في ذكرى إستشهادك أيها العملاق أستميحك عذرا وأرجوك بإلحاح أن تغفر صفاقتي ! سأغمس ريشتي في حبر تافه لأكتب عنك ! أنت الذي لم تغمس ريشتك يوما في غير الدم و لم تسطر يوما واحدا كلمة لم تتغذى من لحمك ! لذلك كله أنت اليوم حي بيننا ، تعيش في علياء الجنان وتخرج أنفاسك الحرة حرة تدفئ قلوبنا و أرواحنا في زمن الجليد !
ها هي ذكراك الواحدة و الأربعون تمر وأنت متكئ هناك في الظلال إلى جذع نخلة ، الحور من حولك تصدح بنشيد التوحيد ، وعيناك الساحرتان ترمقان بلهفة أفق الجنان تبحثان عبثا عن طيف الزاوية التي حبست فيها تلك الليلة ! حيث دماؤك السخية الزكية النابضة بالأريج الثائرة على النتن!
في تلك الليلة كنت تقرأ في سجل أيامك ، تكتب فيه آخر سطورك و تطويه في هدوء بسبابتك الطاهرة و ابتسامتك الآسرة ، مستفزا وإلى اليوم عشاق النتن الثائرين على الطهر !
ذكراك أيها الشهيد عبق يطهر خواطرنا ولو لبعض الوقت ، قبل أن ترتد سريعا إلى مستنقعها الراكد الحامل للخبث !
في ذكراك أمل جديد نقتبسه من طيف ابتسامتك الهازئة بالأهوال ، نودعه مهجنا و نستنزل به جود عطايانا وتضحياتنا ! ألست أنت من بذل نفسه رخيصة لئلا يتحكم هؤلاء العبيد برقابنا ؟! فأسقطت بالدم مذاهب العهر و العربدة ، لترتفع رايات النقاء و الصفاء تخفق حيث لا يتوقعها أحد ! تخرج من الجبال و الوديان و الأقاصي و المؤسسات و المدن ، تباغت الماكرين المستكبرين ، تصفعهم ، تلتف حول أعناقهم لتستنزف حسراتهم و تخنقهم بها !
في ذكراك تهز الحروف أرواحنا كما لم تهزها من قبل ، فيتساقط رطبها جنيا نديا يطفئ ظمأ هواجرنا !
ذكراك أيها الشهيد ذاكرة لموحد عارف يتطلع كل يوم إلى السماء بشوق جارف !
ماذا عساي أقول و قد قلت أنت كل شيء وإسترحت هناك في العلياء ترمقنا بصمتك المهيب ! ليت شعري إذا تحدثت فأنت متدفق و إذا صمتت فأنت هادر ! فأين المفر؟!
ما هذا السحر الذي يكتسح شواطئ عينين تغمرهما الدموع العابقة؟ وأي أفق واسع يبدو للواقفين على صخوره يتطلعون بعشق إلى أطرافه المترامية؟!
تبحر المعاني في صفحة مقلتيك لتنصب بلا برزخ بين دفتي كتبك ، فنتعلق بها خوفا من الغرق في زمن العواصف الهائجة!
قل لي أيها الشهيد من أنت؟ عرفتك منذ صغري أتفيأ ظلالك و أسترشد بمعالمك. و أستمتع بخصائصك و مقوماتك. لكنني أحس أنني لازلت أجهل من ذاتك الكثير ! ربما كنت أنت السبب يوم حرصت على أن يكون قلمك نجما لا يدل عليك!
فإني كنت كلما اقتربت من دروب كلماتك ، أبتعد بها عن تضاريس شخصيتك أكثر. فهل هو درس آخر من دروس التجرد تمليه للواقفين عند شواطئ عينيك؟!
في ذكراك تطوي الكلمات أجنحتها ، تصطف على أعواد الصمت تنتظر بيانك الساحر! فماذا أنت قائل؟!
أم تراك ستصمت اليوم فتتركنا لتداعيات سطورك الملتهبة تفعل فعلها في نفوسنا! هكذا هو صمتك بين الكلمات و هكذا أنت اليوم في ذكرى رحيلك!
نادرة هي تلك الرسائل التي تخلع مع كل سطر فيها قطعة من رداء ألفاظها السابغ ، تكشف جديدا من جسد معانيها البض المكتنز . تدغدغ ذكورة عزائمنا ، تضرم في داخلنا الحرائق و تسكرنا برائحة فائحة منبعثة من ثناياها !
هذا هو الفارق حقا بين كلماتك الصادقة الجريئة ، الكاسية العارية ، وبين غيرها من الكلمات التي تأخذ برخصة الجلباب!
نعاهدك يا عاشق التوحيد أن نبقى حيث تكون كلماتك ، نرتعش بها و ندور معها ، و نغرف من بيانك لنرمي به في وجوه القوم ، نطهر بنار العشق نجاساتهم و نؤسس لاستخلاف المستضعفين!


رد مع اقتباس



