قرر جهاد السفر... ففي الخارج يستطيع أن يعمل ويكمل دراسته في آن معاً، وبذلك يرسل إلى أمه وجميلة كل شهر مبلغاً صغيراً من المال يعينهما على ظروف الحياة القاسية...
وحانت لحظة الوداع التي لا بد منها... لحظة تمنى لو أن الزمن يتوقف عندها، فلا تسبح أرض ولا يدور قمر...
كان يلملم حوائجه على مضض، وأمه كلما وضعت غرضاً في حقيبته تبكي وتقول: سأشتاق لك كثيراً يا بني... لا تطل علينا الفراق.. أرجوك يا ولدي... لم يعد لي في هذه الدنيا سواك... أنت تعلم كيف تخلى عنا الجميع وتركونا نواجه مصيرنا المؤلم لوحدنا... إنتبه لنفسك يا ولدي...
لا تقلقي يا أمي... فأنا لم أعد صغيراً... لقد علمتني الحياة الكثير... تعلمت كيف أخوض معتركها بصبر وقوة... أرجوك لا تبكي، فإن كل دمعة تذرفينها تخط في قلبي جرحاً عميقاً... أرجوك... ثم أمسك يدها وأخذ يقبلها... لن أنساك يا أمي ما حييت... أطلبي لي العون من الله...
بالمناسبة! أين جميلة؟... إنها في المطبخ... حسن سوف أخرج معها قليلاً ثم أعود...
وخرج جهاد مع جميلة بنت الثمانية أعوام إلى كرم قريب من المزل.. كان يمسك بيدها ويشد عليها أما هي فآخذة بالتأرجح من الفرح... جلسا على صخرة... وضعها على فخذه وراح يلمس على شعرها الناعم الأشقر الطويل!... بعد قليل سأرحل يا عزيزتي... ستشتاقين لي، أليس كذلك؟!
لماذا لا تأخذني معك؟ ردت جميلة بسذاجة وكأنها لم تفهم معنى ما يقوله جهاد... أنا مسافر إلى بلاد بعييييييييدة، ولن أستطيع اصطحابك فأنت ما زلت صغيرة... إذاً انتظرني حتى أكبر ثم نسافر سويةً...
هاهاهاهاها... كم أنت بريئة يا جميلة... غداً تكبرين وتتزوجين وتنسي أنه كان لك أخ اسمه جهاد...فأنا لن أعود قبل تسع أو عشر سنوات!... لا، لا تقل ذلك يا أخي... فأنا لا أحب غيرك، لماذا لا تتزوجني أنت؟!...
هاهاهاهاها... حقاً ما زلت طفلة! إن الأخ لا يتزوج أخته يا عزيزتي!... إممممممم... فهمت... إذاً، سأنتظرك هنا.. وكل يوم سوف أفتح النافذة ليلاً وأناجي القمر... إنه يشبهك... هل ستسمعني؟...
أنا مهما بعدت عنك يا حبيبتي فأنت في قلبي لن تفارقيه ولا لحظة... حتى لو تحدثت في سرك فإني سأمعك...نزلت جميلة عن فخذه وراحت تقطف بعض الأزهار وهو ينظر إليها... إلى هذه الطفولة والبراءة التي ملأت قلبه سعادة... كان يتأملها ويرقب حركاتها وسكناتها وكأنه يريد أن يطبع آخر صورة لها في قلبه...
أحس أن جميلة أضحت رئته التي يتنفس بها وقلبه الذي ينبض... صعب عليّ فراقك يا عزيزتي... ركض نحوها وهو يصرخ: جميييييييييييييييييييله... ثم حملها وراح يدور بها... أحبك... أحبك... أحبك...
خذ هذه الأزهار يا أخي لكي تتذكرني كلما نظرت إليها... فسال الدمع من عينيه مدراراً... إنه دمع ممزوج بضحك وبكاء في آن معاً...
وهكذا سافر جهاد ولم ينس أن يأخذ معه باقة الزهور التي أهدتها إليه جميلة... كان يرى في هذه الأزهار لون عينيها ووجنتيها وشفتيها وشعرها... ولكن تبقى جميلة هي الأجمل ورائحتها هي الأزكى...