يتابع الاستاذ أبو الأعلى المودودي فيقول في كلام ماتع ودقيق:

( وماذا عسى أن يحصل إذا قضيتم على الإستعمار قضاء؟ لا يحصل سوى أن ترتفع عن أمة ألوهية أمة أخرى. ولكن هل يبدأ بعد هذا دور الأمن و الرفاهية و السعادة في الأرض؟ وهل إن الإنسان يتمتع بالطمأنينة إذا كانت الأمة تصبح إله نفسها ؟ ( قلت : أرجو أن يتذكر الإخوة أن هذا الكلام من الأستاذ الكبير يوجهه إلى المسلمين الهنود في الفترة التي كانوا يعانون فيها من الإحتلال البريطاني !!! )

وماذا عسى أن يحصل إذا قطعتم دابر الرأسمالية ؟ لا يحصل سوى أن يتحرر عامة الناس الكادحين من نير ألوهية الطبقات الغنية المترفة و يصبحوا عبيدا لآلهة لا يتخذهم إلا هم أنفسهم. ولكن هل ينال الإنسان بهذا نعم الحرية و العدالة و الأمن و الطمأنينة؟ وهل إن هذه النعم حاصلة للإنسان إذا كان لا يحكم إلا الآلهة الذين اتخذهم العمال أنفسهم ؟

إن أفضل غاية يمكن أن يعرضها على الإنسانية المنكرون لسيادة الله و حاكميته ، ليس إلا أن تقوم في الأرض ديمقراطية كاملة أي أن يكون الناس حكاما لأنفسهم لتحقيق مطالبهم و مصالحهم ، و لكن بقطع النظر عما إن كان ظهور هذه الحالة في الدنيا ممكنا أم غير ممكن ، فهذا سؤال مهم جدير بأن نطيل فيه التفكير ، وهو إن حالة كهذه لئن ظهرت في مكان من الأرض على سبيل الإفتراض ، فهل إن الإنسان في هذه الجنة الخيالية يتحرر حتى من عبادة شيطان نفسه أي من عبادة ذلك الإله الجاهل السفيه الذي ليس عنده لتنفيذ ألوهيته العلم و لا الحكمة و لا العدل و لا الصدق ، و إنما عنده الأهواء ، لا الأهواء العادية و لكن الأهواء الغاشمة العمياء.

وبإختصار ، فما خلاصة كل ما يقترح في الدنيا اليوم من الحلول لمصائب الإنسان و كوارثه و مشاكله ، إلا أن تنتزع الألوهية أو الحاكمية من أيدي فريق من الناس و تسلم إلى أيدي فريق آخر منهم. وما ذلك بإزالة للمصيبة و إنما هو تحويل لها ، و معناه أن لا يأتي سيل المصيبة من الجهة التي ما زال آتيا منها حتى الآن، بل يأتي من جهة غيرها. وهذا إن جاز أن يسمى حلا فإنما هو حل كاستبدال حمى الدق بالسرطان ، فإن كان مقصودكم مجرد أن تزيلوا حمى الدق ، فقد نجحتم ولا شك ، وأما إن كان مقصودكم أن تنقذوا النفس الإنسانية من براثن الموت ، فإنكم ما لقيتم نجاحا بتغيير رسالة للموت برسالة أخرى للموت .

وسواء أصار الإنسان إلها لأحد غيره أو اعترف بألوهية أحد غيره أو صار إلها لنفسه ، فإن سبب الهلاك و الخسران الحقيقي يبقى قائما كما هو في كل هذه الصور ، لأن من ليس بملك في واقع الأمر إذا ادعى أنه ملك ، وأن من هو عبد منقاد في واقع الأمر إذا زعم نفسه متمكنا من منصب السيادة و الألوهية ، وأن من هو تابع ورعية مسؤولة ، إذا ظن نفسه حاكما مطاعا مستقلا بأمره لا تبعة عليه و لا يسأل عما يفعل ، فإن ادعاءه أو زعمه أو ظنه هذا لن يعدو ، في واقع الأمر ، أن يكون وهما باطلا ، ولا بد أن تبقى الحقيقة ثابتة كما هي الآن ، فيبقى الإله من هو الإله الآن ، و يبقى العبد من هو العبد الآن.
إلا أن العبد حين يرفع بناء حياته على أساس هذا الوهم الباطل العظيم أي على أساس أنه الحاكم الأعلى ، و حين يعمل في هذه الدنيا معتقدا أن ليس هناك فوقه حاكم هو مسؤول بين يديه ولا بد له من نيل مرضاته في أمره و نهيه ، فلا جرم أن يكون بناء حياته باطلا من أساسه إلى ذروته ولن يكون البحث فيه عن الصحة و الصدق إلا ضربا من السفاهة و الحماقة .

وكيف لعقل الإنسان يا ترى ، أن يقبل المبدأ القائل بأن يكون الخلق لأحد و الأمر لغيره ؟ أن يكون الخالق و المربي أحد و ينفذ الأمر لغيره ؟ أن تكون المملكة لأحد و يكون المالك غيره !

كلا ، بل الذي خلق الإنسان ، و الذي جعل هذه الأرض قرارا و مسكنا للإنسان ، و الذي يربي الإنسان بهوائه و مائه و نوره و حرارته و سائر ما أودع في هذا الكون من مرافق العيش و لوازم الحياة ، و الذي إن قدرته محيطة بالإنسان و بكل هذه الأرض التي يعيش الإنسان على وجهها ، و الذي لا قبل للإنسان بأن يخرج من حيطة قدرته بحال ، هو الذي يجب أن يكون مالكا للإنسان و لهذه الأرض ، و أن يكون هو الإله و الرب و يكون هو الملك و الحاكم بحكم العقل و الفطرة ، و أي واحد غيره يستحق الحكم و السيادة في هذه الأرض التي ما خلقها إلا هو ؟ وكيف لمملوك أن يقول أنه مالك لمماليك مثله ؟ و أي واحد غير الصانع عسى أن تجوز له ملكية صنائعه ؟ ومن عنده من القدرة و العلم و الحكمة ما يجعله مستحقا لتنفيذ حكمه و إرادته في هذه المملكة ؟
و إذا كان الإنسان لا يعترف بحاكمية مالك هذه المملكة الحقيقي و يعترف بحاكمية أحد غيره ، أو يدعي الحاكمية لنفسه ، فإن ذلك مخالف للأمر الواقع صراحة و باطل أساسيا و بهتان عظيم لا بهتان بعده ، بهتان يفنده كل شيء في الأرض و السماوات في كل حين .
فبدعوى كاذبة كهذه و طاعة باطلة كهذه لا يحدث في حقيقة الأمر الواقع فرق ولا قيد شعرة ، و لا بد أن يبقى المالك هو المالك ، و الملك و الحاكم هو الملك و الحاكم ، بيد أن الحياة لا بد أن تفسد على نفس ذلك الإنسان الذي يحمل و يسعى في هذه المملكة معترفا بالحاكمية لغير مالكها الحقيقي أو مدعيا إياها لنفسه. و ذلك أن ليست الحقيقة بمفتقرة في كونها حقيقة إلى أن تدركوها ، ولكنكم أنتم الذي تفتقرون إلى أن تدركوها ثم تجعلوا عملكم و سعيكم متفقا معها مفرغا في قالبها. أما إن كنتم لا تشعرون بالحقيقة و تزعمون عن شيء باطل أنه هو الحقيقة ، فإنكم لا تضرون بذلك إلا أنفسكم و لا تحدثون فرقا في الحقيقة ذاتها . )

يتبع إن شاء الله