-
القرآن كلام الله لا كلام جبريل ولا محمد عليهما السلام
قال ابن تيمية: (قلت) : أبو ذر فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة، وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف به، وكان قد قدم إلى بغداد من هراة فأخذ طريقة ابن الباقلاني وحملها إلى الحرم فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم، كأبي نصر السجزي وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين بما ليس هذا موضعه، وهو ممن يرجح طريقة الثقفي والضبعي على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث، وأهل المغرب كانوا يحجون فيجتمعون به، ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة، ويدلهم على أصلها، فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق، كما رحل أبو الوليد الباجي فأخذ طريقة أبي جعفر السمناني الحنفي صاحب القاضي أبي بكر، ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي، فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد.
ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيه بصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكرها المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوسطها، وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله - تعالى - يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز عن السيئات {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (الحشر: 10).
ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في بعض ذلك، فالله يغفر له خطأه تحقيقًا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (البقرة: 286) ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صوابًا بعد اجتهاده، وهي من البدع المخالفة للسنة، فإنه يلزمه نظير ذلك، أو أعظم، أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه فقلّ من يسلم من ذلك في المتأخرين لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول عن القلوب الشك والارتياب، ولهذا تجد كثيرًا من المتأخرين من علماء الطوائف يتناقضون في مثل هذه الأصول ولوازمها فيقولون القول الموافق للسنة، وينفون ما هو من لوازمه غير ظانين أنه ينافيه، ويقولون بملزومات القول المنافي، الذي ينافي ما أثبتوه من السنة، وربما كفّروا من خالفهم في القول المنافي وملزوماته، فيكون مضمون قولهم أن يقولوا قولاً، ويكفروا من يقوله ! ! وهذا يوجد لكثير منهم في الحال الواحد لعدم تفطنه لتناقض القولين، ويوجد في الحالين لاختلاف نظره واجتهاده، وسبب ذلك ما أوقعه أهل الإلحاد والضلال من الألفاظ المجملة التي يظن الظان أنه لا يدخل فيها إلا الحق والباطل، فمن لم ينقب عنها أو يستفصل المتكلم بها، كما كان السلف والأئمة يفعلونه صار متناقضًا أو مبتدعًا ضالاًّ من حيث لا يشعر، وكثير ممن تكلم بالألفاظ المجملة المبتدعة، كلفظ الجسم، والجوهر، والعرض، وحلول الحوادث، ونحو ذلك كانوا يظنون أنهم ينصرون الإسلام بهذه الطريقة، وأنهم بذلك يثبتون معرفة الله وتصديق رسله، فوقع من الخطأ والضلال ما أوجب ذلك، وهذه حال أهل البدع، كالخوارج وأمثالهم، فإن البدعة لا تكون حقًّا محضًا موافقًا للسنة ؛ إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلاً، ولا تكون باطلاً محضًا لا حق فيه ؛ إذ لو كانت كذلك لم تَخْفَ على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل، إما مخطئًا غالطًا، وإما متعمدًا لنفاق فيه وإلحاد، كما قال تعالى: {وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} (التوبة: 47) فأخبر أن المنافقين لو خرجوا في جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالاً، ولكانوا يسعون بينهم مسرعين يطلبون لهم الفتنة، وفي المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم، إما لظن مخطئ، أو النوع من الهوى، أو لمجموعهما فإن المؤمن إنما يدخل عليه الشيطان بنوع من الظن واتباع هواه.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات) وقد أمر المؤمنين أن يقولوا في صلاتهم: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} (الفاتحة: 6-7) فالمغضوب عليهم عرفوا الحق ولم يعملوا به، والضالون عبدوا الله بلا علم، ولهذا نزه الله نبيه عن الأمرين بقوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (النجم: 1-2) وقال - تعالى -: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} (ص: 45) اهـ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وهو فصل الخطاب في هذا الباب.
المنار، عدد ذو الحجة - 1338هـ الموافق سبتمبر - 1920م
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى