-
القرآن كلام الله لا كلام جبريل ولا محمد عليهما السلام
وقد رجع أشهر محققي المتكلمين من الأشاعرة في مسألة الكلام والقرآن والصفات إلى مذهب السلف في أواخر أعمارهم، ومنهم من أرجع كلام مخالفي السلف من أئمتهم إلى وفاق، وإليك ما قاله في مسألة الكلام علاّمتهم (العضد) صاحب كتاب الموافقات الشهير، ونقله عنه في شرحه له السيد الجرجاني قال: (واعلم أن للمصنف مقالةً مفردةً في تحقيق كلام الله - تعالى - على وفق ما أشار إليه في خطبة الكتاب، ومحصولها أن لفظ المعنى يطلق تارةً على مدلول اللفظ، وأخرى على الأمر القائم بالغير، فالشيخ الأشعري لما قال: الكلام هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده: مدلول اللفظ وحده، وهو القديم عنده، وأما العبارات فإنما تسمى كلامًا مجازًا ؛ لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه أيضًا، لكنها ليست كلامه حقيقةً، وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله- تعالى - حقيقةً، وكعدم المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي، وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقةً، إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية، فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد به المعنى الثاني فيكون الكلام النفسي عنده أمرًا شاملاً للفظ والمعنى جميعًا قائمًا بذات الله - تعالى - وهو مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسن، محفوظ في الصدور، وهو غير الكتابة والقراءة والحفظ الحادثة، وما يقال من أن الحروف والألفاظ مترتبة متعاقبة، فجوابه أن ذلك الترتب إنما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة، فالتلفظ حادث، والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوث اللفظ دون حدوث الملفوظ جمعًا بين الأدلة، وهذا الذي ذكرناه، وإن كان مخالفًا لما عليه متأخرو أصحابنا، إلا أنه بعد التأمل تعرف حقيقته. تم كلامه).
(قال السيد) : (وهذا المحمل لكلام الشيخ (أي الأشعري) مما اختاره الشيخ محمد الشهرستاني في كتابه المسمى بنهاية الإقدام، ولا شبهة في أنه أقرب إلى الأحكام الظاهرية المنسوبة إلى قواعد الملة) اهـ، فالسيد الجرجاني قد ارتضاه أيضًا.
وقول السيد في مقدمة العبارة (على وفق ما أشار إليه في خطبة الكتاب) يعني به قول صاحب المواقف في الكلام على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطبة ما نصه: (وأنزل معه كتابًا عربيًّا مبينًا، فأكمل لعباده دينهم، وأتم عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام دينًا، كتابًا كريمًا، وقرآنًا قديمًا، ذا غايات ومواقف، محفوظًَا في القلوب، مقروءًا بالألسن، مكتوبًا في المصاحف، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يتطرق إليه نسخ، ولا تحريف في أصله أو وصفه).
قال السيد الشارح في شرح ما قبل الجملتين الأخيرتين من هذه الأوصاف والنعوت: (وصف القرآن بالقدم، ثم صرح بما يدل على أنه هذه العبارة المنظومة، كما هو مذهب السلف حيث قال: إن الحفظ والقراءة والكتابة حادثة لكن متعلقها - أعني المحفوظ والمقروء والمكتوب - قديم، وما يتوهم من أن ترتب الكلمات والحروف وعروض الانتهاء والوقوف مما يدل على الحدوث، فباطل ؛ لأن ذلك لقصور في آلات القراءة، وأما ما اشتهر عن الشيخ أبي الحسن الأشعري من أن القديم معنى قائم بذاته قد عبر عنه بهذه العبارات الحادثة، فقد قيل: إنه غلط من الناقل منشأه اشتراك لفظ (المعنى) بين ما يقابل اللفظ وبين ما يقوم بغيره، وسيزداد ذلك وضوحًا فيما بعد إن شاء الله تعالى) اهـ.
ونقول: إذا كان ما ذكره (العلامة العضد) ووافقه عليه (السيد السند) هو مراد الشيخ الأشعري من عبارته المشهورة - التي لا يبعد ظاهرها الذي تمسك به جمهور أتباعه عن نظريات أصحابه القدماء من المعتزلة وغيرهم - فبها ونعمت، وإلا فهي مردودة عليه، وعلى كل من خالف السلف الصالح من أتباعه وغيرهم عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ولا يغترن أحد بتلك النظريات التي بنى عليها الجهمية والمعتزلة، وبعض الأشاعرة والكلابية وغيرهم أقوالهم في الكلام النفسي واللفظي، وجعل بعضه حقيقيًّا وبعضه مجازيًّا، ووصف بعضه بالقديم، وبعضه بالحادث، أو تسميته مخلوقًا، فكل ذلك مبني على الهرب من وصف الخالق بصفات المخلوقين لئلا يكونوا مشبهين له بخلقه، ومذهب السلف مبني على وصفه - تعالى - بكل ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وإسناد ما أسنده إليه كلامه وكلام رسوله مع الجزم بالتنزيه، وكونه ليس كمثله شيء، كما نزه نفسه وقامت البراهين العقلية على تنزيهه، ولا تنافي بين الأمرين ولا تناقض، على أن الأشاعرة قد أجمعوا بعد تفلسف بعضهم في الكلام النفسي واللفظي بما تفلسفوا به عن ما هو معلوم من الدين بالضرورة من أن ما بين دفتي المصحف كلام الله - تعالى - حقيقةً، ليس للنبي صلى الله عليه وسلم فيه كسب، وإنما هو مبلغ له عن ربه - عز وجل - كما أمره بقوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (المائدة: 67).
وجملة القول أن ما نزل به الروح الأمين من كلام الله - تعالى - على قلب محمد صلى الله عليه وسلم هو هذا القرآن العربي ذو الأسلوب الذي علا جميع أساليب العرب، فبلغه صلى الله عليه وسلم كما تلقاه ووعاه بدون أدنى تصرف فيه، ولو تصرف فيه أدنى تصرف لذكر مضمون الأمر دون التلفظ بفعل الأمر الذي خوطب به في مثل قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (الكهف: 110) وقوله عز وجل: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} (النمل: 91) فلم يذكر لفظ (قل) في مثل هذه الآيات وهو كثير، ولو تصرف فيه أدنى تصرف لما ذكر في أثناء بعض السور ما ألقي إليه على طريقة الاستطراد الذي اقتضته الحال في وقت تبليغ السورة فكان كالأجنبي منها، كقوله - تعالى - في سورة القيامة في سياق الكلام عن حال الإنسان وشأنه في القيامة: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 16-19) فهذه الآيات أجنبية عما قبلها وعما بعدها خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء وحي السورة إليه ؛ لأنه أنشأ يقرأ بلسانه ما كان يلقى إليه قبل أن يتم وحيه خوفًا أن ينسى شيئًا منه، فخوطب بهذه الآيات على طريقة الالتفات والاستطراد ليطمئن ويعلم أن الله - تعالى - عصمه من نسيان شيء من القرآن، وهو في معنى قوله - تعالى - في سورة طه: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} (طه: 114) ولو كان الذي ألقي إليه المعنى دون العبارة لكان تدبره وإطالة الفكر فيه مع السكوت هو الذي يثبته في ذهنه بحسب العادة، لا تحريك اللسان بالعبارة المكتسبة التي يؤديه هو بها، فتحريك لسانه قبل نهي الله - تعالى - إياه عنه دليل على أنه كان يُلقى إليه المعنى في العبارة المخصوصة، فحرك لسانه بقراءة العبارة لئلا ينسى شيئًا منها، فنهاه - تعالى - عن ذلك، وأخبره أنه ضمن له العصمة من ضياع شيء منه.
وقد صح في التفسير المأثور أن المراد بقوله - تعالى -: (قرآنه) : مصدر قرأ، أي: قراءته أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وغيرهم عن ابن عباس في تفسير الآية، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدةً، وكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن يتفلت منه، يريد أن يحفظه فأنزل الله: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (القيامة: 16-17) قال: يقول: إن علينا أن نجمعه في صدرك، ثم تقرؤه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} (القيامة: 18) يقول: إذا أنزلناه عليك {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (القيامة: 18) : فاسمع له، وأنصت {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 19) : أن نبينه بلسانك، وفي لفظ: علينا أن تقرأه، فكان رسول الله بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق - وفي لفظ استمع - فإذا ذهب قرأ، كما وعده الله عز وجل، وفي رواية: قرأ كما أقرأه، ولو لم يرد في المسألة إلا هذه الآية وتفسيرها المأثور في الصحيح لكفى بها إثباتًا لكون النبي صلى الله عليه وسلم ليس له من عبارة القرآن إلا حفظها، كما أوحيت إليه وتبليغها، كما حفظها معصومًا من الخطأ والنسيان فيها، فكيف والآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة، ومنها ما ذكره السائل في سؤاله الأول. وإننا لا نرى فائدة ما في شرح تلك النظريات والشبهات الباطلة التي ترتب عليها ذلك القول الباطل الذي جزم السائل بكونه كفرًا، ولكننا نذكر السائل والقارئ بأن أهل الحق يتحامون التكفير ما أمكن، ويشترطون في تكفير المخالف للنصوص أن لا يكون مجتهدًا متأولاً، وإننا ننقل هنا نبذةً نافعةً في هذه المسألة من كتاب (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، قال في أثناء شرح مسألة الكلام الإلهي وأقوال الفرق فيها، وعبارة الأشعري التي تقدم تأويل صاحب المواقف لها، ونصر القاضي أبي بكر الباقلاني الشهير له فيما فهمه هو والجمهور منها، ما نصه:
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى