النتائج 1 إلى 17 من 17

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي مسائل في الأسماء والصفات وفي كرامات الأولياء - ج 1

    (أجوبة المنار)
    قدمت نشر هذه الأسئلة على عشرات من الأسئلة مر على بعضها سنة أو سنتان أو سنون ؛ لأنها في أمور حاضرة بعضها يخصني من انتقاد عليَّ ودفاع عني، وسئلت عنها مشافهة ومكاتبة مرارًا، وبعضها في موضوع الكرامات الذي أطلت في منكراته في الأجزاء التي قبل هذا، وإنني أجيب عنها بما يلي:

    (43) الثناء على الشيخ السبكي:

    اشتهر الشيخ محمود خطاب السبكي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا سيما البدع الفاشية والحث على السنن الصحيحة قولاً وخطابة وتدريسًا وكتابة مع العمل في زمن يقل فيه من يقوم بهذه الفريضة من العلماء، واشتهر أنه قد تاب على يديه وانتفع به خلق كثيرون حتى صار إمامًا يتبعه ألوف من الناس ينسبون إليه فيسمون السبكية، وأعرف أفرادًا منهم من الأزهريين وغير الأزهريين هم سلفيون بقدر ما يعلمون من مذهب السلف، ومنهم من له عناية بنشر مذهب السلف وكتبه كالأستاذ الشيخ منير الدمشقي الكتبي المشهور. وقد اجتمعت به مرارًا قليلة على تواد وتعارف وتآلف، ورأيت له بعض الكتب الصغيرة في الحث على العبادات واتباع السنة اكتفيت من النظر فيها بمعرفة موضوعها، وقد اتُّهِمَ في أثناء الحرب الكبرى بتهمة سياسية كادت تفضي إلى إيذائه وإهانته فلجأ إليَّ فسعيت سعيًا صالحًا لإنقاذه من الشر، وكان الذين تولوا التحقيق في أمره قد جمعوا كتبه وكلفوا من يثقون بهم بمطالعتها للوقوف على خطته فقال لهم المشرف عليهم في إدارة الأمن العام: إن السيد رشيد رضا شهد له بأنه نافع للناس مأمون الضرر فأطلعوه في بعضها على مسائل مخالفة لخطة المنار في إنكار البدع والخرافات ذكرها لي ولكنها لم تمنع قبول شفاعتي أو شهادتي له.

    وقد بلغني في أول هذا العام أنه ألف كتابًا في علم الكلام وطبعه خالف فيه مذهب السلف في مسألة الصفات وغيرها استاء منه كل من اطلع عليه من السلفيين، وكان بعضهم يجله ويحسن الظن في اعتقاده وعلمه فتحولوا عنه ورد بعضهم عليه، ولم أر هذا الكتاب ولكنني سألت عنه بعض تلاميذه فمنهم من وافق المنكرين ومنهم من حاول الدفاع عنه فكان ضعيفًا. وكنت علمت أنه منذ سنين يشرح سنن أبي داود، وعلمت في العام الماضي أنه صدر الجزء الأول منه، ولم أره ولا كتاب الكلام الذي قبله ؛ إذ لم يهدهما إليَّ وما كنت لأشتري أمثال هذه الكتب الحديثة ولا أجد وقتًا للنظر فيها، إلا إذا حدث باعث أرى فيه مصلحة راجحة في ذلك، وقد انتقد لي رجل ذكي سلفي هذا الشرح ولكنه ليس عالمًا يوثق بانتقاده.

    لأجل هذا كله اقتصرت في ذكر وفاته على أفضل ما علمته من سيرته وهو دعوة الناس إلى العبادة وترك المعاصي والبدع العملية، وهذا هو الواجب على كل عالم أعني أن يكون عاملاً بعلمه معلمًا له داعيًا إليه بقدر استطاعته، فالعلم مع العمل وتعليم التفقيه الوعظي الباعث على العمل هو هدي السلف ومذهبهم وطريقتهم وقليله خير من كثيره بالطريقة الجدلية الكلامية والمماحكات اللفظية، لهذا ساءني أن يبتلى بتأليف كتاب في العقائد الكلامية ؛ لأنه يتعذر عليه أن يجمع فيه بين السنة التي يحبها ويعمل بها ويدعو إليها ويعتقد أنه متبع فيها للسلف، وبين نظريات المتكلمين وتأويلاتهم الجدلية التي تروج وتقبل عند كل من لم يكن واسع الاطلاع على آثار السلف.

    فأنا قد قصرت في تأبينه لأجل هذا الكتاب، ولم أقل فيه: إنه من أنصار السنة كما ذكرتم، وكان والحق يقال من أنصارها المشددين قولاً وعملاً، ليس له ند في هذا القطر، وقلما يوجد في غيره، وأما تأويلات المتكلمين المخالفة للسلف فلا يسلم منها أحد اعتمد في طلبه لعلوم الدين على كتب العقائد الرائجة في مصر وأكثر الأمصار وكذا أكثر كتب التفسير وشروح الأحاديث التي ألفت بعد خير القرون، ويظهر مما نقل لي منه ومما قرظ به أنه لم يطلع على ما كتبه حفاظ السنة وأقوال الصحابة والتابعين وأقوال أئمة الحديث والفقه المتفق على جلالتهم حتى عند المعتزلة لا عند الأشاعرة وحدهم كأئمة الفقه الأربعة على أن تأويلاتهم للنصوص قلما يدحضها إلا كتب المحققين الذين جمعوا بين المعقول والمنقول، وكان أقواهم حجةً: شيخا الإسلام ابن تيمية و ابن القيم.

    فأنا أشهد على نفسي أنني لم يطمئن قلبي لمذهب السلف إلا بقراءة كتبهما، وأشهد أن ما يقوله بعض المقلدين للسلف من غير فهم ولا عقل قد يكون مثارًا للتشبيه وعذرًا لأهل التأويل، كجمع بعضهم لجميع ما ورد في القرآن والأحاديث حتى غير الصحيحة أو أكثره، وقولهم لمن يلقنونه إياها: يجب أن تؤمن بأن لله تعالى وجهًا وعينين ويدين وأصابع وساقًا وقدمين وأنه مستو على عرشه بذاته، وأنه ينزل ويمشي ويهرول وينادي بصوت ويضحك ويرى كما يرى البدر إلخ وأن كل هذه صفات له لا يجوز تفسير شيء منها بطريق مجاز لغوي ولا عقلي ولا كناية ؛ لأن هذا من التأويل الذي منعه السلف، وتكذيب لكلام الله وكلام رسوله.

    وتجاه هؤلاء: أهل التأويل يشوهون نقل هذا عنهم بضم لوازمه إليه أو نقله بمعناه عند المشوهين له، فقل لي: ما يفهم جمهور العوام والخواص من هذا الكلام ؟ أليس التشبيه المحض، المنافي للتنزيه المحض، الذي يجزم به العقل، وقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } (الشورى: 11) ؟ ولو نقلوا كل ما ورد بلفظه في سياقه لما أثار ما يثيره سرد مفرداتها مجموعة من التشبيه [1] ولو قالوا: يجب الإيمان به كما ورد مع تنزيه الرب تعالى واتقاء التحكم في معناها بالرأي اتباعًا للسلف لما كان لأحد من القائلين بالتأويل شبهة يُخَطِّئهم بها - دع تكفيره لهم- إلا بعض أشرار المنافقين، ولكن سوء التعبير من الجانبين وجعل لوازم المذهب مذهبًا، وإن كان لازمًا غير بين وغير مراد هو الذي ينفخ روح الشقاق والتفرق. السلف لم يجمعوها ويلقنوها للناس ولم يقولوا بمنع المجاز والكناية في عباراتها وإن كانت متبادرة من العبارة، ويقتضيها أسلوب البلاغة، فإن هذا من التحكم فيها بالرأي الممنوع عندهم، وإنما خلاصة هديهم فيها أن نُمِرَّهَا كما وردت بغير تعطيل ولا تمثل ولا تأويل، فالمعطلة جعلوا الخالق رب العالمين في حكم العدم بإنكارهم الصفات كلها والعلو المطلق، والممثلة أو المشبهة جعلوه كعباده، صفاته كصفاتهم، والمؤولة تحكموا في صفاته برأيهم وأهوائهم، ويلزم من تأويلهم أن بيانهم لها أصح من بيان كتابه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم بل صرح بعضهم بأن من اعتقد بعض ظواهر القرآن كان كافرًا، ومنهم الشيخ يوسف الدجوي.

    هذا وإن التفرق في أصول الدين بين سلفيين وخلفيين أو مفوضين ومؤولين أو سنيين ومبتدعين، بحيث ينتهي بهم الخلاف إلى التكفير والحكم بالمروق من الدين، مما يتبرأ منه أئمة السلف الأولين، الذين يُِقرُّ بفضلهم وإمامتهم الفريقان.

    فاختلاف الفهم للصفات والأفعال بين السلف والخلف لا يصح أن يفضي إلى التكفير فإن الله تعالى لم يجعل صفاته فتنة لعباده المؤمنين به وبكتابه ورسوله المهتدين بدينه فيجعل المخطئ بفهمه لضعفه كالمشرك به المكذب لرسوله، وللمحقق ابن عقيل الحنبلي كلام نفيس في عذر العلماء بالخطأ في مثله يراجع في كتاب (الآداب الشرعية) لابن مفلح فإن كان الشيخ محمود السبكي قد صرح في كتابه الأخير بما نقله عنه من التكفير بنصه، فإنه من هذه الناحية لقرين عدو القرآن والسنة، أعمى البصر والبصيرة المنكوس على رأسه، الذي صرح بتكفير من يؤمن بظاهر القرآن، وأرجو أن يكون عزو هذا إليه كعزو السائل إليَّ أنني جعلته من أنصار السنة، مأخوذًا من لازم الكلام بفهمه، لا صريح نصه.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    (44) رسالة القذع والقذف والبهتان:

    إنني اطلعت على الرسالة المذكورة قبل نشرها، وذكرتها في المقالات التي رددت بها على مجلة مشيخة الأزهر، وذكرت فيها ما جرى بيني وبين شيخ الأزهر بشأنها فيما كان من مخادعته إياي باسم الصلح بيني وبين مفتريها، وتصريحي للشيخ بأنه لا قيمة لها ولا لملفق بَهَائِتِهَا ومفترياتها عندي، وأرى من العار عليَّ أن أعده مناظرًا أو خصمًا وأعقد معه صلحًا، فسواء عليَّ أنشرت أم منعت وأحرقت، إنها لا تعيبني ولكن تعيب الأزهر أو مشيخته أن يصدر مثلها عن أحد علمائه ولا يعاقب عليها إلخ، وكان الشيخ يساومني على جعل منع نشرها ثمنًا للصلح. وقد نشرت مقالاتي هذه في المنار وفي بعض الجرائد اليومية في مصر، وعهدي بالأستاذ السائل أن يطلع على كل ما ينشر في المنار فما معنى هذا السؤال ؟

    وقد جاءتني رسائل كثيرة وقصائد من الأقطار المختلفة في الرد عليه فلم أنشر شيئًا منها اهتداء بقوله تعالى: { وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ } (الأعراف: 199) ولكن ردَّ عليه كثيرون من علماء الأزهر، وعلى شيخ الأزهر مغريه، ونُشِرَتْ ردودهم ومطاعنهم في الجرائد اليومية. وأما طعنه في حفظ السنة فقد فنَّدته في سياق تفنيد ما يدعو إليه من البدع والخرافات، ولو شئت أن أعاقب المسيء لرفعت عليه قضية في محكمة الجنايات، ولكن انتقم الله من المفتري والمغري بطعون ومَخَازٍ نشرت في بعض الجرائد اليومية لم يستطع الرد عليها أحد، ولما تنته بعد، وينتظر من عدل الله ما هو أشد.

    وأما كتاب (المنار والأزهر) المشتمل على تلك المقالات في الرد على مجلة الأزهر وبدعها وخرافاتها، وتفنيد بهائتها ومفترياتها، فقد أرجأت نشره إلى أوائل العام القابل، أي بعد نشر الطبعة الثانية من كتاب الوحي المحمدي في ذي الحجة الآتي ونشر الجزء الحادي عشر من التفسير في المحرم سنة 1353 إن شاء الله تعالى.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    (45) فتوى السيوطي المبنية على تطور الولي:

    في أول سطر من السؤال عن هذه الفتوى غلطتان: (إحداهما) في اسم الكتاب فإن اسمه (المنجلي ….) لا (القول الجلي …..) (والثانية) في الطلاق الذي سئل عنه المؤلف وهو الطلاق غير موصوف بالثلاث كما ذكر في السؤال، فهاتان الغلطتان مع الغلطة الأولى في مسألة السبكي التي بينتها في موضعها مما يوجب عليكم الدقة في النقل ومراجعة ما يكتبه لكم من تملون عليه لتثقوا بصحته.

    وأما الفتوى فإنني أقول فيها - وإن لم أقابل ما لخصتموه منها بأصله – إن فيها خلطًا وخبطًا كثيرًا لا يمكن بسطه إلا في رسالة طويلة لا أرى حاجة إليها إذ يغني عنه القول بأن هذه الفتوى في تفصيلها رأي للسيوطي لا يجوز لأحد تقليده فيه، وغير المقلد من المفتين أو المستفتين ينظر في الدليل ويأخذ بما ظهر له صحته.

    وهو قد بنى الفتوى بعدم وقوع الطلاق على أحد من الأربعة الذين حلفوا به من حيث الفقه على الترديد في إقامة البينة من بعضهم دون بعض وعدم إقامتها من أحد منهم، وإنما تطلب البينات وينظر في تعارضها والترجيح بينها في حال إقامة الدعاوي [2] فإن لم يكن هنالك دعوى فيفتي كل واحد بحلفه على اعتقاده. فإذا كان يعتقد أن من بات عنده في تلك الليلة هو فلان كما حلف، فلا يضره اعتقاد غيره أنه أخطأ، وإن كان يستحيل صدق كل واحد منهم بالفعل أو في اعتقاده، بل عليه أن يعتقد أن غيره كاذب ؛ لأن خبره الذي يحتمل الصدق والكذب لذاته قد تعين عنده أنه كاذب فيه ؛ لمخالفته لما ثبت عنده هو بالحس، والأصل فيه إفادة اليقين.

    أكتفي بهذا في أصل الفتوى من حيث الفقه كما قال لأنها من الخيالات الخرافية التي قلما تقع. وألخص ما يستنبط منها من المسائل التي بنيت عليها وهي أهم منها، والمقصودة بالذات من نشرها، وأبين رأيي فيها.

    (46) تطور الولي ووجوده في عدة أمكنة في وقت واحد:

    إن علماء المعقول متفقون على أن وجود الجسم الواحد في مكانين أو أكثر في وقت واحد من المُحَال العقلي المعلوم بالبداهة أو الضرورة، ويحكمون بكذب مدعيه قطعًا، بل يجعلونه مثالاً للمحال. ولا يصح معارضة هذا الحكم القطعي الضرورة في عالم الشهادة باحتمال وقوع مثله عقلاً في عالم الغيب كالملائكة والجن أو ثبوته بنص شرعي قطعي، فإن لمن يسلم هذا أن يقول أن عالم الشهادة لا يقاس على عالم الغيب، وأن الذي رأى زيدًا من الناس عنده إنما رأى جسدًا من عالم الشهادة ذا روح، والجسد الخاص المعين لا يكون في مكانين في وقت واحد قطعًا، واحتمال تصرف روح الإنسان في هذا العالم بجسده وظهوره في جسدين أو أكثر مخالف لسنة الله تعالى في هذا العالم فلا يُبْنَى عليه حكم شرعي بل السيوطي يقول في هذه الفتوى: إن روح الولي في حال تشكله في الصور تكون في جسمه الأصلي، ويكون له أجسام أخرى من عالم المثال الذي هو عندهم وسط بين عالم الأرواح وهو ألطف منه، وعالم الأجسام وهو أكثف منه، وروحه تتصرف في الجسم الأصلي في الأجسام المثالية في وقت واحد.

    فنقول في هذه الحال: إن جسمه الأصلي هو الذي تتحقق به حقيقته الكونية الشرعية، وتلك الأجسام التي تصرفت بها روحه غريبة من غير عنصر الأجسام البشرية، فلا يصح إعطاؤها حكمًا شرعيًّا من صلاة ولا حج ولا زواج ولا طلاق ولا غير ذلك من العقود والحدود الشرعية على فرض وقوع ذلك كما قيل، وهو ما لا يمكن إثباته بالفعل لما يعرض فيه من الاحتمالات، ومنها أن شيخ الإسلام ابن تيمية الجامع بين علوم النقل والعقل والتصوف يقول: إن الشخوص البشرية التي تظهر بصور بعض المشايخ وغيرهم هي من الجن، فالمتعبدة الصالحة منها لبعض مؤمني الجن ومنهم من ظهر بصورته هو في الموصل بمظهر صالح يليق به إذ كان هو بدمشق، والخبيثة الضارة لكفار الجن وشياطينهم كما نقلناه عنه قريبًا في التفسير.

    على أن التحقيق أن عالم المثال الذي يدعي السيوطي أن الصوفية أثبتوا وجوده هو عالم تصور خيالي لا وجود له في الخارج، فهو كعالم الماهيات الهيولانية في فلسفة أفلاطون فلا وجود له في الخارج، وأصح منه الأثير الذي يقول به علماء المادة وسيأتي ذكره. وإن مسألة التجرد الروحانى والتشكل في الصور أمر آخر يظهر أن السيوطي لم يكن يعرفه ولا أئمته الذين اتكأ على أقوالهم في إمكان وجود الجسم في الأمكنة المختلفة واعتمد عليها فكانت كجسيم العاشق الذي قال لمعشوقته:
    إن في بردي جسمًا ناحلا... لو توكأت عليه لانهدم

    (47) وجود الشخص في الأمكنة:

    قال السيوطي: (إن وجود الشخص الواحد في أمكنة متعددة في وقت واحد ممكن غير محال كما يتوهم، فقد نص الأئمة الأعلام أن ذلك من قسم الجائز الممكن - وسمى جماعة منهم ذكر السائل بعضهم ثم قال -: وحاصل ما ذكره في توجيه ذلك ثلاثة أمور:
    (الأول) أنه من باب تعدد الصور بالتمثل والتشكيل كما يقع ذلك للجان
    (والثاني) أنه من باب طي المسافة وزوي الأرض من غير تعدد فيراه كل في بيته وهو في بقعة واحدة إلا أن الله طوى الأرض ورفع الحجب المانعة من الاستطراق فظن أنه في مكانين وإنما هو في مكان واحد (قال) وهذا أحسن ما يحمل عليه حديث رفع بيت المقدس حتى رآه النبي صلى الله عليه وسلم بمكة حال وصفه إياه لقريش صبيحة الإسراء.
    (الثالث) أنه من باب عظم جثة الولي بحيث ملأ الكون فشُوهِدَ في كل مكان كما قرر بذلك شأن ملك الموت و منكر و نكير حيث يقبض من مات في المشرق وفي المغرب في ساعة واحدة، ويسأل من قبر فيهما في الساعة الواحدة، فإن ذلك أحسن الأجوبة في الثلاثة ولا ينافي ذلك رؤيته على صورته المعتادة فإن الله يحجب الزائد عن الأبصار أو يدمج بعضه في بعض كما قيل بالأمرين في رؤية جبريل في صورة دحية، وخلقته الأصلية أعظم من ذلك بحيث إن جناحين من أجنحته يسدان الأفق) ا هـ المراد منه، وذكر بعده بعض أقوال أولئك الذين سماهم الأئمة في ذلك.

    أقول: (أولا) إن مسألة المحال العقلي هي من أحكام العقل فآراء من سماهم الأئمة الأعلام وغيرهم من العقلاء فيها سواء، ولكن هؤلاء الأئمة الأعلام قد نبذوا حكم العقل وراء ظهورهم اتباعًا لدعاوي الصوفية، كما نبذه هو تقليدًا لهم، وإن كان قد ادعى الاجتهاد المطلق، فالصوفية قد صرَّحوا بأن كشفهم ودعاويهم مخالفة للعقل كما قال ابن عربي:
    وإذا عارضك العقل فقل... طورك الزم ما لكم فيه قدم
    وقال ابن الفارض:
    فثم وراء العقل علم يدق عن... مدارك غايات العقول السليمة

    (ثانيًا) إن ما وجهوه به وقلدهم فيه يدل على أنهم قد قلدوا الصوفية بغير عقل ولا فهم للنقل ولا لأقوالهم فإنهم يعنون به غير عالم الأجسام العنصرية، وقد كان منهم من لا يعرف حكم الشرع في ذلك.

    (ثالثًا) تقدم أن العقل والشرع يمنعان من قياس عالم الشهادة ومنه الإنسان على عالم الغيب كالملائكة والجان، ونزيد عليه أنه لم يثبت بدليل عقلي ولا شرعي يحتج به أن الجني الواحد يتمثل بصور كثيرة في أماكن مختلفة في وقت واحد.

    (رابعًا) إنه قد أخطأ وخلط بين الأمور التي وجهها به أئمته لعدم فهمها كما نبينه فيما يأتي:

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    (48) طي المسافة وزوي الأرض:

    إن ما يسمونه طي المسافة غير مسألة زوي الأرض ورؤية الأماكن البعيدة منها، فالأولى عبارة عن تشكل الروح المجردة في مادة لطيفة تقطع بها المسافات البعيدة في مدة قصيرة، ومنهم من يفسر بها الإسراء والمعراج، والثانية عبارة عن تمثل الأماكن البعيدة بصورها للروح أمامها في الهواء أو في حائط مثلا بصورة مصغرة فتدركها الروح كالمرئية بالعينين وهي التي يفسر بها رؤية بيت المقدس للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكانه بمكة، وتمثل الجنة له أيضًا. ومنه حديث (زويت لي الأرض) أي جمعت منقبضة مصغرة، ومثال ذلك تصغير الصور بعدسيات الزجاج من جهة كتكبيرها من جهة أخرى. وخلاصة الحديث أنه مثلت له الأرض صغيرة مزوية فرأى منها ما يصل إليه ملك أمته لا أنه قطع مسافتها.

    وأصح ما ورد في تمثل بيت المقدس له حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين قال: قال صلى الله عليه وسلم (لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر فجلَّى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه) فمعنى جلاَّه أظهره وكشفه له كشفًا جليًّا، وليس معناه أنه قلعه من مكانه ووضعه في مكة، ورواية رفعه له تصوير للرواية الأولى ونحن لا ننكر على من دونه صلى الله عليه وسلم أن تتوجه نفسه إلى شيء فينكشف لها فيراه، فإن هذا من جنس الكشف الذي نقل عن بعض أصحاب الرياضيات، ولكنهم لم يصلوا فيه إلى مثل درجته صلى الله عليه وسلم في الوضوح وطول المدة بحيث يتمكن من وصفه بتلك الدقة، وأين هذا من خرافة طواف الكعبة بالولي إن يكن يراد بها التخيل المحض ؟

    (49) تكبير الجثة وتصغيرها:

    إن ما سماه عظم الجثة بحيث تملأ الكون هو طور من أطوار التشكيل في الصور فهما من باب واحد كما سأبين جعله بابين بابًا لتعدد الصورة وبابًا لتكبيرها ؛ لعدم فهمه لمنشأ كل منها، فأخطأ في جعل الواحد اثنين، كما أخطأ في طي المسافة وزوي الأرض فجعلهما واحدًا وهما اثنان، فكيف يصح لعالم أن يبني فتواه الشرعية ويفسر ما ورد في عالم الغيب على ما يجهله ولا يفهم ما يقوله غيره فيه ؟

    (50) قياس الأولياء على الأنبياء والملائكة:

    قلنا: إن قياس عالم الشهادة على عالم الغيب أو عالم الملك على عالم الملكوت - على اصطلاح الصوفية - قياس باطل أو بالفارق، ومثله قياس الأعمال العادية على الخوارق، ثم قياس الكرامات على المعجزات بناء على أنهما من جنسها أو نوعها وتكون مثلها. ومن العجيب أن يقع فيه السيوطي ومن نقل عنهم واعتمد عليهم وسماهم الأئمة، ومنهم تاج الدين السبكي الذي فرق بينهما في الرد على منكري الكرامات من أصلها بأن الأصل فيها الخفاء والإخفاء، فلا يجوز إظهارها إلا لضرورة وصرح بهذا المحققون من الصوفية أيضًا وبأنها لا تبلغ مبلغ المعجزة خلافًا لقول بعضهم: إن ما جاز أن يكون معجزة جاز أن يكون كرامة، وذكر أن القشيري من أئمة الفريقين خالف في هذا أيضًا كما بيناه من قبل. وأعجب من هذا أن يقيسوا هؤلاء الأولياء الخياليين أو المتخيلين على الأنبياء في كل ما ذكروا من خصائصهم ما صح فيه النقل منها وما لم يصح حتى في أمور البرزخ والآخرة.

    وأعجب من هذا الأعجب أن يقيسوهم على الملائكة المقربين حتى جبريل معلم الأنبياء والمرسلين، وملك الموت قابض أرواح الجميع، إن هذا لهو الجهل العميق، إن هذا لهو الضلال البعيد، الذي يصح على قائسيه قوله تعالى: { وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } (سبأ: 53) والله تعالى يقول لرسوله خاتم النبيين: { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } (الأنعام: 50) بلى إن من يقيس هؤلاء المساكين الذين زعموا أنهم كانوا يوجدون في الأماكن المتعددة من الأرض على جبريل وملك الموت عليهما السلام لا يتفكرون في سنن الله في الخلق، ولا فيما خص به كل عالم وكل جنس من الفروق والخصائص ولا في حكمته في ذلك.

    ومن عجائب غفلتهم عن التفرقة بين الجنس الذي قال الله تعالى فيه: { وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً } (النساء: 28) والجنس الذي خصه عز وجل بأعظم القوى في العالم حتى أعظم أفراده قوة ومقامًا كجبريل الذي قال تعالى بعد القسم في بيان تلقينه الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ } (التكوير: 19 - 22) وقال في هذا المعنى أيضًا: { عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى } (النجم: 5-7) الآيات.

    ثم إنهم على تجويزهم أن يكون وليهم المتخيل كجبريل يملأ الآفاق، وأن يظهر بالصور الكثيرة في كل مكان، يحرصون أشد الحرص على جسده الضعيف الفاني فيستثنونه من عموم قوله تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } (الرحمن: 26) ويقولون: إنه يبقى في قبره كما كان في الدنيا يتعبد، ومنهم من قال: إنه يأكل ويشرب، ويخرج فيقضي حوائج الذين يتوجهون إليه بالدعاء والاستغاثة، ويتقربون إليه بالنذور والطواف بقبره كالكعبة، وبلمسه وتقبيله كالحجر الأسود (أي يعبدونه من دونه تعالى) ثم يعود إليه فينجحر فيه، وهو في خارجه مالئ للكون كله يتصرف فيه، ويوجد في كل حجر ومدر منه ! ! فما معنى محافظتهم مع هذا على هذا الجسد الذي كانت حياته كلها بالدم النجس عندهم، والذي كان يحمل العذرة كما يقولون في مواعظهم، وعلى هذه الحفرة الصغيرة التي وضع فيها، وقد أعطي هذه الخصائص والكرامات كلها ؟

    إنه لا يعجز بعض سدنة بعض هذه القبور المعبودة أن يؤلف لك رسالة أو كتابًا في جواب هذه الأسئلة المفحمة لمن يفقهها من العقلاء وعلماء الكتاب والسنة، فإن الذي يقلد هؤلاء المؤلفين ؛ لأنه يعتقد أنهم كانوا أرقى منه علمًا وعقلاً ودينًا وكرامة لا يتفكر ولا يعقل كما أمره الله ؛ لأن عقله الفطري الخاص معطل لا حكم له ولا يحتاج إلى فهمه وإدراكه ؛ ولأن العقل الكلي العام للمكلفين وهو هدى كتاب الله متوقف عندهم على منصب الاجتهاد وقابل لما لا يعقل من التأويلات، ورحم الله الإمام الشافعي الذي قال: إن الرجل إذا تصوف في أول النهار فلا يأتي المساء إلا وهو مجنون. قال هذا في صوفية عصره وفيهم العلماء الأعلام، فماذا يقول في الأدعياء من مقلدي المتشبهين بالصوفية هبوطًا إلى بضع دركات ؟

    نضرب للناس الأمثال العلمية نقرب بها إلى عقولهم أنباء نصوص الوحي في عالم الغيب ؛ ليطمئن قلب المؤمن بإيمانه، ويجد بها المرتاب مخرجًا من ارتيابه، والغارق في بحر الخرافات منجاة من أوهامه، فتأتي هذه الحكايات التصوفية بفتن كقطع الليل المظلم يوسوس شيطانها لمستقلي العقول وحملة برهان العلم: إذا كان الملائكة وهم أقطابُ عالم الغيب المدبرون من وراء الحجب لأمور عالم الشهادة مثل هؤلاء الضعفاء الذين يسمونهم أقطاب البشر أو دونهم قوة وتصرفًا في ملكوت السموات والأرض فأجدر بكم ألا تؤمنوا معهم بأولئك الأقطاب الذين لا تعرفون عالمهم الغيبي، حتى يروكم تصرف هؤلاء الأقطاب الذين تعرفون من عالمهم المادي ما لا يعرفون، وتتصرفون في عناصره ومركباته وقواه بما هو أعظم مما يدعون، ولكن في ضوء سنن الله في الكون وعلى صراط حكمته في نظامه، وبما يظهر لهم ولغيرهم عجائب صنعه وسعة رحمته بعباده، ومن حيث لا يظهر لما يدعون حكمة ولا فائدة، فشعوب المدعين لهذا التصرف من صوفية البوذيين والبراهمة والمسلمين أضعف من جميع شعوبكم، وقد أصبحوا كلهم عبيدًا لدولكم المنتفعة بتصرفكم، فهل تتبعون عبيدكم في دينهم لتصيروا مثلهم ؟

    قلنا مرارًا في المنار وفي تفسيره: إن الصور التي يتشكل فيها الملك أو الجني قد تكون من الأثير الذي ينفذ من الأجسام الكثيفة، وإن مثل الملائكة فيما صرفها الله تعالى فيه كمثل هذه الكهرباء في قوتها وسرعتها وتأثيرها في مادة العالم وهذا المثل يقرب من عقولنا تصرف الملك في تحليل مادة الكون وتركيبها كما فصلناه في محله، ويقرب من عقولنا إمكان قبضه لما لا يحصى من الأرواح في وقت واحد، فهو كما يطفئ الرجل ألوفًا من المصابيح الكهربائية وينيرها في لحظة واحدة وهو في مكانه بعيدًا عنها، وقد غمز أحدهم زرًّا في أوربة فتحركت به ألوف من الآلات في أوسترالية، فليفعل لنا هؤلاء الأولياء مثل هذا في تصرفهم الروحاني في الكون لعلهم يؤمنون بالله فيتبعوننا أو ينتقم الله لنا منهم بتصرف غيبي، أقوى من تصرفهم المادي، قبل أن يفتنوا جميع حكامنا وكبرائنا بعلومهم عن ديننا فلا يبقى من المنتمين له أحد إلا هؤلاء العوام الجاهلون، الذي يصدقونهم فيما
    يزعمون.

    هذا وإننا قرأنا في صحفنا من أخبار الهند في هذه الأيام عن لاما التبت (كاهنها البوذي الأكبر) الذي مات من عهد قريب وغيره عجائب وخوارق منها الحياة بعد الموت والمشي في الهواء، والماديون كالروحيين من الإفرنج يثبتون هذه الأخبار لصوفية الهند وكهنتهم ؛ لأنهم رأوا بأعينهم ولم يروا من صوفية المسلمين شيئًا مثلها أو يقرب منها، فإلى متى يحسب الجاهلون الغافلون من قراء هذا الكتاب للسيوطي وما هو شر منه للشعراني وغيره أن ما فيها من هذه الحكايات من حجج الإسلام ودلائل حقيقته، وإذا لم تكن كذلك فماذا كان من نفعها وفائدة تدوينها إلا الفتنة في الدين وعبادة غير الله تعالى.

    (51) أي كتب السيوطي خير:

    كان الجلال السيوطي رحمه الله تعالى واسع الاطلاع على كتب السنة والآثار وعلماء القرون التي قبله والتي ألفت في عصره، كثير العناية بالنقل والجمع من قديمها وحديثها، وسمينها وغثها بدون تحقيق كما هو الغالب فيمن تتوجه قواه إلى شيء واحد هو مستعد له بمقتضى المزاج والوراثة وتركيب الدماغ، وكان شغوفًا بتقوية ما ضعَّفه العلماء من قبل حتى المحدثين منهم مما يوافق بيئة عصره، وما يعبر عنه في عرف زماننا بالرأي العام، ومنه المبالغة في الإطراء والمناقب، والخوارق والعجائب وأحسن كتبه ما ينقله عن المتقدمين، وأضرها ما يجمع به الأمشاج عن المتأخرين والمعاصرين، وخير كتبه لا يستغني عن تنقيح أو (خدمة) كما يقول الأزهريون في الكتب غير المشروحة ولا المحشية، فمنها الدر المنثور حشاه بالروايات الإسرائيلية والأحاديث المنكرة وكذا الموضوعة، وهو لا يستغنى عنه، لو وجد محدث يخرِّج رواياته ويبين ما يصح منها وما لم يصح، ومن كتبه النافعة الإتقان والجامعان الكبير والصغير ويحتاجان إلى تحقيق ما يصح من أحاديثهما وما لا يصح أيضًا، ومنها في اللغة المزهر والأشباه والنظائر النحوية، وقد بالغ الحافظ السخاوي في نقده والطعن فيه فيحتاج كلامه فيه إلى وزن وحكم عادل.

    وجملة القول فيه أنه خدم العلم خدمة كبيرة بقدر طاقته، فجزاه خيرًا على ما أحسن فيه وأصاب، وعفا عنه وغفر له ما أخطأ فيه بحسن نية، وجعلنا في كتبه وغيرها ممن قال فيهم: { فَبِشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ } (الزمر: 17-18).

    __________
    (1) مثاله أن ورود الأصابع في الحديث لا يفهم منه الناس إلا كما يستعملونه حتى اليوم في التصرف الدقيق الخفي، وحديث (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط) الحديث وفي رواية (يضع عليها قدمه) يفهمون منه أنه يقرها بعزته فهو من باب قوله صلى الله عليه وسلم في دماء الجاهلية ورباها (تحت قدمي) ويقاس على هذا غيره وهو ليس بإخراج عن ظاهره، بل هو على ظاهره ولكن بدون بحث في كنهه وكيفيته.
    (2) يجوز في مثل الدعاوى والفتاوى فتح الواو وكسرها واختلف أيهما أفصح وفي الحديث (لو يعطى الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم) إلخ وهو متفق عليه.




    المنار، المجلد 33، عدد ذو القعدة - 1352هـ الموافق فبراير - 1933م

  5. #5

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا أخي أبا الحسن على هذا النقل الماتع الذي أفدتمونا به أيما فائدة. وهو جلي في كون الشيخ على طريقة غير التي قد يتوهمها الكثيرون فيتسرعون في إلحاقه بمن تتلمذ على أيديهم و أخذ عنهم.

    وفي النقل أيضا ما يدلل على أن الشيخ كان معتدلا في الجرح و التعديل سالكا فيه سبيل الأولين مقتديا بأمثال الذهبي وغيره من أئمة العدل و الإنصاف. فإن الذهبي لما ترجم للجاحظ قال فيه كلاما قد لا يقوله الكثيرون ! فمع أنه ذكر فيه مجونا و قلة في الدين إلا أنه أنصفه فقال فيه : العلامة المتبحر، ذو الفنون ... صالحب التصانيف ... و كان أحد الأذكياء ... كان من بحور العلم و تصانيفه كثيرة جدا ... وكان باقعة في قوة الحفظ ...
    فعلى هذا جرى الشيخ رشيد رضا القلموني رحمه الله حين أنصف السبكي رحمه الله بما أنصفه به.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي القرآن كلام الله لا كلام جبريل ولا محمد عليهما السلام

    (س1) من الشيخ محمد عريقات، وإمام مسجد عز الدين في (برنبال) غربية.

    حضرة صاحب الفضيلة مولانا رشيد الأمة، ومرشدها الأوحد:

    أعرض على فضيلتكم مسألةً علميةً أرجو التكرم بإفادتي بالقول الفصل فيها، ولكم جزيل الثواب. وهي مسألة المنزل من القرآن هو اللفظ والمعنى، أو المعنى فقط، وعبر باللفظ محمد عليه السلام، أو جبريل، كما ذكره الباجوري على الجوهرة عند قول الناظم (ونزه القرآن، أي: كلامه إلخ) مع ترجيحه للقول الأول الذي هو اللفظ والمعنى معبرًا عنه بالراجح، مع أنهم ذكروا في الأصول من شروط الترجيح التساوي في القوة، فلا ترجيح بين القطعي والظني، بل يقدم القطعي اتفاقًا، والمتبادر لي أن من المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن كلام الله حقيقةً، وأنه المعجز الأكبر المتحدى به حقيقةً، كما لا يخفى هذا، ونصوص القرآن والسنة الناطقة بنزول القرآن بلفظه ومعناه كثيرة جدًّا لا تخفى على فضيلتكم، كقوله - تعالى -: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِياًّ لَّقَالُوا} (فصلت: 44) إلخ، وقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ} (يوسف: 2) ومثلها كثير في القرآن، وقوله: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} (القيامة: 16) إلخ، وقوله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} (المزمل: 5) إلخ، وقوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ} (الزمر: 23) وقوله: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ البَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} (المدثر: 25-26) إلخ، وقوله: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} (مريم: 97) إلخ، وقوله: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} (الإسراء: 106) وقوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (النحل: 101) وقوله: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (الشعراء: 192-195) ثم قال بعدها: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} (الشعراء: 198-199) إلخ، وقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} ( الطارق: 13-14)، وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (الزخرف: 3-4) وتتبع الآيات يطول ذكره، ولا يخفى على فضيلتكم.

    ومن السنة حديث متواتر ألا وهو قوله عليه السلام: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) فهل يعد ذلك القول بالقول الثاني والثالث كفرًا، كما هو ظني، أم لا ؟ وهل القول بهما الآن يعد كفرًا قطعًا، كما هو اعتقادي، أم لا ؟ أرجو التكرم بالقول الشافي، والجواب الكافي بالمنار الأغر في أقرب فرصة لا برحتم ملجأ للسائلين ونورًا مبينًا للمستضيئين، آمين.

    (المنار)
    ورد هذا السؤال منذ سنة ونصف، وطال الأمد على نشره والجواب عنه فأعاده صاحبه بالعبارة الآتية في أوائل هذا العام إذ كنا في سورية، وهذا نصه:

    فضيلة إمام العصر الوحيد، مولانا الأستاذ السيد محمد رشيد، نفع الله به الأمة، وكشف به كل غمة، آمين.

    هل القرآن كلام الله، أو كلام محمد، أو كلام جبريل ؟ وإذا كان المقطوع به المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن كلام الله - تعالى - فما الداعي للخلاف الذي ذكره السيوطي في الإتقان بأن المنزل من القرآن هو اللفظ والمعنى، أو المعنى فقط وعبر عنه محمد عليه السلام باللفظ العربي، أو المعنى فقط أيضًا، وعبر عنه جبريل باللفظ العربي، وكذا ذكره الباجوري على الجوهرة مرجحًا الأول، والأمير على الجوهرة أيضًا، والخضري في مقدمة التفسير، والآلوسي في تفسير {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} (الشعراء: 193-194) الآية، فهل هذا الخلاف له أصل مقبول معقول منقول، أو أنه مدسوس على أهل الملة ؟ وكيف يكون له أصل مع أن اعتقاد ظاهره كفر ؟ هذه مسألة من أهم أصول الدين، ولا تقليد في الأصول فما بقي إلا أن تقوموا بتحقيق الحق وإزالة حجب الحيرة عنه، وتتكرموا بإفادتنا بالمنار أو بالبريد، ولكم الشكر، لا برحتم عضد الحق، ونوال السائلين، آمين.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي القرآن كلام الله لا كلام جبريل ولا محمد عليهما السلام

    (ج)

    إن الذي ندين الله - تعالى - به عن علم يقيني راسخ هو أن هذا القرآن العربي المكتوب في المصاحف، المقروء بالألسنة باللغة العربية هو كلام الله - تعالى - المعجز للبشر ولغير البشر من الخلق، وأنه ليس لجبريل روح القدس منه إلا تبليغه عن الله - عز وجل - لخاتم الرسل عليه الصلاة والسلام كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له منه إلا تبليغه عن الله - تعالى - لمن أرسل إليهم، فجبريل عليه السلام تلقاه من الله - عز وجل - بالصفة التي تليق به - تعالى - ولا يعلمها من خلقه إلا جبريل، ومحمد صلى الله عليه وسلم تلقاه من جبريل بالوحي الذي لا يعرف كنهه إلا الرسل الذين تلقوا مثله عن جبريل، والصحابة سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، كما سمعه منهم التابعون، ومن تبعهم إلى عصرنا هذا، وكما يسمعه بعضنا من بعض بأصواتنا البشرية لا فرق بين قراءتنا له وقراءة من قبلنا إلا بما نعلمه من التفاوت في التجويد وحسن الأداء.

    وإنه ليعسر تعريف الكلام بحد جامع مانع تعرف به حقيقته منه كما يعسر تحديد مثله من الحقائق المعلومة بالضرورة، ومما يحسن أن يقال في تعريفه في الجملة أنه صفة من صفات العالِم، وشأن من شؤونه يتمثل به علمه في نفسه، وفي الخارج، وما يتمثل به العلم في الخارج من الكلام يصل به إلى غير صاحبه فيعلم به من يصل إليه من علم ذي الكلام ما تمثل له بصوت وحرف، أو بكتابة ورسم، أو بغير ذلك، فالإنسان منا يتكلم في نفسه فيهيئ فيها ما يريد أن يقوله لزيد أو عمرو، وينظم الشعر، ثم ينطق به، أو يكتبه، ثم يقرأه، وربما كتب شيئًا، ولم يقرأه، وإذا نطق بالكلام المتمثل في نفسه رسم نطقه في الهواء بصورة أو صفة غير التي يرسم بها في الصحف، فمن سمعه أدرك بسمعه مما رسم في الهواء عين ما هو مرسوم في لوح نفسه بصورة أخرى، وكذلك من رآه في الصحيفة يدرك مما رسم فيها غيره ما قام بنفس المتكلم، وتمثل فيها من ذلك.

    وقد اخترع البشر في العصر الأخير وسائل لأداء الكلام وتبليغه لم يكن يعرفها ولا يعقلها أهل العصور السابقة، كالتلغراف السلكي، والتلغراف الهوائي، أو اللاسلكي، وكل منهما مظهر من مظاهر الكلام النفسي ووسائل أدائه، ويسمى كلامًا حقيقيًّا لا مجازيًّا، وينسب كل كلام إلى من صدر عنه، وكان مجلى كلامه النفسي، فالجملة من كلام زيد من الناس يتناقلها الناس بألسنتهم وأقلامهم، وبآلات التلغراف والتلفون، وكل منهم يقول: إنها كلام زيد، فالكلام ما يتمثل به علم العالِم لنفسه أو لغيره، واختلاف صفة التمثيل للنفس ولغير النفس لا تمنع إطلاق اسم الكلام على كل منهما حقيقةً، فمن يرى في القرطاس:
    قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل...
    يقول: إن هذا كلام امرئ القيس، ومن يسمع ذلك من لسان أي إنسان يقول ذلك، ولم يقل أحد من العرب في هذا القول الذي كتب وعلق على الكعبة، ثم كتب في الصحف وقرأه الناس: إن لفظه المرسوم في الصحيفة هو كلام الراسم، وإن الذي أنشد على الناس منه هو كلام المنشد، وإن معناه لامرئ القيس فقط، أو إن ما تمثل من هذا النظم في نفس امرئ القيس هو شعره، وما نقرأه في الكتب أو من حفظنا لمعلقته هو كلامنا، ولا إن هذا كلامه مجازًا، وذلك كلامه حقيقةً، بل أجمعوا على أن هذه القصيدة كلامه، وأنه ليس لرواتها بالقول والكتابة حظ منها إلا النقل لكلام غيرهم.

    وإذا قدر البشر على تمثيل كلامهم النفسي بعدة مظاهر لا يختلف مدلولها عن مدلول ما في أنفسهم، فالله - تعالى - أقدر منهم على إبلاغ كلامه النفسي لرسله من الملائكة والناس بما يليق باستعداد كل منهم، فلا غرو من أن يكون لوحيه للملائكة صفة غير صفة وحيه للرسل من البشر فيما يكلمهم به بغير واسطة المَلَك، وأن يكون لما يسمعه النبي من الملك صفة غير صفة ما يسمعه الملك من الرب - سبحانه وتعالى - ولكن الكلام واحد في جميع مظاهره لا يختلف باختلاف طرق أدائه وتبليغه، كما نعرفه في الكلام المسموع بالآذان، والمقروء في الصحف، والمأخوذ من آلة التلغراف السلكي أو الهوائي، ومثله المرسوم في الهواء، أو ما تكيف به الهواء، وبهذا المثال يظهر للمتأمل أن تجلي كلام الله - تعالى – في الألسنة والصحف والهواء وآلات التلغراف، وفي اللوح المحفوظ، وفي أنفس الملائكة والبشر - لا يخرجه عن كونه كلامه - تعالى - ولا يقتضي أن تكون صفة الكلام النفسية له - تبارك وتعالى - مشابهةً لصفة الكلام في أنفس البشر، أو غيرهم من خلقه - تعالى - ولا أن يكون تكليمه للملائكة ولموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، كتكليم بعضنا لبعض، ولكن مؤداه واحد، فالذي نقرأه أو نكتبه في المصاحف هو عين ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم فتلقاه عنه بهذه اللغة العربية وهذا الأسلوب المعجز الذي يعجز عليه الصلاة والسلام كغيره من البشر عن مثله بمقتضى ملكته العربية، ولذلك نرى أسلوبه غير أسلوب الحديث، ونظمه غير نظمه، بل يكثر في الحديث من الألفاظ المترادفة، والصيغ المفردة غير ما في القرآن كلفظ (عرفة) وهو لم يذكر في القرآن إلا بلفظ (عرفات) ولفظ الصوم، وإنما ذكر في القرآن لفظ (الصيام).

    ولو كان ما تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم من كلام الله - تعالى - هو معاني القرآن دون عبارته، لكان القرآن كلامه صلى الله - تعالى - عليه وآله وسلم، لا كلام الله تعالى ؛ لأن الكلام هو العبارة التي تتجلى فيها المعاني من علم المتكلم، ومن أخذ عن غيره علمًا من العلوم ففهم منه القواعد والمسائل، ثم كتب في ذلك كتابًا، فإن ما في الكتاب من الكلام ينسب إلى كاتبه، لا إلى أستاذه الذي تلقى عنه تلك المعاني التي دونها في كتابه، والقرآن كلام الله - تعالى - نسب إليه في آيات كثيرة، كقوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} (التوبة: 6) وفي أحاديث متعددة، وأجمع على ذلك المسلمون، وإنما اختلف المتكلمون منهم في نظريات فلسفية في تعريف الكلام النفسي واللفظي، وفي كونه من الصفات التي تقوم بذات الله - تعالى - أو التي لا تقوم بها. تولَّدَ منها شبهات يصادم بعضها بعضًا، وكل ما خالف منها ما فهمه جمهور السلف الصالح من نصوص الكتاب والسنة فهو مردود على أهله بالنقل القطعي الذي لا مصادم له من البرهان العقلي.

    وأول من أحدث هذه النظريات في الإسلام الجعد بن درهم و جهم بن صفوان، ونصرت المعتزلة نظريات جهم، وانخدع ببعضها كثير من أهل السنة، وكان الإمام أبو الحسن الأشعري من نظار المعتزلة، ثم رجع إلى مذهب أهل السنة، ولكنه لم يترك نظرياتهم المخالفة للسلف كلها دفعةً واحدةً، ومذهبه في مسألة الكلام الإلهي لم يكن عين مذهب السلف ولا غيره من مذهب المعتزلة والجهمية، وقد تبعه فيها كثير من كبار النظار، كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وأشهر المصنفين في الكلام من أتباعه، وله عبارة في ذلك اتخذوها أصلاً وفرعوا عليها ؛ لذلك صار ينقلها علماء العقائد والمفسرون وشراح الأحاديث في كتبهم، ولا شك في كون بعض تلك البدع تعد خروجًا من الملة، وكون بعضها يستلزم ذلك، ولكن التحقيق عند علماء الأصول والكلام أن لازم المذهب ليس بمذهب، وأن أكثر أصحاب تلك النظريات المخالفة لظواهر نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح - لم يقولوا بها إلا عن شبهات عرضت لهم أو لغيرهم من المنكرين للإسلام فأرادوا أن يقيموا حجة الإسلام بما قالوه بحسب اجتهادهم، مع إذعانهم لأحكامه وعملهم به، فكيف يقدم أحد على تكفيرهم مع ذلك.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •