السلام عليكم
وبارك الله بالكاتب والناقل..
لا شك في أن "الغربة" واضحة جلية في هذا العصر، خصوصاً بعد "إنهيار" الدولة الإسلامية التي تحكم بشريعة الله في أرضه، اثر سقوط ملك بني عثمان..فالإسلام بدأ غريباً أول الأمر، وكان المشركون الأوائل يعارضون شرع الله ويتهكمون به ويحاربونه، لأن أهواءهم لم ترتضه، و كانوا يعطون الحجج بمخالفته لما تركهم عليه آباءهم و غير ذلك من الباطل...كان لا بد من إستعراضٍ تاريخي بادئ ذي بدء، لكي يفهم القارئ المبتدئ كيف كان الحال أول الأمر، ثم في وسطه وصولاً إلى يومنا هذا..ولماذا يخاف الكثيرون من كلمة تطبيق الشريعة، وما ذلك إلا لما رضعه الكثيرون من لبان الغرب وأفكاره، فأثمر إنحرافاً في طريقة التفكير وضياعاً مستمراً، نسأل الله الهداية..
{"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، هذا أثر معروف عن عثمان -رضي الله عنه-، وثابت عن عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث -رضي الله عنه-، ويروى عن عمر أيضاً -رضي الله عنه-: (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، معناه يمنع بالسلطان باقتراف المحارم، أكثر ما يمنع بالقرآن؛ لأن بعض الناس ضعيف الإيمان لا تؤثر فيه زواجر القرآن، ونهي القرآن، بل يقدم على المحارم ولا يبالي، لكن متى علم أن هناك عقوبة من السلطان، ارتدع، خاف من العقوبة السلطانية، فالله يزع بالسلطان يعني عقوبات السلطان، يزع بها بعض المجرمين أكثر مما يزعهم بالقرآن لضعف إيمانهم، وقلة خوفهم من الله -سبحانه وتعالى-، ولكنهم يخافون من السلطان لئلا يفتنهم، أو يضربهم، أو ينسَّلهم أموالاً، أو ينفيهم من البلاد، فهم يخافون ذلك، فينزجرون من بعض المنكرات التي يخشون عقوبة السلطان فيها، وإيمانهم ضعيف، فلا ينزجرون بزواجر القرآن ونواهي القرآن؛ لضعف الإيمان وقلة البصيرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله"} (منقول عن موقع إبن باز)
فلو كان للمسلمين قوةً مادية، وكان يحكمهم السلطان القوي، لخضع الجميع بلا إستثناء، خوفاً ورهبةً من العقاب..لكن اليوم الوضع مختلف، فالمسلمون يعانون من ضعفٍ على جميع الأصعدة، وابرزها العسكري (بسبب تركهم فريضة الإعداد والجهاد)، لذلك نجد حتى سفلة القوم من العلمانيين واليساريين والليبراليين يتهجمون على دين الإسلام بشكل واضح وصراحة لا خوف فيها، وما ذلك إلا لاطمئنانهم بأنهم غير محاسبين، ومحميين من قوى الأمر الواقع المجرمة أي الغرب بكل ما يعنيه من طغيانٍ إقتصادي وإعلامي وعسكري..وهنا مربط الفرس..
ولعل أبرز ما شدني في هذا المقال، قول الأخ الكاتب " ترك الإلزام بالشريعة في زماننا والسكوت عن القوانين الوضعية وعدم السعي المباشر لتغييرها أكثره بسبب المفسدة المتوقَّعة من مثل هذا السعي سواء من نفرة داخلية أو ضغط دولي خارجي"، وهنا الكلام في الصميم، فالنفرة الداخلية من المنحرفين بكافة اطيافهم تحميها (أي النفرة) الضغوط الدولية، فالمجتمع الدولي وقانونه الطاغوتي لا يسمح بتطبيق شريعة الله الكاملة، ويقبل بذلك في بعض الأحكام فقط دون غيرها، كبعض القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية (زواج، طلاق، إلخ)..أما محاكمة الذين يشتمون الإله أو الدين أو مرتكبي الفواحش، ولو بأحكام زاجرة مخالفة للشريعة، فممنوع تحت مسمى الحرية الشخصية وحرية التعبير..وإن كنا نرى بعض الاستثناءت من بعض الدول "المدللة أمريكياً" كدولة آل سعود والتي تطبق فيها بعض الأحكام الشرعية على "الشعب حصراً" ويستثنى من ذلك حاشية ملكهم، تماماً كما كان يفعل بنوا إسرائيل، وليس ذلك لأن أمريكا أو الغرب راضون بذلك في جزأٍ من جزيرة العرب، لا أبداً، بل لأن الأمريكان يعملون بقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" ويزيدون عليها "من أجل النفط"..
وبما أن الأخ أورد الأمثلة الواقعية في بداية مقاله، أحببت أن أعطي مثلاً واقعياً حدث منذ بضعة أيام..فقد تم إنفصال مالي الشمالية عن مالي الجنوبية، وأعلن الأزواد (قبائل، منطقة ازواد تمتد على مساحة توازي مساحة فرنسا وبلجيكا مجتمعتين، هي مهد الطوارق في شمالي مالي) إستقلال الشمال..وأعلنت مجموعات تطلق على نفسها إسم أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد بدء تطبيق الشريعة الإسلامية في المناطق المحررة، وبدأ بالفعل التطبيق "المتدرج" (بمعنى الابلاغ ثم التنفيذ)، ورأينا فيما بعد رمي الخمور وإلزام المسلمات بالحجاب وغيره، وقبل ذلك كله "معركة" كسب قلوب الناس..لكن المفاجئ كان خروج وزير خارجية فرنسا وإعلانه التحذير من الخطر الاسلامي !! طبعاً لأنه يعرف جيداً أن الاسلام إذا أعيد احيائه في قلوب المسلمين فسيؤدي ذلك إلى تحرير الكثير من البلدان التابعة سياسياً له ولدولته..
أقول: الخطر الحقيقي الذي يواجه المسلمين اليوم بعد هذه الثورات، هو خطر بعض الجماعات المنتسبة للإسلام، وبعض المصطلحات والمفاهيم التي يحاولون نشرها و "شرعنتها" بين الناس..وأخطر تلك المصطلحات مصطلح "الديمقراطية"، التي تتعارض مع الاسلام ولا تلتقي معه، لأنها تساوي بين التشريعات الإسلامية والغير إسلامية، بل تجعل التشريع للبشر، وأيضاً تجعله عرضةً للمناقشة !! وهنا الخطر على أمة الإسلام (أعزها الله)، فكم وكم التقي بكثير من الشباب المسلم المثقف ممن يستعمل هذه الكلمة كأنها من الوحي!! وإذا أنكرت عليه غضب وكشر واتهمك بالغلو، وضرب لك أمثالاً وأسماءً ممن يستعملونها !! نعوذ بالله من الضلال..وأيضاً نجد مصطلح الوحدة الوطنية، وكم أغوت من مفكرين ومنظرين، وجعلتهم يطلقون على "العلماني والليبرالي والشيوعي" صفة الشريك والأخ وووو!!!!!! فكم نحن اليوم بحاجةٍ لإصلاح المفاهيم في معركة من أهم المعارك، ألا وهي معركة البلاغ، من أجل أن لا تصبح هذه المصطلحات أمراً واقعاً سيحيجنا فيما بعد لثورات جديدة، بل أخطر من ذلك، ربما مواجهة داخلية في وقت نحتاج فيه إلى اللحمة والاعتصام كي نعيد أمجادنا وعزتنا..فنحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام..
وختاماً، لا بد أن نعرف أن الكفار والمشركين من قوى الطغيان العالمي، لن يقبلوا أبداً بتطبيق شرع الله...وإن قبلوا بتطبيق بعض الأحكام فما ذلك إلا لمصلحة ظرفية أو مكانية، أما التطبيق الكامل أي "الدين كله لله" فلن يقبلوا بذلك أبداً، وعندما أقول "الدين كله لله" أعني شمولية ذلك في كل مناحي الحياة (إجتماعياً،سياسياً،عسكرياً،إقتصادياً...) فذلك من المحال عندهم (أخزاهم الله)..ولكن كلٌ يريد، والله يفعل ما يريد، فإن الله ناصر دينه وكتابه ورسوله...
والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد..


رد مع اقتباس
