" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة"...
ما الانسان؟
ما وظيفته؟
ما دوره في الحياة؟
ما طاقاته؟ وما حدود هذه الطاقات؟
تلك أسئلة ينبغي أن نعرف جوابها قبل أن نبدأ البحث في " النفس الانسانية" ! لتكون هدىً لنا في هذا البحث, ولنكون على بينة_ قبل بدء التحليل والتركيب _ أننا لا نشطح بعيداً عن الحدود التي يحددها وجود هذا الانسان وطبيعته.
يقول ألكسيس كاريل في كتابه" الانسان... ذلك المجهول", وهو عالم مثقف أتيحت له_ كما يقول في مقدمة هذا الكتاب_ فرص نادرة للبحث والاطلاع في شتى فنون المعرفة, من طب وطبيعة وكيمياء, وعلم وظائف الأعضاء وعلم الحياة, والآداب والفنون:
" هناك تفاوت عجيب بين علوم الجماد وعلوم الجياة... وعلوم الفلك والميكانيكا والطبيعة, تقوم على آراء يمكن التعبير عنها بسداد وفصاحة باللغة الحسابية. وقد أنشأت هذه العلوم عالماً متناسقاً كتناسق آثار اليونان القديمة. إنها تنسج حول هذا العالم نسيجاً رائعاً من الإحصاءات والنظريات. إنها تبحث عن الحقيقة فيما وراء مملكة تمتد من الفكر الشائع إلى المعنويات غير المنطوقة التي تتكون من المعادلات الجبرية والرموز فقط.... بيد أن موقف علوم الحياة يختلف عن ذلك كل الاختلاف, فهم يرزحون تحت عبء أكداس من الحقائق التي يستطيون أن يصفوها, ولكنهم يعجزون عن تعريفها أو تحديدها في معادلات جبرية....
وما ذلك النجاح السريع الذي نراه في علمي الطبيعة والكيمياء إلا أنهما علمان معنويان كميان... وبتعلمنا سر تركيب المادة وخواصها استطعنا الظفر بالسيادة تقريباً على كل شيء موجود على ظهر البسيطة... فيما عدا أنفسنا...
".... ولكن علم الكائنات الحية بصفة عامة_ والانسان بصفة خاصة_ لم يصب مثل هذا التقدم... إنه لا يزال في المرحلة الوصفية... فالانسان كل لا يتجزأ, وفي غاية التعقيد, ومن غير الميسور الحصول على عرض بسيط له, وليست هناك طريقة لفهمه في مجموعه, أو في أجزائه, في وقت واحد. كما لا توجد طريقة لفهم علاقاته بالعالم الخارجي.
" ولكي نحلل أنفسنا فإننا مضطرون إلى الاستعانة بفنون مختلفة, وإلى استخدام علوم عديدة.. ومن الطبيعي أن تصل كل هذه العلوم إلى رأى مختلفة, في غايتها المشتركة, فإنها تستخلص من الانسان ما تمكنها وسائلها الخاصة من بلوغه فقط.. وبعد أن تضاف المستخلصات بعضها إلى بعض, فإنها تبقى أقل غناء من الحقيقة الصلبة... إنها تخفي وراءها بقية عظيمة الأهمية بحيث لا يمكن إهمالها".
" وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهوداً جباراً لكي يعرف نفسه... ولكن بالرغم من أننا نملك كنزاً من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان , فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا... إننا لا نفهم الانسان ككل... إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة. وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا... فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة"...
وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جوانب, لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.
فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الانسان غير كاف, وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب.
إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب, لأنها لا تلائمنا. لقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية, إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية, وشهوات الناس, وأوهامهم, ونظرياتهم ورغباتهم. وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا, إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا...
" يجب أن يكون الانسان مقياساً لكل شيء, ولكن الواقع هو عكس ذلك !
فهو غريب في العالم الذي ابتدعه. إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه لأنه لا يملك معرفة عملية بطبيعته. ومن ثم فإن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منها الانسانية... إننا قوم تعساء... لننا ننحط أخلاقياً وعقلياً......".
ونكتفي هنا بهذا القدر من المقتطفات من كتاب ألكسيس كاريل, وإن كان الكتاب كله ذا دلالة عميقة, فيما نحن بصدده في هذا البحث, ذلك أن هدفنا هنا أن نبين مدى الخطأ والخطورة في أخذ مزق متفرقة نت الانسان على أنها هي الانسان. كما نبين اخذ الانسان ككل, وجعله_ في صورته المتكاملة_ مقياساً لكل شيء يتعلق بالانسان.


رد مع اقتباس
