-
(45) فتوى السيوطي المبنية على تطور الولي:
في أول سطر من السؤال عن هذه الفتوى غلطتان: (إحداهما) في اسم الكتاب فإن اسمه (المنجلي ….) لا (القول الجلي …..) (والثانية) في الطلاق الذي سئل عنه المؤلف وهو الطلاق غير موصوف بالثلاث كما ذكر في السؤال، فهاتان الغلطتان مع الغلطة الأولى في مسألة السبكي التي بينتها في موضعها مما يوجب عليكم الدقة في النقل ومراجعة ما يكتبه لكم من تملون عليه لتثقوا بصحته.
وأما الفتوى فإنني أقول فيها - وإن لم أقابل ما لخصتموه منها بأصله – إن فيها خلطًا وخبطًا كثيرًا لا يمكن بسطه إلا في رسالة طويلة لا أرى حاجة إليها إذ يغني عنه القول بأن هذه الفتوى في تفصيلها رأي للسيوطي لا يجوز لأحد تقليده فيه، وغير المقلد من المفتين أو المستفتين ينظر في الدليل ويأخذ بما ظهر له صحته.
وهو قد بنى الفتوى بعدم وقوع الطلاق على أحد من الأربعة الذين حلفوا به من حيث الفقه على الترديد في إقامة البينة من بعضهم دون بعض وعدم إقامتها من أحد منهم، وإنما تطلب البينات وينظر في تعارضها والترجيح بينها في حال إقامة الدعاوي [2] فإن لم يكن هنالك دعوى فيفتي كل واحد بحلفه على اعتقاده. فإذا كان يعتقد أن من بات عنده في تلك الليلة هو فلان كما حلف، فلا يضره اعتقاد غيره أنه أخطأ، وإن كان يستحيل صدق كل واحد منهم بالفعل أو في اعتقاده، بل عليه أن يعتقد أن غيره كاذب ؛ لأن خبره الذي يحتمل الصدق والكذب لذاته قد تعين عنده أنه كاذب فيه ؛ لمخالفته لما ثبت عنده هو بالحس، والأصل فيه إفادة اليقين.
أكتفي بهذا في أصل الفتوى من حيث الفقه كما قال لأنها من الخيالات الخرافية التي قلما تقع. وألخص ما يستنبط منها من المسائل التي بنيت عليها وهي أهم منها، والمقصودة بالذات من نشرها، وأبين رأيي فيها.
(46) تطور الولي ووجوده في عدة أمكنة في وقت واحد:
إن علماء المعقول متفقون على أن وجود الجسم الواحد في مكانين أو أكثر في وقت واحد من المُحَال العقلي المعلوم بالبداهة أو الضرورة، ويحكمون بكذب مدعيه قطعًا، بل يجعلونه مثالاً للمحال. ولا يصح معارضة هذا الحكم القطعي الضرورة في عالم الشهادة باحتمال وقوع مثله عقلاً في عالم الغيب كالملائكة والجن أو ثبوته بنص شرعي قطعي، فإن لمن يسلم هذا أن يقول أن عالم الشهادة لا يقاس على عالم الغيب، وأن الذي رأى زيدًا من الناس عنده إنما رأى جسدًا من عالم الشهادة ذا روح، والجسد الخاص المعين لا يكون في مكانين في وقت واحد قطعًا، واحتمال تصرف روح الإنسان في هذا العالم بجسده وظهوره في جسدين أو أكثر مخالف لسنة الله تعالى في هذا العالم فلا يُبْنَى عليه حكم شرعي بل السيوطي يقول في هذه الفتوى: إن روح الولي في حال تشكله في الصور تكون في جسمه الأصلي، ويكون له أجسام أخرى من عالم المثال الذي هو عندهم وسط بين عالم الأرواح وهو ألطف منه، وعالم الأجسام وهو أكثف منه، وروحه تتصرف في الجسم الأصلي في الأجسام المثالية في وقت واحد.
فنقول في هذه الحال: إن جسمه الأصلي هو الذي تتحقق به حقيقته الكونية الشرعية، وتلك الأجسام التي تصرفت بها روحه غريبة من غير عنصر الأجسام البشرية، فلا يصح إعطاؤها حكمًا شرعيًّا من صلاة ولا حج ولا زواج ولا طلاق ولا غير ذلك من العقود والحدود الشرعية على فرض وقوع ذلك كما قيل، وهو ما لا يمكن إثباته بالفعل لما يعرض فيه من الاحتمالات، ومنها أن شيخ الإسلام ابن تيمية الجامع بين علوم النقل والعقل والتصوف يقول: إن الشخوص البشرية التي تظهر بصور بعض المشايخ وغيرهم هي من الجن، فالمتعبدة الصالحة منها لبعض مؤمني الجن ومنهم من ظهر بصورته هو في الموصل بمظهر صالح يليق به إذ كان هو بدمشق، والخبيثة الضارة لكفار الجن وشياطينهم كما نقلناه عنه قريبًا في التفسير.
على أن التحقيق أن عالم المثال الذي يدعي السيوطي أن الصوفية أثبتوا وجوده هو عالم تصور خيالي لا وجود له في الخارج، فهو كعالم الماهيات الهيولانية في فلسفة أفلاطون فلا وجود له في الخارج، وأصح منه الأثير الذي يقول به علماء المادة وسيأتي ذكره. وإن مسألة التجرد الروحانى والتشكل في الصور أمر آخر يظهر أن السيوطي لم يكن يعرفه ولا أئمته الذين اتكأ على أقوالهم في إمكان وجود الجسم في الأمكنة المختلفة واعتمد عليها فكانت كجسيم العاشق الذي قال لمعشوقته:
إن في بردي جسمًا ناحلا... لو توكأت عليه لانهدم
(47) وجود الشخص في الأمكنة:
قال السيوطي: (إن وجود الشخص الواحد في أمكنة متعددة في وقت واحد ممكن غير محال كما يتوهم، فقد نص الأئمة الأعلام أن ذلك من قسم الجائز الممكن - وسمى جماعة منهم ذكر السائل بعضهم ثم قال -: وحاصل ما ذكره في توجيه ذلك ثلاثة أمور:
(الأول) أنه من باب تعدد الصور بالتمثل والتشكيل كما يقع ذلك للجان
(والثاني) أنه من باب طي المسافة وزوي الأرض من غير تعدد فيراه كل في بيته وهو في بقعة واحدة إلا أن الله طوى الأرض ورفع الحجب المانعة من الاستطراق فظن أنه في مكانين وإنما هو في مكان واحد (قال) وهذا أحسن ما يحمل عليه حديث رفع بيت المقدس حتى رآه النبي صلى الله عليه وسلم بمكة حال وصفه إياه لقريش صبيحة الإسراء.
(الثالث) أنه من باب عظم جثة الولي بحيث ملأ الكون فشُوهِدَ في كل مكان كما قرر بذلك شأن ملك الموت و منكر و نكير حيث يقبض من مات في المشرق وفي المغرب في ساعة واحدة، ويسأل من قبر فيهما في الساعة الواحدة، فإن ذلك أحسن الأجوبة في الثلاثة ولا ينافي ذلك رؤيته على صورته المعتادة فإن الله يحجب الزائد عن الأبصار أو يدمج بعضه في بعض كما قيل بالأمرين في رؤية جبريل في صورة دحية، وخلقته الأصلية أعظم من ذلك بحيث إن جناحين من أجنحته يسدان الأفق) ا هـ المراد منه، وذكر بعده بعض أقوال أولئك الذين سماهم الأئمة في ذلك.
أقول: (أولا) إن مسألة المحال العقلي هي من أحكام العقل فآراء من سماهم الأئمة الأعلام وغيرهم من العقلاء فيها سواء، ولكن هؤلاء الأئمة الأعلام قد نبذوا حكم العقل وراء ظهورهم اتباعًا لدعاوي الصوفية، كما نبذه هو تقليدًا لهم، وإن كان قد ادعى الاجتهاد المطلق، فالصوفية قد صرَّحوا بأن كشفهم ودعاويهم مخالفة للعقل كما قال ابن عربي:
وإذا عارضك العقل فقل... طورك الزم ما لكم فيه قدم
وقال ابن الفارض:
فثم وراء العقل علم يدق عن... مدارك غايات العقول السليمة
(ثانيًا) إن ما وجهوه به وقلدهم فيه يدل على أنهم قد قلدوا الصوفية بغير عقل ولا فهم للنقل ولا لأقوالهم فإنهم يعنون به غير عالم الأجسام العنصرية، وقد كان منهم من لا يعرف حكم الشرع في ذلك.
(ثالثًا) تقدم أن العقل والشرع يمنعان من قياس عالم الشهادة ومنه الإنسان على عالم الغيب كالملائكة والجان، ونزيد عليه أنه لم يثبت بدليل عقلي ولا شرعي يحتج به أن الجني الواحد يتمثل بصور كثيرة في أماكن مختلفة في وقت واحد.
(رابعًا) إنه قد أخطأ وخلط بين الأمور التي وجهها به أئمته لعدم فهمها كما نبينه فيما يأتي:
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى