-
وقد أورد ابن القيم في إعلام الموقعين شواهد كثيرة جدًّا من رد الفقهاء للأحاديث الصحيحة عملاً بالقياس أو لغير ذلك، ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقيه، وقد أورد لهذا أكثر من ستين شاهدًا (فلتراجع في ج 14و 15و 16 من مجلد المنار السادس) وسنورد في الجزء الآتي شيئًا مما ورد في نهي الصحابة عن الرواية، وفي عملهم بالحديث كيف كان، فقد أطلنا الآن) اهـ.
ثم إننا وافينا بهذا الوعد في مقال نشرناه في ص 849 - 854 من المجلد العاشر نفسه عنوانه (نهي الصحابة ورغبتهم عن الرواية) ذكرنا فيه أهم الروايات التي أوردها الحافظ ابن عبد البر وغيره، وما ذكروه من الروايات المعارضة لها في الظاهر دون الواقع، وما ذكروه من الترجيح مع نقده، وحاصل جمعنا بينها أن السنة بالمعنى المعروف في عصر الصحابة هي التي كانت تعد من الدين وكانوا يأمرون باتباعها والمحافظة عليها ثم ختمنا هذا المقال بقولنا:
(وليعلم القارئ أن هذا البحث الأصولي بمعزل عن مسألة اهتداء المسلم بما يصح عنده من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم فتلك الأقوال هي ينابيع الحكم، ومصابيح الظلم، وجوامع الكلم، ومفخر الأمة على جميع الأمم، بل إن في الأحاديث التي لم تصح أسانيدها من البدائع، والحكم الروائع، والكلم الجوامع، ما تتقاصر عن مثله أعناق العلماء، وتكبوا في غاياته فرسان الحكماء، ولا تبلغ بعض مداه قرائح البلغاء، ولا غرو فإن من الأحاديث ما صحت متونه، ولم تصح أسانيده، كما أن منها ما أشكلت متونه، وإن سلم من الطعن رواته، وأنًَّى لغيرنا ببعض ما عندنا من الأسانيد لأقوال حكمائهم، أو لكتب أنبيائهم، فنحن يسهل علينا من التمحيص والتحقيق ما لا يسهل على غيرنا فليتدبر المتدبرون، وليعمل العاملون) اهـ.
فعلم مما تقدم كله أن ما ذكره الأمير من روايات في تحامي بعض كبار علماء الصحابة التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح أن يجعل دليلاًَ على صحة ما استشكله من جعل العلماء كتب الحديث ولا سيما الصحيحين مراجع في الشرع بل ناهيك بما ذكر في هذه الروايات من تهيب أولئك الصحابة للتحديث وتعليله بخوفهم من الخطأ في أداء الحديث أن يدخلوا في عموم من يتناولهم وعيد قوله صلى الله عليه وسلم: (من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) وهو متواتر عنه صلى الله عليه وسلم بلفظه، ومن رواته الزبير وسعد بن أبي وقاص و ابن مسعود رضي الله عنهم وورد بحذف كلمة (متعمدًا) فإن هذا يصح أن يجعل دليلاً على أن قلة تحديثهم ليس لاعتقادهم أن أحاديث الآحاد القولية ليست من أصول الشرع وأدلته، بل من ورعهم وتحريهم نقل الحديث بلفظه، وقد صح عنهم أنهم حدثوا في روايات أقوى من هذه الروايات التي ذكرها ابن سعد في طبقاته كما تقدم ولكن الجمهور قد جوَّزوا بعدهم روايته بالمعنى فكان مثار مشكلات كثيرة.
وإنما يتجه استشكاله إذا بناه على تلك الروايات التي أوردناها في المجلد العاشر من المنار، وأشرنا إليها آنفًا، وقد أجاب العلماء عنها بأجوبة بيَّنا هنالك ما فيها من ضعف وذكرنا هنا نموذجًا منه، وفيما ذكره من الروايات أن بعض الصحابة كان يخاف أن يحدث من يحضره من التابعين فيزيدوا في حديثه ما ليس منه ولو سوء الفهم. ولكن وجد من الصحابة من كان لا يتحامى التحديث كهؤلاء، بل وجد فيهم من تفرغ له وجعله كل همه من حياته كأبي هريرة الذي كان أقل ما يروي من سماعه وأكثره عن غيره من الصحابة وعن التابعين أيضًا حتى عن كعب الأحبار وكان مع ذلك قلما يذكر سماعًا، فأكثر ما روي عنه عنعنة كانت مصدر مشكلات كثيرة، وإن لم يتعمد التدليس فيها، كل هذا وقع ولم يشدد الخلفاء بعد عمر رضي الله عنه بكتابة السنن لأجل ضبطها والتمييز بينها، ثم تصدَّى الحُفَّاظ الجامعون لها في المسانيد والسنن للتمييز بين صحيحها وسقيمها، وما يحتج به، وما لا يحتج به منها، وتوقف ذلك على كتابة تواريخ الرواة ونصب ميزان الجرح والتعديل للحكم عليها فكان ذلك منجاة من أكثر مشكلات تلك الفوضى.
ومع هذا كله لم يوجب أحد من علماء المسلمين العمل بكتاب من الكتب المُؤلفة في الحديث بل طلب بعض الخلفاء من الإمام مالك أن ينشر له كتابه الموطأ في الأقطار ويحمل المسلمين على العمل به، فامتنع مالك من ذلك على شدة تحريه في جميع روايات الموطأ ومواطأة جُلّ علماء المدينة له عليه، وإنما كان الصحابة والتابعون متفقين على أنه يجب على المسلمين أن يأخذوا دينهم من كتاب الله في المرتبة الأولى ثم من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يعنون بالسنة الطريقة المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم بالعمل لا الروايات النادرة التي لم يكن يعرفها إلا رواتها من الآحاد، وهذا أمر قطعي لا خلاف فيه، ثم صار علماء الأمصار يطلقون اسم السنة على كل ما روي في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول وعمل وتقرير وصفة، وقرَّروا أن كل ما ثبت من ذلك متعلقًا بالتشريع فهو من دلائل هذا الدين وشرعه، وإنما يخرج من ذلك ما كان من أمور العادات وشئون الدنيا كالزراعة والصناعة والأكل والشرب مما لم يحرم بالنص، فأفعاله صلى الله عليه وسلم فيها تدل على الإباحة ويطلقون على الأمر فيها لقب الإرشاد كما فصَّلناه في كتاب (يسر الإسلام …) وغيره.
ثم كان من هدي علماء الأمصار في عصر الرواية أن يهتدي كل منهم بما يصح عنده من أحاديث الآحاد، وإن لم تصر سنة متبعة بالعمل بحسب فهمه واجتهاده، ولا يعد من لم يبلغه ذلك أو من لم يصح عنده ناقصًا في دينه أو مقصرًا فيه ولا يعدون اجتهادهم في تصحيح الحديث، وفي كونه مما يحتج به تشريعًا عامًّا إلا أن بعض الذين وقفوا حياتهم على رواية الأحاديث كانوا يعيبون المقلين من الرواية والآخذين بالرأي والقياس ويسمونهم أهل الرأي، ولكنهم لا يعدونهم ضالين كالمبتدعة، فإمامهم الأعظم أبو حنيفة معدود من أئمة أهل السنة ولم يعبأ جمهور علماء الملة بما روى الخطيب وغيره من الطعن فيه، وصاحبه أبو يوسف معدود من أئمتهم أيضًا، وكان قاضي هارون الرشيد ومفتيه، ولم ينكر ذلك أحد من أئمة عصره، وأما صاحبه الآخر محمد بن الحسن فاشتغل بالحديث أكثر من صاحبيه، وتلقى المؤطأ عن الإمام مالك، ولقي الشافعي وأحمد واطلعا منه على فقه أبي حنيفة فسرت إليهما عدوى التوسع في القياس بعد أن قال أحمد: سألت الشافعي فقال: هو كلحم الميتة يلجأ إليه عند الضرورة، ولم يكن لهما ولا لغيرهما مندوحة عن القياس والرأي بعد التصدي للفتوى العامة في عصر كثرت فيه أسئلة الناس ومشكلاتهم الدينية وقضاياهم المدنية والجزائية باتساع دائرة الحضارة وكثرة أسباب المعايش والأعمال.
ومن المعلوم أن بعض أئمة فقهاء الحديث أنكروا حجية القياس مطلقًا، وخص الإنكار بعضهم بغير الجلي أو بالخفي منه، أو ما كان علته غير منصوصة، وخصَّه المحققون من القائلين بغير به العبادات، وأما التعبدي منها، وما يتعلق بعالم الغيب فلا وجه للقياس فيه مطلقًا، ولكن المتأخرين من المصنفين المقلدين يدخلون فيها القياس، وهم ليسوا منه أهله، وصار كلامهم مسلمًا عند العامة كقول بعضهم بجواز وضع الستور على القبور قياسًا على الكعبة، وجواز تقبيل الحجارة وغيرها مما يُوضع على قبور الصالحين قياسًا على الحجر الأسود، دع تقبيل مفاتيح الكعبة وغيرها، وقياس حياة الشهداء وغيرهم في البرزخ من عالم الغيب على حياة الدنيا واستنباطهم من ذلك جواز قضائهم حاجات الذين يدعونهم من دون الله ومع الله فيما لا يقدر عليه إلا الله بل يقولون بوقوعها، وإن كان هذا شركًا، ويدخلون ذلك كله في باب القُرْبَة والتعبد وهو تشريع لم يأذن به الله ولا يرتضيه أئمة الدين.
وقد أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه حين أرسله إلى اليمن أن يجتهد رأيه في الحكم ؛ إذا عرضت له قضايا لا يجد فيها نصًّا في القرآن ولا سنة من أحكام الرسول التي جرى عليها العمل في عهده، ولكن الفقهاء توسعوا في هذا الإذن فجعلوا أحاديث الآحاد حتى الشاذ والمفرد والمرسل، وكذا الضعيف غير الواهي منها في حكم السنة المتبعة على خلاف بينهم في ذلك، واصطلحوا على تسمية ذلك كله سنة، وجعل أكثرهم اجتهاد الرأي عامًّا في العبادات والمعاملات الشخصية لا خاصًّا بالقضاء كمورده، كما جعلوا الإجماع الاصطلاحي في كل عصر حجة شرعية، وما ثبت عندهم بذلك دينًا على إنكار بعض أئمة الهدى كالإمام أحمد لما عدا إجماع الصحابة، ووافقه بعض علماء الأصول على عدم إمكان العلم بهذا الإجماع إن وقع مع الشك في إمكان وقوعه، عادة، ولكن بعض المتأخرين حتى من الحنابلة جعلوا اتفاق الأئمة الأربعة حجة.
فكان ذلك له سببًا لكثرة التكاليف والتشديد في الدين، ولا سيما جعل كل ما كتب في الفقه دينًا يجب على الأمة اتباعه، وأما الأئمة فلم يطالبوا الأمة إلا بما ثبت قطعيًّا، وأما ما فيه مجال للاجتهاد من دليل ومدلول، فلم يكلفوا به إلا من ثبت عنده وحرموا تقليدهم فيما ثبت من اجتهادهم، وقد فصَّلنا كل هذا في مواضع من المنار والتفسير فكثرت بذلك أحكام العبادات والحلال والحرام وسائر المعاملات بعدهم على خلاف ما كان يريد الرسول صلى الله عليه وسلم كما شرحنا ذلك في بحث يسر الإسلام الذي نشر في كتاب مستقل، فعلى من أراد الإحاطة بالبحث مع جميع أطرافه مراجعة الكتابين أيضًا. وأما ما بالغ فيه بعض المؤلفين من عد أحاديث الصحيحين ولا سيما البخاري قطعية فقد بيَّنا خطأه فيها ونقلنا عن علماء هذا الشأن ما يؤيد كلامنا، وسنعود إليه عند دفع بعض مشكلات هذه الروايات كما تقدم لنا في مشكلات أشراط الساعة ولا سيما أحاديث الدجال والمهدي، وحسبنا هذا الآن.
المنار، المجلد التاسع والعشرون، عدد ربيع الآخر - 1347هـ، الموافق أكتوبر - 1928م
-
السؤال
ما درجة حديث النهي عن تعليم النساء الكتابة وهل له معارض ؟ وما رأيكم في هذا التعليم ؟ والحديث المشار إليه ذكره في فتح البيان عن البيهقي والحاكم وابن مردويه وسكت عليه ، فهل ذكر الحاكم له يفيد صحته .
الجواب
لم يصح في النهي عن تعليم النساء الكتابة شيء ، وليس كل ما يرويه الحاكم صحيحًا ؛ بل صَحَّحَ في مستدركه على الصحيحين أحاديثَ جزموا بأن بعضها ضعيف وبعضها موضوع ، ومنها هذا الحديث الذي يشير إليه السائل : ( لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة ) رواه في المستدرك من طريق عبد الوهَّاب بن الضحَّاك عن عائشة ، وهو كذاب كما قال أبو حاتم ، متروك كما قال النسائي ، منكر الحديث كما قال الدارقطني : وقال الحافظ ابن حجر في الأطراف - بعد ذكر تصحيح الحاكم له - : بل عبد الوهاب متروك ، وقد تابعه محمد بن إبراهيم الشامي عن شعيب بن إسحق ، وإبراهيم رماه ابن حبان بالوضع . وابن حبان هو الذي روى حديثه هذا في كتاب الضعفاء ، وقال الدارقطني فيه : كذّاب . وأخرج ابن حبان في الضعفاء أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا : ( لا تعلموا نساءكم الكتابة ) وفي سنده جعفر بن نصر وهو متّهم بالكذب كما قال الذهبي .
وهذه الروايات الواهية أو الموضوعة معارَضة بروايات صحيحة في مشروعية تعليم النساء الكتابة ؛ منها حديث الشفاء التي علمت حفصة أم المؤمنين الكتابة ، وقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - مرةً مازحًا : ( ألا تعلمين هذه رُقية النملة كما علمتها الكتابة ) رواه أحمد وأبو داود بسند رجاله رجال الصحيح ، إلا إبراهيم بن مهدي البغدادي المصيصي ؛ وهو ثقة كما قال : ابن القيم ، ورواه النسائي والحاكم وصححه ، وغيرهم ، وقد صرّح كثير من العلماء بأن حديث الشفاء يدل على جواز تعليم وتعلم النساء الكتابة ، وفي الأدب المفرد للبخاري : أن عائشة بنت طلحة كانت في حِجْرِ عائشة أم المؤمنين تكاتب الرجال ، كانوا يكتبون إليها من الأمصار ويهدونها ؛ لمكانها من أمِّ المؤمنين ؛ فتأمرها أمُّ المؤمنين بأن تحييهم على كتبهم وتثيبهم على هداياهم . وعلى هذا جرى المسلمون فكان فيهم كثير من الكاتبات العالمات بالحديث والأدب والفنون . وهنَّ يدخلن في عموم خطاب الشرع في جميع أحكامه إلا ما خصص ، ومن مقاصد الشرع إخراج الأمة من الأمية وتعليمها الكتاب والحكمة كما هو منصوص في كتاب الله تعالى .
المنار، المجلد السابع عشر، عدد ربيع أول - 1332هـ، الموافق فبراير - 1914م
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى