وإليك أخي الكريم تتمة الموضوع ففيه جواب سؤالك.
مسائل وتنبيهات:
1- مما تقدم أعلاه يُعلم الفارق الضخم والكبير بين التقية في شرع الله .. وبين التقية التي يمارسها الشيعة الروافض .. ويدعون إليها .. ويعتبرونها ركناً من أركان دينهم .. وأن من لا تقية له لا دين له .. والتي تعني عندهم إضمار الكفر .. والبغض .. واللعن .. والتكفير لأخيار الأمة من الصحابة والتابعين .. في القلب .. وإظهار الإسلام باللسان .. وهذا عين النفاق والزندقة .. وبالتالي لا يجوز إدراج التقية التي يتكلم عنها الشيعة الروافض ضمن التقية المشروعة بضوابطها وشروطها الآنفة الذكر.
2- كذلك يوجد فرق كبير بين النفاق وبين التقية: النفاق هو إضمار الكفر في القلب وإظهار الإسلام على اللسان أو الجوارح. بينما التقية، هي إضمار الإيمان واليقين في القلب .. وإظهار ما يُخالف ما وقر في القلب باللسان .. لضرورة التقية بشروطها الشرعية.
3- اعلم أن حالات ومراحل الاستضعاف لها أحكامها وفقهها .. ومن أحكامها وفقهها التقية .. وحالات ومراحل القوة والتمكين لها أحكامها وفقهها .. ومن أحكامها وفقهها الأخذ بالعزيمة .. والخلط بين المرحلتين والحالتين وبين أحكامهما .. وحمل أحكام كل مرحلة على الأخرى .. مؤداه إلى الوقوع في أخطاء فادحة لا تُحمد عواقبها .. قد تكلف العمل الإسلامي الشيء الكثير!
4- التقية ـ بشروطها ـ تبرر بعض الكلمات القليلات .. أو بعض البسمات والضحكات للظالمين .. أو الأعمال القليلة وبقدر الحاجة والضرورة كما تقدم .. لكنها لا تبرر إقامة المناظرات المطوّلة في الجدال عن الطغاة والظالمين .. أو كتابة المراجعات والمخطوطات والتأصيلات المطولة في الجدال عن الطواغيت .. وعن أنظمتهم الفاسدة .. ومناهجهم الباطلة .. فالتقية لا تبرر مثل هذه الأفعال .. ولا يمكن لها ـ مهما وسّعنا بها ـ أن تستوعب مثل هذه الأفعال .. كما أن هذه الأفعال لا يُمكن ولا يُقبل أن تُدرج في خانة التقية!
كذلك فإن الاستضعاف وأجواء التقية لا تبرر التخلي عن العقيدة والتوحيد .. أو الانسلاخ عن المبادئ والثوابت التي جاء بها الإسلام .. كما لا تبرر انتهاج طرق أهل الباطل والبدع والزيغ والأهواء.
إذ أن ممن مروا في ظروف بلاء وجهاد .. تراهم لكي يصرفوا عيون الظالمين عنهم ينخرطون في جماعات، وطرق مُحدثة ما أنزل الله بها من سلطان .. تميل في مجملها إلى التجهم الإرجاء .. أو التصوف .. أو التشيع .. وغير ذلك من التجمعات الديمقراطية المعاصرة .. التي تعمل للإسلام عن طريق الديمقراطية .. والانتخابات النيابية التشريعية .. فهذا لا يجوز .. والتقية لا تبرر لهم أن يفعلوا ذلك!
5- الاستضعاف حالة مرضية شاذة .. واستثنائية .. لا تجتمع الأمة عليها .. كما لا يجوز الاستسلام لها أو الرضى بها .. وإنما يجب العمل على دفعها وإزالتها .. ما أمكن إلى ذلك سبيلاً .. وأمرُ الله تعالى عباده المؤمنين بالإعداد، كما في قوله تعالى:{ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ }الأنفال:60. هو من قبيل رفع صفة الاستضعاف عن المسلمين .. فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف.
وبالتالي فإن التعايش مع الاستضعاف وأحكامه مع وجود القدرة على دفعه وإزالته .. ذنب ووزر يطال المتعايشين .. وكل من رضي بتعايشهم وواقعهم .. فأحكام الاستضعاف يجوز اللجوء إليها مع العجز والضعف لا مع القدرة والقوة .. وهي رخصة للمستضعفين .. لا للأقوياء المقتدرين.
والسؤال الذي يطرح نفسه، ما الذي يجب على المسلمين في أجواء الاستضعاف والتقية .. هل يجوز لهم الاستسلام للأمر الواقع المريض .. أم يجب عليهم شيء نحو أمتهم ودينهم؟
أقول: تجب عليهم أمور عدة: منها: تشخيص أسباب الاستضعاف بدقة .. والعمل قدر الاستطاعة على دفعها وإزالتها، لاستئناف حياة إسلامية راشدة من جديد .. ومن ذلك بذل الإعداد ببعديه المادي والمعنوي ـ كما تقدم ـ والاستعانة على قضاء حوائجهم بالكتمان.
ومنها: الثبات على التوحيد الخالص، والاعتقاد الصحيح ..
ومنها: القيام بكل ما هو ميسور ومقدور عليه، فالميسور لا يسقط بالمعسور .. كنشر الدعوة بين الناس .. ودعوتهم إلى التوحيد الخالص .. وتربية الأبناء والأجيال على آداب وتعاليم الإسلام ما أمكن لذلك سبيلاً .. وغير ذلك من الأعمال الممكنة.
6- العالِم ـ كما تقدم ـ كغيره من المسلمين يجوز له أن يأخذ بالتقية بشروطها .. لكن كلما كان العالم في موضع القدوة والأسوة .. كلما كانت العزيمة هي الأولى بحقه .. وكانت المصلحة الشرعية تقتضي منه أن يقدم العزيمة على التقية.
7- الشخص الذي يعيش ظروف التقية وأجواءها ـ وبخاصة إن كان من المجاهدين وممن لهم سابقة جهاد وبلاء في سبيل الله ـ ثم يُصرح ببعض التصريحات الخاطئة للصحافة أو بعض وسائل الإعلام .. والتي تنم عن نوع موالاة أو مداهنة للطغاة الظالمين .. ينبغي أن يتسع بحقه التأويل .. وأن لا يتعدى الإنكار عليه ـ إن كان ولا بد ـ إلى درجة التكفير!
لا ضير في أن يُخطّأ .. أو يُنصَح .. ويبين له حدود التقية الشرعية التي يجوز استخدامها في مثل هذه المواضع .. لكن لا أرى جواز التسرع إلى تكفيره .. أو تجريمه .. لخطورة التكفير وما يترتب عليه .. ولأن النصوص الشرعية ذاتها تنهى عن التكفير في مواضع الظن والشبهات والاحتمالات .. والتي منها أجواء التقية والإكراه.
بعض قادة العمل الجهادي والإسلامي .. قد يضطرون ـ في ظروف وأجواء الخوف، والقهر، والإرهاب، والمطاردة، والجوع، والحصارات الجائرة ـ أن يستشرفوا العمل السياسي والإعلامي .. فليس كلما كشَّرَ أحدهم بوجه طاغية أو ظالم .. أو ضحك له ـ وفي قلبه يلعنه ـ نبادر إلى رميه بالكفر والنفاق .. والخروج من الإسلام .. ونحمل عليه نصوص وأدلة الموالاة والمعاداة .. كما يفعل البعض .. غفر الله لنا ولهم!
آن الأوان للعاملين في حقل الدعوة إلى الله .. أن يترفعوا عن هذا المستوى .. وهذه السلوكيات التي لا يطرب لها إلا الغُلاة!
8- لا يجوز أن تُمارس التقية من أجل خوف موهوم مظنون .. أو خشية موهومة .. فيُخيّل للمرء أنه في خطر لا طاقة له به .. فيلتجئ للعمل بالتقية .. وفي الحقيقة أنه ليس كذلك .. وهو بغنى عن استعمال التقية أو اللجوء إليها!
كم من مسلم يعيش في مجتمع آمن نسبياً .. يمكنه أن يُمارس فيه عبادته لربه بصورة صحيحة .. كما يمكنه أن يلتزم بالهدي الظاهر من غير ضرر أو حرج .. ثم هو مع ذلك تراه يهجر الجمعة والجماعات .. ولا يلتزم بالهدي الظاهر .. لخوف موهوم مظنون .. مصدره وساوس الشيطان!
لما دخل يحيى بن معين ـ وكان ممن ترخص لنفسه فعمل بالتقية في فتنة خلق القرآن ـ على الإمام أحمد بن حنبل وهو مريض، فسلَّم عليه فلم يرد السلام، فما زال يعتذر، ويقول: حديث عمار، وقال الله:{ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ }النحل:106. فقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر .. فقال يحيى: لا يقبل عذراً! فلما خرج يحيى قال أحمد: يحتج بحديث عمَّار؛ وحديث عمَّار مررتُ بهم وهم يسبونك، فنهيتهم فضربوني، وأنتم قيل لكم: نريد أن نضربكم .. فقال يحيى: والله ما رأيت تحت أديم السماء أفقه في دين الله منك!
الاستضعاف الناتج عن جُبنٍ غير مبرر .. لا يُبرر اللجوء إلى استعمال التقية .. وإنما يستدعي التحرر من الجبن .. ومن ثم العمل والنهوض .. بما يتعين النهوض به .. قال تعالى:{ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ }التوبة:13.
9- لا نستطيع أن نشير إلى مجتمع من المجتمعات على أنه دار تقية على الإطلاق، أو أنه العكس .. وبالتالي نلزم جميع من فيه أن يلتزموا بالتقية أو العكس .. لأننا قد ذكرنا من قبل أن القوة وكذلك الضعف أمر نسبي يختلف من شخص لآخر .. ومن جماعة لأخرى .. وبالتالي ما يجوز للضعيف لا يجوز للقوي .. وما يجب على القوي لا يجب على الضعيف .. ومن كان له منعة أو ركناً شديداً يأوي إليه من قبيلة أو عشيرة قوية أو زعيم قوي .. أو مكانة عالية قوية في المجتمع .. يختلف عمن ليس كذلك .. ولا عنده شيء من ذلك .. ومن كان يعيش في مجتمع من المجتمعات خفية وبإقامة مزورة .. وجواز سفر مزور .. وحيداً طريداً .. يتوقع أن يتخطفه الظالمون في أي وقت .. ليس كمن يكون من أهل البلد .. ولا يعيش شيئاً من تلك الظروف!
10- التقية درجات أعلاها إظهار الكفر .. وأدناها التبسّم في وجوه الظالمين والفاجرين اتقاء فجورهم وظلمهم وفحشهم .. وبالتالي لا يجوز استعمال أعلى درجات التقية .. في المواضع التي يُكتَفى فيه باستعمال أدنى درجات التقية .. أو ما يُقاربها من الدرجات .. كالضحك لهم .. مثلاً .. والذي هو أعلى درجة من التبسم!
أي لمن يريد أن يستعمل التقية .. عليه أن يجتهد في تحديد مستوى درجة التقية التي يحتاجها .. وكم يحتاج منها .. في دفع الأذى والضرر عنه .. فيلتزمها ـ نوعاً وكمَّاً ـ من غير جنوحٍ إلى زيادة أو نقصان!
كذلك لا يجوز الالتجاء إلى استعمال أعلى درجات التقية المتمثلة بإظهار الكفر باللسان .. إلا لضرورة ماسّة كبيرة .. أو لدفع ضرر بليغ محقق غير محتمل أو يصعب احتماله .. إذ ليس لأدنى ضررٍ محتمل أو حاجة يجوز أن يُتلفّظ بالكفر .. أو يجوز الالتجاء إلى استعمال أعلى درجات التقية .. والله تعالى أعلم.


رد مع اقتباس

