ثالثاً : نصوص من السنّة المطهّرة :أ ـ الأحاديث العامَة :
1. سئل رسول الله أيّ الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه].
تطعم الطعام: أي تكثر من إطعام الضيوف، سواء كانوا مسلمين أم كافرين كما قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب.
تقرأ السلام: أي تحيي بتحية الإسلام وهي (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وظاهر الحديث يشمل المسلم والكافر، ولكن أكثر العلماء خصّصوه بالمسلم ومنعوا ابتداء الكافر بالسلام لحديث: (لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام) وسيأتي معنا أن هذا التخصيص محصور في حالة الحرب فقط. فيبقى الحديث على عمومه في سائر الحالات.
2. عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (لمّا خلق الله آدم، قال اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيّونك، فإنها تحيّتك وتحية ذريّتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله ..) [رواه الشيخان].
وهو نص صريح في أن السلام تحية آدم وتحية ذرّيته. ومن المعروف أن ذرية آدم منها المسلم ومنها الكافر، فيكون السلام هو تحية الجميع، سواء في الابتداء أو في الرد. والأصل في المسلم أن يلتزم بهذه التحية مع المسلم أو غير المسلم إلاّ عند وجود سبب مانع وهو (الحرب بالنسبة لغير المسلمين) لأن السلام أمان، والحرب تناقضه.
ب ـ أحاديث إفشاء السلام وهي كثيرة جداً :
بعضها عام ومن ذلك :
· حديث البراء أن رسول الله قال: (أفشوا السلام، تسلموا) [رواه ابن حبّان في صحيحه].
· وحديث عبد الله بن سلام قال: سمعت رسول الله يقول: (يا أيها الناس. أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح].
· حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : (اعبدوا الرحمن، وأفشوا السلام، وأطعموا الطعام، تدخلوا الجنان) [رواه الترمذي وصحّحه، وابن حبّان في صحيحه. واللفظ له].
· حديث أبي شريح أنه قال: يا رسول الله. أخبرني بشيء يوجب لي الجنة. قال: (طيب الكلام، وبذل السلام، وإطعام الطعام) [رواه الطبراني وابن حبّان في صحيحه، والحاكم وصححه].
· حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله: (أفشوا السلام كي تعلو) [رواه الطبراني بإسناد حسن] وتعلو: أي تسمو وترقى أخلاقكم.
· حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله: (إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام) [رواه أبو داود والترمذي وحسّنه].
وظاهر هذا الحديث يوجب على المسلم إذا التقى بغير المسلم أن يبدأ بالسلام، لأنه هو الأولى بالله تعالى.
· حديث عبد الله بن مسعود ، عن النبي قال: (السلام اسم من أسماء الله تعالى، وضعه في الأرض، فأفشوه بينكم ..) [رواه البزار والطبراني. وأحد إسنادي البزار جيّد قوي].
ومعنى الحديث أن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض كلها، ولكن غير المسلمين أهملوه، وعلى المسلمين أن يفشوه بينهم. وهذا لا يمنع استعماله بين غير المسلمين، ولا أن يحيّي به المسلمون غيرهم، لأن الأصل فيه أنه وضع في الأرض كلها.
وبعض أحاديث إفشاء السلام وردت خاصة بالمسلمين منها :
- حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: (لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) [رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه].
- وحديث ابن الزبير رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: البغضاء والحسد .. والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أنبئكم بما يثبت لكم ذلك؟ أفشوا السلام بينكم) [رواه البزار بإسناد جيد].
- وحديث أبي هريرة أن رسول الله قال: (حق المسلم على المسلم ست) وعدّ منها (إذا لقيته فسلّم عليه) [رواه مسلم].
ويفهم من جميع هذه الأحاديث أن السلام في الأصل هو تحية الناس جميعاً، تحية ذرية آدم كلها، وأن الله وضعه في الأرض كلها. ولكن المسلمين هم أولى الناس به، وعليهم إفشاءه فيما بينهم أولاً، وتجاه كل الناس ثانياً، ولا يستثنى من ذلك إلا حالة الحرب القائمة كما ذكر الشيخ رشيد رضا رحمه الله.
ج ـ الأحاديث الخاصة :
1. وقد كان الصحابة يتعاملون مع الناس وفق هذه النصوص العامة من الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة، ولا يجدون أي حرج في إلقاء السلام، وفي ردّه على اليهود الذين كانوا يقيمون معهم في المدينة المنورة، حتى كان يوم قريظة. ذكر أبو بصرة أن رسول الله قال: (إنّا غادون على يهـود، فلا تبدؤوهم بالسلام، فإذا سـلّموا عليكم فقولوا: وعليكم) [رواه أحمد والطبراني في الكبير، وأحد إسنادي أحمد والطبراني رجاله رجال الصحيح. وزاد الطبراني: (فلمّا جئناهم سلّموا علينا فقلنا: وعليكم)، مجمع الزوائد للهيثمي كتاب الأدب]. وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: قال رسول الله : (إني راكب غذاً إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام، فإذا سلّموا عليكم فقولوا: وعليكم) [جاء في الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد أن هذا الحديث صحيح].
ونقل العسقلاني في فتح الباري رواية البخاري - في الأدب المفرد - والنسائي من حديث أبي بصرة نفسه أن النبي قال: (إني راكب غداً إلى اليهود، فلا تبدؤوهم بالسلام).
وذكر ابن القيّم في زاد المعاد في فصل (هديه في السلام على أهل الكتاب): (صحّ عنه أنه قال: لا تبدؤوهم بالسلام ..) لكن قد قيل: إن هذا كان في قضية خاصة لمّا ساروا إلى بني قريظة قال: لا تبدؤوهم السلام. فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقاً، أو يختصّ بمن كانت حاله بمثل حال أولئك؟ واختار الترجيح أن هذا الحكم عام بناء على حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام ..) وسيأتي ذكره فيما بعد، لكننا نقلنا هنا قول ابن القيّم لبيان أن بعض السلف كانوا يعتقدون بأن عدم البدء بإلقاء السلام كان في قضية خاصة هي حصار بني قريظة.
2. لكن وردت رواية أخرى في صحيح مسلم. وقد رواها أيضاً أبو داود والترمذي وفيها: (لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام ..).
وفي رواية أبي داود، قال سهيل ابن أبي صالح: خرجت مع أبي إلى الشام، فجعلوا يمرّون بصوامع فيها نصارى، فيسلّمون عليهم. فقال أبي: لا تبدؤوهم بالسلام، فإن أبا هريرة حدّثنا عن رسول الله قال: (لا تبدؤوهم بالسلام ..).
الجمع بين الروايتين : ونلاحظ هنا ما يلي :
أ. أن الرواية الثانية لم تربط منع الابتداء بالسلام بحادثة معيّنة بل تركت الأمر على الإطلاق. فكأنّ سبب المنع هو كونه يهودياً أو نصرانياً، وبغض النظر عن وجود حالة حرب أو هدنة أو ذمة.
فالأخذ بهذه الرواية على ظاهرها، يؤدي إلى إلغاء العمل بالرواية الأولى، التي يعلّل فيها رسول الله النهي عن البدء بالسلام، بوجود حالة الحرب، إذ عند وجود المنع المطلق، لا حاجة للتعليل بظرف طارئ.
بينما لو أخذنا بالرواية الأولى، لما احتجنا إلى إلغاء العمل بالثانية، ولكننا خصّصناه فقط في حالة الحرب.
وهذه الطريقة في الجمع بين الأدلة عن طريق إعمالها كلّها هي طريقة الأصوليين، وقاعدتهم في ذلك أن (إعمال الكلام خير من إهماله).
ب. إذا قيل بأن الرواية الثانية تنسخ الرواية الأولى فالأمر يحتاج إلى توفّر شروط النسخ ومنها إثبات تاريخي يؤكّد أن الثانية قيلت في زمن متأخر عن الأولى. مثل هذا الإثبات غير موجود، أو على الأقلّ لم نطلع نحن عليه، ولكن الثابت في السنّة - كما سيأتي فيما بعد - أن الرسول كان يراسل الملوك حتى وفاته فيلقي السلام أحياناً بشكل مطلق فيقول: سلم أنتم. ويقيّده أحياناً فيقول: والسلام على من اتبع الهدى. هذا بالإضافة إلى أن الرواية الثانية لم تنسخ الأولى بل أكّدتها وزادت عليها.
ت. إن الروايتين تؤكّدان أن المسلمين كانوا يبدؤون بالسلام التزاماً بالنصوص العامّة التي ذكرناها آنفاً من القرآن الكريم والسنّة المطهرة، ثم جاء النهي عن ذلك. والسلام ليس من المسائل التعبّدية غير المعلّلة، بل هو من المسائل التي تقبل التعليل. فإذا جاء النهي معلّلاً بحالة الحرب كان غير مناقض للنصوص العامة بل هو مخصص لها بما لا يناقض أهدافها. أما إذا جاء غير معلّل، فهو مخصص للنصوص العامة بما يناقض أهدافها. وهذا لا يصح إلاّ مع النسخ. والنسخ غير ثابت. فلم يبق أمامنا من سبيل لمنع ادعاء حصول التناقض إلاّ الجمع بين الروايتين الصحيحتين، واعتبار أن منع ابتداء غير المسلمين بالسلام سببه وجود حالة الحرب، وهذا الرأي هو الذي قال به الشيخ رشيد رضا (في تفسير المنار الآية 84 من سورة النساء) قال: روى أحمد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله : (إني راكب غداً إلى يهود، فلا تبدؤوهم بالسلام، وإذا سلّموا عليكم فقولوا: وعليكم). فيظهر هنا أنه نهاهم أن يبدؤوهم لأن السلام تأمين، وما كان يحب أن يؤمّنهم وهو غير أمين منهم، لما تكرر من غدرهم ونكثهم بالعهد … وقد نقل النووي في شرح مسلم جواز ابتدائهم بالسلام عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز. قال: وهو وجه لأصحابنا. كما نقل عن الأوزاعي قوله: إن سلّمت فقد سلّم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون. وقال - أي النووي -: حكى القاضي عياض عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام للضرورة والحاجة أو لسبب، وهو قول علقمة والنخعي.
ونقل العسقلاني في فتح الباري الجزء الحادي عشر صفحة 33 عن ابن أبي شيبة عن طريق عون بن عبد الله عن محمد بن كعب أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال: نرد عليهم ولا نبدأهم. قال عون: فقلت له: كيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم. قلت: لم؟ قال: لقوله تعالى: {فاصفح عنهم وقل سلام } [سورة الزخرف، الآية 89].
ث. وقد يقال هنا إن القاعدة الأصولية أن (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) وأن لفظ (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام ..) عام. وحتى لو صحّ أنه قيل في ظرف خاص هو نقض بني قريظة العهد ودخول الرسول معهم في حرب، إلاّ أنه يجب أن يؤخذ بعمومه وفق هذه القاعدة.
وهنا أشير إلى فائدة أصولية :
إن (السبب) في هذه القاعدة يعني، (المناسبة التي قيل فيها هذا اللفظ)، ولا يعني (السبب) الذي يكون علة للحكم.
فإذا كان السبب هو المناسبة التي قيل فيها النص، فالعبرة عند ذلك بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومثال ذلك حكم الأنفال، فهو نزل بمناسبة وقوع الخلاف بين الصحابة حول توزيعها. فهذا الحكم ليس خاصاً بأنفال بدر، ولو أنه نزل بسببها، لأن السبب هنا هو المناسبة التي قيل فيها النص.
أما إذا كان السبب هو علة الحكم - وليس المناسبة التي نزل فيها - فالقاعدة الأصولية الثابتة أن (الحكم يدور مع علته) وأنه إذا زال السبب زال حكمه. ومثال ذلك قول ابن القيّم: إن الكتابي إذا قال لك: (السلام عليكم ورحمة الله) فالعدل في التحية يقتضي أن يردّ عليه نظير سلامه، أي تقول له: (وعليكم والسلام ورحمة الله). ولا تكتفي بالقول (وعليكم) لأن هذا القول له سبب وهو أن اليهود كانوا يقولون للمسلمين (السام عليكم) فأمروا بالردّ عليهم بهذا النص (وعليكم). فإذا زال هذا السبب فقالوا: (السلام عليكم ورحمة الله) زال الحكم المذكور، ورجعنا إلى الحكم الأصلي. فالسبب هنا هو علة الحكم وليس فقط المناسبة التي نزل فيها.
3. في حديث أنس بن مالك أن النبي قال: (إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم) [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه].
وفي رواية لمسلم وأبي داود أن أصحاب النبي قالوا له: (إن أهل الكتاب يسلّمون علينا فكيف نرد عليهم؟ قال: وعليكم).
وفي رواية للبخاري قال: مرّ يهودي برسول الله فقال: السام عليك. فقال الرسول : وعليك. ثم قال: أتدرون ماذا قال هذا؟ قال: السام عليك. قالوا يا رسول الله: ألا نقتله؟ قال: لا. إذا سلّم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم.
قال النووي في شرح هذا الحديث : اتفق العلماء على الردّ على أهل الكتاب إذا سلّموا. لكن لا يقال لهم وعليكم السلام، بل يقال عليكم فقط أو وعليكم.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن اليهود عندما قالوا لرسول الله السام عليكم قالت: السام عليكم يا إخوان القردة والخنازير ولعنة الله وغضبه. فقال لها الرسول يا عائشة: مه. لم يدخل الرفق في شيء إلاّ زانه، ولم ينـزع من شيء إلاّ شانه).
نستخلص من هذه الروايات ما يلي :
- أن السلام كان معروفاً بين المسلمين واليهود ابتداءً ورداً باللفظ المعروف.
- أن اليهود حرّفوا كلمة (السلام) إلى (السام) وأصبحوا يبدؤون أو يردون بذلك.
- كان ردّ الفعل الطبيعي منع المسلمين من ابتدائهم بالسلام، ورد تحيّتهم بـ (وعليكم)، فإن ألقوا السلام ردّ عليهم بالسلام. وإن ألقوا السام ردّ عليهم بالسام.
- منع المسلمون أن يردّوا على التحيّة السيئة بأسوأ منها، بل يكتفوا برد السيئة بمثلها كما ورد عن الرسول من نهي عائشة عن الزيادة عندما قالت لهم: وعليكم السام واللعنة. فأمرها أن تكتفي بـ (وعليكم).
- إذا زال السبب - وهو أن أهل الكتاب يقولون للمسلمين (السام عليكم) وجب على المسلمين أن يعودوا إلى الأصل فيبدؤون بالسلام، ويردون التحية بمثلها أو أحسن منها وليس فقط بكلمة (عليكم) لأن الحكم يدور مع علته، وإذا زال سبب الحكم الاستثنائي رجعنا إلى الحكم الأصلي.
4. وحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما (أن النبي مرّ بمجلس فيه أخلاط من اليهود والمسلمين فسلّم عليهم) [رواه البخاري ومسلم والترمذي].
وقد تعسّف بعض العلماء، فقالوا: إنه ينبغي في مثل هذه الحالة أن يقصد بسلامه المسلمين فقط. مع أنه لا يوجد في كل روايات هذا الحديث ما يشير إلى أن الرسول قصد المسلمين فقط بسلامه. وربما دفعهم إلى ذلك الخشية من تساؤل البعض: إذا صحّ جواز السلام على غير المسلمين وهم في مجلس مع المسلمين، فلماذا لا يصح إذا كانوا منفردين؟ وما هو الفرق بين الحالتين؟
5. روى الطبراني في الصغير عن أبي هريرة عن النبي قال: (السلام اسم من أسماء الله تعالى، وضعه في الأرض تحيّة لأهل ديننا، وأماناً لأهل ذمّتنا).
وروى الطبراني في الأوسط والبيهقي عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله يقول: (إن الله عزّ وجلّ جعل السلام تحية لأمّتنا وأماناً لأهل ذمّتنا).
وفي الحديثين ضعف في السند، ولكن تقوّيهما النصوص العامة الكثيرة المذكورة آنفاً. وعمل الكثير من السلف بذلك كما ذكر الشيخ رشيد رضا.
6. في حياة الصحابة الجزء الأول : أخرج أبو يعلى عن حرب بن سريح قال: حدثني رجل من بلعدوية، قال: حدثني جدي، قال: انطلقت إلى المدينة فنزلت الوادي، فإذا رجلان بينهما عنز واحدة، وإذا المشتري يقول للبائع: أحسن مبايعتي. قال: فقلت في نفسي: هذا الهاشمي الذي قد أضلّ الناس، أهو هو؟ قال: فنظرت، فإذا رجل حسن الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين … قال: فدنا منّا (أي الرسول ) فقال: السلام عليكم، فرددنا عليه … إلى آخر الحديث وفيه حوار طويل بين هذا الرجل الكافر وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلَم).
وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء (1/310) عن الطفيل بن أبي كعب أنه كان يأتي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمرر عبد الله بن عمر على سقاط (هو الذي يبيع سقط المتاع) ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلاّ وسلّم عليه. قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوماً فاستتبعني إلى السوق. فقلت: ما تصنع بالسوق، وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟ قال: وأقول، اجلس ها هنا نتحدث، فقال لي عبد الله: إنما نغدو من أجل السلام فسلّم على من لقيت. وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب (ص 148).
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة الباهلي أنه كان يسلّم على كل من لقيه. قال: فما علمت أحداً سبقه بالسلام، إلاّ يهودياً مرة اختبأ له خلف اسطوانة، فخرج فسلّم عليه. فقال له أبو أمامة: ويحك يا يهودي ما حملك على ما صنعت؟ قال له: رأيتك رجلاً تكثر السلام، فعلمت أنه فضل، فأردت أن آخذ منه. فقال له أبو أمامة: ويحك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأماناً لأهل ذمّتنا).
وعند أبي نعيم في الحلية (6/112) عن محمد بن زياد قال: كنت آخذ بيد أبي أمامة، وهو منصرف إلى بيته، فلا يمر على أحد، مسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلاّ قال: سلام عليكم، سلام عليكم.
7. رسائل رسول الله :
- رسالته إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة قبل أن يسلم وقد افتتحها بقوله: سلم أنت ثم دعاه فيها إلى الله وحده لا شريك له. ثم ختمها بقوله: والسلام على من اتبع الهدى
- رسالته إلى أسقف إيلة وأهلها وقد افتتحها بقوله: سلم أنتم، ثم دعاه للإسلام.
- رسالته إلى العباد الاسبذبين وقد افتتحها أيضاً بقوله: سلم أنتم، وقبل هديّتهم، وفصّل لهم واجباتهم وختمها بقوله: والسلام على من اتبع الهدى.
- رسالته إلى الهلال صاحب البحرين افتتحها بقوله: سلم أنت، ثم دعاه إلى الله، وختمها بقوله: والسلام على من اتبع الهدى.
وخلاصة القول :
إن أرجح الأقوال في المذاهب عدم جواز ابتداء أهل الذمة بالسلام. إلاّ أن القول بالجواز قال به جمهور كبير من العلماء حتى داخل كل مذهب.
- نقل ابن عابدين في حاشيته 5/264 عن بعض المشايخ أنه (لا بأس بلا تفصيل) وهو المذكور في الخانيّة. وإن رجّح هو أنه مكروه إلاّ عند وجود الحاجة إليه.
- ونقل النووي في شرح صحيح مسلم 14/145 عن الماوردي (وجهاً لبعض أصحابنا أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام) وقد رجّح النووي التحريم.
- ونقل ابن مفلح في الآداب الشرعية 1/412 عن بعض العلماء القول بعدم التحريم.
وقد روي هذا القول ـ أي عدم التحريم ـ عن ابن عباس وابن مسعود وأبي أمامة وابن محيريز وعمر بن عبد العزيز وسفيان بن عيينة والشعبي والأوزاعي، ونقل القرطبي في تفسيره (11/112) عن الطبري قوله: وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب، كما ذكر القرطبي نفسه عن ابن مسعود أنه فعله بدهقان صحبه في طريقه، قال علقمة: فقلت له: يا أبا بعد الرحمن أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام؟ قال: نعم. ولكن حق الصحبة. كما اختار هذا القول السيد رشيد رضا في (تفسير المنار) والشيخ الشنقيطي في (أضواء البيان).
من كل ما تقدّم نستنتج :1. أن الإسلام يحثّ المسلمين على المبادرة إلى طرح التحية تجاه جميع الناس وبلفظ (السلام عليكم) بدليل أحاديث إفشاء السلام العامة وهي كثيرة وصحيحة.
2. أن الإسـلام يأمر بردّ التحية بأحسـن منها أو مثلهـا حين يبادر الآخـرون بها لقوله تعـالى: {وإذا حيّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها ..}. فإذا ابتدأ الكتابي بالسلام يُردّ عليه بمثله على الأقل.
3. إذا بدأ الآخرون بتحية سيّئة يجوز للمسلم ردّها بمثلها فقط، بدليل قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه حين كان اليهود يبدؤونهم بالقول: (السام عليكم) قولوا: وعليكم.
- ويجوز الصفح عنهم ورد التحية السيئة بأحسن منها لعموم قوله تعالى: { ويدرؤون بالحسنة السيئة} [سورة الرعد، الآية 22]. وقوله في رد التحية: {فحيّوا بأحسن منها ..} وقوله في التعامل مع أهل الحرب: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتهم لهو خير للصابرين } [سورة النحل، الآية 126]. وقوله تعالى: { فاصفح عنهم .. وقل سلام ..} [سورة الزخرف، الآية 19].
- ولا يجوز الزيادة عن المثل في (التحية السيئة) لما ثبت أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يوافق عائشة رضي الله عنها على هذه الزيادة. وذلك في الحديث الصحيح عندما قال اليهود: السام عليكم، فردت عليهم: وعليكم السام واللعنة. فنهاها عن ذلك وأمرها بالرفق وأن تكتفي بالرد: وعليكم. [الرواية متفق عليها].
http://www.onislam.net/arabic/fiqh-a...-11-32-56.html


رد مع اقتباس
