك يابن الأشرف!‏‏ إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم عني؛ قال:‏‏ افعل، قال:‏‏ كان قدوم هذا الرجل علينا بلاءً من البلاء، عادتنا به العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقلعت عنا السبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا؛
    قال كعب‏‏:‏‏ أنا ابن الأشرف، أما والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة، إن الأمر سيصير إلى ما أقول، فقال له سلكان:‏‏ إني قد أردت أن تبيعنا طعاماً ونرهنك ونوثق لك، ونحسن في ذلك؛ فقال:‏‏ اترهنوني أبناءكم‏‏؟‏‏ قال:‏‏ لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فتبيعهم وتحسن في ذلك، ونرهنك في الحلقة ما فيه وفاء، وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها؛ قال:‏‏ إن في الحلقة لوفاء؛
    قال فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏.‏‏‏
    قال ابن هشام:‏‏ ويقال‏‏:‏‏ أترهنوني نساءكم‏‏؟‏‏ قال:‏‏ كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم، قال‏‏:‏‏ أترهنوني أبناءكم؟‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني ثور بن يزيد، عن عكرمة عن ابن عباس قال‏‏:‏‏
    مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم، فقال‏‏:‏‏ انطلقوا على اسم الله؛ اللهم أعنهم، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، وهو في ليلة مقمرة، وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفته، فأخذته امرأته بناحيتها، وقالت:‏‏ إنك امرؤ محارَب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال:‏‏ إنه أبو نائلة، لو وجدني نائما لما أيقظني، فقالت‏‏:‏‏ والله إني لأعرف في صوته الشر، قال:‏‏ يقول لها كعب:‏‏ لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب.‏‏
    فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قال:‏‏ هل لك يا بن الأشرف أن تتماشى إلى الشعب العجور، فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟‏‏ قال:‏‏ إن شئتم.‏‏ فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه، ثم شم يده فقال:‏‏ ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها حتى اطمأن، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه، ثم قال:‏‏ اضربوا عدو الله، فضربوه فاختلف عليه أسيافهم، فلم تغن شيئا‏‏.‏‏
    قال محمد بن مسلمة‏‏:‏‏ فذكرت مغولا في سيفي، حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئا، فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا وقد أوقدت عليه نار، قال:‏‏ فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ، فجرح في رأسه أو في رجله، أصابه بعض أسيافنا‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد، ثم على بني قريظة، ثم على بعاث، حتى أسندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس، ونزَّفه الدم، فوقفنا له ساعة، ثم أتانا يتبع آثارنا‏‏.‏‏
    قال:‏‏ فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل، وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقتل عدو الله، وتفل على جرح صاحبنا، فرجع ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهدوي إلا وهو يخاف على نفسه‏‏.‏‏
    هذا ما جرى مع كعب بن الأشرف. لقد كان عدواً لدوداً للمسلمين.
    1 – فهو أنكر عليهم انتصارهم على أعدائهم، أعداء الدين من قريش. وهو الذي قال أن جوف الأرض أحسن له من سطحها.
    2 – ذهب إلى قريش، العدو الوحيد للمسلمين، يحرض على النبي وعلى المسلمين.
    3 – لم يكتف بذلك بل راح يشبب بنساء المسلمين.
    4 – كان من طيء من جهة الأب ومن بني النضير (حي من أحياء اليهود في المدينة وكان هذا الحي يتمتع بالقوة).
    5 – إذن كان كعب مرهوب الجانب وكان ذو مال وسلطان. وكان يتمتع بقوة جسدية ؛تى أنه كان يوازي المجموعة التي جاءت لاغتياله.
    6 – نقض كتاب المدينة الذي ينظم حياة المسلمين واليهود بتأييده لقريش. والكتاب ينص على عدم جواز التعامل مع قريش حتى مادياً.
    إن هذا الإستعراض يبين كم كانت شروط الموافقة على الإغتيال قاسية وشديدة. حتى أنه يمكننا القول أن كعباً هذا لا تشبه ظروفه ظروف أي ممن تعرضوا للإغتيال في الساحة اللبنانية مما يؤكد أن الملتزمين لم يكن ليقوموا بعمليات الإغتيال المشابهة لما جرى على الساحة اللبنانية.
    أما سلام بن أبي الحقيق فقد كان شبيه كعب من حيث الموقع الإجتماعي والسياسي. وكان يسبقه بأنه كان في خيبر. فخيبر كانت أقوى أحياء اليهود وأغناهم وأكثرهم عدداً. فبعد إجلاء اليهود من المدينة لجأ الكثير منهم إلى خيبر قصد الإنتقام من المسلمين لانتصارهم على اليهود في المدينة. كما أن خيبر محصنة جيداً. والأخطر أنها لم تكن الإغتيال الأول. من هنا إمكانية تنبه عدو الله ابن أبي الحقيق إلى إمكانية الإغتيال.
    قال ابن إسحاق:‏ ولما انقضى شأن الخندق، وأمر بني قريظة، وكان سلام بن أبي الحقيق، وهو أبو رافع فيمن حزّب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الأوس قبل أحد قتلت كعب بن الأشرف، في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه، استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق، وهو بخيبر، فأذن لهم.‏
    فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر:‏ عبدالله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبدالله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن أسود، حليف لهم من أسلم.‏
    فخرجوا وأمَّر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عَتيك، ونهاهم عن أن يقتلوا وليدا أو امرأة، فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر، أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا، فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله.‏
    قال‏:‏ وكان في عِلِّية له إليها عجلة، قال:‏ فأسندوا فيها، حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا عليه، فخرجت إليهم امرأته، فقالت:‏ من أنتم؟‏ قالوا‏:‏ ناس من العرب نلتمس الميرة‏.‏ قالت:‏ ذاكم صاحبكم، فادخلوا عليه؛ قال‏:‏ فلما دخلنا عليه، أغلقنا علينا وعليها الحجرة، تخوفا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه، قالت:‏ فصاحت امرأته، فنوهت بنا وابتدرناه، وهو على فراشه بأسيافنا، فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة‏.‏
    قال:‏ ولما صاحت بنا امرأته، جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم ذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل‏.‏
    قال‏:‏ فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبدالله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه، وهو يقول:‏ قَطْني قطني:‏ أي حسبي حسبي‏.‏ قال‏:‏ وخرجنا، وكان عبدالله بن عتيك رجلا سيئ البصر، قال:‏ فوقع من الدرجة فوثِئت يده وثئا شديدا - ويقال‏:‏ رجله، فيما قال ابن هشام - وحملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم، فندخل فيه.‏
    قال:‏ فأوقدوا النيران، واشتدوا في كل وجه يطلبوننا، قال‏:‏ حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم، فاكتنفوه وهو يقضي بينهم‏.‏
    قال:‏ فقلنا:‏ كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات؟‏ قال:‏ فقال رجل منا:‏ أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس‏.‏ قال‏:‏ فوجدت امرأته ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه، وتحدثهم وتقول:‏ أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت نفسي وقلت:‏ أنّى ابن عتيك بهذه البلاد؟‏ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه ثم قالت:‏ فاظ وإله يهود؛ فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها.‏
    قال:‏ ثم جاءنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله، كلنا يدعيه.‏ قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ هاتوا أسيافكم؛ قال:‏ فجئناه بها، فنظر إليها فقال لسيف عبدالله بن أنيس:‏ هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام‏.‏
    مثل هذا لا يختلف عن أمر سلفه. المهم أن موضوع الإغتيال السياسي حساس وخطير. فممارسته ليست ميسرة باستمرار. من هنا فإن النبي عليه السلام لم يجعلها إلا ممارسة محدودة جداً، وضد عدو محقق.
    17 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى – 9 –
    رُوي عن السيدة عائشة، أم المؤمنين، رضي الله عنها، أنها قالت: "كان خلقه (النبي) القرآن". رواه مسلم.
    كان محمد بن عبد الله، قبل البعثة النبوية، يتمتع بمكانة مميزة في مكة. فهو كان محط أنظار الجميع من حيث سلوكه. كان يلقب الأمين. عندما يُقال جاء الأمين، كان الجميع يعرف أن محمداً هو الذي جاء. أما ما يمكن أن يعطينا فكرة جلية عن مكانته في مكة هو قصة الخلاف على الحجر الأسود الذي كاد يتسبب بحرب ما بين القبائل القرشية في مكة.
    قال ابن إسحاق:‏‏ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وإنما كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرا سرقوا كنزا للكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويكا مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة‏‏.‏‏
    قال ابن هشام:‏‏ فقطعت قريش يده.‏‏
    وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك.‏‏
    وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها، فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحه.‏‏
    فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم - قال ابن هشام:‏‏ عائذ بن عمران بن مخزوم - فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال‏‏:‏‏ يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس‏‏.‏‏
    والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وقد حدثني عبدالله بن أبي نجيح المكي أنه حدث عن عبدالله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي:‏‏
    أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو يطوف بالبيت، فسأل عنه، فقيل:‏‏ هذا ابن لجعدة بن هبيرة؛ فقال عبدالله بن صفوان عند ذلك:‏‏ جد هذا، يعني أبا وهب، الذي أخذ حجرا من الكعبة حين أجمعت قريش لهدمها فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك‏‏:‏‏ يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا تدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد، من الناس.‏‏
    ثم إن قريشاً جزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم، ابني عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، وكان شق الحجر لبني عبدالدار بن قصي، ولبني أسد بن عبدالعزى بن قصي، ولبني عدي بن كعب بن لؤي، وهو الحطيم‏‏.‏‏
    ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة‏‏:‏‏ أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها، وهو يقول:‏‏ اللهم لم ترع - قال ابن هشام:‏‏ ويقال‏‏:‏‏ لم نزغ - اللهم إنا لا نريد إلا الخير.‏‏ ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا:‏‏ ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء، فقد رضي الله صنعنا، فهدمنا‏‏.‏‏
    فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس، أساس إبراهيم عليه السلام، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها بعضا‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع‏ على حدة، ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا وتحالفوا، وأعدوا للقتال.‏‏
    فقربت بنو عبدالدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم‏‏.‏‏
    فمكث قريش أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد، وتشاوروا وتناصفوا.‏‏
    فزعم بعض أهل الرواية‏‏:‏‏ أن أبا أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلها؛ قال:‏‏ يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا‏‏.‏‏
    فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما رأوه قالوا‏‏:‏‏ هذا الأمين، رضينا، هذا محمد؛ فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ هلم إلي ثوبا، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال:‏‏ لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا:‏‏ حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده، ثم بني عليه‏‏.‏‏
    وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن ينزل عليه الوحي:‏‏ الأمين.‏‏
    صحيح أن المقطع الذي نقلناه عن ابن هشام طويل نسبياً ولكنه ضروري لتبيان أهمية ما كانت تقوم به قبائل قريش في مكة. وبالتالي معرفة القدر الذي كان يتمتع به محمداً قبل أن يكون نبياً. فما بالكم بعد أن أصبح نبي هذه الأمة ونبي جميع بني البشر حتى يوم القيامة؟
    إليكم هذه الرواية التي تتحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام عندما أراد الهجرة إلى المدينة: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ولم يعلم فيما بلغني، بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد، حين خرج، إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر‏‏.‏‏
    أما علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة، حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع، التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يُعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم.‏‏
    إذن، كان مشركو قريش يضعون أماناتهم عند النبي عليه السلام، النبي الذي يحاربونه ليل نهار لأنه يسفه أحلامهم وآلهتهم المزيفة، ورغم ذلك لا يأمنون على النفيس والغالي لديهم إلا إذا كان عند محمد! شيء عجاب، أليس كذلك؟ هل يمكن لهؤلاء أن يضعوا أماناتهم عند النبي لو لم تكن علاقاته بهم علاقات جيدة؟ بل لنقل ممتازة؟
    اليوم، لا يحيي المسلم المسلم لأنه لا ينتمي إلى حزبه. فما بالك بالمسيحي أو بالعلماني أوغير ذلك من التسميات.
    إن العلاقات التي يجب أن تربط المسلم بالآخرين هي علاقة المحب بمحبه، وإلا كيف نفهم أن الله قد جعلنا رحمة للعالمين. إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطانا المثل كيف يكون رحمة للعالمين بكونه الأمين على ما يحب جميع الناس، مؤمنهم ومشركهم، وبكونه يدعوهم جميعاً حتى يخلصهم من الظلمات وينقلهم إلى النور بإذن ربهم.
    هكذا كان نبينا عليه السلام، فهل نجعله أسوتنا؟
    18 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى – 10 -
    حلف الفضول
    هذا الحلف كان قبل أن ينزل الوحي على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحوالي العشرين سنة. ولكن لهذا الحلف أهمية خاصة. فهو يتجاوز كل ما يسمى بالأعراف القبلية، والعادات التي كانت عليها الجزيرة العربية بما فيها مكة أيضاً.
    إليكم قصة الحلف كما جاءت في "الروض الأنف" للسهيلي. وقد نقلنا عن السهيلي لأن رواية ابن هشام تدخل ضمن سياق رواية السهيلي.
    ذكر ابن هشام الحلف الذي عقدته قريش بينها على نصرة كل مظلوم بمكة قال ويسمى حلف الفضول ولم يذكر سبب هذه التسمية وذكرها ابن قتيبة، فقال كان قد سبق قريشا إلى مثل هذا الحلف جرهم في الزمن الأول فتحالف منهم ثلاثة هم ومن تبعهم.
    أحدهم الفضل بن فضالة، والثاني: الفضل بن وداعة، والثالث فضيل بن الحارث، هذا قول القتبي.
    وقال الزبير الفضيل بن شراعة والفضل بن وداعة، والفضل بن قضاعة، فلما أشبه حلف قريش الآخر فعل هؤلاء الجرهميين سمي حلف الفضول والفضول جمع فضل وهي أسماء أولئك الذين تقدم ذكرهم.
    وهذا الذي قاله ابن قتيبة حسن ولكن في الحديث ما هو أقوى منه وأولى.
    روى الحميدي عن سفيان عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت. تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها، وألا يعز ظالم مظلوما .
    ورواه في مسند الحارث بن عبد الله بن أبي أسامة التميمي.
    فقد بين هذا الحديث لم سمي حلف الفضول وكان حلف الفضول بعد الفجار وذلك أن حرب الفجار كانت في شعبان وكان حلف الفضول في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب.
    وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب، وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاصي بن وائل وكان ذا قدر بمكة وشرف فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار ومخزوما وجمح وسهما وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوه على العاصي بن وائل وزبروه أي انتهروه فلما رأى الزبيدي الشر أوفى على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فصاح بأعلى صوته
    يا آل فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائي الدار والنفر
    ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحجر والحجر
    إن الحرام لمن تمت كرامته ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
    فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال ما لهذا مترك فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار ابن جدعان، فصنع لهم طعاماً، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام قياماً، فتعاقدوا، وتعاهدوا بالله ليكونن يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة وما رسا حراء وثبير مكانهما، وعلى التأسي في المعاش فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر ثم مشوا إلى العاصي بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه وقال الزبير رضي الله عنه
    حلفت لنقعدن حلفا عليهم وإن كنا جميعا أهل دار
    نسميه الفضول إذا عقدنا يعز به الغريب لدى الجوار
    ويعلم من حوالي البيت أنا أباة الضيم نمنع كل عار
    وقال الزبير بن عبد المطلب:
    إن الفضول تحالفوا، وتعاقدوا ألا يقيم ببطن مكة ظالم
    أمر عليه تعاهدوا، وتواثقوا فالجار والمعتر فيهم سالم
    وذكر قاسم بن ثابت في غريب الحديث أن رجلا من خثعم قدم مكة معتمراً، أو حاجاً، ومعه بنت له يقال لها: القتول من أوضأ نساء العالمين فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج وغيبها عنه فقال الخثعمي: من يعديني على هذا الرجل فقيل له عليك بحلف الفضول فوقف عند الكعبة، ونادى: يا لحلف الفضول فإذا هم يعنقون إليه من كل جانب وقد انتضوا أسيافهم يقولون جاءك الغوث، فما لك؟ فقال إن نبيها ظلمني في ابنتي، وانتزعها مني قسراً، فساروا معه حتى وقفوا على باب الدار فخرج إليهم فقالوا له أخرج الجارية ويحك، فقد علمت من نحن وما تعاقدنا عليه فقال أفعل ولكن متعوني بها الليلة فقالوا له لا والله ولا شخب لقحة فأخرجها إليهم.
    قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا، ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت .
    وعبد الله بن جدعان هذا تيمي هو ابن جدعان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم يكنى: أبا زهير ابن عم عائشة - رضي الله عنها - ولذلك قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إ ن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقري الضيف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال لا إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين أخرجه مسلم .
    نريد أن نركز على عدة نقاط وهي:
    1 – نص ما ورد في الحلف من نقاط وهي:
    أ – نصرة المظلوم.
    ب – التأسي بالمعاش.
    2- قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إذا دعيت به في الإسلام لأجبت".
    في التقاليد التي كانت سائدة في جزيرة العرب يأكل القوي الضعيف. والسيادة لمن قبيلته سائدة. والذي ينتمي إلى القبيلة السائدة يكون قانونه هو السائد، أي يفعل ما يريد من دون أن يتعرض له أحد. من هنا فإن "نصرة المظلوم" التي نص عليها حلف الفضول تعتبر ثورة على التقاليد القبلية.
    والتأسي بالمعاش يعتبر فتحاً مبيناً في عالم التكافل الإجتماعي. وكأني بهذا البند ينص على القضاء على الفقر والعوز والحاجة. وهذا الحلف قد سبق جميع المواثيق الإجتماعية التي تعتبر متقدمة.
    أما قول النبي عليه السلام أنه يجيب من يدعو به. فبهذا دلالة على الأهمية التي أعطاها النبي لمضمون هذا الحلف، هذا أولاً. وثانياً أنه ما كان إيجابياً في أعراف ما قبل الإسلام فإن النبي يقبله ويجعله من ضمن منظومة المفاهيم الإسلامية. ثالثاً، إن مفهوم أن الحكمة ضالة المؤمن نراها واضحة في قبول نبي الإسلام بعرف أو اتفاق كان في الجاهلية.
    ولأهمية هذا الحلف ومعرفة الصحابة رضوان الله عليهم بالأهمية التي أعطاها النبي عليه السلام لهذا الحلف ظلوا على ذكرهم لهذا الحلف وللأهمية التي يستأهلها. فقد دعا الصحابة بهذا الحلف بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. جاء في "الروض الأنف":
    قال ابن إسحاق: "وحدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.
    والوليد يومئذ أمير على المدينة، أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة، فكان الوليد تحامل على الحسين - في حقه لسلطانه فقال له الحسين أحلف بالله لتنصفني من حقي، أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لأدعون بحلف الفضول.
    قال فقال عبد الله بن الزبير، وهو عند الوليد حين قال الحسين - رضي الله عنه - ما قال وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا.
    قال فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل ذلك فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي".
    الملاحظ أن الحسن عليه السلام لم يلجأ إلى قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما لجأ إلى حلف الفضول. وفي هذا إشارة إلى الأهمية الكبيرة التي أعطاها المسلمون في الصدر الأول للإسلام لهذا الحلف. أما اليوم فلا ذكر لهذا الحلف مطلقاً، لإاين منا نصرة المظلوم وأين منا التأسي بالمعاش؟
    موقف الإسلام من الحلف (حسب السهيلي)
    وذكر خبر الحسين مع الوليد بن عتبة، وقوله لآخذن سيفي، ثم لأدعون بحلف الفضول إلى آخر القصة وفيه من الفقه تخصيص أهل هذا الحلف بالدعوة وإظهار التعصب إذا خافوا ضيماً، وإن كان الإسلام قد رفع ما كان في الجاهلية من قولهم يا لفلان عند التحزب والتعصب وقد سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم المريسيع رجلاً يقول يا للمهاجرين وقال آخر يا للأنصار فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوها فإنها منتنة وقال - صلى الله عليه وسلم - من ادعى بدعوى الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا .
    ونادى رجل بالبصرة يا لعامر فجاءه النابغة الجعدي بعصبة له فضربه أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - خمسين جلدة وذلك أن الله عز وجل جعل المؤمنين إخوة.
    ولا يقال إلا كما قال عمر رضي الله عنه يا لله ويا للمسلمين لأنهم كلهم حزب واحد وإخوة في الدين إلا ما خص الشرع به أهل حلف الفضول.
    والأصل في تخصيصه قوله - صلى الله عليه وسلم - ولو دعيت به اليوم لأجبت يريد لو قال قائل من المظلومين يا لحلف الفضول لأجبت، وذلك أن الإسلام إنما جاء بإقامة الحق ونصرة المظلومين فلم يزدد به هذا الحلف إلا قوة وقوله عليه السلام وما كان من حلف في الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة ليس معناه أن يقول الحليف يا لفلان لحلفائه فيجيبوه.
    بل الشدة التي عنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هي راجعة إلى معنى التواصل والتعاطف والتآلف.
    وأما دعوى الجاهلية فقد رفعها الإسلام إلا ما كان من حلف الفضول كما قدمنا، فحكمه باق والدعوة به جائزة وقد ذهبت طائفة من الفقهاء إلى أن الحليف يعقل مع العاقلة إذا وجبت الدية لقوله - صلى الله عليه وسلم - وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة .
    ولقوله أيضا للذي حبسه في المسجد إنما حبستك بجريرة حلفائك .
    وليس لنا أن نزيد على ما ورد.
    22 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى -11 –
    الهجرة إلى المدينة (يثرب): الحكومة والكيان
    الهجرة في حقيقتها هي الخطوة الأولى على طريق إقامة دار الإسلام في المدينة: القاعدة الآمنة التي ينطلق منها المؤمنون لقتال المشركين.
    بعد أن ازداد عدد المؤمنين بالدعوة الجديدة التي قادها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد أن فرغ صبر قادة مكة على النبي عليه السلام، حتى أنهم غضبوا حتى على أبي طالب، عم النبي والذي كان يؤمن له الحماية، بدأ اضطهاد قريش للمؤمنين بالرسالة الخاتمة. وكان الإضطهاد يزيد يوماً بعد يوم، حتى أن النبي لم يعد يحتمل ما كان يتحمل أتباعه من القهر، طلب منهم الهجرة إلى الحبشة.
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم‏‏:‏‏ لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه‏‏.‏‏
    فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.‏‏
    فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.‏‏
    وعندما عرف مشركو مكة أن المهاجرين يعيشون بسلام في الحبشة، قرروا أن يبعثوا وفداً للإتيان بهم لاضطهادهم من جديد.
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها داراً وقراراً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشي، فيردهم عليهم، ليفتنوهم في دينهم، ويخرجوهم من دارهم، التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها؛ فبعثوا عبدالله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته، ثم بعثوهما إليه فيهم.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت:‏‏ لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار النجاشي، أمِنَّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نُؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه؛ فلما بلغ ذلك قريشاً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يُهدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبدالله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما:‏‏ ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم‏‏.‏‏
    قالت‏‏:‏‏ فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل ‏أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم‏‏:‏‏ إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم؛ فقالوا لهما:‏‏ نعم.‏‏
    ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له:‏‏ أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم و عشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.‏‏
    قالت:‏‏ ولم يكن شيء أبغض إلى عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي.‏‏ قالت:‏‏ فقالت بطارقته حوله‏‏:‏‏ صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.‏‏
    قالت‏‏:‏‏ فغضب النجاشي، ثم قال‏‏:‏‏ لاها الله، إذن لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.‏‏
    قالت:‏‏ ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، قال بعضهم لبعض‏‏:‏‏ ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟‏‏ قالوا:‏‏ نقول‏‏:‏‏ والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا في ذلك ما هو كائن.‏‏
    فلما جاءوا، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم:‏‏ ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل‏‏؟‏‏
    قالت:‏‏ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال له:‏‏ أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف؛ فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات؛ وأمرنا أن نعبدالله وحده، لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت‏‏:‏‏ فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك؛ ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك.‏‏
    قالت:‏‏ فقال له النجاشي:‏‏ هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟‏‏ قالت:‏‏ فقال له جعفر:‏‏ نعم؛ فقال له النجاشي:‏‏ فاقرأه علي؛ قالت‏‏:‏‏ فقرأ عليه صدراً من:‏‏ ‏‏(‏‏ كهيعص ‏‏)(سورة مريم).‏‏ قالت:‏‏ فبكى والله النجاشي حتى اخضلَّت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم‏‏.‏‏
    ثم قال لهم النجاشي:‏‏ إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يُكادون‏‏.‏‏
    ولكن وفد مكة أعاد الكرة بدهاء أكثر، أما النجاشي فأصر على حماية المهاجرين من المسلمين.
    وبعد فترة من الزمن، سمع المهاجرون أن أهل مكة آمنوا فرجعوا.
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين خرجوا إلى أرض الحبشة، إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفياً‏‏.‏‏
    ثم مات أبو طالب، عم النبي والذي كان يؤمن له الحماية. قرر النبي عليه السلام الذهاب إلى الطائف عله يجد من ينصر هذا الدين.

    قال ابن إسحاق:‏‏ ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل، فخرج إليهم وحده‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال:‏‏ لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة:‏‏ عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه؛ فقال له أحدهم:‏‏ هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك؛ وقال الآخر:‏‏ أما وجد الله أحدا يرسله غيرك!‏‏ وقال الثالث‏‏:‏‏ والله لا أكلمك أبدا.‏‏ لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك.‏‏ فقام رسول الله صلى عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - ‏‏:‏‏ إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغَ قومَه عنه، فيُذْئِرهم ذلك عليه.‏‏
    فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد ‏ إلى ظل حَبَلة من عنب، فجلس فيه‏‏.‏‏ وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح، فقال لها‏‏:‏‏ ماذا لقينا من أحمائك؟‏‏
    فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فيما ذكر لي - اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟‏‏ إلى بعيد يتجهمني؟‏‏ أم إلى عدو ملكته أمري‏‏؟‏‏ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنـزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك‏‏.‏‏
    قال‏‏:‏‏ فلما رآه ابنا ربيعة، عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له عداس، فقالا له‏‏:‏‏ خذ قطفاً من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه.‏‏
    ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له‏‏:‏‏ كل، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده، قال‏‏:‏‏ باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال:‏‏ والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس، وما دينك؟‏‏ قال:‏‏ نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؛ فقال له عداس‏‏:‏‏ وما يدريك ما يونس بن متى؟‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه.‏‏
    قال:‏‏ يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه‏‏:‏‏ أما غلامك فقد أفسده عليك.‏‏ فلما جاءهما عداس، قالا له:‏‏ ويلك يا عداس!‏‏ ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه‏‏؟‏‏ قال‏‏:‏‏ يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي؛ قالا له‏‏:‏‏ ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه‏‏.‏‏
    صحيح أن النبي قد لاقى الأذى من ثقيف، ولكنه خاطب ربه قائلاً: إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي. عاد إلى مكة وبدأ جولة جديدة من الدعوة إلى الله.
    قال ابن إسحاق:‏‏ ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلاً مستضعفين، ممن آمن به‏‏.‏‏
    فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم، إذا كانت، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين لهم الله ما بعثه به.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم‏‏.‏‏ فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا:‏‏ لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لهم‏‏:‏‏ من أنتم؟‏‏ قالوا:‏‏ نفر من الخزرج، قال:‏‏ أمن موالي يهود‏‏؟‏‏ قالوا:‏‏ نعم؛ قال‏‏:‏‏ أفلا‏ تجلسون أكلمكم؟‏‏ قالوا‏‏:‏‏ بلى.‏‏
    فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.‏‏ قال‏‏:‏‏ وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم‏‏:‏‏ إن نبياً مبعوث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم‏‏.‏‏
    فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض‏‏:‏‏ يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه.‏‏ فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا:‏‏ إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.‏‏
    ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا‏‏.‏‏
    حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه بالعقبة‏‏.‏‏ قال:‏‏ وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فلما انصرف عنه القوم، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي، وأمره أن يُقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يُسمَّى المقرِىء ‏بالمدينة‏‏:‏‏ مصعب.‏‏ وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس، أبي أمامة.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة:‏‏ أنه كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضُهم أن يؤمه بعض‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، من أوسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته، والنصر لنبيه، وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله.‏‏
    قال‏‏:‏‏ فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال:‏‏ أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.‏‏ قال:‏‏ فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال‏‏:‏‏ نعم، والذي بعثك بالحق نبيا، لنمنعنك مما نمنع منه أُزُرنا، فبايِعْنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر.‏‏
    إذن إنها بيعة القتال، بيعة لها معنىً آخر!
    قال‏‏:‏‏ فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو الهيثم بن التيهان، فقال:‏‏ يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا‏‏؟‏‏ قال:‏‏ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:‏‏ بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم‏‏.‏‏
    قال ابن هشام:‏‏ ويقال:‏‏ الهدم الهدم‏‏:‏‏ يعني الحرمة.‏‏ أي ذمتي ذمتكم، وحرمتي حرمتكم.‏‏
    قال كعب بن مالك:‏‏ وقد كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ أخرجوا إلي منكم اثنى عشر نقيباً، ليكونوا على قومهم بما فيهم‏‏.‏‏ فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة:‏‏ أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، أخو بني سالم بن عوف‏‏:‏‏ يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟‏‏ قالوا:‏‏ نعم؛ قال:‏‏ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأمول، وقتل الأشراف، فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة؛ قالوا:‏‏ فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفَّينا بذلك؟‏‏ قال:‏‏ الجنة.‏‏ قالوا‏‏:‏‏ ابسط يدك؛ فبسط يده فبايعوه.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ وكانت بيعة الحرب، حين أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال شروطا سوى شرطه عليهم في العقبة الأولى، كانت الأولى على بيعة النساء، وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في الحرب، فلما أذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود، أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فحدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن جده عبادة بن الصامت، وكان أحد النقباء، قال‏‏:‏‏
    بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعه الحرب - وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بيعة النساء - على السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم‏‏.‏‏
    قال‏‏:‏‏ حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام، قال:‏‏ حدثنا زياد بن عبدالله البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي:‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم، فهم من بين مفتون في دينه، ومن بين معذب في أيديهم، ومن بين هارب في البلاد فرارا منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفي كل وجه؛ فلما عتت قريش على الله عز وجل، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم، وعذبوا ونفوا من عبده ووحَّده وصدق نبيه، واعتصم بدينه، أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم‏‏.‏‏
    فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب، وإحلاله له الدماء والقتال، لمن بغى عليهم، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء، قول الله تبارك وتعالى‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير.‏‏ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن اللهُ من ينصره، إن الله لقوي عزيز‏‏.‏‏ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أي‏‏:‏‏ أني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظُلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس، إلا أن يعبدوا الله، وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجميعن، ثم أنزل الله تبارك وتعالى عليه:‏‏ ‏‏(‏‏ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أي:‏‏ حتى لا يُفتن مؤمن عن دينه:‏‏ ‏‏(‏‏ ويكون الدين لله ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أي‏‏:‏‏ حتى يُعبدالله، لا يعبد معه غيره.‏‏
    ومن الطبيعي أن يلي اإذن بالقتال الإذن بالهجرة، أو بالأحرى الأمر بالهجرة إلى المدينة. وهذا الأمر طال جميع المسلمين أينما وُجدوا.
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فلما أذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه، وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين، بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال:‏‏ إن الله عز وجل قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها.‏‏
    فخرجوا أرسالاً، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة، والهجرة إلى المدينة‏‏.‏‏
    وقد أحسّ مشركو قريش إحساساً حاداً خطورة الهجرة. يقول تعالى: ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويمكر اللهُ، واللهُ خير الماكرين )( الأنفال 136) . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن نفراً من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة فاعترضهم ابليس في صورة شيخ جليل فلمّا رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن اُحضركم ولن يعدمكم منّي رأي أو نصح، قالوا: أجل فادخل. فدخل معهم فقال: اُنظروا في شأن هذا الرجل (محمد)، فقال قائل احبسوه في وثائق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير ونابغة، فإنما هو كأحدهم، فقال عدو الله الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله، ليخرجنّ رائد من محبسه إلى أصحابه فليوشكنّ أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، ثم يمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، فانظروا في غير هذا الرأي. فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم واستريحوا منه فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع، فقال الشيخ النجدي: والله، ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه للقلوب بما يستمع من حديثه؟ والله، لئن فعلتم، ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه ثم ليسيرن إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله، فانظروا رأياً غير هذا. فقال أبو جهل: والله، لأشيرنّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره قالوا: وما هذا؟ قال: تأخذون من كل قبيلة وسيطاً شاباً جلداً ثم نعطي كل غلام منهم سيفاً صارماً يضربونه ضربة رجل واحد... (تفسير الجلالين أسباب نزول الآية 20 من الأنفال) . نقلنا هذا الكلام الطويل لأهميته وخاصة ما كان يقوله الشيخ النجدي ـ لعنه الله ـ بأن محمداً سوف يخرجهم من بلادهم إذا سمحوا له بالهجرة. لقد أحسَّ المشركون بخطورة هذه الخطوة (الهجرة) فكيف بصاحبها!
    وهاجر المسلمون، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. إجتمعوا فأصبحوا كياناً. وما أن وصل النبي حتى أمر ببناء المسجد، كما وأمر بإنشاء سوق للمسلمين لأن اليهود كانوا يسيطرون على سوق المدينة.
    وكانت الخطوة الكبرى هي كتابة الوثيقة بين المسلمين واليهود والني تبين أن الحكومة هي بيد محمد صلى الله عليه وسلم وبرضى اليهود.
    وبذلك تكون الهجرة بحقيقة أمرها هي إنشاء الكيان: كيان المسلمين. وتكون أيضاً تأسيس أول حكومة إسلامية بقيادة رسول الله محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام.
    26 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى – 13 –
    إقرأ بسم ربك الذي خلق: عنوان النبوة
    جاء في الروض الأنف للسهيلي ما يلي: متى بعث رسول الله؟
    ذكر ابن إسحاق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث على رأس أربعين من مولده عليه السلام وهذا مروي عن ابن عباس، وجبير بن مطعم وقباث بن أشيم وعطاء وسعيد بن المسيب، وأنس بن مالك وهو صحيح عند أهل السير والعلم بالأثر وقد روي أنه نُبئ لأربعين وشهرين من مولده وقيل لقباث بن أشيم من أكبر أنت أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال رسول الله أكبر مني، وأنا أسن منه وولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل ووقفت بي أمي على روث الفيل ويروى: خزق الطير فرأيته أخضر محيلاً، أي قد أتى عليه حول.
    وفي غير رواية البكائي من هذا الكتاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال لا يفتك صيام يوم الاثنين فإني قد ولدت فيه وبعثت فيه وأموت فيه.
    قال ابن إسحاق: فذكر الزهري عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها أنها حدثته أن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة لا يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح. قالت وحبب الله تعالى إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده.
    قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير. قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد، كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل عليه السلام؟ قال فقال عبيد - وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير، ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهراً، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية.
    وذكر ابن إسحاق: ما بدئ به النبي - صلى الله عليه وسلم - من النبوءة إذ كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله. وفي مصنف الترمذي ومسلم أيضاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن ينزل علي. وفي بعض المسندات زيادة أن هذا الحجر الذي كان يسلم عليه هو الحجر الأسود.
    قال ابن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان قال قال عبيد [ بن عمير ]: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذات الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبة، قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعاً، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه الله تعالى فيها، وذلك الشهر شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء، كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ قال قلت: ما أقرأ؟ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني، فقال اقرأ قال قلت: ما أقرأ؟ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني، فقال اقرأ قال قلت: ماذا أقرأ؟ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني، فقال اقرأ قال فقلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداءً منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. قال فقرأتها، ثم انتهى، فانصرف عني، وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتاباً. قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي، وما أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة، ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني. وانصرفت راجعاً إلى أهلي، حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها، فقالت يا أبا القاسم أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا لي، ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت أبشر يا بن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
    ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عمها، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع فقال ورقة بن نوفل: قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى. وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة، فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل، وهو يطوف بالكعبة، فقال يا بن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتله ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله.
    وفي رواية يونس عن ابن إسحاق بسنده إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال لخديجة: إني إذا خلوت وحدي سمعت نداءً وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر ". قالت معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك. فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم. وتصدق... الحديث فلما دخل أبو بكر، وليس [ عندها ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكرت خديجة له ذلك فقالت يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ أبو بكر بيده. فقال انطلق بنا إلى ورقة بن نوفل. فقال " ومن أخبرك "؟ قال خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال: إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فأنطلق هارباً في الأرض. فقال له لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك. ثم ائتني، فأخبرني، فلما خلا ناداه يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. حتى بلغ ولا الضالين. قل لا إله إلا الله. فأتى ورقة فذكر ذلك له فقال له ورقة أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا. ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك. فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت القس في الجنة وعليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني. يعني: ورقة وفي رواية يونس أيضاً أنه عليه السلام قال لرجل سب ورقة أما علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين وهذا الحديث الأخير قد أسنده البزار.
    بقية من حديث ورقة وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتكذبنه فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، ثم قال ولتؤذينه فلم يقل له شيئاً، ثم قال ولتخرجنه فقال: أومخرجي هم؟ ففي هذا دليل على حب الوطن وشدة مفارقته على النفس وأيضاً فإنه حرم الله وجوار بيته وبلدة أبيه إسماعيل فلذلك تحركت نفسه عند ذكر الخروج منه ما لم تتحرك قبل ذلك فقال "أومخرجي هم؟" والموضع الدال على تحرك النفس وتحرقها إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه وذلك أن الواو ترد إلى الكلام المتقدم وتشعر المخاطب بأن الاستفهام على جهة الإنكار أو التفجع لكلامه أو التألم منه.
    ما أنا بقارئ
    وقوله في حديث ابن إسحاق: اقرأ قال ما أقرأ يحتمل أن تكون ما استفهاماً، يريد أي شيء أقرأ؟ ويحتمل أن تكون نفياً، ورواية البخاري ومسلم تدل على أنه أراد النفي أي ما أحسن أن أقرأ كما تقدم من قوله ما أنا بقارئ.
    هذا ما جاء في الروض الأنف عن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وما ورد هنا يتطابق مع ما جاء عند ابن هشام. أما ما استوفنا في هذه الرواية نقطتان هامتان:
    الأولى، أن النبي كان يُكثر الخلوة إلى النفس، وأن الشهر الذث بُعث فيه كان قد غختلى لنفسه شهراً كاملاً. تُرى ماذا كان يفعل في هذه الخلوات المتكررة والطويلة؟
    الثانية، أن الأمر الإلهي، الأمر الإفتتاحي للرسالة الخاتمة جاء بأمر بالقراءة لمن كان أمياً على مختلف الروايات. تُرى ما هي القراءة المطلوبة؟
    المعروف أن النبي عليه السلام قد حضر جميع المشاهد قبل بعثته المباركة. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن النبي عليه السلام كان يعيش مختلف تفاصيل ما يجري في مجتمعه. ثم يختلي الأيام الطوال! هل كان يقوم بتحليل جميع هذه الظواهر؟ أي يقرأها! يمكننا الإجابة بنعم على هذا الإحتمال لأن محمد كان يعود إلى الإختلاط بمجتمعه. فممارساته كانت مقصودة أو عن سابق إصرار وتصميم، كما يُقال. فالقراءة المطلوبة هي قراءة المجتمع بتفاصيله، والخلوة هي لتقويم ما ورد في هذه القراءة. وفي هذا المقام يخطر على البال سؤالاً نجد مشروعية لطرحه: هل أن الله تبارك وتعالى كان يُعد نبينا الأكرم إلى "الحمل الثقيل"؟ نحن نميل إلى ما ورد.
    العرب قبل البعثة:
    قال ابن هشام ‏‏‏‏‏:‏‏‏‏‏ فالعرب كلها من ولد إسماعيل وقحطان ‏‏‏‏‏.‏‏‏‏‏ وبعض أهل اليمن يقول ‏‏‏‏‏:‏‏‏‏‏ قحطان من ولد إسماعيل ‏‏‏‏‏.‏‏‏‏‏ ويقول ‏‏‏‏‏:‏‏‏‏‏ إسماعيل أبو العرب كلها‏‏‏‏‏.‏‏‏‏‏
    كان العرب، سواء أهل اليمن أو غيرهم يعيشون كقبائل متقاتلة. يعيشون معظم أيامهم على الغزو المتبادل.
    أما القراءات التي كانت سائدة في جزيرة العرب، فهي التالية:
    الوثنية، اليهودية، الصابئة، النصرانية و الحنيفية.
    يقول جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (الكتاب الذي سنعتمد عليه في بحثنا إلى جانب كتب السير):ومعارفنا عن قريش لا بأس بها بالنسبة إلى معارفنا عن خزاعة وعن من تقدم عليها من قبائل ذكر أهل الأخبار أنها سكنت مكة. وتبدأ هذه المعرفة بها، ابتداء من قصي زعيم قريش ومجمعها، والذي أخذ أمر مكة فوضعه في يديه، ثم في أيدي أولاده من بعده، فصارت بذلك قريش صاحبة مكة.
    يضيف جواد علي: وقد اشتهرت قريش بالتجارة، وبها عرفت وذاع صيتها بين القبائل. وتمكن رجالها بفضل ذكائهم وحذقهم بأسلوب التعامل من الإتصال بالدول الكبرى في ذلك العهد: الفرس والروم والحبشة، وبحكومة الحيرة والغساسنة، وبسادات القبائل، ومن تكوين علاقات طيبة معها، مع تنافر هذه الدول وتباغضها. كما تمكنوا من عقد أحلاف مع سادات القبائل، ضمنت لهم السير طوال أيام السنة بهدوء وطمأنينة في كل أنحاء جزيرة العرب. والطمأنينة، أهم أمنية من أماني التاجر. وبذلك أمنوا على تجارتهم، ونشروا تجارتهم في كل أنحاء جزيرة العرب. حتى عرفوا بقريش التجار.
    يضيف جواد علي: وقد علمت الأسفار سادة قريش أموراً كثيرة من أمور الحضارة والثقافة. فقد أرتهم بلاداً غريبة ذات تقدم وحضارة، وجعلتهم يحتكون بعرب العراق وبعرب بلاد الشام، فتعلموا من الحيرة أصول كتابتهم، وهذبوا لسانهم، ودونوا به أمورهم. وذُكر أنهم كانوا من أفصح العرب لساناً.
    ويضيف قائلاً: وقد جعلت طبيعة هذا الوادي أهل مكة يميلون إلى السلم، ولا يركنون إلى الحرب والغزو إلا دفاعاً عن نفس.
    ثم يقول: وقد تمكنت مكة في نهاية القرن السادس وبفضل نشاط قريش المذكور من القيام بأعمال هامة صيرتها من أهم المراكز المرموقة في العربية الغربية في التجارة وفي إقراض المال... وقد ذكر الثعالبي أن قريشاً صاروا أدهى العرب، وأعقل البرية، وأحسن الناس بياناً...
    هذه حال مكة قبل البعثة النبوية المشرفة.
    أما عن ديانات العرب قبل الإسلام، فيقول جواد علي: إن معارفنا قبل الإسلام مستمدة في الدرجة الأولى من النصوص الجاهلية بلهجاتها المتعددة من معينيةوسبئية وحضرمية وأوسانية وقتبانية وثمودية ولحيانية وصفوية، وهي نصوص ليس من بينها نص واحد ويا للأسف في أمور دينية مباشرة.... ولا تتناول الموارد الإسلامية بعد، إلا الوثنية القريبة من الإسلام والوثنية التي كانت متفشية بين قبائل الحجاز في الغالب ... وبفضل إقرار الإسلام لبعض أحكام وشعائر الجاهليين، استطعنا الوقوف على جانب من أحكامهم وشرائعهم... ومعارفنا عن الأساطير العربية الدينية قليلة جداً. وهذا مما حمل بعض المستشرقين على القول بأن العرب لم تكن لهم أساطير دينية عن آلهتهم ... وحيث أن الجاهليين كانوا شعوباً وقبائل، لم تجمع بينهم وحدة فكر ولم تضمهم دولة واحدة، أو عقيدة مشتركة، فنحن لا نستطيع التحدث عن شعائر واحدة لجميع عرب الجاهلية.
    وفي مقدمة شعائر الدين عند أهل الجاهلية: الأصنام وبيوتها والتقرب إليها بالصلاة وبالسجود وبالطواف حولها، وبالنذور، وبالحبوس وبالقسم بها... ومن طرق عبادة أهل الجاهلية: التحنث، أي التعبد والتقرب إلى الآلهة... ومن شعائر الدين عند الجاهليين الإختتان. وأما الإغتسال من الجنابة وتغسيل الموتى، فمن السنن التي أقرت في الإسلام... والقرابين والنذور وزيارات المعابد والحج هي من أبرز الشعائر الدينية...
    الحج والعمرة:
    يقول جواد علي: ويظهر من غربلة ما أورده أهل الأخبار من روايات عن موسم الحج في الجاهلية، أن الحج إلى مكة كان في موسم ثابت، هو الربيع على رأي كثير من المستشرقين، أو الخريف على رأي ولهوزن... إن الجاهليين كانوا يتهيأون للحج من دخول شهر شوال، فيصلحون أمورهم، ويحضرون ما يحتاجون إليه من لوازم السفر، فإذا أراد أحدهم تجارة وكسباً ذهب إلى الأسواق، حتى يهل شهر ذو الحجة، وإن لم يرد تجارة، ذهب في أي وقت يراه مناسباً له...
    ثم يضيف: ... أن حج أهل الجاهلية لم يكن إلى مكة وحدها، بل كان إلى محجات عديدة أخرى. بحيث حج كل قوم إلى البيت الذي قدسوه وكانوا يتقربون إليه ووضعوا أصنامهم فيه... وكان الناس يزورونها (بيوت الأصنام) ويتقربون إليها ويذبحون عند أصنامها ويطوفون حولها ويلبون تلبية الصنم الذي يطوفون حوله... غير أننا نجد في روايات بعض أهل الأخبار ما ينافي تعظيم كل العرب للبيت وحجهم إليه واحترامهم للحرم وللأشهر الحرم. فقد ورد أن من العرب من كان لا يرعى للحرم ولا للأشهر الحرم حرمة، ومنهم خثعم وطيء وأحياء من قضاعة ويشكر والحارث بن كعب. وورد أن ذؤبان العرب وصعاليكها وأصحاب التطاول، كانوا لا يؤمنون على الحرم، ولا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدراً. وقد كانوا خطراً يهدد البيت وأهله لذلك، ألف هاشم بين قريش وسادات القبائل ألفة ليحمي بهم البيت.
    وحول مناسك الحج يقول جواد علي أن المناسك لم تكن موحدة عند الجاهليين، ثم يضيف: يبدأ حج أهل الجاهلية بالإهلال. فكانوا يهلون عند أصنامهم، ويلبون إليها، فإذا انتهوا من ذلك قدموا مكة... والطواف بالبيوت وبالأصنام، ركن من أركان الحج، ومنسك من مناسكه. وكانوا يفعلونه كلما دخلوا البيت الحرام، فإذا دخل أحدهم الحرم، وإذا سافر أو عاد من سفر، فأول ما كان يفعله الطواف بالبيت... وقد ذكر الإخباريون أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون حول الرجمات، وهي حجارة تجمع فتكون على شبه بيت مرتفع كالمنارة، ويقال لها الرجمة. وكان الجاهليون يطوفون حول الأصنام والأنصاب(وهي أحجار هم نصبوها) ... وحول الذبيحة التي يقدمونها للآلهة. وكانوا يطوفون حول القبور أيضاً: قبور السادالت والأشراف من الناس... وتلعب عبادة الحجر دوراً بارزاً في الدوار (الطواف). فقدكان قوم من أهل الجاهلية يقيمون الأحجار، ثم يطوفون حولها، يتخذون الدوار عبادة لهم... ويلاحظ أن الجاهليين كانوا يقيمون وزناً للحليب في أمور العبادة، فقد كانوا يسكبونه على الأصنام... وعدة الطواف حول الكعبة عند الجاهليين سبعة أشواط... وقد ورد أن من الجاهليين من كان يطوف ويده مربوطة بيد إنسان آخر... يفعلونه نذراً أو حتى لا يفترقا.
    ويضيف جواد علي في هذا الموضوع: والأخباريون يذكرون أن الطائفين بالبيت كانوا على صنفين: صنف يطوف عرياناً (الحلة) وصنف يطوف في ثيابه (الحمس) (ويشترك بذلك النساء والرجال، وذلك حتى لا يطوفوا في الثياب التي ارتكبوا المعصية فيها)... وذكر أن من الحجاج من كان يحج بغير زاد، وأن منهم من كان إذا أحرم رمى بما معه من زاد...
    التلبية:
    يقول جواد علي: وذكر محمد بن حبيب أن طواف أهل الجاهلية بالبيت أسبوعاً، وذكر أنهم كانوا يمسحون الحجر الأسود، ويسعون بين الصفا والمروة. وكانوا يلبون. (كانت تلبياتهم مختلفة). والتلبية هي إجابة الملبي ربه. ثم يضيف: وتردد جمل التلبية بصوت مرتفع، ولعل ذلك لإعتقاد الجاهليين أن في رفع الصوت إفهاماً للصنم الذي يطاف له بأن الطائف قد لبى داعيه، وأنه استجاب أمره وحرص على طاعته... وهناك مواضع أخرى غير متصلة بالبيت الحرام، كانت مقدسة وداخلة في شعائر الحج، منها عرفة ومنى والمزدلفة والصفا والمروة، ومواضع أخرى كان يقصدها الجاهليون لقدسيتها أو لوجود صنم فيها...
    الإفاضة:
    يقول جواد علي: ويفيض الحجاج في الجاهلية عند طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة من المزدلفة إلى منى، لرمي الجمرات ولنحر الأضحية... وقد يكون لرمي الجمرات ولنحر الذبائح صلة بتلك الأصنام... وكان الجاهليون يقلدون هديهم بقلادة، أو بنعلين، يعلقان على رقبة الهدي، إشعاراً للناس بأن الحيوان هو هدي، فلا يجوز الإعتداء عليه، كما كانوا يشعرونه. والإشعار الإعلام. وهو أن يشق جلد البدنة أو يطعن بأسنمها... و التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تشرر في الشمس. وقيل سمي التشريق تشريقاً، لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس... ولا يحل للحجاج في الجاهلية حلق شعورهم أو تقصيرها طيلة حجهم وإلا بطل حجهم. ويلاحظ أن غير العرب من الساميين كانوا لا يسمحون بقص الشعر في مثل هذه المناسبات الدينية... وخاصة اللحية... وكانت القبائل لا تحلق شعورها في مواسم حجها إلا عند أصنامها... وكان من عادة بعض القبائل، مثل بعض قبائل اليمن، إلقاء قرة من دقيق مع الشعر...
    يضيف جواد علي: وكان أهل الجاهلية إذا قضوا مناسكهم وفرغوا من الحج، وذبحوا نسائكهم، يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم... وكانوا إذا خرج أحدهم من بيته يريد الحج، تقلد قلادة من لحاء السمر، دلالة على ذهابه إلى الحج، فيأمن حتى يأتي أهله...
    التجارة في الحج:
    قال جواد علي: قال علماء التفسير: كان متجر الناس في الجاهلية: عكاظ وذو المجاز، فكانوا إذا أحرموا لم يتبايعوا حتى يقضوا حجهم. ويقولون أيام الحج أيام ذكر.
    العمرة:
    يقول جواد علي: وكان أهل الجاهلية يقومون بأدائها في شهر رجب... حرص الجاهليون على ألا يوافق موعدها موعد مواسم الحج، لما كان لها من أهمية عظيمة عندهم قد تزيد على الطواف المألوف في شهر الحج... وورد أن أهل الجاهلية كانوا يرون أن العمرة من أشهر الحج... ولكن بعضهم كان يعتمر في كل شهر، ولا سيما في رجب، حيث كانوا يحلقون رؤوسهم ويجيؤون إلى محجاتهم للعمرة. وورد أن أهل الجاهلية كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر... ويلبس المعتمر الإحرام أيضاً. وقد كان الجاهليون يكتفون في عمرتهم بالطواف بالبيت، أما السعي بين الصفا والمروة، فأغلب الظن أن العرب لم يكونوا يقومون به... وتقبيل الأحجار والأصنام واستلامها في أثناء الطواف أو غير الطواف من الشعائر الدينية عند الجاهليين... ولكننا نستطيع أن نقول إن من أهم أركان الحج عند جميع الجاهليين، وجوب مراعاة النظافة، نظافة الجسم ونظافة الثياب.
    بيوت العبادة
    يقول جواد علي: وبيوت العبادة عند الجاهليين ثلاثة أنواع: بيوت عبادة خاصة بالمشركين، وهم الكثرة الغالبة، وبيوت عبادة خاصة باليهود، وبيوت عبادة خاصة بالنصارى. أما بيوت عبادة المجوس، فقد عرفت في العربية الشرقية والعربية الجنوبية، ولكن عبادها هم من المجوس، أي العجم، فالمجوسية لم تنتشر بين العرب، ولم تدخل بينهم إلا بين عدد قليل من الناس.
    يضيف جواد علي: وذكروا أن في جملة الألفظ التي أطلقت على بيوت الأصنام لفظة الطاغوت، والجمع طواغيت. ورد أن العرب كانت اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي إليها، كما تهدي إلى الكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده. وورد أن الطاغوت الصنم، وكل معبود من دون الله...
    وقدست بعض المواضع وأقيمت المعابد فيها، بسبب وجود أشجار مقدسة فيها... وقدست مواضع أخرى لوجود أحجار مقدسة فيها، كانوا يطوفون حولها. من هذه المواضع: عكاظ... وقد عثر على كتابات جاهلية تبين منها، أن الجاهليين كانوا يعدون طهارة الملابس وطهارة الجسم من الأمور الملازمة لمن يريد دخول المعبد.... وعثر المنقبون على أحواض داخل المعابد في العربية الغربية، يظهر أنها كانت للوضوء، لتطهير الجسم قبل الدخول إلى المسجد، موضع الصنم... ولهم آداب اتبعوها حين دخولهم بيت الصنم وحين خروجهم منه... ولبيوت العبادة سدنة وحجبة وخدم، يقومون كلهم بخدمة البيت وما فيه من أصنام... وتعد السدانة من المنازل الدينية والإجتماعية الرفيعة عند الجاهليين... ومع الحرمة التي كانت للمعابد، انتهك المستهترون وذوو الحاجة حرمتها، فسرقوا ما تمكنوا عليه من خزائنها...
    هذا أهم ما رأينا نقله عن الجاهلية في بلاد العرب، البلاد التي كانت الموطن الذي بعث فيه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم. ومما استعرضناه نرى أنه أبقى (النبي) على الكثير من المناسك التي كانت أيام الجاهلية بعد أن طهرها من كل ما يمت إلى الشرك بصلة. وما أبقى عليه الإسلام هو ما أمر به رب العالمين في كتابه الكريم. وحرصنا أن لا نقوم بمقابلة بين ما كان أيام الجاهلية وما هو قائم اليوم حتى لا تكون هناك شبهة باستمرارية للعبادات، أو أن العبادة هي نوع من التطور الطبيعي للمفاهيم العبادية كنتيجة لتطور المجتمع. فنحن لا نرى بأن الإنتقال من الشرك إلى التوحيد هو تطور طبيعي للمفاهيم الدينية عند أهل الجزيرة العربية. إنما الإنتقال من الجاهلية إلى الإسلام إنما هو كما عبر عنه القرآن الكريم إنتقال من الظلمات إلى النور بإذن الله. ولولا مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ما كان للبشرية ولا للعرب أن يهتدوا إلى الصراط المستقيم. ودليلنا على ذلك وجود الأحناف في الجزيرة العربية، والذين سنتحدث عنهم الآن، كيف أنهم لم يكونوا مشركين ولكنهم لم يفقهوا كيف يدعون إلى دين التوحيد، إلى الإسلام الذي كانوا يعتقدون أنه مرتبط بنبينا إبراهيم عليه السلام.
    الأحناف
    تعتبر الحنيفية قراءة مختلفة للكون عما كانت عليه الجاهلية، قبل مبعث نبي الهدى عليه الصلاة والسلام.
    قال جواد علي: وذكر بعض أهل الأخبار أن الحنيف عند أهل الجاهلية من اختتن وحج البيت فكل من اختتن وحج البيت هو حنيف. ويرى الطبري أنه لا بد من الإستقامة على ملة إبراهيم واتباعه عليها... وقد أضاف بعضهم إعتزال الأصنام والإغتسال من الجنابة إلى ما ذكرت، وجعلوا ذلك من أهم العلامات الفارقة التي ميزت الحنفاء عن المشركين... وينسب أهل الأخبار إلى الأحناف بالإضافة إلى ما ذكرت، إمتناعهم عن أكل ذبائح الأوثان وكل ما أهل لغير الله... كما نسبوا إليهم تحريم الخمر على أنفسهم، والنظر والتأمل في خلق الله، ونسبوا إليهم أداء شعائر الحج وغير ذلك.
    يضيف جواد علي: والحنفاء كما يفهم من روايات أهل الأخبار، كانوا طرازاً من النساك، نسكوا في الحياة الدنيا، وانصرفوا للتعبد للإله الواحد الأحد إله إبراهيم وإسماعيل، ساحوا في البلاد على نحو ما يفعله السياح الزهاد بحثاً عن الدين الصحيح دين إبراهيم، فوصل زيد بن عمرو بن نفيل إلى الشأم والبلقاء ووقف على اليهودية والنصرانية فلم ير في الديانتين ما يريد. ومنهم من أخذ على قومه هدايتهم بحثهم على ترك عبادة الأصنام، لذلك لاقوا منهم غشاً ونصباً شديداً. ومنهم من كان يتأمل في هذا الكون، لذلك تجنب الناس واعتزلهم، والتجأ إلى الكهوف والمغاور البعيدة ابتعاداً عن الناس للتأمل والتفكر، وقد تجنبوا الخمرة والأعمال المنكرة، وقول الفحش، وساروا على مثل الإسلام، وإن عاشوا قبل الإسلام، لأن الإسلام دين إبراهيم.
    يضيف جواد علي: وقد عد بعض المستشرقين الحنفاء شيعة من شيع النصرانية، وعدوهم نصارى عرباً زهاداً كيفوا النصرانية بعض التكييف، وخلطوا فيها بعض تعاليم من غيرها. وقد استدلوا على ذلك بما ورد من تنصر بعضهم... ويلاحظ أن جميع من حشرهم أهل ألأخبار في الحنيفية، كانوا من القارئين الكاتبين... ولبعض منهم، كما يروي أهل الأخبار علم باللغات الأجنبية مثل السريانية والعبرانية...كما كان لهم علم ووقوف على تيارات الفكر في ذلك الوقت... فهم بالنسبة لذلك الوقت الطبقة المثقفة من الجاهليين نادت بالإصلاح وبرفع مستوى العقل وبنبذ الأساطير والخرافات وبتحرير العقل من سيطرة العادات والتقاليد فيه، وذلك بالدراسات والتأمل وبقراءة الكتب وبالرجوع إلى دين الفطرة، الذي لا يقر عبادة الشرك ولا عبادة الناس.
    ... وليس في أيدينا اليوم مورد يفيد بوجود تكتل وتنظيم لمن أطلق الإخباريون عليهم لفظة: الحنفاء، تكتل وتنظيم مع مظاهر خارجية وداخلية تميزهم عن غيرهم من أهل الأديان. لذلك فنحن لا نستطيع أن نقول إن الحنيفية فرقة تتبع ديناً بالمعنى المفهوم من الدين... وجل هؤلاءالأحناف، هم من أسر معروفة، وبيوت يظهر أنها كانت مرفهة أو فوق مستوى الوسط بالنسبة لتلك الأيام، ولهذا صار بإمكانهم الحصول على ثقافة وعلى شراء الكتب... وقد ذكر من بينهم حنظلة بن صفوان وخالد بن سنان العبسي ورئاب الشني وأمية بن أبي السلط الثقفي وورقة بن نوفل وعداس مولى عتيبة بن ربيعة الثقفي وأبوقيس صرمة بن أبي أنس الأنصاري وأبو عامر الأوسي وعبدالله بن جحش الأسدي وبحيرا الراهب ومن هؤلاء من كان على النصرانية وقد نص المسعودي نفسه على ذلك. ويقال أن قس بن ساعدة الإيادي وعثمان بن الحويرث كانوا نصارى...
    يقول جواد علي أن الأحناف كانوا يعتكفون: وقد نسب الإعتكاف في الكهوف وفي البراري وفي الجبال إلى عدد من هؤلاء الحنفاء. فقد ذكر أهل الأخبار أنهم كانوا قد اعتكفوا في المواضع الخالية البعيدة عن الناس، وحبسوا أنفسهم فيها، فلا يخرجون منها إلا لحاجة شديدة وضرورةماسة. يتحنثون فيه ويتأملون في الكون، يلتمسون الصدق والحق. فكانوا يتعبدون في تلك المواضع الهادئة الساكنة، مثل غار حراء.
    وهذه قراءة ثانية للكون والمجتمع كانت في الجاهلية قبل مبعث رسولنا صلى الله عليه وسلم. هذه القراءة هي قراءة الأحناف. وهؤلاء الأحناف قد خبرهم الرسول عليه السلام، وعرفهم، ورغم قربه منهم، من حيث المعتقدات بشكل عام، إلا أنه لم يكن منهم.
    فهو (النبي) عرف بحيرا الراهب الذي يقول جواد علي أنه كان من الأحناف رغم تنصره. فهو قال لهذا الراهب عندما كان فتىً أنه يبغض اللاة والعزى.
    وعرف قس بن ساعدة الإيادي في سوق عكاظ، ولكنه لم يتبن إعتقاداته: يقول جواد علي: إن وفداً من إياد قدم على النبي: فسألهم عن قس، فقالوا: هلك. فقال: رحمه الله، كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل أورق (أحمر) وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أوجدني أحفظه. فقال رجل من القوم، أنا أحفظه يا رسول الله. سمعته يقول: أيها الناس أسمعوا وعوا... إلى آخر الخطبة، وما جاء بعدها من شعر، فقال عندها رسول الله: رحم الله قساً، إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمةً وحده.
    يترحم الرسول على قس ولكنه لم يقل للوفد أن قساً كان مسلماً رغم تبشيره بالجنة. وكذلك فعل مع مختلف الأحناف الذين عرفهم، عدا أمية بن أبي السلط لأن هذا الأخير أبى أن يسلم. إليكم لقاءه مع النبي: يقول جواد علي: وذكر أن الرسول قال في حديث له عن أمية بن أبي الصلت: آمن شعره وكفر قلبه، أو آمن لسانه وكفر قلبه. وأنه لما سمع شعره في الدين والحنيفية ومطلعه:
    الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا
    قال: إن كاد أمية ليسلم.
    أما عن زيد بن عمرو بن نفيل: وروي أن رسول الله سئل عن زيد بن عمرو بن نفيل، فقال: يبعث أمة وحده يوم القيامة. بل روي أنه ترحم عليه، وأنه قال: رأيته في الجنة يسحب ذيولاً.
    أما ورقة فيروى أن الرسول قال: لا تسبوا ورقة بن نوفل، فإني رأيته في ثياب بيض. قيل إن شخصاً تساب مع أخ لورقة بن نوفل، فسب ورقة ليحرق قلب أخيه، فبلغ ذلك الرسول، فنهى عن سبه.
    كان الأحناف موحدين،ورغم ذلك لم ينتسب النبي عليه السلام لهم. لماذا؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل مشروعاً تغييرياً يتطلب العمل الدؤوب بين الناس، وليس في البراري والفيافي. عندما أنكر الناس على الأحناف معتقداتهم رأينا الأحناف يعتزلون الناس. أما النبي عليه السلام والمسلمون فقد أوذوا واضطُهدوا وصبروا وأبوا إلا أن يعيشوا مع الناس وبينهم، لأن من يريد أن يغير المجتمع عليه ان يعيش فيه، لا أن يعتزله كما فعل الأحناف. ومنهم من مات تحت التعذيب (سمية رضي الله عنها). وصمدوا رغم كل ذلك إلى أن سمح لهم النبي عليه السلام بالهجرة إلى الحبشة، تخفيفاً منه لعذاباتهم. أما النبي فقد ظل في مكة يتحمل جور أهلها من المشركين. بكلمة واحدة كان النبي يحمل هماً، رسالة كان عنوانها نقل البشرية من الظلمات إلى النور، الإقلاع عن عبادة العباد وعبادة رب العباد وحده.
    والآن ننتقل إلى قراءة جديدة كانت في الجزيرة العربية قبل بعثة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
    اليهودية
    اليهودية دين توحيدي ورغم ذلك فالنبي عليه السلام قال لعمر (بما معناه) أن موسى لو بعث من جديد لقرأ القرآن وليس التوراة عندما وجد مع عمر بن الخطاب صحائف من التوراة (وكان مغضباً).
    يقول جواد علي: وقد عُرف اليهود عند الجاهليين، وورد ذكرهم في الشعر الجاهلي. ولا بد من وقوف الجاهليين على أحوالهم، لأنهمكانوا كما سنرى يسكنون في مواضع عديدة معروفة تقع ما بين فلسطين ويثرب، كما سكنوا في اليمن وفي اليمامة وفي العروض. وكان تجار منهم يقيمون في مكة وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب للإتجار وإقراض المال بربا فاحش للمحتاجين.... ويظهر من مواضع من التلمود أن نفراً من العرب دخلوا اليهودية، وأنهم جاءوا إلى ألأحبار، فتهودوا أمامهم. وفي هذه المرويات التلمودية، تأييد لروايات أهل الأخبار التي تذكر أن اليهودية كانت في حمير، وبني كنانة، وبني الحارث بن كعب، وكندة وغسان. وذكر اليعقوبي أن ممن تهود من العرب اليمن بأسرها. كان تبع حمل حبرين من أحبار يهود إلى اليمن، فأبطل الأوثان، وتهود من باليمن، وتهود قوم من الأوس والخزرج بعد خروجهم من اليمن لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير. وتهود قوم من بني الحارث بن كعب وقوم من غسان وقوم من جذام... ويرى عض الإخباريين أن ابتداء أمر اليهود في الحجاز ونزولهم وادي القرى وخيبر وتيماء ويثرب إنما كان في أيام بختنصر، فلما جاء بختنصر إلى فلسطين، هرب قسم منهم إلى هذه المواضع واستقروا بها إلى مجيء الإسلام، وليس في هذا الخبر ما يحملنا على استبعاده... أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب وأعالي الحجاز على إثر ظهور الروم على بلاد الشأم وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم بهم مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الآمنة البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تاريخي صحيح...
    يقول جواد علي: وما دمنا لا نملك نصوصاً يهودية جاهلية،ولا نصوصاً عربية جاهلية تتعرض ليهود، فليس في وسعنا إذن أن نتحدث باطمئنان عن أثر اليهود في الجاهليين أو أثر الجاهليين في اليهود. لقد تحدث عدد من المستشرقين عن أثر اليهود في الجاهليين، فزعموا أن لليهود أثراً عميقاً فيهم، فالختان مثلاً هو أثر من آثار يهود في العرب، وشعائر الحج عند الوثنيين أكثرها هي من إسرائيل، فالطواف حول البيت يرجع أصله إلى بني إسرائيل، ذلك أن قدماءهم كانوا يطوفون حول خيمة الإله يهوه إله إسرائيل، ومنهم تعلمه الجاهليون واتبعوه في طوافهم بالبيت. والإجازة بعرفة يهودية كذلك، لأن الذي كان يجيز الحجاج بعرفة فيأمر الحج بالرمي بعد أن يلاحظ الشمس وقت الغروب يعرف بصوفة، وصوفة تسمية عبرانية لها علاقة وصلة بهذه الوظيفة وظيفة مراقبة غروب الشمس وتثبيت وقته، فالإجازة إذن عبرانية الأصل. ومنى صنم من أصنام إسرائيل، ووادي منى على إسم هذا الصنم الإسرائيلي، وأسماء أيام الأسبوع هي تسميات أخذت من يهود، ولفظة المدينة التي تطلق على يثرب، أطلقها اليهود على هذا الموضع قبل الإسلام، وقد أخذوها من الإرمية، لتميز هذا المكان عن وادي القرى. وأشياء أخرى من هذا القبيل.581
    يبدو واضحاً مما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاشر يهوداً أو التقى بهم قبل بعثته. أما اليهود فكانوا ممن تنبأواص ببعثته المباركة. ومن الواضح أن من عرف محمداً كان يخاف عليه من غدر اليهود. فهذا بحيرا الراهب النصراني الذي اعتبره جواد علي من الأحناف، أوصى أبا طالب، عم النبي بالإنتباه عليه من اليهود. قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فلما فرغ (بحيرا الراهب)، أقبل على عمه أبي طالب ، فقال له ‏‏‏:‏‏‏ ما هذا الغلام منك‏‏‏؟‏‏‏ قال‏‏‏:‏‏‏ ابني.‏‏‏ قال له بحيرى‏‏‏:‏‏‏ ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً؛ قال‏‏‏:‏‏‏ فإنه ابن أخي؛ قال:‏‏‏ فما فعل أبوه؟‏‏‏ قال‏‏‏:‏‏‏ مات وأمه حبلى به؛ قال:‏‏‏ صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده‏‏‏.‏‏‏
    أما عن التنبؤ بمبعثه عليه السلام فقد كان لليهود قسط من ذلك. قال ابن إسحاق:‏‏ وكانت الأحبار من يهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب، قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، لما تقارب من زمانه‏‏.‏‏
    أما الأحبار من يهود، والرهبان من النصارى، فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه.‏‏
    وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع، إذ كانت هي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم‏‏.‏‏ وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره، لا تلقي العرب لذلك فيه بالاً، حتى بعثه الله تعالى، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون، فعرفوها.‏‏
    من خلال ما تقدم يمكننا أن نؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخالط يهوداً في مكة قبل بعثته المباركة. فما يمكننا قوله أيضاً، أنه لم يتأثر بقراءة اليهود للمجتمع والكون. كما ونؤكد أن قراءته للكون والمجتمع لم تكن مشابهة لقراءة يهود. كذلك فإن الخوف على الطفل والفتى محمد سواء من الوثنيين أو من النصارى أو الأحناف يحمل مدلولاً لا بأس من التفكر فيه.
    النصارى
    يقول جواد علي: ليس في استطاعتنا تعيين الزمن الذي دخلت فيه النصرانية إلى جزيرة العرب. وتحاول مؤلفات رجال الكنائس رد ذلك التاريخ إلى الأيام الأولى من التأريخ النصراني، غير أننا لا نستطيع إقرارهم على ذلك، لأن حججهم في ذلك غير كافية للإقناع.
    ثم يضيف: وإذا كانت اليهودية قد دخلت جزيرة العرب بالهجرة والتجارة، فإن دخول النصرانية إليها كان بالتبشير وبدخول بعض النساك والرهبان إليها للعيش فيها بعيدين عن ملذات الدنيا... وبفضل ما كان لكثير من المبشرين من علم ومن وقوف على الطب والمنطق ووسائل الإقناع وكيفية التأثير في النفوس، تمكنوا من اكتساب بعض سادات القبائل فأدخلوهم في دينهم، أو حصلوا منهم على مساعدتهم وحمايتهم... ولم يعبأ المبشرون بالمصاعب والمشقات التي كانوا يتعرضون لها، فدخلوا مواضع نائية في جزيرة العرب، ومنهم من رافقوا الأعراب، وعاشوا عيشتهم، وجاروهم في طراز حياتهم، فسكنوا معهم الخيام... وقد كان في مكة وفي الطائف وفي يثرب وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب رقيق نصراني كان يقرأ ويكتب ويفسر للناس ما جاء في التوراة والأناجيل ويقص عليهم قصصاً نصرانياً ويتحدث إليهم عن النصرانية... وذكر ابن قتيبة الدينوري: إن النصرانية كانت في ربيعة، وغسان، وبعض قضاعة. وقال اليعقوبي: وأما من تنصر من أحياء العرب، فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى، منهم عثمان بن الحويرث، وورقة بن نوفل. ومن بني تميم: بنو امرىء القيس بن زيد مناة. ومن ربيعة: بنو تغلب، ومن اليمن: طيء ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان ولخم.
    يقول جواد علي: ومن أهل مكة من زعم أن قيناً لبني الحضرمي كان قد جمع الكتب، وهو رومي، فكان رسول الله يأتي إليه ويجتمع به، فكان المشركون يقولون: إنه يتعلم من هذا الرومي! وذكر بعض الرواة أن آل الحضرمي كانوا يملكون عبدين، هما جبر ويسار، فكانا يقرآن التوراة والكتب بلسانهما، فكان الرسول عليه السلام يمر عليهما فيقوم يستمع منهما... وأما من ذكر أن وأما من ذكر أن سمه بلعام، فقال أنه كان قيناً رومياً بمكة وكان نصرانياً أعجمي اللسان، فكان المشركون يرون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا إنما يعلمه بلعام. ومهما اختلف المفسرون في إسم هذا الرجل فإنهم اتفقوا على أنه كان أعجمي الأصل، نصرانياً يقرأ الكتب، وأنه كان بمكة نفر من الموالي كانوا علي دين النصرانية يقرأون ويكتبون.
    من المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يكون نبياً كان يمشي في الأسواق يستمع لما يحصل فيها، لأنه كان يعيش مجتمعه. فهو قد صادف قس بن ساعدة الإيادي فة سوق عكاظ، ومع أن قساً كان من الأحناف ولكن ورد أنه قد تنصر، كما أن النبي عليه السلام قد عرف غلام خديجة الذي كان على دين النصارى. كما أن النبي عليه السلام قد عرف بحيرى الراهب الذي تحدث معه خلال رحلته الأولى إلى الشام مع عمه أبي طالب.
    وهناك رواية عن النصارى تروى عندما كان محمد لا يزال طفلاً: قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني بعض أهل العلم ‏‏‏:‏‏‏
    أن مما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه ، مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه ، أن نفرا من الحبشة نصارى ، رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه ، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلبوه ، ثم قالوا لها ‏‏‏:‏‏‏ لنأخذن هذا الغلام ، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا ، فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره ، فزعم الذي حدثني أنها لم تكد تنفلت به منهم ‏‏‏.‏‏‏
    الملاحظ أن علاقة محمد مع النصارى كانت علاقة تتسم بالود. من هنا لجوءه إلى النصراني الأشهر ورقة بن نوفل عندما جاءه الملاك جبريل. و هذا يدل على الثقة التي أولاها النصارى.
    رغم كل ما تقدم لا نجد في سيرة المصطفى عليه السلام ما يدل أو يوحي أنه قد تبنى أياً من المفاهيم النصرانية. إذن كانت لمحمد قبل النبوة قراءته الخاصة للكون.
    هل تغيرت علاقة النبي عليه السلام مع الآخر بعد أن أصبح نبياً؟
    إذا بدأنا من محيطه الأدنى، أي علاقته بزوجه، نراه قد دعاها للإسلام. أي أن علاقته قد أخذت طابعاً آخر، الشراكة من أحل الدعوة لإلى الله تبارك وتعالى.
    أما بالنسبة من كان أقرب الناس إلى معتقداته، نعني الأحناف، فقد بدا أن الفروقات بينهما كبيرة جداً. فالأحناف يدعون إلى الخلاص الفردي كما تفعل النصرانية، بينما الدعوة الإسلامية تدعو إلى خلاص الإنسانية عبر خلاص المجتمعات الذي يأتي عبر الدعوة والجهاد الذي يقوم بهما المؤمنون بهذا الدين. ولو خطر على بال أحد أن يفكر بما قاله ورقة بن نوفل، المتقدم بالحنيفية وبالنصرانية، للنبي صلى الله عليه وسلم، عندما قال له أنصرنك نصراً مؤزراً. ألم يخطر ببال أحد أن يسأل لماذا لا ينصر دينه؟ الجواب بسيط! فدعوة ورقة وأشباهه هي دعوة للخلاص الفردي. بينما القراءة باسم الله تفرض الخلاص الجماعي للمجتمع والإنسانية.
    وبعد أن بعث محمد رسولاً، كانت أولى ممارساته مع اليهود هي الكتاب الذي ينظم العلاقة ما بين المسلمين ويهود في المدينة. وقد كانت النقاشات بين النبي عليه السلام واليهود تجري باستمرار، حتى أنه كان عليه السلام يذهب إلى مدارسهم. وكان اليهود يعرفون أنه نبي مرسل وينكرون نبوته عليه السلام. قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، قالوا‏‏:‏‏ إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا:‏‏ إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم.‏‏
    فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به، وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ‏‏)‏‏‏‏.‏‏
    قال ابن هشام:‏‏ يستفتحون:‏‏ يستنصرون، ويستفتحون أيضاً:‏‏ يتحاكمون، وفي كتاب الله تعالى:‏‏ ‏‏(‏‏ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ‏‏)‏‏‏.‏‏
    وهذه قصة ثانية من السيرة عن اليهود. قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخي بني عبدالأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش، وكان سلمة من أصحاب بدر، قال‏‏:‏‏ كان لنا جار من يهود في بني عبدالأشهل، قال:‏‏ فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبدالأشهل - قال سلمة:‏‏ وأنا يومئذ من أحدث من فيه سناً، علي بردة لي، مضطجع فيها بفناء أهلي - فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار؛ قال‏‏:‏‏ فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت؛ فقالوا له:‏‏ ويحك يا فلان أوترى هذا كائناً، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟‏‏ قال‏‏:‏‏ نعم، والذي يحلف به، ولودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار، يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه، بأن ينجو من تلك النار غداً؛ فقالوا له‏‏:‏‏ ويحك يا فلان!‏‏ فما آية ذلك‏‏؟‏‏ قال:‏‏ نبى مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة واليمن؛ فقالوا:‏‏ ومتى تراه؟‏‏ قال:‏‏ فنظر إلي وأنا من أحدثهم سناً، فقال:‏‏ إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه‏‏.‏‏
    قال سلمة:‏‏ فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمداً رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغياً وحسداً، قال:‏‏ فقلنا له‏‏:‏‏ ويحك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت؟‏‏ قال:‏‏ بلى، ولكن ليس به.
    ومن معرفة اليهود بالنبي عليه السلام واستكبارهم عن الإيمان به: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال‏‏:‏‏ قال لي‏‏:‏‏ هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد، نفر من بني هدل، إخوة من بني قريظة، كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام.‏‏ قال:‏‏ قلت‏‏:‏‏ لا و الله، قال:‏‏ فإن رجلاً من يهود من أهل الشام، يقال له‏‏:‏‏ ابن الهيبان، قدم علينا قبيل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له‏‏:‏‏ اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا؛ فيقول‏‏:‏‏ لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة؛ فنقول له:‏‏ كم؟‏‏ فيقول‏‏:‏‏ صاعاً من تمر، أو مدين من شعير.‏‏ قال:‏‏ فنخرجها ‏ ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي الله لنا‏‏.‏‏ فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث.‏‏
    قال‏‏:‏‏ ثم حضرته الوفاة عندنا.‏‏ فلما عرف أنه ميت، قال:‏‏ يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟‏‏ قال‏‏:‏‏ قلنا:‏‏ إنك أعلم؛ قال‏‏:‏‏ فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه؛ وهذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه‏‏.‏‏
    فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية، وكانوا شباباً أحداثاً‏‏:‏‏ يا بني قريظة، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان؛ قالوا:‏‏ ليس به؛ قالوا:‏‏ بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا، وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود.‏‏
    أما معاملة النبي عليه السلام، مع النصارى فكانت مختلفة عن تعامله مع اليهود، حيث أنه لم يتعرض لغدرهم بالعهود.
    ورد أن الرسول عليه السلام قال لراهبين أتياه من نجران ليبحثا فيما عنده: "يمنعكما عن الإسلام ثلاث: أكلكما الخنزير، وعبادتكما الصليب، وقولكما لله ولد".
    وقد ناقش الرسول صلى الله عليه وسلم وفد نجران من النصارى. فاختلف النصارى مع النبي عليه السلام بعيسى فقال لهم ما قاله الله له: (‏‏ إن مثل عيسى عند الله ‏‏)‏‏ فاستمع ‏‏(‏‏ كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون.‏‏ الحق من ربك ‏‏)‏‏، أي ما جاءك من الخبر عن عيسى ‏‏(‏‏ فلا تكن من الممترين ‏‏)‏‏، أي قد جاءك الحق من ربك فلا تمترينّ فيه، وإن قالوا‏‏:‏‏ خلق عيسى من غير ذكَر فقد خلقت آدم من تراب، بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كان عيسى لحماً ودماً، وشعراً وبشراً، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا.‏‏ ‏‏(‏‏ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ‏‏)‏‏، أي من بعد ما قصصت عليك من خبره، وكيف كان أمره، ‏‏(‏‏ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم ، ثم نبتهلْ فنجعلْ لعنة الله على الكاذبين ‏‏)‏‏‏‏.‏‏
    قال ابن هشام:‏‏ قال أبو عبيدة‏‏:‏‏ نبتهل‏‏:‏‏ ندعو باللعنة.
    قال ابن هشام‏‏:‏‏ ويقال:‏‏ بهُلة الله، أي لعنة الله؛ ونبتهل أيضاً:‏‏ نجتهد، في الدعاء.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ ‏‏(‏‏ إن هذا ‏‏)‏‏ الذي جئت به من الخبر عن عيسى ‏‏(‏‏ لهو القصص الحق ‏‏)‏‏ من أمره ‏‏(‏‏ وما من إله إلا الله، وإن الله لهو العزيز الحكيم‏‏.‏‏ فإن تولوا، فإن الله عليم بالمفسدين ‏‏.‏‏ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا، فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ فدعاهم إلى النَّصَف، وقطع عنهم الحجة ‏‏.‏‏
    فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عنه، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأُمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا له‏‏:‏‏ يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه.‏‏ فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا:‏‏ يا عبدالمسيح، ماذا ترى‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم.‏‏ فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:‏‏ يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك علىدينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضاً‏‏.‏‏
    وهكذا نرى بأن عاقبة الخلاف ما بين النبي عليه السلام واليهود كانت الحرب، أما خلافه مع النصارى انتهى إلى التوافق، فقد أخذوا من عند النبي عليه السلام من يحكم بينهم.
    نستنتج فنقول بأن القراءة باسم الله هي قراءة جديدة في جميع توجهاتها، قراءة تكون عاقبتها تحرير المجتمع والإنسان من عبادة العباد وبناء المجتمع الذي يحقق هذه الحرية للإنسان. أو كما ورد عن أحد علمائنا: أن كمال حرية الإنسان هو بتمام عبوديته لله عز وجل.
    7 تشرين الثاني 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى – 14 –
    يا أيها المدثر، قم فأنذر
    تحدثنا في المقالة السابقة عن الأمر الرباني لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، "إقرأ باسم ربك الذي خلق". وسواء كان أمراً أم نداءً، فنحن سنطيع. ولكن نتساءل هل أن الأمر موجه للنبي عليه السلام وحده، أم أنه موجه لأمة سيدنا محمد عليه السلام. نحن نميل إلى أنه موجه لنا جميعاً. فالنبي عليه السلام أجاب جبريل "ما أنا بقارىء" وفي الثالثة أجابه "ما أقرأ". وحيث أن النبي عليه السلام ليس بقارىء، فالمقصود إذن من النداء الإلهي القراءة بمعناها الواسع، قراءة الكون. ولكنها قراءة بنوعية جديدة، قراءة باسم الله، تختلف عن جميع القراءات التي سبقتها، حتى تلك التي كان يمارسها محمد قبل أن يكون نبياً. لقد تساءلنا ما الذي كان يفعله محمد في غار حراء قبل أن يرسله الله للناس كافة بشيراً ونذيراً. والسؤال يحمل صفة المشروعية لأن رسولنا كان يعيش مع الناس في أماكن عملهم وفي أماكن تجمعهم، كما وأنه يحمل ميزات لا يحملها غيره. عندما جاءه جبريل عليه السلام وغطه المرات الثلاث، حتى أنه آلمه كثيراً؛ وعاد إلى خديجة، ماذا قالت له؟ قالت له قالة علينا أن نفكر فيها ملياً. جاء في أسباب النزول للواحدي:"أخبرني عروة عن عائشة أنها قالت اول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد فقال (اِقرَأ بِاِسمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ) حتى بلغ ما لم يعلم فرجع بها يرجف فؤاده حتى دخل على خديجة فقال: زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة ما لي وأخبرها الخبر وقال: قد خشيت علي فقالت له: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق". رواه البخاري عن يحيى بن بكير ورواه مسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق. فالنبي عليه السلام، كان في مكة يقوم بمهام جليلة، مع قراءته المجتمع الذي يعيش في كنفه، كان محمد يصل الرحم، وكان صادقاً، وكان يحمل الكل، وكان يقري الضيف، ليس هذا فحسب، بل كان أيضاً يعين على نوائب الحق. إن إنساناً يقوم بجميع هذه المهام يحضر نفسه إلى القيام بمهام لا يقوى عليها إلا أولو العزم.
    كانت مكة، وأنحاء الجزيرة العربية بشرقها وغربها، بشمالها وجنوبها، تضج بأن موعد بعثة النبي الجديد قد حان وقته. وكان محمد يسمع هذه الأحاديث وكذلك كانت خديجة تسمع هذه الأحاديث خاصة من النصارى المقربين من نسيبها ورقة بن نوفل. فما يقوم به محمد يهيأه لأن يكون من الذين يحملون الأثقال الكبيرة. يقول رب العزة: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والجبال والأرض فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان..." لقد اختصر رب العزة جنس الإنسان بمن اختاره لحمل الأمانة، بمن اختاره أن يكون نبياً للعالمين.
    لقد كان محمد عليه السلام النبي المصطفى. ناداه جبريل فخاف منه وذهب إلى خديجة رضي الله عنها، يريد أن تدثره أحتماءً: "أخرج الشيخان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت فلم أر أحداً فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء فرجعت فقلت دثروني فأنزل الله يا أيها المدثر قم فأنذر". لا راحة بعد الآن: يا أيها المدثر قم فأنذر. ذهب النبي عليه السلام إلى خديجة وقال لها أنه لا راحة بعد الآن. وعى أبعاد الإنذار الذي لا ينتهي إلا بانتهاء الحياة. ودعى خديجة إلى الإسلام: "وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء منه.‏‏ فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى".‏‏
    ودعا علياً بن أبي طالب، ابن عمه، وكان لا يزال فتىً فآمن معه: "قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم كان أول ذَكَر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى:‏‏ علي بن أبي طالب ابن عبدالمطلب بن هاشم، رضوان الله وسلامه عليه، وهو يومئذ ابن عشر سنين"‏‏.‏‏
    ثم دعا زيداً مولاه: "قال ابن إسحاق:‏‏ ثم أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبدالعزى ابن امرئ القيس الكلبي، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أول ذكر أسلم، وصلى بعد علي بن أبي طالب"‏‏.‏‏
    ولم يترك الوقت يمر، بل كان محمد عليه الصلاة والسلام يستغل وقته كاملاً في إنذار الناس. دعا أبا بكر إلى الإسلام: "قال ابن إسحاق:‏‏ ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة، واسمه عتيق، واسم أبي قحافة‏‏:‏‏ عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر"‏‏.‏‏
    كان أبو بكر واعياً لأهمية ما كان يقوم به المصطفى عليه السلام، فراح يفعل مثله ويدعو الناس للإسلام: "قال فأسلم بدعائه - فيما بلغني - عثمان بن عفان، والزبير بن العوام،‏‏ وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فيما بلغني:‏‏ ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة، ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه"‏‏.‏‏
    ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح، وأبو سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم .
    ثم أسلم عثمان بن مظعون ‏‏وأخواه قدامة وعبدالله ابنا مظعون بن حبيب‏‏.‏‏
    ثم أسلم عبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل؛ وامرأته فاطمة بنت الخطاب، أخت عمر بن الخطاب ‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتُحُدث به.‏‏ ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه؛ وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه؛ ثم قال الله تعالى له:‏‏ ‏‏(‏‏ فاصدع بما تؤمر، وأعرض عن المشركين ‏‏)‏‏‏‏.‏‏ وقال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وأنذر عشيرتك الأقربين.‏‏ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ‏‏)‏‏.‏‏
    وعندما جاءه هذا الأمر دعا قرابته، ومنهم أبو لهب، عمه، فكان رده على رسول الله عليه السلام سيئاً: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحُدثت أنه كان يقول بعض ما يقول:‏‏ يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يديّ بعد ذلك؟‏‏ ثم ينفخ في يديه ويقول‏‏:‏‏ تباً لكما، ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد.‏‏ فأنزل الله تعالى فيه:‏‏ ‏‏(‏‏ تبت يدا أبي لهب وتبَّ ‏‏)‏‏‏‏.‏‏ ‏
    وحيث أن النبي عليه السلام قد راح يدعو الناس بعد ما أنزل الله تعالى: "واصدع بما تؤمر"، فما كان من عتاة قريش إلا ردوا عليه بالأذى. فاضطر هو وأصحابه أن يخرجوا للصلاة خارج مكة. قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا، ذهبوا في الشعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بِلَحْي بعير، فشجه، فكان أول دم هُريق في الإسلام.‏‏
    ولم يفتر النبي عليه السلام بدعوته لتوحيد الله عز وجل، هو وأصحابه. ولكن قريش لم تتركهم: قال ابن إسحاق:‏‏ فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها؛ فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون، وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمُّه أبو طالب، ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله، مظهراً لأمره، لا يرده عنه شيء‏‏.‏‏
    فلما رأت قريش، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه، فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس‏‏ وأبو سفيان بن حرب.
    ثم أن القبائل هجمت على من ينتمي إليها من المسلمين لأذيتهم بدينهم: قال ابن إسحاق:‏‏ ثم إن قريشاً تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم، ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله صلى الله عليه وسلم منهم بعمه أبي طالب، وقد قام أبو طالب، حين رأى قريشاً يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه، من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقيام دونه؛ فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب، عدو الله الملعون‏‏.‏‏
    لم يكتف المشركون بذلك، بل إنهم تآمروا على إيذاء النبي بما يقوم به، وهذا من أشد أنواع الأذية: ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم:‏‏ يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً؛ قالوا‏‏:‏‏ فأنت يا أبا عبد شمس، فقلْ وأقمْ لنا رأياً نقول به؛ قال:‏‏ بل أنتم فقولوا أسمعْ؛ قالوا:‏‏ نقول كاهن؛ قال‏‏:‏‏ لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه؛ قالوا‏‏:‏‏ فنقول:‏‏ مجنون؛ قال:‏‏ ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته؛ قالوا:‏‏ فنقول‏‏:‏‏ شاعر؛ قال:‏‏ ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر؛ قالوا:‏‏ فنقول‏‏:‏‏ ساحر؛ قال‏‏:‏‏ ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم؛ قالوا‏‏:‏‏ فما نقول يا أبا عبد شمس؟‏‏ قال‏‏:‏‏ والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة - قال ابن هشام:‏‏ ‏ويقال لغَدَق - وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته‏‏.‏‏
    فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره.‏‏
    وهنا لا بد أن نشير بأن تحذير القبائل من محمد عليه السلام قد لعب دوراً إيجابياً، حيث أن هؤلاء تحمسوا لرؤية هذا الرجل. ‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها‏‏.‏‏
    فلما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب، وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود، وكانوا لهم حلفاء، ومعهم في بلادهم‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ ثم إن قريش اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم كفرهم.‏‏
    ومن أشد ما أوذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال‏‏:‏‏ قلت له‏‏:‏‏ ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يُظهرون من عداوته؟‏‏ قال:‏‏ حضرتهم، وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:‏‏ ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا‏‏:‏‏ فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏.‏‏
    قال:‏‏ ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ ثم مر الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف، ثم قال:‏‏ أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح.‏‏ قال‏‏:‏‏ فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفَؤُه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول:‏‏ انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً‏‏.‏‏
    قال‏‏:‏‏ فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم؛ فقال بعضهم لبعض:‏‏ ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه.‏‏ فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، يقولون:‏‏ أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم؛ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ نعم، أنا الذي أقول ذلك.‏‏ قال:‏‏ فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه.‏‏
    قال‏‏:‏‏ فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه، وهو يبكي ويقول‏‏:‏‏ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟‏‏ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً نالوا منه قط.‏‏
    هل منع هذا الأذى النبي عليه السلام من متابعته إنذار قومه؟ قال ابن هشام:‏‏ حدثني بعض أهل العلم:‏‏ أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش أنه خرج يوماً فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه، لا حر ولا عبد، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منـزله، فتدثر من شدة ما أصابه ، فأنزل الله تعالى عليه:‏‏ ‏‏(‏‏ يا أيها المدثر، قم فأنذر ‏‏)‏‏.‏‏
    وعندما وجد القوم إصرار النبي عليه السلام على الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، رأوا أن يفاوضوه: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال‏‏:‏‏ حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده‏‏:‏‏ يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟‏‏ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون؛ فقال‏‏:‏‏ بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه؛ فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:‏‏ يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.‏‏
    ‏‏ قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ قل يا أبا الوليد، أسمعْ؛ قال‏‏:‏‏ يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي يأتيك رَئيِّا تراه لا تستيطع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه، أو كما قال له.‏‏
    حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال‏‏:‏‏ أقد فرغت يا أبا الوليد‏‏؟‏‏ قال:‏‏ نعم، قال:‏‏ فاسمع مني؛ قال‏‏:‏‏ أفعل؛
    فقال:‏‏ ‏‏(‏‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏‏.‏‏ حم‏‏.‏‏ تنـزيل من الرحمن الرحيم.‏‏ كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون‏‏.‏‏ بشيراً ونذيراً، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون‏‏.‏‏ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ‏‏)‏‏ ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه.‏‏ فلما سمعها منه عتبة، أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه؛ ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال‏‏:‏‏ قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك‏‏.‏‏
    فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض:‏‏ نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.‏‏ فلما جلس إليهم قالوا‏‏:‏‏ ما وراءك يا أبا الوليد؟‏‏ قال‏‏:‏‏ ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كُفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به؛ قالوا:‏‏ سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه؛ قال:‏‏ هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم‏‏.‏‏
    ولكن القوم استكبروا حتى على ما عرضه عليهم مندوبهم إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأتوا النبي بمن يعرف القصص والحكايات، حيث أنهم هذه القصص قد تفتن القوم: وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسبنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكَّر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال:‏‏ أنا والله يا معشر قريش، أحسن حديثاً منه، فهلم إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار، ثم يقول‏‏:‏‏ بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟‏‏ ‏‏‏‏
    ‏‏ ولم يكتف المشركون بأذى النبي عليه السلام وحده، بل راحوا يؤذون أتباعه، وخاصة المستضعفين منهم: قال ابن إسحاق:‏‏ ثم إنهم عدوا على من أسلم، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوا منهم، يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يُفتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب لهم، ويعصمه الله منهم.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول، فيما بلغني:‏‏ صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة.‏‏ فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام‏‏.‏‏
    لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته لقريش بل راح يدعو القبائل، وخاصة في المواسم: قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلاً مستضعفين ممن آمن به. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به.
    قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبي، قال إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به.
    قال وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حلة عدنية فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه.
    قال فقلت لأبي: يا أبت من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب.
    قال ابن إسحاق: حدثنا ابن شهاب الزهري: أنه أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه.
    ________________________________________

    وذكر السهيلي عرضه نفسه - صلى الله عليه وسلم - على القبائل ليؤمنوا به ولينصروه قبيلة قبيلة فذكر بني حنيفة، وهم أهل اليمامة، وأصحاب مسيلمة الكذاب.
    وذكر بيحرة بن فراس العامري وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفنهدف نحورنا، للعرب دونك. نهدف أي نجعلها هدفاً لسهامهم والهدف الغرض.
    قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين أنه أتى كلباً في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم يا بني عبد الله إن الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
    قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه رداً منهم.
    قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فقال له رجل منهم - يقال له بيحرة بن فراس.
    قال ابن هشام: فراس بن عبد الله بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش، لأكلت به العرب، ثم قال أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟
    قال الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء قال فقال له أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه.
    فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن، حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا.
    قال فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال يا بني عامر هل لها من تلاف هل لذناباها من مطلب والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم.
    نحن لا نطيل، إنما نتحدث عن إنذار النبي للناس كما أمره ربه تبارك وتعالى. وحيث أننا معنيون بالإنذار كما كان معني به نبينا عليه السلام، فعلينا أن نعرف كم تحمل من الجهد والأذى وكم علينا أن نتحمل في سبيل الله، إن كنا مؤمنين حقاً.
    قال ابن إسحاق: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة وهو لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده.
    وذكر السهيلي عرضه نفسه على كندة، وسمي كندة لأنه كند أباه أي عقه وسمى ابنه مرتعاً لأنه كان يجعل لمن أتاه من قومه مرتعاً، فهم بنو مرتع بن ثور وقد قيل إن ثوراً هو مرتع وكندة أبوه.
    وذكر غير ابن إسحاق ما لم يذكر ابن إسحاق مما رأيت إملاء بعضه في هذا الكتاب تتمة لفائدته.
    ذكر قاسم بن ثابت والخطابي عرضه نفسه على بني ذهل بن ثعلبة ثم على بني شيبان بن ثعلبة فذكر الخطابي وقاسم جميعاً ما كان من كلام أبي بكر مع دغفل بن حنظلة الذهلي زاد قاسم تكملة الحديث فرأينا أن نذكر زيادة قاسم فإنها مما تليق بهذا الكتاب.
    قال ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار فتقدم أبو بكر فسلم قال علي: وكان أبو بكر مقدماً في كل خير فقال ممن القوم فقالوا: من شيبان بن ثعلبة فالتفت أبو بكر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر في قومهم وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة، ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالاً ولساناً وكانت له غديرتان تسقطان على تريبتيه وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر.
    فقال أبو بكر كيف العدد فيكم؟ قال له مفروق إنا لنزيد على الألف ولن تغلب ألف من قلة.
    فقال أبو بكر كيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق علينا الجهد ولكل قوم جد.
    فقال أبو بكر كيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق إنا لأشد ما نكون غضباً لحين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاءً حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا، لعلك أخو قريش؟
    فقال أبو بكر أوقد بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا، فقال مفروق قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلى م تدعو إليه يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وإلى أن تؤووني، وتنصروني، فإن قريشاً قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد.
    فقال مفروق وإلى م تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قل تعالوا { أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } [ الأنعام 151 ]
    فقال مفروق وإلى م تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم – { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون } [ النحل 90 ]
    فقال مفروق دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والله لقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك، وكأنه أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا، وصاحب ديننا، فقال هانئ قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى، فقال وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا، واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر وإنا إنما نزلنا بين صريان اليمامة والسماوة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما هذان الصريان؟ فقال أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى، فذنب صاحبيه غير مغفور وعذره غير مقبول وأما ما كان من مياه العرب، فذنبه مغفور وعذره مقبول وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب، فعلنا.
    فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه.
    فقال النعمان بن شريك اللهم لك ذا، فتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم { إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً } [ الأحزاب : 46 ] ثم نهض النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بيدي فقال يا أبا بكر يا أبا حسن أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم.
    قال ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا صدقاء صبراء وروى في حديث مسند إلى طارق قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين رأيته بسوق ذي المجاز يعرض نفسه على القبائل يقول يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وخلفه رجل له غديرتان يرجمه بالحجارة حتى أدمى كعبيه يقول يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب فسألت عنه فقيل هو غلام عبد المطلب، قلت: ومن الرجل يرجمه؟ فقيل لي: هو عمه عبد العزى أبو لهب وذكر الحديث بطوله. خرجه الدارقطني، ووقع أيضاً في السيرة من رواية يونس.
    قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لبيد، قال لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع، مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم " هل لكم في خير مما جئتم له " ؟ فقالوا له وما ذاك؟ قال أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأنزل علي الكتاب. قال ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.
    قال فقال إياس بن معاذ، وكان غلاماً حدثاً: أي قوم هذا والله خير مما جئتم له.
    لم ييأس محمد عليه السلام من الدعوة إلى الله رغم كثرة الصدود التي عاناها. فها هو يعود إلى دعوة قومه في قريش: قال ابن إسحاق: ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء وقريش تحبس من قدرت على حبسه وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة - كما حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير، وعن عكرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، أخو بني عبد الدار، وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام - لعنه الله - وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف، أو من اجتمع منهم.
    قال اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأتهم فجاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريعاً، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا له يا محمد إنا قد بعثنا إليك; لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا له - فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئياً - فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم – "ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم. ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً، ولا أقل ماءً ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإن كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدقوك، وصنعت ما سألناك، صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولاً - كما تقول - فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: "ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى، حتى يحكم الله بيني وبينكم" قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً" - أو كما قال – "فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" قالوا: فأسقط السماء علينا كسفاً كما زعمت أن ربك لو شاء فعل فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل قال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – "ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل" قالوا: يا محمد أفما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد وإنا والله لا نتركك وهي بنات الله.
    وقال قائلهم لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله وبالملائكة قبيلاً. فلما قالوا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو ابن عمته فهو لعاتكة بنت عبد المطلب - فقال له يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أموراً، ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيم الله أن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهله حزيناً آسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه.
    ولكن خديجة لم تكن لتتركه حزيناً، إنما كانت تشد من أزره، وتقول له أن الله لن يخزيه أبداً.
    هذه صورة عن إنذار النبي لقومه في بداية الدعوة، عندما كان المسلمون مستضعفين. وبعد أن اشتد ساعدهم، وسادوا، هل أوقف النبي عليه السلام الدعوة إلى الله؟
    قال ابن إسحاق: وكان من حديث عبد الله بن سلام، كما حدثني بعض أهله عنه. وعن إسلامه حين أسلم، وكان حبراً عالماً، قال: لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له فكنت مسراً لذلك صامتاً عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنة الحارث تحتي جالسة فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت لي عمتي، حين سمعت تكبيري: خيبك الله والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادماً ما زدت، قال فقلت لها: أي عمة هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به.
    قالت أي ابن أخي، أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟
    قال فقلت لها: نعم. قال فقالت فذاك إذاً. قال ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي، فأمرتهم فأسلموا، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث فحسن إسلامها.
    لقد وعى أن الإسلام يستدعي القيام بالدعوة إلى الله، لذلك رأينا عبد الله بن سلام يدعو أهله للإسلام ما أن قفل عائداً من عند رسول الله. وهذا يذكرنا بالمقدم بالخير أبي بكر الصديق، الذي ما أن آمن حتى راح يدعو الناس إلى الإيمان بما آمن به. وجاء رسول الله عليه الصلاة والسلام بكوكبة من المؤمنين بدعوته إياهم للإسلام.
    قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر، فيما حدثني مولى لآل زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب موسى وأخيه والمصدق لما جاء به موسى: ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة، وإنكم لتجدون ذلك في كتابكم: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما. وإني أنشدكم بالله، وأنشدكم بما أنزل عليكم وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المن والسلوى، وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله إلا أخبرتموني: هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم. قد تبين الرشد من الغي - فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه.

    قال ابن اسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام ورغبهم فيه وحذرهم عذاب الله ونقمته فقال له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون.

    ولما أصاب الله عز وجل قريشاً يوم بدر جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود في سوق بني قينقاع، حين قدم المدينة، فقال يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشاً، فقالوا له يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش، كانوا أغماراً لا يعرفون القتال إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. [ آل عمران : 12 ، 13 ] .
    نحن نرى أن الرسول عليه السلام لم يفتر عن إنذار الناس أبداً.
    قال ابن اسحاق: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له النعمان بن عمرو، والحارث بن زيد على أي دين أنت يا محمد؟ قال على ملة إبراهيم ودينه قالا: فإن إبراهيم كان يهودياً. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلم إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه. فأنزل الله تعالى فيهما: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون.
    وقال أبو رافع القرظي، حين اجتمعت الأحبار من يهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ وقال رجل من أهل نجران نصراني، يقال له الربيس ( ويروى : الريس ، والرئيس ) : أوذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره فما بذلك بعثني الله ولا أمرني. أو كما قال. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. إلى قوله تعالى: بعد إذ أنتم مسلمون.
    قال ابن هشام : الربانيون العلماء الفقهاء السادة واحدهم رباني.
    ولم يفتر النبي عن دعوة اليهود إلى الدين الحق رغم صدودهم المتمادي.
    والتقى النبي عليه السلام عبد الله بن صوريا الأعور وكعب بن أسد، فقال لهم: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق، قالوا: ما تعرف ذلك يا محمد فجحدوا ما عرفوا، وأصروا على الكفر. فأنزل الله تعالى فيهم: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا.
    قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام ورغبهم فيه وحذرهم غير الله وعقوبته فأبوا عليه وكفروا بما جاءهم به فقال لهم معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب: يا معشر يهود اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته.
    فقال رافع بن حريملة، ووهب بن يهوذا: ما قلنا لكم هذا قط، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشراً ولا نذيراً بعد فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير.
    أما عن إنذاره النصارى فيروي لنا السهيلي: فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلما، قالا: قد أسلمنا، قال إنكما لم تسلما، فأسلما، قالا: بلى، قد أسلمنا قبلك. قال كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير. قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلم يجبهما.

    فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عنه والفضل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك فقالوا له يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه فانصرفوا عنه ثم خلوا بالعاقب وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال والله يا معشر النصارى لقد عرفتم إن محمداً لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفضل من خبر صاحبكم ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وأنه للاستئصال منكم إن فعلتم فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضاً.
    وبعد أن سوده الله تبارك وتعالى على أعدائه، لم يوقف النبي عليه السلام إنذار الناس. فنراه، عليه السلام في عام الوفود يدعو الناس بلا كلل ولا ملل إلى الله:
    قال فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال‏:‏ من الرجل‏؟‏ فقلت:‏ عدي بن حاتم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها‏.‏
    قال:‏ قلت في نفسي:‏ والله ما هذا بملك!‏
    قال‏:‏ ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا دخل في بيته، تناول وسادة في أدم محشوة ليفاً، فقذفها إلي، فقال:‏ اجلس على هذه، قال‏:‏ قلت‏:‏ بل أنت فاجلس عليها، فقال:‏ بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض.
    قال‏:‏ قلت في نفسي:‏ والله ما هذا بأمر ملك‏.‏
    ثم قال‏:‏ إيه يا عدي بن حاتم، ألم تك ركوسياً؟‏ قال:‏ قلت:‏ بلى، قال‏:‏ أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع‏؟‏ قال:‏ قلت:‏ بلى، قال:‏ فإن ذلك يكن يحل لك في دينك، قال‏:‏ قلت:‏ أجل والله‏.‏
    وقال:‏ وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل‏.‏
    ثم قال‏:‏ لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه. ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم، وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف.‏ (نبينا عليه السلام يستشف المستقبل). ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله، ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، قال‏:‏ فأسلمت.‏
    وكان عدي يقول‏:‏ قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن، قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها، لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وأيم الله لتكون الثالثة، ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه‏.‏
    ثم كان إسلام زيد الخير في وفد طيء: قال ابن إسحاق:‏ وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيئ، فيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فأسلموا، فحسن إسلامهم؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني من لا أتهم من رجال طيئ :‏ ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني، إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما كان فيه.‏ ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ زيد الخير، وقطع له فيداً وأرضين معه؛ وكتب له بذلك.‏

    وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة ، فيهم مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب ‏.‏
    ثم أسلم المنذر بن ساوى: قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم فحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين‏.‏
    قال ابن إسحاق ‏:‏ وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن خنش أخو عبدالقيس‏.‏
    قال ابن هشام ‏:‏الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبدالقيس وكان نصرانياً.
    قال ابن إسحاق ‏:‏ حدثني من لا أتهم عن الحسن قال‏:‏ لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال‏:‏ يا محمد إني قد كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك، أفتضمن لي ديني؟‏ قال:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه.‏ قال:‏ فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان، فقال:‏ والله ما عندي ما أحملكم عليه، قال‏:‏ يا رسول الله، فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس، أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟‏ قال‏:‏ لا، إياك وإياها‏.‏ فإنما تلك حرق النار‏.‏
    قال ابن إسحاق ‏:‏ وبعث بنو سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا منهم يقال له ضمام بن ثعلبة. قال ابن إسحاق‏:‏ فحدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب، مولى عبدالله بن عباس، عن ابن عباس قال:‏ بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه‏.‏
    وكان ضمام رجلاً جلداً أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فقال:‏ أيكم ابن عبدالمطلب قال:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنا ابن عبدالمطلب.‏ قال‏:‏ أمحمد؟‏ قال‏:‏ نعم.‏ قال‏:‏ ياابن عبدالمطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك، قال‏:‏ لا أجد في نفسي، فسل عما بداً لك‏.‏
    قال‏:‏ أنشدك الله، إلهك وإله من كان قبلك، وإله من كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولاً؟‏ قال:‏ اللهم نعم.‏
    قال:‏ فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئاً، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟‏ قال‏:‏ اللهم نعم.‏
    قال‏:‏ فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تصلى هذه الصلوات الخمس؟‏ قال‏:‏ اللهم نعم‏.‏
    قال‏:‏ ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة:‏ الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ، قال‏:‏ فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعاً‏.‏
    قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة.‏
    وحيث أنه فهم الإسلام راح يدعو قومه. قال فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال‏:‏ بئست اللات والعزى‏!‏ قالوا: مه، يا ضمام اتق البرص، اتق الجنون، قال:‏ ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه، قال‏:‏ فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً.‏
    قال‏:‏ يقول عبدالله بن عباس:‏ فما سمعنا بوافد قدم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة‏.‏
    وكان قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة. قال ابن إسحاق‏:‏ وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعث بن قيس، في وفد كندة فحدثني الزهري بن شهاب أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمانين راكباً من كندة، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده، وقد رجلوا جممهم وتكحلوا، وعليهم جبب الحبرة، وقد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ألم تسلموا؟‏ قالوا: بلى، قال‏:‏ فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟‏ قال:‏ فشقوه منها، فألقوه.‏
    ثم كان قدوم صرد بن عبدالله الأزدي مسلما. وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبدالله الأزدي، فأسلم، وحسن إسلامه، في وفد من الأزد، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك، من قبل اليمن.‏
    ولم يكتف بإعلانه إسلامه فقط بل راح يجاهد الشرك: فخرج صرد بن عبدالله يسير بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزل بجرش، وهي يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم، فدخلوها معهم حين سمعوا بسير المسلمين إليهم، فحاصروهم فيها قريباً من شهر، وامتنعوا فيها منه ثم رجع عنهم قافلاً، حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر، ظن أهل جرش أنه إنما ولي عنهم منهزماً، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم، فقتلهم قتلاً شديداً‏.‏
    ولا بد من الإشارة إلى أن النبي عليه السلام قد بعث البعوث إلى الملوك يدعوهم إلى دين الله وينذرهم: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً من أصحابه، وكتب معهم كتباً إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام‏.‏
    فبعث دحية بن خليفة الكلبي، إلى قيصر ملك الروم.‏
    وبعث عبدالله بن حذافة السهمي، إلى كسرى ملك الفرس.‏
    وبعث عمرو بن أمية الضمري، إلى النجاشي ملك الحبشة‏.‏
    وبعث حاطب بن أبي بلتعة، إلى المقوقس ملك الإسكندرية.
    وبعث عمرو بن العاص السهمي، إلى جيفر وعياد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان.‏
    وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي، إلى ثمامة بن أثال، وهوذة بن علي الحنفيين، ملكي اليمامة‏.‏
    وبعث العلاء بن الحضرمي، إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين‏.‏
    وبعث شجاع بن وهب الأسدي، إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام.‏
    قال ابن هشام: ‏بعث شجاع بن وهب، إلى جبلة بن الأيهم الغساني، وبعث المهاجر ابن أبي أمية المخزومي، إلى الحارث بن عبد كلال الحميري، ملك اليمن.‏

    ومن اللافت وصية الرسول معاذاً حين بعثه إلى اليمن. قال ابن إسحاق:‏ وحدثني عبدالله بن أبي بكر أنه حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بعث معاذاً أوصاه، وعهد إليه، ثم قال له:‏ يسر ولا تعسر، وبشر ولا تنفر، وإنك ستقدم على قوم من أهل الكتاب، يسألونك ما مفتاح الجنة‏؟‏ فقل:‏ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فخرج معاذ، حتى إذا قدم اليمن قام بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتته امرأة من أهل اليمن، فقالت:‏ يا صاحب رسول الله، ما حق زوج المرأة عليها‏؟‏ قال‏:‏ ويحك!‏ إن المرأة لا تقدر على أن تؤدي حق زوجها، فأجهدي نفسك في أداء حقه ما استطعت، قال‏:‏ والله لئن كنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتعلم ما حق الزوج على المرأة‏.‏ قال:‏ ويحك‏!‏ لو رجعت إليه فوجدته تنثعب منخراه قيحاً ودماً فمصصت ذلك حتى تذهبيه ما أديت حقه‏.‏
    لقد أعطى النبي عليه السلام معذاً سر الدعوة الناجحة: يسر ولا تعسر، بشر ولا تنفر.
    ولا بد من أن نعرج على الإنذار الأخير لقومه قبل أن يذهب إلى الرفيق الأعلى. إنها خطبة الوداع. قال ابن إسحاق‏:‏ ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجة، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:‏
    أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدرى لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها‏.‏
    وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبدالمطلب موضوع كله.‏
    وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، وكان مسترضعاً في بني ليث، فقتلته هذيل، فهو أول ما أبداً به من دماء الجاهلية‏.‏
    أما بعد‏:‏ أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.‏ ...
    أما بعد‏:‏ أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقاً، ولهن عليكم حقاً...
    واستوصوا بالنساء خيراً ...
    وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً، كتاب الله وسنة نبيه‏.‏
    أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم؛ اللهم هل بلغت‏.‏
    فذكر لي أن الناس قالوا‏:‏ اللهم نعم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم اشهد.‏
    وكان آخر ما فعله، صلى الله عليه ويلم قبل أن يُتوفى أمره بإنفاذ بعث أسامة: قال ابن إسحاق:‏ وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، وغيره من العلماء:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد، وهو في وجعه، فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا‏:‏ في إمرة أسامة:‏ أمر غلاماً حدثاً على جلة المهاجرين والأنصار. فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال‏:‏ أيها الناس أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقاً لها ‏.‏
    وهكذا رأينا أن الرسول عليه السلام قد بدأ إنذار الناس منذ أن جاءه أمر ربه: يا أيها المدثر قم فأنذر، حتى قبضه الله عز وجل. وقد فعل صحابته، الذين وعوا دعوة الله بشكل جلي، كما كان يفعل النبي عليه السلام. أما وأن الإنذار لا ينتهي فقد أصبحنا نحن من يتحمل مهمة الإنذار.
    14 تشرين الثاني 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي رد: من سيرة المصطفى - حسن ملاط

    من سيرة المصطفى – 15 –
    واصبر على ما أصابك: خط المقاومة
    قال تبارك وتعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: " واصبر وما صبرك إلا بالله".( النحل 127 )
    يقول تبارك وتعالى: "فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل عليهم" (الأحقاف 35 )
    ويقول أيضاً: "واصبر إن الله مع الصابرين" (الأنفال 46 )
    ويقول تعالى: "واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً" (المزمل 10)
    و يقول أيضاً: "واصبر صبراً جميلاً، إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً" (المعارج 5 )
    ويقول تعالى: "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" (العصر 3 )
    ويقول أيضاً: "وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة" ( البلد 17 )
    ويقول تبارك وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله" (آل عمران 200 ).
    وقال تعالى أيضاً: "فاصبر، إن وعد الله حق" (غافر 77 ).
    ما هو وعد الله؟
    يقول عز وجل: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم" (المائدة 9 )
    ويقول أيضاً: " وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار" (التوبة 68)
    ويقول أيضاً: " جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب" (مريم 61)
    ويقول أيضاً: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً" (الفتح 10)
    ويقول أيضاً: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون". (النور 55 )
    فالصبر إذن الذي أمر الله نبيه به والمؤمنين، نتيجته مضمونة: الإستخلاف والجنات. أما الصبر في الدنيا فمن الممكن أن يكلف المؤمن حياته كما حصل مع سمية أم عمار بن ياسر.
    كيف صبر النبي والذين آمنوا معه؟
    غداة بعثته، صلى الله عليه وسلم، تحدث مع ورقة بن نوفل. وورقة هذا هو من الأحناف، ثم من الذين تنصروا ونالوا الدرجات العلى في صفوف النصارى، وهو من الذين قرأوالكتب. فقد عرف ورقة أن ما بُشر به نبينا عليه السلام هو حمل عظيم، يستدعي الكثير من الصبر والمصابرة. جاء في السيرة المطهرة لابن هشام: "فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال:‏‏ يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال له ورقة:‏‏ والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، وقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه، ثم أدنى رأسه منه، فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منـزله"‏‏.‏‏
    وهكذا فقد بشره ورقة بن نوفل ومنذ البداية أنه سيُكُذَب أولاً ثم سيُؤذى ثانياً. ليس هذا فحسب بل سيُطرد من بلده وسيُحارب أيضاً. إذن الحمل ثقيل ويتطلب الرجال الرجال. ولكن نبينا عليه الصلاة والسلام والذين آمنوا معه، هم أهل لهذه المهمة التي ارتضوها لأنفسهم.
    جاء في سيرة المصطفى لابن هشام: " قال ابن إسحاق:‏‏ ثم إن قريش اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم كفرهم".‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال‏‏:‏‏ قلت له‏‏:‏‏ ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يُظهرون من عداوته؟‏‏ قال‏‏:‏‏ حضرتهم، وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:‏‏ ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا‏‏:‏‏ فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏.‏‏
    قال:‏‏ ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ ثم مر الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف، ثم قال:‏‏ أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح.‏‏ قال‏‏:‏‏ فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفَؤُه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول:‏‏ انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً‏‏.‏‏
    قال‏‏:‏‏ فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم؛ فقال بعضهم لبعض:‏‏ ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه‏‏.‏‏ فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، يقولون:‏‏ أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم؛ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ نعم، أنا الذي أقول ذلك‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه‏‏.‏‏
    قال‏‏:‏‏ فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه، وهو يبكي ويقول‏:‏‏ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟‏‏ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً نالوا منه قط‏‏.‏‏
    ولم يترك القرشيون النبي عليه الصلاة والسلام. قال ابن هشام:‏‏ حدثني بعض أهل العلم ‏:‏‏ أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش أنه خرج يوماً فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه، لا حر ولا عبد، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منـزله، فتدثر من شدة ما أصابه، فأنزل الله تعالى عليه‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يا أيها المدثر، قم فأنذر ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ حدثني رجل من أسلم، كان واعية:‏‏ أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره؛ فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاة لعبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن ‏سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة، فجلس معهم.‏‏
    وكان السفهاء من قريش يلاحقون النبي بقصد إيذائه. وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسبنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكَّر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال‏‏:‏‏ أنا والله يا معشر قريش، أحسن حديثاً منه، فهلم إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار، ثم يقول:‏‏ بماذا محمد أحسن حديثا مني؟‏‏
    وجاء في رواية أخرى: والنضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي، كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً، فدعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه القرآن، وحذر فيه قريشاً ما أصاب الأمم الخالية، خلفه في مجلسه إذا قام، فحدثهم عن رستم السنديد، وعن أسفنديار، وملوك فارس، ثم يقول‏‏:‏‏ والله ما محمد بأحسن حديثاً مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين، اكتتبها كما اكتتبتها‏‏.‏‏
    وأمية بن خلف من عتاة قريش كان يؤذي النبي عليه السلام أيضاً: وأمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، كان إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه قال ابن هشام:‏‏ الهمزة‏‏:‏‏ الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه عليه، ويغمز به‏‏.‏‏
    وجاء عند ابن هشام عن أذية النبي صلى الله عليه وسلم: ولقي أبو جهل بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - فقال له:‏‏ والله يا محمد، لتتركن سب آلهتنا، أو لنسبن إلهك الذي تعبد‏‏.‏‏
    وأبي بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وعقبة بن أبي معيط، وكانا متصافيين، حَسَناً ما بينهما‏‏.‏‏ فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، فبلغ ذلك أبياً، فأتى عقبة فقال له:‏‏ ألم يبلغني أنك جالست محمداً وسمعت منه، قال:‏‏ وجهي من وجهك حرام أن أكلمك - واستغلظ من اليمين - إن أنت جلست إليه أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل في وجهه.‏‏ ففعل ذلك عدو الله عقبة بن أبي معيط لعنه الله.‏‏
    ومشى أبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم بال قد ارْفتَّ، فقال‏‏:‏‏ يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرمّ، ثم فتَّه في يده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ نعم، أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا، ثم يدخلك الله النار.‏‏
    واعترض رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالكعبة - فيما بلغني - الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا:‏‏ يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد، كنت قد أخذت بحظك منه‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى فيهم:‏‏ ‏‏(‏‏ قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم‏‏.‏‏ ولا أنتم عابدون ما أعبد.‏‏ لكم دينكم ولي دينِ ‏‏)‏‏ أي إن كنتم لا تعبدون الله، إلا أن أعبد ما تعبدون، فلا حاجة لي بذلك منكم، لكم دينكم جميعاً، ولي ديني.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ وكان النفر الذن يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته‏‏:‏‏ أبا لهب، والحكم بن العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي؛ وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص، فكان أحدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه صلى الله عليه وسلم رحم الشاة وهو يصلي، وكان أحدهم يطرحها في بُرْمته إذا نُصبت له، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجراً يستتر به منهم إذا صلى، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى، كما حدثني عمر بن عبدالله بن عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير، يخرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم على العود، فيقف به على بابه، ثم يقول‏‏:‏‏ يا بني عبد مناف، أي جوار هذا!‏‏ ثم يُلقيه في الطريق.‏‏
    هل اكتفى المشركون بأذية النبي صلى الله عليه وسلم؟ كلا فقد بادروا إلى أذية المؤمنين الذين صبروا على الإضطهاد كما فعل نبينا عليه الصلاة والسلام.
