إمتناع بعض علماء الصحابة عن التحديث وجعل الحديث من أصول التشريع
من حضرة الأمير شكيب أرسلان الشهير بلوزان (بسوسرة أوربة)
حضرة الأستاذ الإمام مَفْزَع الإسلام، في المشكلات الجسام، السيد محمد رشيد رضا أدامه الله لهذه الأمة علمًا هاديًا، آمين.
إن في الجزء الأول من المجلد التاسع والعشرين من المنار بحثًا من أهم ما جالت فيه أقلام جهابذة الأصوليين هو المتعلق بأحاديث الصحيحين، وما قيل من أغلاطها، ورواية أبي هريرة والفرق بين أحاديث التشريع وغيرها فقد قرأت هذا البحث مع وفرة شواغلي مرتين أو ثلاثًا، ولا أزال عطشان إلى هذا المنهل العذب ومترقبًا صدور الكتاب الجديد الذي وعدتم بإخراجه تحت اسم (يسر الإسلام وأصول التشريع العام)، ولقد أخذ بمجامع فؤادي قولكم: (إن صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله ولكنه ليس معصومًا هو ورواته من الخطأ وليس كل مرتاب في شيء من روايته كافرًا). إني لست بمحدث وليس لي حق أن أبدي وأعيد في الحديث الشريف إلا على سبيل الاستفادة، ولذلك أرجوكم أن تتفضلوا علينا برأيكم في الروايات الآتية وهي:
في الجزء الثالث من طبقات ابن سعد الكبرى الصفحة 74 عن عامر عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: ما لي لا أسمعك تُحَدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يُحَدِّث فلان وفلان قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت، ولكنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كذب عليَّ فليتبوأ مقعدًا من النار). فظاهر هنا أن الزبير كان يعتقد أنه مهما كانت حافظة الراوي من القوة فلا يستطيع أن يعيد ما سمعه بدون زيادة أو نقصان، وأنه كان يخشى أن يزيد على رسول الله أو ينقص من كلامه فتحامى الحديث كله تقريبًا.
وفي صفحة 102 من الجزء المذكور عن السائب بن يزيد أنه صحب سعد بن أبي وقاص من المدينة إلى مكة قال: فما سمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا حتى رجع، ثم عن يحيى بن عباد عن شعبة: دخلوا على سعد بن أبي وقاص فسئل عن شىء فاستعجب فقال: إني أخاف أن أحدثكم واحدًا فتزيدوا المائة. فهذا صحابي عظيم أيضًا كالزبير وكلاهما من العشرة يعتقد أن الحديث مهما يكن راويه ثقة يتطرق إليه الزيادة والنقصان.
وفي الصفحة 110 من الجزء المذكور عن عمرو بن ميمون قال: اختلفت إلى عبد الله بن مسعود سنة ما سمعته فيها يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه حدَّث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يَتَحَدَّر عن جبهته ثم قال: إن شاء الله إما فوق ذاك أو قريب من ذاك وإما دون ذاك.
وفي الصفحة 111 من الجزء الثالث من الطبقات أخبرنا المعلى بن أسد قال أخبرنا عبد العزيز بن المختار عن منصور الغداني عن الشعبي عن علقمة بن قيس أن عبد الله بن مسعود كان يقوم قائمًا كل عشية خميس فما سمعته في عشية منها يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة واحدة قال: فنظرت إليه - وهو معتمد على عصى- فنظرت إلى العصى تزعزع، قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل قال: أخبرنا إسرائيل , عن أبي حصين , عن عامر عن مسروق عن عبد الله قال: حدَّث يومًا حديثًا فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرعد وأرعدت ثيابه ثم قال: أو نحو ذا أو أشبه ذا. ومعلوم أن عبد الله بن مسعود كان لا يفارق الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه كان أتبع له من ظله وأولى الناس بالرواية عنه، وهذا مشربه في الحديث، وقد ذكرتم في ذلك البحث نهي الإمام عمر عن التحديث.
وجاء في الجزء الخامس من طبقات ابن سعد أيضًا صفحة 140 رواية عن عبد الله بن العلاء: سألت القاسم بن محمد أن يملي عليَّ أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها، ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب قال: فمنعني القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثًا. وهذا هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المشار إليه بالبنان بين التابعين بالفضل والعلم والورع.
فلماذا بعد هذه الدلائل كلها لا يزال علماء الدين يتخذون الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث مراجع في الشرع ويعتقدون أن مجرد توفر الشروط في الصحة كاف لجعل الحديث ثابتًا لا شبهة فيه كأن سامعيه تلقوه رأسًا من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أفلا يرون أن ثلاثة من أجلّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عبد الله بن مسعود بمكانه من الورع والصدق والعلم بالدين لم يكونوا يحدثون تقريبًا ولم يكونوا يركنون إلى أنفسهم أن تبدر من ألسنتهم كلمة في سياق حديثهم عن المصطفى لم يكن صلى الله عليه وسلم قالها.
فلماذا لا نقتدي بهم ولا نزال نجعل صحة الحديث بمجرد توفر الشروط قضية مسلمة ؟ إن هؤلاء الأئمة الذين هم من أجلّ أصحاب رسول الله وألزمهم له، والذين هم طليعة من نشروا الإسلام وأسسوا بوانيه لم يكن بينهم وبين الرسول واسطة ولقد وتكاءدهم التحديث عنه خوف الزيادة أو النقصان. فكيف يجب أن نثق في صحة الأحاديث الواصلة بالأسانيد العديدة المتسلسلة من عدة قرون ونبني عليها الأحكام، ونقول: هذا حلال وهذا حرام، ومن لم يؤمن بهذا فقد كفر بالإسلام.
لوزان 22 ذي العقدة سنة 1346
شكيب أرسلان