بما أني نقلت لكم عن التقية و بيئتها, سأتابع نقل شروطها و ضوابطها.
شروط وضوابط العمل برخصة التَّقية:
للعمل بالتقية شروط وضوابط نجملها في النقاط التالية:
1- للعمل بالتقية ـ إضافة إلى عنصري الاستضعاف والخوف ـ ينبغي أن يتحقق العجز عن التحول من دار التقية إلى دار الأمن والأمان الذي يستطيع أن يُظهر فيه دينه على الوجه الأكمل والأحسن مما هو عليه في دار التقية .. أما إن كان قادراً على أن يتحول من دار التقية إلى دار الأمن والأمان .. ثم لا يَفعل .. لا يُعذر حينئذٍ لو عمل بمقتضى التقية، كما قال تعالى:{ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ }العنكبوت:56. فمن غايات توسعة الله تعالى للأرض .. تحقيق سلامة العبادة والدين من دون خوف .. ولا تقية.
وقال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً النساء:97. فهؤلاء لم يُعذروا بالاستضعاف؛ لأنهم كانوا يستطيعون أن يُهاجروا من دار التقية والاستضعاف إلى دار الأمن والإيمان .. لكنهم لم يفعلوا شحاً بالدنيا والأوطان .. أما المستضعفون حقّاً الذين لا يستطيعون الهجرة .. ولا يجدون سبيلاً آمناً للخروج من دار التقية والاستضعاف إلى دار الأمن والأمان .. فهؤلاء معذورون ومستثنون من الوعيد الوارد في الآية أعلاه، كما قال تعالى:{ إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً }النساء:98. فهؤلاء لا حرج عليهم لو لم يُهاجروا .. كما لا حرج عليهم لو لجؤوا للعمل بالتقية إن وجدت الضرورة لاستخدامها.
2- الاستضعاف أمر نسبي، كذلك الخوف فهو أمر نسبي يختلف من شخص لآخر .. ومن مكان لآخر .. حيث كلما ازداد الاستضعاف، وازداد الخوف، وتحققت دواعيه، كلما أمكن استخدام رخصة التقية بصورة أوسع .. والعكس كذلك؛ كلما ضاقت مساحة الاستضعاف والخوف، وانتفت دواعيه، كلما قلت وضاقت فرص استخدام التقية .. وبالتالي في المجتمع الواحد .. والمكان الواحد الذي يسود فيه الظلم .. قد يجوز لشخص ما لا يجوز للآخر .. بحسب قوة كل واحد منهما .. وما لكل منهما من ركن يأوي إليه .. فمن كان لا ركن له يأوي إليه أو كان ركنه الذي يأوي إليه ضعيفاً .. يجوز له استعمال التقية ما لا يجوز لمن كان له ركن شديد يأوي إليه .. والدليل على هذا كله، إضافة لما تقدم من أدلة، قوله تعالى:{ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }التغابن:16. وقوله تعالى:{ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }البقرة:286.
3- التقية تكون باللسان .. دون القلب أو العمل بالجوارح .. لأن القلب أمر باطني لا سلطان لمخلوق عليه .. وبالتالي لا مبرر لممارسة التقية في القلب تحت أي ظرف من الظروف .. ومن يتوسع .. فيمارس التقية في القلب .. يقع في الزندقة والنفاق ولا بد .. ويكون ممن شرح بالكفر صدراً.
وقولنا " دون العمل "؛ أي لا يوالي ـ في أجواء وظروف التقية ـ المشركين والظالمين بالعمل .. كأن يُعينهم على المسلمين بقتال أو نحوه .. ولا يُعنى بالعمل هنا نفي مطلق العمل .. كأن تضطره ظروف التقية أن لا يلتزم بالهدي الظاهر من لباس أو تقصير لحية أو حلقها .. أو أن يُصلي جالساً أو إيماءً برأسه .. أو أن يُكشر بوجوه الظالمين ويَضحك لهم .. أو يحتفي باستقبالهم .. ونحو ذلك .. فهذا عمل .. وهو مباح في ظروف وأجواء التقية .. ونفي العمل ـ الذي أطلقه بعض السلف ـ لا يشمل ولا يعني هذا النوع من العمل .. وإنما يعني نفي موالاة المشركين والظالمين على الإسلام والمسلمين بالعمل.
كذلك قولنا:" التقية تكون باللسان "؛ أي الموالاة تكون باللسان .. ولا يعني ذلك مطلق الموالاة باللسان .. بما في ذلك موالاتهم باللسان على المسلمين .. كأن يدلهم على عورات المسلمين .. أو يعينهم باللسان على قتل مسلم .. ونحو ذلك .. فهذا لا يجوز وإن سُمي موالاة باللسان .. لمساواتهما في الحرمة .. إذ لا يجوز للمستضعَف الذي يعمل بالتقية أن يفدي نفسه من ضرر المشركين بقتل أخيه أو إنزال الضرر به .. لمساواتهما في الحقوق والحرمة.
قال الشيباني في السِّيَر 4/245: ولو قالوا لأسير مسلم: اقتل لنا هذا الأسير المسلم أو لنقتلنك، لم يسعه أن يقتله لما جاء في الأثر ليس في القتل تقية، وكذلك لو أمروه بربط يديه أو رجليه، ولو كانت يد الذي يضرب بالسيف ضعيفة، فقيل له: أمسك بيدك على يديه، حتى نضربه وإلا قتلناك، لم يسعه أن يفعل هذا .. ولو هرب منهم أسير فقالوا لأسير آخر يعرف مكانه: دلنا عليه لنقتله وإلا قتلناك، لم يسعه أن يدلهم عليه. انتهى.
وقال القرطبي في التفسير 5/529: أجمع العلماء على أن من أُكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرماته بجلدٍ أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحلُّ له أن يفدي نفسَه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة ا- هـ.
قلت: وفي ذلك تحذير لمن يقع من المسلمين أسيراً عند العدو .. الذي يتهاون بتدليلهم على عورات المسلمين والمجاهدين .. تحت عنوان التقية .. وذريعة دفع الضرر والأذى عن نفسه .. لا تقيَّة في أذى العباد!
4- تُمارَس التقية بالقدْر الذي يدفع الضرر أو الاذى عن المُستَضعَف .. إذ لا يجوز له أن يتوسع في استخدام التقية أكثر مما هو مطلوب منه؛ فإذا كان مثلاً ـ الضرر ـ يُزال ويندفع عنه بخمس كلمات .. لا يجوز حينئذٍ أن يتطوع فيُعطيهم عشر كلمات؛ فحينئذٍ يُحاسب على الكلمات الزائدة التي أعطاها لهم من غير حاجة ولا ضرورة.
مثال آخر: إن كانت التقية ـ مثلاً ـ تبرر للمرء أن يمدح طنوساً .. كما طُلب منه .. والضرر يُرفع ويُزال عنه بمجرد أن يمدح طنوساً وحسب .. فيقوم هو فيزيد فيمدح طنوساً .. وحنَّا .. وبطرس .. وجورج .. فهو حينئذٍ يُلام على الزيادة التي أعطاها من تلقاء نفسه ومن غير ضرورة.
كذلك يُقال: إن كان يستطيع أن يستخدم المعاريض فيما طُلب منه .. وكان في استخدام المعاريض كفاية ومندوحة عن استخدام التصريح أو العبارات الصريحة .. فحينئذٍ يتعين عليه أن يستخدم المعاريض .. فإن لم يفعل أثم .. أما إن كان لا يُحسن استخدام المعاريض .. أو لا يستطيع أن يستعمل المعاريض فيما طُلب منه .. أو فيما يدفع عنه الضرر والأذى .. فحينئذٍ لا يُلزَم ولا يُطالَب باستخدام المعاريض .. ومدار أدلة المسألة على قوله تعالى:{ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }التغابن:16.
قال القرطبي في التفسير 5/533: قال المحققون من العلماء: إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض، فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ومتى لم يكن كذلك كان كافراً، لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها، مثاله: أن يُقال له: اكفر بالله، فيقول: باللاهي؛ فيزيد الياء. وكذلك إذا قيل له: اكفر بالنبي، فيقول: هو كافر بالنبيِّ؛ مشدداً وهو المكان المرتفع من الأرض .. ا- هـ.
قلت: يُصار إلى ما قال به القرطبي عندما يكون المُكره أو المبتلى خبيراً بالمعاريض .. وقادراً على استخدام المعاريض فيما يُسأل عنه .. أما إن كان لا يُحسن ولا يستطيع أن يستعمل المعاريض .. أو لم تحضره المعاريض لحظة الإكراه .. فلا حرج عليه حينئذٍ من استخدام التصريح .. وبخاصة أننا نعيش في زمانٍ غلبت فيه العجمة على الناس .. فالناس لم يعد يُحسنون التحدث بالعربية الفصحى .. فضلاً عن كونهم يُحسنون استخدام المعاريض .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
5- التقية رخصة .. يجوز العمل بها بشروطها وضوابطها الآنفة الذكر .. لكن أيهما أولى وأحب: العمل بها .. أم تركها والأخذ بالعزيمة؟
أقول: بحسب المصالح والمفاسد المتوخاة من العمل بالتقية أو تركها .. فإن كانت مصالح العمل بالتقية ترجح على مصالح تركها .. وكان في تركها فتنة على المرء لا يُطيقها .. فحينئذٍ يكون العمل برخصة التقية وترك العزيمة هو الأولى شرعاً وعقلاً .. قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في عمار -رضي الله عنه- الذي اختار العمل برخصة الإكراه:" ما خُير عمَّار بين أمرين إلا اختار أرشدَهما "[1].
وإن كان العكس؛ أي المصلحة ترجح وتكمن في ترك العمل بالتقية والأخذ بالعزيمة .. وكان الأخذ بالعزيمة ممكناً ومقدوراً عليه .. ولا يترتب عليه فتنة لا طاقة للمعتزِم بها .. فحينئذٍ يكون الأخذ بالعزيمة هو الأولى شرعاً وعقلاً .. ومن الأدلة الدالة على أن العزيمة هي الأولى في هذا الموضع، قوله -صلى الله عليه وسلم-:" ثلاثة من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان "، منها: " أن يَكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَفَ في النار " متفق عليه.
وعن أبي الدرداء قال: أوصاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتسعٍ، منها:" لا تُشرك بالله شيئاً وإن قُطِّعتَ أو حُرِّقتَ "[2].
وعليه فإن القول على الإطلاق ـ كما يفعل البعض ـ بأن الأخذ بالعزيمة هو الأولى وهو الأحسن .. بغض النظر عن النتائج .. والمضاعفات .. والنظر إلى المصالح والمفاسد المترتبة عن الأخذ أو الترك .. هو قول خاطئ، مردود بالنقل والعقل.
6- العالِم قد يأخذ بالتقية .. فهو غير مستثنى من المسلمين .. فالرخصة تشمله ـ بشروطها ـ كما تشمل غيره .. لكن لا يجتمع العلماء ـ ولا يجوز لهم أن يجتمعوا ـ على التقية .. إذ لا بد لبعضهم من أن يشذ .. ويستشرف العزيمة .. وتبعاتها .. ويُظهر اللهُ الحق على يديه .. فأمة الإسلام كما لا تجتمع على ضلالة .. كذلك لا تجتمع على كتمان علم أو حق ينبغي أن يُقال أو يظهر .. وهذا من معاني ومقتضيات حفظ الله تعالى للتنزيل، كما قال تعالى:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر:9.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة "[3]. ومن ذلك أنها لا تجتمع على كتمان العلم والحق تحت أي ظرف من الظروف .. فأمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- محفوظة وممنوعة من ذلك ولله الحمد، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا تزال طائفةٌ من أمتي قَوَّامةً على أمرِ الله لا يضُرُّها مَن خالَفَها "[4].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" لا يزالُ الله يَغرسُ في هذا الدين غرساً يستعملُهم في طاعتِه "[5].
[1] أخرجه الترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 835.
[2] صحيح الأدب المفرد: 14.
[3] رواه الترمذي وغيره، وصححه الشيخ ناصر في تخريج المشكاة: 173.
[4] صحيح سنن ابن ماجه: 7.
[5] صحيح سنن ابن ماجه: 8.


رد مع اقتباس

