ها قد انقضت ثلاثة أشهر بأيامها ولياليها وجهاد ما زال يبحث عن جميلة... وفي صباح أحد الأيام ... تصله رسالة ... يا إلهي إنها من المستشفى... كانت رسالة تحذير ....


إن المهلة المسموحة بالغياب عن التدريب العملي (الإجازة) قد انتهت فإن لم تعاود التدريب في غضون خمسة أيام فستضطر المستشفى إلى إلغائك من الفصل الحالي


كان وقع الرسالة شديداً جداً على جهاد ... الآن هو مخير بين أمرين أحلاهما مرّ... كيف سيعود من دون جميلة؟! كيف سيبقى ويضيع على نفسه فصلاً بأكمله؟! وقع جهاد في حيرة كبيرة من أمره ...

استشار أم إحسان فنصحته بالسفر... صلى صلاة الاستخارة ثم وكل أمره إلى الله ... ودّع أم إحسان ولم ينس أن يزور الصخرة التي كان عليها آخر لقاء له بجميلة وهي بنت ثمان سنين ... تذكر ذلك اللقاء بكل حذافيره وكأنه يعيشه مرّةً أخرى ... صار الدمع يسيل من عينيه بغير قصد ... لقد فقد كل شيء ... كانت آماله تكبر ... أما الآن ... فلقد تبددت كل أحلامه ... فلم يعد مبالياً بشيء... لم يعد هناك ما يضحك ... لم يعد هناك ما يبكي ... لم يعد هناك ما يفرح ... لم يعد هناك ما يؤلم ... حلو الحياة ومرّها صار عنده سيّان...


وصل جهاد إلى أمريكا قبل انقضاء المهلة التحذيرية ... كانت تنتظره هناك أيضاً هموم كثيرة ولكن من نوع آخر ...


كانت جميلة في تلك الأثناء تتلقى العلاج في نفس المشفى الذي يدرس فيه جهاد ... كان الرجل الطيب قد حجز لها في أفضل غرفة على الإطلاق ولم تغادرها زوجته مطلقاً... كانت تعتني بها وترعاها رعايةً تامّة ... أما جميلة المسكينة فلم تكن تبد تحسناً... كانت المهدآت تجعلها تنام نوماً عميقاً... ولكنها عندما تستيقظ ... لم تكن تع شيئاً ... كانت لا تتقبل أحداً ... تصرخ بوجه الجميع ... ثم إن النوبات العصبية القوية كانت تتكرر معها كثيراً... كانت نوبات أشبه بالجنون...


وهنا كانت الصدفة بأن الطبيب الذي يعالج جميلة هو نفسه الطبيب الذي يدرس جهاد على يديه في هذا الفصل... فجهاد كان قد اختار طب الأمراض العصبية كاختصاص له...

كان جهاد يطّلع على ملفات المرضى لديه ويعاينهم برفقة الطبيب ليدرس حالاتهم ويتابع طريقته في العلاج...


كان الطبيب سعيداً جداً من أداء جهاد واستيعابه السريع وقدرته على الحفظ والتركيز والفهم والتشخيص... فأطلعه على جميع حالات المرضى لديه ... قال له يوماً لقد وصلتنا مؤخراً حالة من أصعب الحالات العصبية التي مرّت عليّ... إنها بنت في مقتبل العمر ... والداها في عمر متقدم وليس لديهما سواها... قالا أنها فجأةً وقعت في أزمة عصبية ولم يعلما لماذا... ما زالت إلى الآن حالتها غامضة قليلاً بالنسبة لي... فقد مضى ما يقارب الثلاثة أشهر على علاجها ولكنها لا تبدي أي تحسّن... دعنا نذهب لنعاينها...


دخل جهاد برفقة الطبيب إلى غرفتها ... كانت جالسة ولكنها في حالة من الارتعاش والرجل الطيب وزوجته بجانبها ...


مرحباً! كيف هي الآن؟! ... سأل الطبيب ... أما جهاد فما إن نظر إليها حتى اضطربت نفسه... ولم يعد يستطيع أن يبعد عينيه عنها... يا إلهي ... إنها تشبهها... نعم تشبهها كثيراً ... هذه عيناها ... هذا أنفها ... هذا فمها ... نعم إنها هي... لا ... ماذا حلّ بي ... لا بد أني أتوهم ... لقد سلبت جميلة مخيلتي ... اللعنة على الشيطان ...


اقترب الطبيب منها وأمسك بيدها وأخذ يسألها بعض الأسئلة... عندها بدأ الارتعاش بالتطور ... وقف جهاد مصدوماً ... بدأت بالصراخ وانتفضت من الفراش محاولة الهرب ... حينها أشار الطبيب إلى جهاد بإمساكها من اليد الأخرى ففعل ... أمسك الرجل الطيب بقدميها ... أما زوجته فنادت على عدد من الممرضين والممرضات ... كان الجميع في حالة استنفار ... فجميلة تصرخ بشدة ... وتقاوم بكل قوتها ... محاولة نزع يديها ورجليها ... كانت تدير رأسها يمنةً ويسرةً ... وإذ بجهاد يلمح في عنقها شامة بشكل زهرة تماماً كالتي في عنق جميلة ... ومن دون أن يشعر صاح بصوت عال جميلة... جميلة... وهنا توقفت جميلة عن الحركة ... كانت صدمةً لها فمنذ فترة طويلة لم ينادها أحد بهذا الاسم... أخذت تنظر إليه نظرات استغراب ...وساد الصمت المكان... لم يدر أحد لماذا؟!!!!!!!!!!

وللقصة تتمة