    آذى المشركون النبي عليه السلام وكان معه أبو بكر. فماذا فعلوا بأبي بكر: قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبي بكر، أنها قالت‏‏:‏‏ لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه، مما جبذوه بلحيته وكان كثير الشعر‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم ان الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين.
    ولكن هذا الأذى لم يترك أثراً سلبياً على الدعوة. لذلك استمر المشركون بأذاهم: " قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم إن قريشاً تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم، ويفتنونهم عن دينهم".
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم إنهم عدوا على من أسلم، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوا منهم، يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يُفتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب لهم، ويعصمه الله منهم.‏‏
    وكان بلال، مولى أبي بكر رضي الله عنهما، لبعض بني جمح، مولَّداً من مولديهم، وهو بلال بن رباح، وكان اسم أمه حمامة ، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخُرجه إذا حميت ‏الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له‏‏:‏‏ لا و الله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى؛ فيقول وهو في ذلك البلاء‏‏:‏‏ أحد أحد‏‏.‏‏
    وصبر بلال لأن الدعوة إلى الله الواحد الأحد تستدعي الصبر والتضحية.
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني هشام بن عروة عن أبيه، قال:‏‏ كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك، وهو يقول:‏‏ أحد أحد؛ فيقول‏‏:‏‏ أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف، ومن يصنع ذلك به من بني جمح، فيقول:‏‏ أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حناناً، حتى مر به أبو بكر الصديق ابن أبي قحافة رضي الله عنه يوماً، وهم يصنعون ذلك به، وكانت دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية بن خلف‏‏:‏‏ ألا تتقي الله في هذا المسكين‏‏؟‏‏ حتى متى؟‏‏ قال:‏‏ أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترى؛ فقال أبو بكر:‏‏ أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به؛ قال:‏‏ قد قبلت، فقال‏‏:‏‏ هو لك‏‏.‏‏ فأعطاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه غلامه ذلك، وأخذه فأعتقه.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول، فيما بلغني:‏‏ صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة.‏‏ فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام‏‏.‏‏
    وصبر آل ياسر جميعاً، وموعدهم في الجنة كما قال النبي عليه السلام.
    وكان أبو جهل الفاسق الذي يُغري بهم في رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم، له شرف ومنعة، أنَّبه وأخزاه‏‏.‏‏ وقال‏‏:‏‏ تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولَنُفيِّلَنّ رأيك، ولنضعن شرفك؛ وإن كان تاجراً قال‏‏:‏‏ والله لنُكسدنّ تجارتك، ولنهلكن مالك؛ وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به‏‏.‏‏
    غاب عن ذهن أبي جهل أن هذه الدعوة أغلى من التجارة ومن المال.
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير، قال‏‏:‏‏ قلت لعبدالله بن عباس:‏‏ أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟‏‏ قال‏‏:‏‏ نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجُيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له؛ آللات والعزى إلهك من دون الله؟‏‏ فيقول‏‏:‏‏ نعم، حتى إن الجُعَل ليمر بهم، فيقولون له‏‏:‏‏ أهذا الجعل إلهك من دون الله‏‏؟‏‏ فيقول‏‏:‏‏ نعم، افتداءً منهم مما يبلغون من جهده‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم:‏‏ لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه.‏‏
    فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.‏‏
    فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغاراً وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلاً، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً أصابوا به أمناً وقراراً، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبدالمطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم، و بني المطلب، على أن لا يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم؛ فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم، وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بن عكرمة بن عامر ابن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال‏:‏‏ النضر بن الحارث - فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشُلّ بعض أصابعه‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم و بنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من ‏بني هاشم أبو لهب، عبدالعزى بن عبد المطلب، إلى قريش، فظاهرهم‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ وحُدثت أنه كان يقول بعض ما يقول:‏‏ يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يديّ بعد ذلك؟‏‏ ثم ينفخ في يديه ويقول:‏‏ تباً لكما، ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد.‏‏ فأنزل الله تعالى فيه:‏‏ ‏‏(‏‏ تبت يدا أبي لهب وتبَّ ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ ‏
    وجاء في الروض الأنف للسهيلي: وذكر ما أصاب المؤمنين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشعب من ضيق الحصار لا يبايعون ولا يناكحون وفي الصحيح أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط وورق السمر حتى إن أحدهم ليضع كما تضع الشاة وكان فيهم سعد بن أبي وقاص.
    روي أنه قال "لقد جعت، حتى إني وطئت ذات ليلة على شيء رطب فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن" وفي رواية يونس أن سعداً قال: خرجت ذات ليلة لأبول فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد بعير يابسة فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها ثم رضضتها، وسففتها بالماء فقويت بها ثلاثاً. وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئاً من الطعام لعياله فيقوم أبو لهب عدو الله فيقول يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئاً، فقد علمتم ما لي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً، حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يديه شيء يطعمهم به ويغدو التجار على أبي لهب، فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعاً وعرياً.
    وثبت المؤمنون على إيمانهم، فالتجارة مع الله هي الرابحة دوماً.
    وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحاً يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه في الشعب، فتعلق به وقال‏‏:‏‏ أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟‏‏ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة‏‏.‏‏
    فجاءه أبو البَخْتري بن هشام بن الحارث بن أسد، فقال:‏‏ ما لك وله‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ يحمل الطعام إلى بني هاشم؛ فقال له أبو البختري‏‏:‏‏ طعام كان لعمته عنده بعثت إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها!‏‏ خلّ سبيل الرجل؛ فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ له أبو البختري لَـحْي ‏بعير فضربه به فشجه، ووطئه وطأً شديداً، وحمزة بن عبدالمطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيشمتوا بهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلاً ونهاراً، و سراً وجهاراً، مبادياً بأمر الله لا يتقي فيه أحداً من الناس.‏‏
    إن المرء ليستحيي مما كان يحصل مع النبي عليه السلام ومع المسلمين، ومما يحصل اليوم، حيث أن الصبر أصبح من الأقاصيص التي يُستمع إليها من دون أن تترك أثراً ذا أهمية.
    يضيف ابن هشام: فجعلت قريش حين منعه الله منها، وقام عمه وقومه من بني هاشم، وبني المطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به، يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه، وجعل القرآن ينـزل في قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته منهم، ومنهم من سمّى لنا، ومنهم من نزل فيه القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار، فكان ممن سمّي لنا من قريش ممن نزل فيه القرآن عمه أبو لهب بن عبد المطلب وامرأته أم جميل بنت حرب ابن أمية، حمالة الحطب، وإنما سماها الله تعالى حمالة الحطب، لأنها كانت - فيما بلغني - تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يمر، فأنزل الله تعالى فيهما: ‏ (‏‏ تبت يدا أبي لهب وتب ، ما أغنى عنه ماله وما كسب ، سيصلى نارا ذات لهب ، وامرأته حمالةَ الحطب ، في جيدها حبل من مسد ‏‏).
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فذُكر لي:‏‏ أن أم جميل‏‏:‏‏ حمالة الحطب، حين سمعت ما نزل فيها، وفي زوجها من القرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها فِهْر من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت‏‏:‏‏ يا أبا بكر، أين صاحبك‏‏؟‏‏ فقد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة، ثم قالت:‏‏
    مذمماً عصينا وأمره أبَيْنا
    ودينه قَلَيْنا
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا ‏في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام، يشكو إليها؛ وبهلك عمه أبي طالب، وكان له عضداً وحرزاً في أمره، ومنعة وناصراً على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين‏‏.‏‏
    فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه تراباً.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال‏‏:‏‏
    لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التراب، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها:‏‏ لا تبكي يا بُنيِّة، فإن الله مانع أباك‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ و يقول بين ذلك:‏‏ ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه، حتى مات أبو طالب‏‏.‏‏
    بعد وفاة أبي طالب وخديجة واستقواء قريش عليه سعى النبي عليه السلام إلى الطائف لعله يجد النصرة من ثقيف. فماذا وجد في الطائف؟
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل، فخرج إليهم وحده.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال‏‏:‏‏ لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة:‏‏ عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه؛ فقال له أحدهم:‏‏ هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك؛ وقال الآخر‏‏:‏‏ أما وجد الله أحداً يرسله غيرك!‏‏ وقال الثالث:‏‏ والله لا أكلمك أبداً‏‏.‏‏ لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك.‏‏ فقام رسول الله صلى عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - ‏‏:‏‏ إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغَ قومَه عنه، فيُذْئِرهم ذلك عليه.‏‏ فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد ‏ إلى ظل حَبَلة من عنب، فجلس فيه.‏‏ وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح، فقال لها:‏‏ ماذا لقينا من أحمائك؟‏‏
    فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فيما ذكر لي - اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟‏‏ إلى بعيد يتجهمني؟‏‏ أم إلى عدو ملكته أمري؟‏‏ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنـزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.‏‏
    وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة.
    قال ابن إسحاق:‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد، فجلس إليه المستضعفون من أصحابه:‏‏ خباب، وعمار، وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية بن محرث، وصهيب، وأشباههم من المسلمين، هزئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض‏‏:‏‏ هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق!‏‏ لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم الله به دوننا.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ وكان العاص بن وائل السهمي - فيما بلغني - إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:‏‏ دعوه، فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، لو مات لانقطع ذكره واسترحتم منه.
    قال ابن إسحاق:‏‏ ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك.‏‏ فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من أمرهم:‏‏ ‏‏(‏‏ ولقد استهزىء برسل من قبلك ، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ ‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله تعالى صابراً محتسباً، مؤدياً إلى قومه النصيحة على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى و الاستهزاء‏‏.‏‏ وكان عظماء المستهزئين، كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، خمسة نفر من قومهم، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم‏‏.‏‏
    لم يكتف النبي عليه السلام بدعوة قومه إلى الدين العظيم، بل كان يدعو جميع القبائل إبان المواسم.
    قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني حسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس، قال‏‏:‏‏ سمعت ربيعة بن عباد، يحدثه أبي، قال:‏‏ إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول:‏‏ يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أُبين عن الله ما بعثني به.‏‏
    قال:‏‏ وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان، عليه حلة عدنية‏‏.‏‏ فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل‏‏:‏‏ يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه‏‏.‏‏
    قال‏‏:‏‏ فقلت لأبي:‏‏ يا أبت، من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول‏‏؟‏‏ قال:‏‏ هذا عمه عبدالعزى بن عبدالمطلب، أبو لهب.‏‏
    لم يكتف النبي بالصبر على صدود قريش فقط بل راح يدعو القبائل إذعاناً لأمر الله تبارك وتعالى ”قم فأنذر".
    قال ابن إسحاق:‏‏ حدثنا ابن شهاب الزهري‏‏:‏‏ أنه أتى كندة في منازلهم، وفيهم سيد لهم يقال له‏‏:‏‏ مُليح، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه‏‏.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حصين‏‏:‏‏ أنه أتى كلباً في منازلهم، إلى بطن منهم يقال لهم‏‏:‏‏ بنو عبدالله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول لهم‏‏:‏‏ يا بني عبدالله، إن الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.‏‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن كعب بن مالك‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليهم رداً منهم‏‏.‏‏ ‏
    قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم - يقال له:‏‏ بَيْحرة بن فراس‏‏.‏‏ قال ابن هشام:‏‏ فراس بن عبدالله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - ‏‏:‏‏ والله، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش، لأكلت به العرب، ثم قال:‏‏ أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟‏‏ قال:‏‏ الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء؛ قال:‏‏ فقال له‏‏:‏‏ أفتُهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا!‏‏ لا حاجة لنا بأمرك؛ فأبوا عليه.‏‏
    وكأني بفراس هذا يعيش في أيامنا هذه يريد أن يتاجر حتى في الدعوة إلى الله، والعياذ بالله!
    ولم تسلم النساء من أذى عتاة قريش. وصبرن كما صبر النبي عليه السلام.
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فحُدثت عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت:‏‏ لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم؛ فقالوا‏‏:‏‏ أين أبوك يا بنت أبي بكر‏‏؟‏‏ قالت‏‏:‏‏ قلت‏‏:‏‏ لا أدري والله أين أبي‏‏؟‏‏ قالت:‏‏ فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثاً، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي‏‏.‏‏
    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوّج عتبة بن أبي لهب رقية، أو أم كلثوم‏‏.‏‏ فلما ‏بادى قريشاً بأمر الله تعالى وبالعداوة، قالوا:‏‏ إنكم قد فرَّغتم محمداً من همه، فردوا عليه بناته، فاشغلوه بهن.‏‏
    فمشوا إلى أبي العاص فقالوا له‏‏:‏‏ فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت؛ قال:‏‏ لا والله، إني لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش‏‏.‏‏
    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره خيراً، فيما بلغني.‏‏ ثم مشوا إلى عتبة بن أبي لهب، فقالوا له:‏‏ طلق بنت محمد ونحن نُنكحك أي امرأة من قريش شئت؛ فقال:‏‏ إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد بن العاص، أو بنت سعيد بن العاص فارقتها.‏‏
    فزوجوه بنت سعيد بن العاص وفارقها، ولم يكن دخل بها، فأخرجها الله من يده كرامة لها، وهواناً له، وخلف عليها عثمان بن عفان بعده.‏‏
    ولم يسلم الذين من خارج مكة من الأذى. فهذه قريش تعتقل سعد بن عبادة عندما عرفت أنه أسلم لله. قال‏‏:‏‏ ونفر الناس من منى، فتنطَّس القوم الخبر، فوجوده قد كان، (خبر إسلام الأنصار) وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو، أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيباً.‏‏ فأما المنذر فأعجز القوم؛ وأما سعد فأخذوه، فربطوا يديه إلى عنقه بِنِسْع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه بجُمَّته، وكان ذا شعر كثير‏‏.‏‏
    وبعد أن فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، هل فرغ المسلمون من الصبر؟ هذه بنت رسول الله تصبر على أذى قريش لها، عندما أرادت أن تهاجر وأراد المشركون أن يمنعوها من الهجرة.
    فلما فرغت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهازها قدَّم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيراً، فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهاراً يقود بها، وهي في هودج لها‏‏.‏‏
    وتحدث بذلك رجال من قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذى طُوى، فكان أول من سبق إليها هبَّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى، والفهري؛ فروّعها هبار بالرمح وهي في هودجها، وكانت المرأة حاملاً - فيما يزعمون - فلما ريعت طرحت ذا بطنها.
    حتى المؤمنين في المدينة صبروا صبراً جميلاً. فالذين جُرحوا يوم أحد يواصلون الجهاد مع النبي عليه السلام. قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني عبدالله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان:‏‏ أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بني عبدالأشهل، كان شهد أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏‏:‏‏ شهدت أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي أو قال لي:‏‏ أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟‏‏ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحاً، فكان إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.‏‏
    حتى النبي عليه السلام الذي دعا إلى الجهاد كان من عداد الجرحى في أحد.
    قال ابن إسحاق:‏‏ وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدُثّ بالحجارة حتى وقع لشقه، فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص.‏‏
    قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال‏‏:‏‏
    كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وشج في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم، فأنزل الله عز وجل في ذلك:‏‏ ‏‏"‏‏ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ‏‏"‏‏ .
    قال ابن هشام:‏‏ وذكر ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري:‏‏ أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبدالله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، وهم لا يعلمون.
    أما في الخندق فقد أصاب المسلمين خوف شديد. قال:‏ وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف:‏ كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.‏
    وصبر المسلمون رغم الموقف الشديد. قال ابن إسحاق:‏ ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمي، إلى جانب أحد.‏ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم.‏
    و يصبر المسلمون والنبي عليه السلام على أذى اليهود الذين أرادوا أن يكون أذاهم للمسلمين في أحلك أيامهم: فلم يزل حيي بكعب (زعماء يهود) يفتله في الذروة والغارب، حتى سمح له، على أن أعطاه عهداً من الله وميثاقاً‏:‏ لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك‏.‏ فنقض كعب بن أسد عهده،(عهده مع رسول الله عليه السلام)، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏
    هذه صور من الصبر الذي مارسه المسلمون خلال الدعوة إلى الله. هل كان الصبر من أجل الصبر، والدعوة من أجل الدعوة؟ أم أن هذه الدعوة تغير المجتمع بالشكل الذي يؤمن سعادة الإنسان فيه. لقد وعى الأوائل كنه هذه الدعوة. فهذا هانىء بن قبيصة يرى أن هذه الدعوة يكرهها الملوك: قال هانيء بن قبيصة للنبي صلى الله عليه وسلم، ناعتاً له دعوته: وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك.
    لقد كان وعد الله للمؤمنين بالاستخلاف، والتمكن واضحاً من خلال القرآن الكريم. فالعمل الدؤوب الذي قام به المسلمون بقيادة نبينا عليه الصلاة والسلام، كان واضح الأهداف، وخاصة من خلال الصحيفة التي كتبها النبي في المدينة، والتي تحدثنا عنها في إحدى الحلقات: بناء مجتمع لا ظلم فيه ولا تظالم. لقد عبر بوضوح نبينا عليه السلام أنه إذا دُعي بحلف الفضول لأجاب. وهذا الحلف ينص على نصرة المظلوم والتأسي بالمعاش. هل يمكن أن يؤدي هذا الحديث إلى ظالم ومظلوم كما حدث عندما تم التخلي عن الآتجاه النبوي بإقامة النظام الإسلامي، أعني الملك العضوض.
    إن الصبر الذي علينا ممارسته هو ذلك الذي يؤدي إلى حكومة تؤمن الحياة الهنيئة للناس على كافة المستويات، المادية والنفسية والإجتماعية. هذه الحياة التي نؤجر عليها في الحياة الآخرة بالجنة. فالدين هو معطىً إلهي لسعادة الإنسان في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
    23 تشرين الثاني 2010 حسن ملاط
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •