النتائج 1 إلى 3 من 3

مشاهدة المواضيع

  1. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي تتمة القصة

    أرتفع أكثر من مرة نحو السطح، يملأ صدره بالهواء، ثم يقفل عائداً الى أغواره، وكرة أثر أخرى، كان يتلمس سطح الصخرة الماثلة، يتحسسها، يحتضنها بيأس حاجته لمنفذ أثناء تعلقه بالجدار الداكن، ، بعدها، صدفة، أثناء تعلقه بالجدار الداكن، وركبتاه تصعدان، أحس بقدميه وهو يدفعهما أمامه لاتصطدمان بأية عقبات، حينها عرف أنه قد عثر على الفتحة ضالته.

    نال السطح من جديد، تسلق حول الصخور المتعرشة باحثاً عن حجرة ثقيلة، حتى أكتشف وجود واحدة كبيرة الحجم، أنزلق الى أحد الجوانب مع صخرته نحو الأسفل مستعملاً ذراعه، فوقع بكل ثقله مباشرة فوق الأرض الرملية، تعلق بشدة بمرساته الصخرية الثقيلة، أضطجع على جانبه متطلعاً أسفله الى الرف المظلم الذي دخلت فيه قدمه من قبل، فلاحت له الفتحة، فجوة غير طبيعية، لكنه لم يلمح لها عمقاً، ترك تشبثه بالنتوء، وتعلق بيديه في حواف الفتحة، محاولاً أقحام جسده الى الداخل .

    أدخل رأسه بادىء الأمر، صافاً كتفيه جانباً الى صدره، لم يستطع رؤية شيء في الداخل، أحس بشيء دبق وناعم يلامس فمه، رأى سعفة سرخسية معتمة تتحرك بأتجاه الصخرة الرمادية، فأصابه الفزع، ظاناً أياها أخطبوطاً، عبر الأعشاب العالقة زاحفاً بجسده الى الخلف ملقياً نظرة سريعة أثناء تراجعه، رأى حزم الأعشاب البحرية وهي تطفوا عند فم النفق. غير أنه أستطاع الوصول الى ضوء الشمس الكافي، سبح حتى أدرك الشاطىء، وهناك أستلقى على صخرة الغوص، ناظراً الى زرقة الماء النقية من تحته، كان يعرف أن عليه أكتشاف ذلك الكهف أو الثقب أو النفق الذي سيؤدي الى الجانب الثاني، مهما كلفه الأمر .

    فكرأولاً، أن عليه التحكم بأنفاسه، ترك نفسه تحت الماء مع حجرة كبيرة أخرى بين يديه كي يستطيع المكوث بشكل أسهل في القاع، أبتدأ يعد، واحد، أثنان، ثلاث، أخذ يعد بثبات، بأمكانه الآن سماع أية نأمة لمسرى الدم وسط صدره، أحدى وخمسون، أثنتان وخمسون، صار صدره يؤلمه، غادر الصخرة، أنطلق في الهواء المفتوح، كانت الشمس توشك على النزول، في الفيللا، وجد أمه تتناول عشاءها، فقط قالت (هل قضيت وقتاً ممتعاً؟) أجاب (نعم !).

    أمضى ليلته يحلم بشلالات الضوء المائية داخل كهف الصخور، حالما أنهى فطور الصباح، حتى غادر متجها ً صوب الخليج.

    أثناء الليل كان أنفه ينزف بشكل سيء، قضى ساعات تحت الماء، متعلماً كيف يكتم أنفاسه لمدة أطول، ماعادت لديه القدرة الأن، فداهمه شعور بالغثيان والضعف، قالت أمه (لو كنت مكانك ياعزيزي، لما كنت أبالغ بالأمر).

    طوال اليومين التاليين، أستمر جيري في تمرينات الرئة، كمالوأنها كل شيء في حياته، وكل مايبغي أن يكونه متوقف على هذه المسألة، وعاد أنفه الى النزف مرة أخرى وقت الليل، أصرت والدته أن يصحبها في الغد ويمضي الوقت معها، كان من الصعب عليه قضاء اليوم متخلياً عن الأهتمام بتمارينه، لكنه بقي معها على الشاطىء، الذي تبدى له كملعب للأطفال، كانت أمه تقضي أغلب نهاراتها مستلقية تحت شمسه.لذا لم يشعر أن له مكان فيه .

    في اليوم التالي، دون أن يطلب أذناً، للذهاب الى شاطئه، غادر قبل أن تتبين الأم أن كان الأمر خطأ أم صواباً، قضى ماتبقى من اليوم مستكشفاً، ماإذا كانت له القدرة على تحسين الوضع وبلوغ الرقم العاشر، الأولاد الكبار جعلوا يمرون بينما كان يعد المئة والستين، أخذ يعد بسرعة، وقد داهمه الخوف، الآن من المحتمل، أذا حاول، بفسيكون بأستطاعته أجتياز النفق، لكنه لم يقدم على المحاولة بعد، خشية، أو عناداً طفولياً، أو كبحاً لجماح عواطفه، كل ذلك ألزمه الأنتظار، وفي نفس الوقت، أستلقى بجسده على الرمل الأبيض تحت الماء، محملاً بالحجارة التي جلبها معه، دارساً طرق مداخل النفق، فقد عرف كل بروز وزاوية فيه، كما تبينها بنفسه، أو أحس بملمسها الحاد فوق كتفيه.

    وفي الفيللا، أتخذ له مجلساً مقابل الساعة، عندما لم تكن أمه قريبة منه، يختبر توقيت قدرته، شاكاً في تمكنه من قطع أنفاسه دون أجهاد مدى دقيقتين، كلمة(دقيقتين) التي ترتبط بالساعة، تنتهي بمغامرته البالغة الضرورة بالنسبة له.

    بعد الأيام الأربعة الأخرى، قالت أمه في الصباح بشكل أعتيادي، يجب عليهم العودة الى البيت، قبل يوم من رحيلهم، أحب أن يفعلها، يفعلها حتى لو تسببت في القضاء عليه، قال متحدياً نفسه، ولكن قبل يومين من عزمهم السفر –يوم أنتصاره بزيادة العد الى خمس عشرة - نزف أنفه الكثير من الدماء، وعاد الصداع الى رأسه من جديد، مما أضطره الأستلقاء على الصخرة بجسده الهزيل، كقطعة من العشب البحري، وهو يشاهد دمه المتخثر القاني ينساب فوق أديمها ويسيل ببطء نقاطاً صغيرة على البحر، أشعره ذلك بالخوف، أفرض أن الدوخة عاودته داخل النفق !؟فرضاً- لو أنه مات هناك حصراً؟ فرضاً لو أن دواراً أصاب رأسه من حرارة الشمس، حتى كاد أن يتخلى تماماً عن قضيته، فكر بالأياب الى البيت والأستلقاء هناك، حتى مجيىء الصيف القادم، ربما بعد أن يكمل سنة أخرى من عمره – أذن فسيتمكن عندها من أجتياز النفق بيسر .

    لكنه رغم قراره هذا، الذي شغل به، وجد نفسه ينتفض قائماً فوق الصخرة محدقاً تحته في الماء، وقد عرف الآن، وفي تلك اللحظة بالذات، ماأن توقف أنفه عن النزف، ورأسه مازال يوجعه وهو ينبض –فكر تلك اللحظة بأعادة المحاولة. لو لم يفعلها الآن، فلن يقوم بها مرة أخرى قط، أخذ يرتجف رعباً، وفكر بألغاء فكرته، وقد تملكه الفزع، حتى أخذ جسمه يرتعد، وماذا عن طول النفق الصخري تحت الأعماق، وحتى تحت الضوء الشمسي، كان الحاجز الحجري واسعاً وثقيلاً، أطنان من الصخورألقيت في طريقه، فلو لقي مصرعه هناك، سيبقى جسده مرمياً حتى يأتي يوم – ربما ليس قبل السنة القادمة - حين يأتي أولئك الأولاد وقت سباحتهم ليجدوه مترهلاً ومنتفخاً في مكانه هناك . لبس نظارتي الغوص، ثبتهما جيداً، جرب عدته، لكنهأدرك رجفة في ذراعيه، عندها أختار أكبرالأحجار التي يقدر حملها، ثم أنزلق نازلاً على الحافة الصخرية، نصفه في البرودة، والنصف الآخر تحت لفح الشمس، نظر عالياً في فراغ السماء، وملأ رئتيه بالهواء مرة بعد مرة، ثم أنساب بجسده وسط الماء من جديد مع صخرته الثقيلة، غاطساً بسرعة، أفلتها ثم أبتدأ العد، أمسك حواف الفتحة بيديه، ساحباً نفسه الى الداخل، حرك كتفيه الى الجوانب، كما تعلم من قبل، حشر جسده مدخلاً قدميه بادىء الأمر .

    حالاً ألفى نفسه وسط فتحة بركة صغيرة واضحة بين الصخور، مليئة بالماء الرمادي المصفر، أخذ الماء يدفعه بقوة نحو السقف الحاد، أخذت البروزات الناتئة تؤلم ظهره، أستعان بيديه، دافعاً نفسه أسرع فأسرع، مستعملاً أرجله كعتلات، لكنه شعر بأرتطام رأسه بشيء ما، وأحس بألم حاد أصابه بدوار، خمسون، واحد وخمسون، أثنان وخمسون...لم يكن لديه ضوء، وبدى ضغط الماء بمثل ثقل الأحجار، واحد وسبعون، أثنان وسبعون... لم تعد رئتاه تجهدانه، أحس بنفسه كبالون طائر، أصبحت رئتاه خفيفتين ورخوتين، لكن رأسه أستمر بالدوي.

    أخذ جسده يضرب السقف الحاد بشكل مستمر، كان دبقاً وحاداً، حتى خشي أن يكون قد صدم أخطبوطاً، وتساءل فيما إذا كان النفق يحوي نباتات بحرية ضارة تتشابك حول جسده، أندفع أماماً بتشنج وذعر، متفادياً أرتطام رأسه بشيء، أثناء سباحته، تاركاً ليديه ورجليه حركتهما الحرة، المنفلتة، في طلاقة الماء، يجب أن تكون الفتحة أكثر أتساعا عند مخرجها، فكر، عليه العوم بشكل أسرع، وخشي أن يؤذي رأسه مرة أخرى فيما لو كانت الفتحة ضيقة أكثر.

    مئة، واحد بعد المئة...كان الماء باهتاً، أخذته نشوة النصر، لكن رئتيه بدأتا تؤلمانه، عدة خبطات وسيكون خارجاً، أستمر يحسب بجنون، وصل، مئة وخمس عشرة، بعدها، مر وقت طويل، فعاد يقول، مئة وخمسة عشر، مرة ثانية، أصبح أخضر الماء الزمردي يضيء كل ماحوله، بعدها، شاهد في الأعلى شقاً يخترق الصخور، كانت الأشعة تأتي من جهته، فأضاءت حجارة النفق السوداء النظيفة، وجد في طريقه صدفة بلح البحر، وفجأة عم الظلام.

    كان على وشك الأنتهاء، نظر الى الشق كما لو أنه مليء بالهواء وليس الماء، أستنشق بملء فمه هواءً، مئة وخمس عشرة، سمع الصوت يطن في رأسه - ولكنه تذكر أن منذ زمن طويل، عليه التوجه صوب الظلام، أو أنه سيغرق، فقد بدأ رأسه يتورم، وأصيبت بالتصدع رئتاه، مئة وخمس عشرة، مئة وخمس عشرة، ظلت تدور في رأسه، فتمسك بالصخورخلال العتمة، دافعا مقدمة جسده أماماً، مخلفاًً منطقة الماء المريحة التي تغمرها الأشعة. شعر بنفسه كمن أشرف على الموت، وبلا وعي تماماً، جاهد في اليم، بين فترات فقدان الوعي، الأورام ملأت رأسه بالألم، الهائل والضجيج، بعدها شاهد الظلمة تنشق عن موجة من الضوء الأخضر، تلمست يداه الطريق أمامه، لاشيء، رفس بقدميه الى الوراء، وفجأة وجد نفسه منفتحاً على سعة البحر.

    عائماً فوق السطح، بدأ يرفع رأسه ليعب الهواء، وهو يلهث مثل سمكة، شعر الأن بأنه يريد أن ينحسر تدريجياً، ويغمر بالماء. لم يقطع مسافة العودة المتبقية بينه والصخرة سابحاً، قبض عليها بكلتا يديه، ودفع نفسه نحوها، أراح وجهه فوقها وهو يلهث، لم يعد ير شيئاً غير الأحمر الكامد، المتخثر المعتم، لكأن عينيه تكادان تنفجران، فأعتقد انهما قد ملئتا بالدم، خلع نظارتيه وسكب عنهما النقاط التي تساقطت في البحر، كانت دماء أنفه النازف قد ملأتهما .

    غرف بيديه حفنة من ماء البحر البارد الملحي، رشها على وجهه، لم يتبين بعدها إن كان الذي تذوقه كان طعم المياه أم مذاق دمه، بعد فترة وجيزة، هدأ قلبه، وتوضحت الرؤية أمام عينيه، نهض من مكانه، شاهد الأولاد الأهالي يقتحمون الماء ويلعبون على مبعدة نصف ميل عنه، لم يجد في نفسه الرغبة للأقتراب منهم، لم يرغب بأي شيء، عدا العودة الى البيت والأستلقاء على فراشه .

    بعد دقائق، سبح جيري نحو الشاطيء، مرتقياً طريق الممر المؤدي الى الفيللا، ألقى نفسه على فراشه وأستغرق في النوم، أيقظه بعد فترة وقع خطوات على الممر في الخارج، كانت أمه عائدة الى البيت، أندفع مسرعاً الى الحمام، لكي لايدعها ترى وجهه المبقع بالدم و الدموع، خرج من الحمام، قابلها عند المدخل، وقد برقت عيناه (هل قضيت صباحاً ممتعاً؟) سألته و كفها تربت على كتفه الدافئة المسفوعة بالشمس (أوه، أجل، شكراً) أجاب(تبدو شاحباً بعض الشيء) ثم أستأنفت بقلق وحدة (كيف ضربت رأسك؟) (أوه، مجرد ضربة خفيفة) أخبرها.

    تطلعت اليه عن قرب، بدى لها مجهداً، بنظرات غائمة، تضايقت لذلك، وأخذت تكلم نفسها متشكية، أوه، لاتتذمري ! لم يحصل شيء، أنه يجيد العوم مثل سمكة.

    بعدها جلسا يتناولان العشاء سوية .
    (ماما ..) قال (أنني أستطيع البقاء في الماء لمدة دقيقتين - ثلاث دقائق في الأقل) أخذت في الكلام معه(أتستطيع ياعزيزي؟) قالت (حسن، لن أرهقك بذلك، لاأعتقد أنك ستذهب للسباحة ثانية هذا اليوم؟) كانت تبدو على أتم الأستعداد للقتال حول أراداته المستمرة، لكنه فضل التخلي عن كل شيء في الحال، والأستسلام نهائياً، فلم تعد في نظره أدنى أهمية لذهابه الى الخليج المقفر مرة أخرى أبداً.
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو حسن ; 16-10-2007 الساعة 09:07 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •