هذه قصة واقعية قد تحصل في كل زمان ومكان تترجم حال الحياة المرير الممزوج بالسعادة والألم في آن معاً. فلا شيء يدوم إلا وجهه عز وجل. لا أريد أن أطيل عليكم. والآن هكذا بدأت القصة:
وجدها، وهو عائد إلى البيت، على حافة الطريق: يا الله! كم أنت جميلة! أخذها بين ذراعيه وراح يضمها إلى صدره ثم ينظر إلى وجهها الأخاذ: ما هذه الخلقة الربانية؟! وجه يقول للبدر تنحّى كي أجلس مكانك، شفتاها السميكتان بلون الورد الأحمر، عيناها الواسعتان بلون السماء الصافية وشعرها الناعم القصير بلون حقول القمح الأشقر، وكأن كل ألوان الطبيعة نسجت خيوطها لتبدع هذا الجمال...
أخذ يناغيها فترد بضحكات خافتة عميقة تشق صمت الليل المخيف... لم يستطع أن يتركها وحيدة، وكأن حنان الدنيا جمع في قلبه ليحضن تلك الطفلة الصغيرة وينقذ حياتها، فيسير بها نحو منزله المتواضع ولسان حاله يقول: ألهذا الحد وصلت القسوة في قلوب البشر؟ هل تحجرت أفئدتهم؟ أيكون لأحدهم قوة بأن يرمي هذا الملاك الطاهر البريء؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! ثم أجهش بالبكاء..........
أمييييي... أمييييي... أخذ ينادي بلهفة ويطرق الباب بقوة... إفتحي يا أمي... أجابته الأم بصوت مضطرب: لقد تأخرت يا بني، قلقت عليك كثيراًُ، ثم فتحت الباب: أنظري ماذا وجدت يا أمي، أنظري... لم تفهم الأم شيئاً... يا لها من طفلة جميلة! طفلة من هذه يا بني؟
لا أدري يا أمي! وجدتها ملقاة على جنب الطريق فخفت عليها وقلت في نفسي لمذا لا تكون فرداً من أسرتنا؟ أنظري إليها يا أمي أليست رائعة؟! ولكن يا بني أنت تعلم أن والدك أصبح عاطلا عن العمل بسبب ذلك الحادث، ولن نستطيع تحمل عبء طفلة بسنها...
ماذا هناك؟ عما تتحدثان ؟ها؟ قالها الأب بنبرة قوية وكأنه سمع أطراف الحديث! أنظر يا أبي... لقد وجدت هذه الطفلة ملقاة على الطريق، فحملتها، و.....
وماذا تنوي أن تفعل بها ؟ها؟ لماذا يجب علي أن أتحمل أخطاء الآخرين دائما؟ أنت ترى أننا لم نعد نملك شيئاً، وكيف أن الحال تسوء بنا يوماً بعد يوم... ألا تفهم؟ ثم أخذ الأب يصرخ بشدة: إذهب وأعدها إلى مكانها من غير أن يراك أحد! هييييا!
تجمد الولد في مكانه-هذا الولد الذي لم يكمل الحادية عشرة من عمره بعد- تجمد الدم في عروقه، تبعثرت الأمور في رأسه، وكاد أن يغمى عليه... ولكن الأب انتشل الطفلة من بين يديه وقال بلهجة شديدة القسوة إن لم تفعل ذلك فسأفعله بنفسي...
عندها انكب الولد على قدمي أبيه يقبلهما وهو يقول: أرجوك يا أبي لا تفعل ذلك، ما ذنب تلك الطفلة البريئة؟ أنتركها للكلاب الشاردة أم للوحوش البشرية؟ أرجوك يا أبي! إنها لم تفعل شيئاً يستحق معاملتها بهذه القسوة، أرجوك يا أبي إنها لا ذنب لها! أرجوك!
ولكن الأب ركل ابنه بعيداً برجله: إبتعد، يكفيني ما أنا فيه من هموم ومشاكل! واتجه نحو الباب... عندها قال الولد بلهجة المتجرئ: إن تفعل ذلك يا أبي فلن ترى وجهي بعد الآن! سأذهب من غير رجعة!
ساد الصمت المنزل ولم يعد يسمع فيه سوى خفق صدر الولد المحروق على هذه الطفلة...