-
القرآن كلام الله لا كلام جبريل ولا محمد عليهما السلام
(وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول) وذكر اثني عشر إمامًا، الشافعي ومالك، والثوري، وأحمد، وابن عيينة، وابن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم قال فيه: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرايني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعًا من الله - تعالى - والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومنقوشًا، وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين.
قال الشيخ أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد (أي: الإسفرايني) شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام قال: ولم تزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن يُنسبوا إلى الأشعري، ويتبرأون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحَوْم حواليه، على ما سمعت (من) عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن ابن أحمد بن علي الساجي، يقول: سمعنا جماعةً من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علمًا وأصحابًا إذا سعى إلى الجمعة من قطيعته إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوري المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قال ابن حنبل لا كما يقوله الباقلاني، وتكرر ذلك منه جُمُعًا، فقيل له في ذلك فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح، ويشيع الخبر في أهل البلاد أنني بريء مما هم عليه، يعني: الأشعرية، وبريء من مذهب أبي بكر الباقلاني ؛ فإن جماعةً من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفيةً ويقرءون عليه فيفتنون بمذهبه فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعته لا محالة فيظن ظان أنهم مني تعلموه، وأنا ما قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته.
قال الشيخ أبو الحسن: وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه الأصبهاني يقول: سمعت شيخنا الإمام أبا بكر الزاذقاني يقول: كنت في درس الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكان ينهى أصحابه عن الكلام، وعن الدخول على الباقلاني فبلغه أن نفرًا من أصحابه يدخلون عليه خفيةً لقراءة الكلام، فظن أني معهم ومنهم، وذكر قصةً قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لي: يا بني قد بلغني أنك تدخل على هذا الرجل - يعني: الباقلاني - فإياك وإياه فإنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلالة، وإلا فلا تحضر مجلسي، فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل وتائب إليه، واشهدوا علي أني لا أدخل إليه. قال أبو الحسن: وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدةً من المشايخ والأئمة ببغداد - أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم - قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام متبرقعًا خوفًا من الشيخ أبي حامد الإسفراييني، قال أبو الحسن: ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول فقه الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذقاني، وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق في كتابه (اللمع والتبصرة) حتى لو وافق قول الأشعري وجهًا لأصحابنا ميزه، وقال: هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية، ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلاً عن أصول الدين.
(قلت[أي ابن تيمية]) : هذا المنقول عن الشيخ أبي حامد وأمثاله من أئمة أصحاب الشافعي أصحاب الوجوه، معروف في كتبهم المصنفة في أصول الفقه وغيرها، وقد ذكر ذلك الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، وأبو إسحاق الشيرازي، وغير واحد بينوا مخالفة الشافعي وغيره من الأئمة لقول ابن كلاب والأشعري في مسألة الكلام التي امتاز بها ابن كلاب والأشعري عن غيرهما، وإلا فسائر المسائل ليس لابن كلاب والأشعري بها اختصاص، بل ما قالاه قاله غيرهما إما من أهل السنة وإما من غيرهم، بخلاف ما قاله ابن كلاب في مسألة الكلام، واتبعه عليه الأشعري فإنه لم يسبق ابن كلاب إلى ذلك أحد، ولا وافقه عليه أحد من رؤوس الطوائف، وأصله في ذلك هي مسألة الصفات الاختيارية ونحوها من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته هل تقوم بذاته أم لا، وكان السلف والأئمة يثبتون ما يقوم بذاته من الصفات والأفعال مطلقًا، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر ذلك مطلقًا، فوافق ابن كلاب السلف والأئمة في إثبات الصفات، ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال به وما يتعلق بمشيئته وقدرته، ولهذا وغيره تكلم الناس فيمن اتبعه كالقلانسي والأشعري ونحوهما بأن في أقوالهم بقايا من الاعتزال، وهذه البقايا أصلها هو الاستدلال على حدوث العالم بطريقة الحركات، فإن هذا الأصل هو الذي أوقع المعتزلة في نفي الصفات والأفعال، وقد ذكر الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب أنه طريق مبتدع في دين الرسل، محرم عندهم، وكذلك غير الأشعري كالخطابي وأمثاله، يذكرون ذلك لكن مع هذا قد وافق ابن كلاب فيما يضاهيه. وهذا الذي نقلوه من إنكار أبي حامد وغيره على القاضي أبي بكر بن الباقلاني هو بسبب هذا الأصل، وجرى له بسبب ذلك أمور أخرى، وقام عليه الشيخ أبو حامد، والشيخ أبو عبد الله بن حامد وغيرهما من العلماء من أهل العراق وخراسان والشام، وأهل الحجاز ومصر مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة والمحاسن الكثيرة، والرد على الزنادقة، والملحدين، وأهل البدع حتى إنه لم يكن في المنتسبين إلى ابن كلاب والأشعري أجل منه ولا أحسن تصنيفًا، وبسببه انتشر هذا القول، وكان منتسبًا إلى الإمام أحمد وأهل السنة حتى كان يكتب في بعض أجوبته محمد بن الطيب الحنبلي، وكان بينه وبين أبي الحسن التميمي وأهل بيته من التميميين من الموالاة والمصافاة ما هو معروف، كما تقدم ذكر ذلك، ولهذا غلب على التميميين موافقته في أصوله، ولما صنف أبو بكر البيهقي كتابه في مناقب الإمام أحمد، وأبو بكر البيهقي موافق لابن الباقلاني في أصوله ذكر أبو بكر اعتقاد أحمد الذي صنفه أبو الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي، وهو مشابه لأصول القاضي أبي بكر، وقد حكى عنه أنه كان إذا درس مسألة الكلام على أصول ابن كلاب والأشعري يقول: هذا الذي ذكره أبو الحسن أشرحه لكم، وأنا لم تتبين لي هذه المسألة، فكان يحكي عنه بالوقف فيها إذ له في عدة من المسائل قولان وأكثر، كما تنطق بذلك كتبه، ومع هذا تكلم فيه أهل العلم، وفي طريقته التي أصلها هذه المسألة بما يطول وصفه كما تكلم من قبل هؤلاء في ابن كلاب ومن وافقه حتى ذكر أبو إسماعيل الأنصاري قال: سمعت أحمد بن أبي رافع وخَلْقًا يذكرون شدة أبي حامد - يعني: الإسفراييني - على ابن الباقلاني قال: وأنا بلغت رسالة أبي سعد إلى ابنه سلام ببغداد: إن كنت تريد أن ترجع إلى هراة فلا تقرب الباقلاني، قال: وسمعت الحسين بن أبي أمامة المالكي يقول: سمعت أبي يقول: لعن الله أبا ذر، فإنه أول من حمل الكلام إلى الحرم، وأول من بثه في المغاربة.
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى