زكي محفوض الحياة - 03/08/07//

أمي خيّاطة ماهرة. ما إن تخرّجت من معهد للبنات، مطلع أربعينات القرن الماضي، حتى «هجم نصيبها» وتزوّجت... أبي، بالطبع! وتغرّبا في أميركا. وهناك، ظلّت تخيط لنا ثياباً، أختي الكبيرة وأختي الصغيرة وأنا. ونمّت ذوقاً رفيعاً، تشهد له الدهشة التي كان يبديها الجيران والغرباء أمام ابتكاراتها.

أتذكر الآن دمى بين يديها، تخلع عنّا زيّاً لتلبسنا زيّاً آخر. وما زلنا نذكر دوران العجلة، وتموّج قدميها على الدواسة، وخرير الماكنة، من نوع «سنجر»، التي اشتراها لها أبي، لتمضي أوقاتها في غربتهما، في أرض التكنولوجيا وبرنامج «باوربوينت».

وها هي الآن شيخة جليلة متقاعدة، تصنع الطعام اللذيذ لأولادها... والمحبة لأحفادها. وحرصاً منها على معاملتنا بالتساوي، قسّمت براعتها في الخياطة، كميراث، علينا ثلاثتنا. فكان حسّ التفصيل من نصيبي. وفازت أختي الكبيرة برفعة الذوق. وأما أختي الصغيرة فأخذت عنها الصبر والقدرة على تحمّل «وخز الإبر».

للوهلة الأولى، بدا لي أن كشف جوانب خصوصية لحياة أم وأولادها، لا يصحّ للاحتفال بـ «عيد» لبرنامج كومبيوتر! إلاّ أن تجربتي مع برنامج «باوربوينت» بالذات، دعتني أستعيد هذه التفاصيل لعلّها كانت السبب وراء مشاركتي في الاحتفاء به، في مناسبة مرور عشرين سنة على ظهوره. فأنا، حتى الآن، أجهل كيف توصّلتُ إلى استخدامه.

عندما بلغتُ المرحلة الثانوية في المدرسة عام 1977، أي قبل ولادة «باوربوينت» بعقد، استهواني عرض البحوث التي تُطلب منّا في مختلف المقررات. فأنسى الدرس وأنكب على تجميع المعلومات الضرورية والصور المناسبة.

ساعات كنت أقضيها أقصّ صور الشخصيات والحيوانات والمعالم الطبيعية والعمرانية من المجلات والروزنامات وحتى من بعض الكتب... لألصقها، بالصمغ، على لوح من الورق المقوّى. ثم أكتب التعلقيات تحت الأشكال والرموز لتوضيحها. وعند العرض، كنت وزملائي نشرح ونشير إلى الألواح، وندعم أقوالنا بالنصوص.

ومع الوقت، تجمّعت لديّ «عدّة شغل» مؤلّفة من مقصّ وفرشاة لمدّ الصمغ، وعلبة صمغ، وشريط لاصق من جانبين، وأقلام عريضة للكتابة ورفيعة لتأطير الأحرف، وممحاة، وأقلام تلوين، وقارورة «سْبراي» لتثبيت الشعر، أستخدمها لتثبيت الألوان... وكنت أضع تلك الأدوات في علبة أحذية، اعتنيت في تزيينها من الخارج. وتكدّست عندي أيضاً مئات المجلات والكتب «الناقصة»، كمراجع للصور.

في ذلك الوقت، لم يخطر لي أني ورثتُ هذا الشغف عن أمي، مع أن ملكتي كانت في استخدام المقصّ وتنسيق الأجزاء وجمعها. وهذا من صلب الخياطة، لكني لم أكن أحفل بذلك، يومها.

لحقني هوى التفصيل والتوليف إلى الجامعة. ووجدتُ أن صيتي سبقني إلى قاعة الصف، حين اكتشفتُ أن زميلاً في المدرسة أشار الي بإصبعه، عندما طلب الأستاذ تقديم بحث في الفيزياء حول «قانون نيوتن».

حين وقفت بين أفراد فريق البحث أمام الزملاء الآخرين، كنت معتزاً بالـ «اسكتش» التمثيلي الذي حضّرناه عن التفاحة التي سقطت ذات يوم، على رأس العالم اسحق نيوتن، ما جذبه إلى دراسة أسس الجاذبية والقوى المتجاذبة.

لكنّ عرض الفريق الآخر أصابني بخيبة. فقد نفّذوا بحثهم على شرائح شفافة (سلايد). انطفأت أنوار القاعة، وتعاقبت الشرائح على شاشة بيضاء، منطلقة من عدسة البروجكتور. وتنقّل الزملاء بين الكلمات والرسوم والصور، فبدوا ككائنات مرقّطة بالأنوار تؤدي رقصة جميلة. لم تدم صدمتي كثيراً. صرت أنفّذ الألواح كالعادة، ثم أصوّرها بالكاميرا، وأعمد إلى تظهيرها على شرائح شفافة.

بعد التخرّج، احتفظت بعلبة العدّة، لكن الأدوات أصيبت بالصدأ والنشاف والبلى، فمعترك العمل لم يتح لي مجالاً لأمارس شغفي الذي كاد أن يطويه النسيان، لولا «باوربوينت».

تعرّفتُ إليه صدفة، عام 1994، في أحد المؤتمرات في بيروت، حين عمد المحاضر الأجنبي الى وصل الكومبيوتر ببروجكتور، وراح يشرح، مثلما كنّا نفعل أيام الدراسة، أمام خلفية ردّت الروح إلى شغفي. خلفية، مزيّنة، منمّقة، دقيقة، ألوانها تشعّ، وغنية بالصور والمخططات والبيانات.

بصعوبة كبيرة استرجعتُ «خبرتي» لأكتشف أن ذلك لم يُصنع يدوياً، كان واضحاً تدخّل الكومبيوتر في التفاصيل، من ناحية الرسوم والمخططات والنصوص المطبوعة، لكنّ جمع العناصر بقي يحيّرني، حتى باح لي المحاضر بالسر: «باوربوينت»، همس ومضى.

المضحك أن البرنامج كان ضمن مجموعة «ويندوز أوفيس» التي أقتنيتها، ولم أدرِ بوجوده. وقتها، كنت أتذمّر (ولا أزال) من أننا، كمستخدمين، ندفع ثمن تطبيقات من «مايكروسوفت ويندوز» لا حاجة لنا إليها.

شغّلتُ «باوربوينت»، فوجدت نفسي أعمل عليه بـ «طلاقة». بقيت أجهل كيف يُستعمل لأني لم أتلقَّ تدريباً. وعندما انفتحت صفحته الأولى، شعرت بأن أدواته تختصر لوح الورق المقوّى والوسائل التي كانت في علبة «عدّة الشغل». لكنّ أدواته نظيفة، فلا يداي تتلطّخان بالصمغ ولا ظهري يُقصم من كنس القصاصات التي يخلّفها قص الورق. والنصوص تُكتب على لوحة المفاتيح وأشكال الأحرف كثيرة... وأما الصور والخلفيات والزخارف والرموز والعلامات والإشارات فلا تحصى، منها الجاهز ومنها ما يمكن إعداده بسهولة.

شغّلت «باوربوينت» ووجدت صفحة بيضاء تنتظرني لأملأها، فملأتها، معتمداً على ما يقترحه عليّ. حفظتُ الملف، وطلبتُ من البرنامج عرضه في شكل متواصل، كالسلايد، ففعل... وهكذا بدأت قصّتي معه. ومن حسنات «باوربوينت» أن كثيرين يحسنون استعماله، كثيرين لم تكن أمهاتهم خيّاطات، ولم يرثوا ميزة (أو شيئاً) عن أهلهم.

ومن حسناته الأخرى أنه ليس من البرامج الأصيلة لشركة «مايكروسوفت». فقد شكّل أول مقتنياتها، حين ابتاعته عام 1988، مقابل 14 مليون دولار. ابتكره بوب غاسكينز ليعمل في بيئة «ماكنتوش»، ولم تنجح صاحبته الجديدة في إطلاق نسخة لبيئة «ويندوز»، إلاّ بعد ثلاث سنوات على تلك الصفقة.